ملاحظة مهمة : ارجو الانتباه الى انني لا اريد في هذه الدراسة مهاجمة او اتهام احد، فمثلا حينما اقول ان فلان هو مجرد نفر فانا اقرر حقيقة واقعة ولا اسيئ لذلك النفر، لاننا عقدنا العزم على تجنب المهاترات، بل اريد نقد مواقف واجلاء صورة وتوضيح التباسات، وهذا يتطلب تشريح القوى والانفار، فاذا ظن البعض انني اهاجم فارجو منه ان يدقق فيما كتبت لانه سيدرك انني لا اهاجم احدا بل امارس حقي في النقد واستجلاء المواقف. ان المرحلة الخطيرة التي يمر بها العراق تتطلب منا جميعا التمسك، في ان واحد، بضرورة نقد الاتجاهات الخاطئة، والتقيد بمنهج البحث غير العاطفي والبعيد عن التشهير

صلاح المختار

      

تسليم العراق للامم المتحدة : تحرير؟ ام تكريس للاحتلال؟

(رد على رسالة الاستاذ كمال شاتيلا)

شبكة البصرة

صلاح المختار

 

        اخي العزيز الاستاذ كمال شاتيلا المحترم

        تحية العروبة

        قرأت رسالتك ، التي بعثت لي اياها قبل ان تنشر، وما ورد فيها من مقترحات، بعين تتفهم دوافعك الوطنية والقومية وحرصك على عروبة العراق ووحدته ، من جهة ، وبأخرى تشرح كعين صقر يحلق في الاعالي وهو ينظر للارض، بحثا عما لا تراه عين بشر مستغرق في هموم اخرى ، من جهة ثانية . ان ردي هذا ، وهذه ملاحظة لمن يقرأ هذا الرد دون ان يعرف، او ينتبه الى انني وانت ننتمي لمعسكر واحد ونناضل من اجل اهداف مشتركة ، هو حوارمع رفيق واخ نحترمه وليس مع خصم ، هدفه الوصول الى اعمق وافضل فهم لوضع العراق . بعد ان قرأت بين سطور رسالتك ، رسائل غير مكتوبة ، استنتجت منها ان زادك الاساس، فيما يتعلق بالعراق ، هو معلومات مصادر بعضها  غير دقيقة ، وبعضها غير امين ، لذلك اسمح لي ان اكون صريحا معك، ودون تحفظ ،لاجل لان نوفر لامتنا فرصة التقاء النخب والاحزاب الوطنية والقومية حول مركز جذب مشترك ، هو الواقع العراقي بكل تداخلاته وتعقيداته ،التي قد تغيب عن عين من لم يبحث عن الاجوبة لدى مصادر متعددة، خصوصا مصادر صنع الحدث العراقي .

 

(1)

        ان ما ورد في الرسالة بعمومه صحيح ولا جدال حوله ، خصوصا دعوتك الكريمة لوحدة الصف العراقي وبناء جبهة عريضة تضم كل مناهضي الاحتلال ، سواء بالكلمة الحرة او بالبندقية ، لان تلك هي دعوة بعثية جادة وقديمة تجددت . ولكن ثمة موقف يستحق التوقف عنده ومناقشته ، وهو ما ورد في المقترحات ، لذلك اسمح لي بمناقشة هذا الجزء من المقترحات بشيئ من التفصيل .

لقد ورد في الفقرة (2) من المقترحات ما يلي :

(ثانياً: تتولى الأمم المتحدة والجامعة العربية شؤون العراق، فيتم إحياء دور الجيش العراقي (جيش الدولة) ليتولى الأمن الداخلي للعراق). ورغم انك لم توضح من سيسلم العراق للامم المتحدة ، الاحتلال  ام غيره ؟ رغم الاهمية الاستثنائية لهذا الامر ، فان الفقرة الثالثة تقدم ايضاحات حول تفاصيل المقترح فتقول فيها :

(ثالثاً: إزالة كافة الأشكال السياسية والإدارية والأمنية والعسكرية التي أقامتها سلطات الاحتلال والإشراف على انتخاب جمعية تأسيسية تجسّد وحدة الشعب العراقي بكل أطرافه فتتولى إعداد دستور عراقي ديمقراطي يطرح على الاستفتاء الشعبي، ثم الإشراف على انتخاب مجلس نيابي عراقي). وفي الفقرة الرابعة تكمل ايضاح  المقترح فتقول :

(رابعاً: تتولى الجمعية التأسيسية تحديد الإطار القانوني والإداري للحكم الذاتي الكردي في إطار الوحدة العراقية.

إن هذه الأهداف مستوحاة من مواقف المقاومين والمعارضين العراقيين وقوى قومية ووطنية وإسلامية فاعلة في العالم العربي ) !

        عزيزي الاستاذ كمال : ساترك كل ما ورد في الرسالة واناقش هذا المقترح وتفاصيله لانه جوهر الرسالة وجوهر القضية . وقبل هذا وذاك اود ان اشيرالى  انك لم تستشر اي فصيل من المقاومين ابدا ، كما ورد اعلاه ، بل استشرت من العراقيين من هم في موقع رفض الاحتلال دون اشتراكهم في المقاومة المسلحة ، وهذه حقيقة ارجو ان تكون واضحة لان ثمة فرق جوهري وحاسم بين التأييد وحمل السلاح ، لذلك ارى ان بعضا من هؤلاء قد زودك بمعلومات ذاتية غير صحيحة ونصحك على نحو يخدم نزعته الذاتية هذه ، ويترتب على ذلك زرع مشاكل سوء فهم للوضع العراقي . ان الاسئلة التي لا مفر من التعامل معها بجدية هي التالية : ما معنى ان نسلم العراق للامم المتحدة والجامعة العربية ؟ هل الامم المتحدة جهاز حيادي ام منحاز بحكم توازن القوى الحالي في العالم ؟ وهل نزعت الجامعة العربية  القماط كي نمنحها مسؤولية تقرير مصير العراق ؟ ماهي نتائجه في الساحة العراقية على كافة المستويات ، سواء المتعلقة بالقوى العراقية او المتعلقة بالاستعمار الامريكي والتوسعية الصفوية الايرانية ، عدوة العرب والمسلمين ؟ وهذه الاسئلة ستفرخ اخرى في سياق الحوارما دمنا نريد الوضوح كل الوضوح .

 

هل الامم المتحدة مستقلة ومحايدة ؟

        ان مقترح تسليم العراق للامم المتحدة  والجامعة العربية يواجه مشكلة عملية صرفة، يعرفها الكبير والصغير، وهي ان الامم المتحدة والجامعة العربية منظمتان كانتا السبب في ضياع الحقوق العربية ، خصوصا في فلسطين والعراق ، وربما الان في السودان ، فالامم المتحدة استخدمت، وتستخدم الان اكثرمما مضى ، كقفاز ترتديه امريكا كلما ارادت توجيه لكمات مدمرة للعرب ومصالحهم وحقوقهم ، وامامنا قرار تقسيم فلسطين ، الذي شرعن غزو الصهيونية لفلسطين واصبح الاساس القانوني الدولي لاعتراف عشرات الدول بالكيان الصهيوني ، وما نواجهه الان من تحديات وصهينة ارض فلسطين يستند في جوهرة على ذلك القرار . كذلك فان قرارات مجلس الامن الخاصة بالعراق كانت الغطاء الشرعي لتدميره بفرض الحصار الذي قتل مليوني عراقي، واضعف بشكل خطير قدرات العراق العسكرية والاقتصادية والاجتماعية، فمهد ذلك لغزوه عام 2003 بتواطأ صريح من الامم المتحدة التي لم تقف ضد الغزو، كما وقفت ضد العراق وحرضت العالم وشنت الحرب عليه باسمها حينما دخل الكويت ! ثم جاء الدور الحقيقي للامم المتحدة بعد الغزو وهو اضفاء شرعية زائفة على نتائج الغزو ، بدعوتها الدول كافة للتعامل مع الحكومة التي شكلها الاحتلال !

      بل وصل تورط الامم المتحدة، في خدمة المخططات الاستعمارية الامريكية في العراق، حد منحها حماية قانونية للجنود والضباط الامريكيين في العراق من اي حساب قانوني، على اي جريمة يرتكبونها ضد العراقيين ! فقد قالت صحيفة الأوبزرفر البريطانية (يوم 23- 5-2004) إن الجنود الأمريكيين والبريطانيين في العراق سيحصلون - بمقتضى اتفاق مع الأمم المتحدة - على حصانة ضد إقامة دعاوى قضائية ضدهم من جانب عراقيين بتهمة ارتكاب "جرائم حرب "،

وإنهم سيحاكمون أمام محاكم بلادهم فقط بشأن الانتهاكات التي ارتكبوها ضد المعتقلين العراقيين بسجن أبو غريب وغيره من السجون العراقية.

ونقلت الصحيفة عن مسئول عسكري بريطاني قوله: إن هذا الأمر كان شرطا في التفاوض بين سلطات "التحالف" في العراق والأمم المتحدة حول قرار دولي جديد سيصدر بعد تسليم السلطة للعراقيين في نهاية يونيو 2004  ! ماذا يعني ذلك ؟ انه يعني ان الامم المتحدة خرقت القوانين الدولية التي تعاقب على ارتكاب جرائم ضد العراقيين تحت الاحتلال ، باصدار قوانين مناقضة لما نصت عليه كل الشرائع بما فيها ميثاق الامم المتحدة بالذات !

 

        هذا الدور الاجرامي للامم المتحدة يضعها ،عمليا، في صف من احتل العراق وساهم في تدمير الدولة العراقية، وقتل مليوني انسان ومارس صمت المتواطئ بازاء ارتكاب فظائع ابو غريب وعشرات السجون غيرها ، حيث عذب واغتصب الاف العراقيين نساء ورجالا ، فماذا فعلت الامم المتحدة ؟ لا شيئ سوى دعم نتائج الاحتلال والبناء عليها ، والخرس التام تجاه جرائم الاحتلال ، مع ان الامم المتحدة ، خصوصا لجنة حقوق الانسان فيها كانت سباقة في الحديث عن ما كان يسمى ( المقابر الجماعية واسلحة الدمار الشامل وخرق حقوق الانسان) والتحريض ضد العراق بنشاط قبل الغزو ، وهي تهم ثبت الان انها كانت محض تلفيقات ، او تشويهات ، اعدت عمدا، وضمن تخطيط مسبق ، لشيطنة العراق وقيادته ورموزه النضالية من اجل تحييد الراي العام ومنعه من الاحتجاج على غزو العراق .

        اما الجامعة العربية ، فهي اقرب الى التسمية المناسبة لها وهي الجامعة العبرية ، منها الى العربية ، واسمح لي ان اسميها كذلك لاننا ضحايا دورها الاجرامي ضد العراق وشعبه ، ولكونها خدمت وتخدم اهداف اسرائيل بشكل صريح ورسمي ، واذا اردت ان اناقشك في ذلك فانا على استعداد لتعداد جرائم الجامعة العبرية ضد العراق وفلسطين والان ضد السودان ووحدته الاقليمية . فلئن كانت الامم المتحدة تستعمل قفازا لتوجية اللكمات للعرب فان الجامعة العبرية تستعمل كعقال عربي تعتمره ضباع  امريكا حينما تغزو العراق وتدخل بيوتنا لنهبها ولاغتصاب نساءنا وتدمير مأوانا ، وتدنيس مساجدنا والعبث بقدسيتها . ان شن العدوان الثلاثيني على العراق في عام 1991 ماكان  له ان يحدث لولا دعوة قمة القاهرة للجيوش الاجنبية للتدخل رغم طرح حل عربي كان معدا كي ينجح ! كما ان العبرية هذه كانت ثاني المعترفين بالوضع الذي فرضه الاحتلال في العراق ، بعد ايران ،المسماة ب (الاسلامية )، التي اعترفت بالغزو وايدته وامرت تشكيلاتها المسلحة ( فيلق بدر وحزب الدعوة وغيرهما )  بالدخول الى العراق ومساعدة الغزاة وتدمير الدولة العراقية ، وطابورها الخامس المتمثل بالحوزة الصفوية التي يتزعمها الايراني علي السيستاني ، لاصدار فتاوى تدعو لعدم مقاومة الغزو والاشتراك في مجلس الحكم الذي اسسه الاحتلال، والمساهمة في الترتيبات السياسية مثل الحكومة العميلة والجيش العميل ...الخ . 

        ولا تتوقف( قومية !!!) الجامعة العبرية هذه عند هذا الحد، بل هي تجاهلت خرق حكومات عربية لميثاقها ولاتفاقية الدفاع العربي المشترك، باشتراكها في شن الحرب على العراق وغزوه وتدميره اثناء العدوان الثلاثيني في عام 1991 ، وعبر السماح بدخول القوات الغازية من اراضيها وانطلاق طيور الموت الامريكية والبريطانية من مطاراتها لتلقي اطنان الحلوى القاتلة لالاف العراقيين وهم امنين في بيوتهم اثناء الغزو في عام 2003! لم نسمع عمرو موسى وقبله عصمت عبدالمجيد ، يحتج ويدين او يرفض ، كما فعل الامين العام عند دخول العراق للكويت ، بل رايناه يركض وسيجاره يتراقص بين شفتيه ، وهو يعد العدة للتطبيع مع الحكومة التي شكلها الاحتلال في العراق ، ويروج بحماس ملحوظ لطروحات الاحتلال، واولها الاعتراف بالحكومة العميلة غير الشرعية !

        ان السؤال الجوهري الذي يثيره مقترحك المدهش ، يا استاذ كمال، هو التالي : هل تبدلت الامم المتحدة وصارت متحررة من الهيمنة الامريكية الحاسمة عليها ؟ وهل قام (الجنرال) عمرو موسى بانقلاب حول فيه الجامعة من عصبة عبرية الى جامعة عربية ؟ ان الجواب القاطع والواضح جدا هو ان الامم المتحدة تحولت من قفاز الى قاذفة لهب تستخدمها امريكا ، كلما شاءت حرق ارواح واعراض واوطان البشر . اما الجامعة العبرية فقد فقدت شرف كونها عقالا تعتمره  امريكا، وصارت سمسارا رسميا تعلو وجهه  دماء العراقيين والفلسطينيين من كثرة ما سمسر وفجر ، والان ربما ستضاف دماء السودانيين الطاهرة.

        اذن ما الذي يجعلك يا استاذ كمال تثق بامم متحدة ، تبدو فرحة بكونها قاذفة لهب امريكية ؟ وما الذي جعلك تثق بان عمرو موسى يستطيع الاستغناء عن سيجاره ، الغالي الثمن ، من اجل العراق او فلسطين او لبنان او السودان ؟ ان ما يقلقنا في مقترحك ليس امكانية تطبيقه ، فتلك مسألة محسومة سلفا لان المقاومة قادرة على قبر ذلك بسهولة اكبر بكثير من قبرها لعظمة امريكا ، بل لانه يقوم على ادراكك الكامل لحقيقة الامم المتحدة والجامعة العبرية ، بصفتهما اداتان طيعتان بيد امريكا ، الامر الذي يجعلنا نتسائل بصدق : ما المقصود بتسليم العراق للامم المتحدة والجامعة العبرية ؟ الا يعني ذلك ان (الممثل السامي الامريكي ) سيجلس في غرفة مجاورة لغرفتي كوفي عنان وعمرو موسى ليملي عليهما ما يجب وما لا يجب في العراق ؟ وتزداد خطورة مقترحك حينما نلاحظ ان فرنسا والصين وروسيا ، وهي الدول المتبقية من الاعضاء الدائميين في مجلس الامن ، تؤيد ، او لا تعارض، بهذه الدرجة او تلك ، سياسات امريكا في العراق وتدعمها وتشارك في انجاحها ، باشكال مختلفة ، منها  تقديم اموال للحكومة العميلة او تدريب ادوات قتل الشعب العراقي التي تستخدم لتكريس الاحتلال، وهي الجيش العميل والشرطة العميلة واجهزة الامن العميلة، او تدريب دبلوماسيين عراقيين ليمثلوا الحكومة العميلة وغير الشرعية . وكانت هذه الدول قد تحفظت ، انتبهوا تحفظت ولم تعارض بجدية الغزو ، بدليل عدم استخدامها حق الفيتو ، ليس تعففا بل لان امريكا لم تقبل ان تقدم لها حتى فتات الغزو !

        اذن من سيعترض ويضغط على الامم المتحدة كي تتخذ موقفا مستقلا عن امريكا عندما تسلم العراق ؟ لا احد بالتاكيد . اما الجامعة العبرية ، التي راينا ياقة عصمت عبدالمجيد والدم العراقي يسيل عليها ، والان نرى الدم العراقي يبلل سيجار عمرو موسى ويجعل اشتعاله صعبا، بعد ان شاركا بفعالية في (حفلات ) تدمير العراق . هذه الجامعة تبدو اكثر سوءا من الامم المتحدة ، فلئن كانت  في الامم المتحدة دول تعترض ، حتى دون استخدام الفيتو ، فان احدا لا يملك صوتا في الجامعة العربية ليصفر معترضا . ان حالة السيد عمرو موسى مؤسفة اذ لم يترك له الحكام العرب ، وباوامر امريكية ، ما يستطيع فعله ، فكوفي عنان توجهه امريكا مباشرة ،اما مدمن السيجار فانه يتلقى الاوامر من حكومات يأمرها ضابط امريكي صغير يتولى مسؤولية محطة المخابرات الامريكية في بلدان  تلك الحكومات ! فكيف، كيف يا اخي كمال، تصر على تسليم العراق ، وطننا ودارنا ومقر شرفنا وما تبقى لنا في هذه الدنيا الغادرة ، الى اشباه مخلوقات بشرية دربت على البيع والشراء في اسواق النخاسة ، ونجاسة (البزنس) حينما يصبح الصلاحية الاهم لاختيار سعادة الامين العام؟

        ان تسليم العراق للامم المتحدة يعني وبدقة وصواب تامين ، اننا ندعم هدف ابقاء الاحتلال وتكريسه وبغض النظرعن النوايا ، لان امريكا ستبقى ماسكة بالامم المتحدة من ذيلها ومن رقبتها ومن بين ساقيها ! الم تلاحظ كيف تسوق امريكا كوفي عنان كالنعجة وهي تخرج له من قبعة الحاوي ارنبا بعد اخر ، مثل ما يسمى ( فضيحة برنامج النفط ) ، كي تجعله يلهث وهو يخدم امريكا ويريد تبرئة نفسه ! بكل اليقين الممكن نقول  ان الاستعمار الامريكي سيستخدم الامم المتحدة كغطاء لممارسة احتلاله باقل التكاليف والتضحيات ، وهذا بالضبط هو ما تسعى اليه امريكا بعد ان وقعت في مستنقع العراق القاتل . اما الجامعة العبرية فليطمئن عمرو موسى لانها مستبعدة من هذا الامر ، الم اقل ان من يأمر أمري موسى هو ضابط امريكي صغير ؟ كان يمكن ان ننظر الى المقترح بنوع من الفضول، بالطبع مع عدم القبول ، لو ان الامم المتحدة تحررت من هيمنة امريكا ، وهذا ينطبق على الجامعة العبرية ، ولكن من ينظر لدور هاتين المنظمتين يعرف فورا انهما اصبحتا اكثر خضوعا لامريكا من قبل !

 

(2)

الاعتراف بنتائج الاحتلال

      واذا بحثنا في النتائج التي تترتب على المقترح وجدنا ان اول ما يفرض نفسه هو ان تسليم العراق للامم المتحدة يعني، ويقود الى، الاعتراف بما يسميه بعض اشد انصار الاحتلال حماسا ب ( وجود امر واقع لابد من التعامل معه ) ! لان التعامل على هذا النحو مع المشكلة العراقية يراد به دفن الشرعية العراقية ، وذلك اول واهم الاهداف المباشرة للغزو ، فبدون الدفن هذا لن تستطيع امريكا التقدم خطوة واحدة الى الامام في مشروع استعمارها للعراق . ان الشرعية العراقية تعني تحديدا ان الدولة العراقية التي دمرت بناها التحتية واجهزتها الرئيسية بفعل عدوان مسلح ادى الى الغزو لها الحق، كل الحق ، ان تبقى تقاتل وتدافع عن شرعية تمثيلها للشعب العراقي، وتعد كل اجراء بديل يطرح سواء من الاحتلال او اي طرف اخر ، محض تكريس للاحتلال وتعامل غير شرعي مع نتائجه المفروضة بقوة السلاح ، ومن ثم فان المقاومة المسلحة التي هي امتداد طبيعي للدولة وشرعيتها ، هي مركز الشرعية العراقية الان ، وهي الناقض الفعال للترتيبات المفروضة بقوة السلاح . هذا ما يقوله القانون الدولي وما تفرض واقعيته المقاومة المسلحة . والسؤال هنا هو : الا  يعني تسليم العراق للامم المتحدة نزعه من صاحبه الشرعي الذي اعترفت به الامم المتحدة واعضاءها ، بما في ذلك امريكا وبريطانيا ، والجامعة العبرية التي تعاملت مع الدولة العراقية خلال عقود طويلة كعضو مؤسس ، وتسليمه للولايات المتحدة الامريكية ، من الناحية العملية ؟

        لو لم تقم مقاومة مسلحة شرعية للاحتلال، وتكرس وتمترس، وصارت ازاحته مستبعدة ، لامكن التعامل مع امر واقع يستحيل تغييره ، ولصار مقترح تسليمه للامم المتحدة فرضية ممكنة ، لعدم وجود من يطالب بحق الدولة الشرعية ، فهل واقع حال العراق هكذا ؟ ام ان الشرعية العراقية قاومت منذ بدء الغزو واستمرت في المقاومة المسلحة حتى اصبح وضع العراق هو حالة ثورة مسلحة للتحرير وتثبيت الشرعية العراقية ، وهذا الامر تعترف به يا اخي كمال وتفتخر به لان المقاومة العراقية المسلحة صارت رمزا لاقتدار وفاعلية الامة العربية ، وبداية لتحررها ودحر اعدائها . اذن الا تجد تناقضا بين اعترافك بان المقاومة العراقية تنتصر وتمثل الشعب العراقي ، ثم تقترح ازاحة هذه الدولة والموافقة على دفنها بتسليم العراق للامم المتحدة ، وانشاء دولة عراقية جديدة فشل اياد علاوي والحكيم والجعفري في انشاءها ، والان يراد تكليف وجوه جديدة لم تحرق باكمال الواجب الاستعماري ؟! هل تنسى ان الدولة العراقية بكل عظمتها الوطنية تقاتل وتصنع السلاح وتوفر العتاد وتدرب المقاتلين وتتفنن في تغيير تكتيكاتها القتالية ، وتلحق الهزائم المنكرة بالاحتلال ؟ على ماذا يدل ذلك ؟ هل يدل على وفاة الدولة العراقية كي نعمل على دفنها كما ورد في مقترحك تسليم العراق للامم المتحدة ؟ ام انها اكثر حيوية وابداعا عسكريا وسياسيا وفنيا مما سبق ؟ يقينا ان الدولة العراقية ، ممثلة بجيشها المقاتل، واجهزتها الفنية المبدعة ورموزها الشرعية ، هي التي تقف خلف المقاومة ، كداينمو فعال جدا يشد ويدير كل دواليب المقاومة المسلحة الاخرى .

     ولكي اقرب صورة شرعية الدولة العراقية اطرح عليك السؤال التالي، وارجو ان تجيب عليه بعد تفكير متأن : لنفترض ان العدوان الثلاثي على مصرعام 1956 او عدوان عام 1967  انتهى بغزو مصر واسر الرئيس القائد جمال عبدالناصر، رحمه الله واسكنه فسيح جناته  ، وقامت مقاومة وطنية مصرية مسلحة ضد الغزو، هل كنت ستطالب بتسليم مصر للامم المتحدة وتطمر دولة عبدالناصر والمقاومة المسلحة ، وتحيل قضية اسره الى موضوع ملحق وثانوي ، ثم تطلب تسليم الحكم للاخوان المسلمين والشيوعيين في مصر، وهؤلاء كانوا يمثلون الاغلبية المنظمة ؟ ام انك ستطالب وباصرار لا يتزحزح بعودة الدولة المصرية ورئيسها الذي اسقطه واسره الاستعمار في عدوان مسلح وستصر، بتمسك لا يتزحزح ايضا ، على رفض تسليم السلطة للاخوان او للشيوعيين وستصرخ : عبدالناصر هو الرئيس الشرعي وكل وطني مصري ، ولاثبات وطنيته ، مطالب بالوقوف خلف قيادته حتى وهو اسير ؟ نعم انا كنت ساؤيد عودة عبدالناصر ، وحينما استقال كنت احد قادة التظاهرة الضخمة جدا التي نظمها البعث في العراق ، وطالبت بعودته للرئاسة بصفته القائد الشرعي لمصر وللامة العربية جمعاء في نضالها ضد العدوان الصهيوني، فذلك هو الموقف الوطني والاخلاقي الوحيد ، رغم اننا كنا على خلاف شديد مع القائد الرمز .

     لن تستطيع ابدا ان تقول ان الموضوع الافتراضي مختلف، فهو متطابق تقريبا مع الوضع العراقي، باستثناء ان القوى السياسية المصرية المذكورة كانت لها سيقان جماهيرية قوية بعكس التنظيمات العراقية، التي ذكرتها ،الكسيحة جماهيريا. ليس بمكنة اي منطق موضوعي الا ان يخرج بجواب واحد، وهو ان الشرعية يجب ان تحترم وان يدافع كل وطني عنها بغض النظر عن رايه بالنظام سواء كان ناصريا او بعثيا او غير ذلك . اما اذا حددنا موقفنا من قضية وطنية عظمى كالاحتلال ، في ضوء منطق تحزبي ضيق، يقبل بنتائج الاحتلال ويبني عليها لمجرد التنكيل بطرف وطني لا نؤيده او نختلف معه ، فاننا نحفر بالسكين في قلب المدافع عن الوطن ، وندفعه دفعا للانفراد بالسلطة عندما يحرر الوطن ، ثم يبدأ باصدار احكام قاسية، معنوية وسياسية، على من خذله في ذروة مأساة الوطن ، ليس اقلها تهمة التفريط بالمصلحة الوطنية اثناء حرب التحرير. وفي ضوء هذه الفرضية يجب ان ننظر الى مقترح تسليم العراق للامم المتحدة وليس قبول الشرعية الوحيدة في العراق، وهي المقاومة المسلحة وليس غيرها ابدا .

      واذكرك بأسر احمد بن بلة ورفاقه قادة الثورة الجزائرية وما حدث عربيا وعالميا ، اذ ان العالم ادان الاختطاف لممثلي الشعب الجزائري الشرعيين ، رغم انهم لو يكونوا قادة للدولة ولم ينتخبهم احد من الناحية الشكلية ، الا ان حملهم للسلاح ودعم الشعب لهم اكسبهم الشرعية الثورية ، والتي صارت فيما بعد الشرعية الدستورية . في حالة العراق لدينا دولة حرة ومستقلة ومعترف بها وبحكومتها عالميا وعربيا ، ودخلت في صراع تحرري مع الاستعمار والصهيونية ، وبسبب اختلال موازين القوى وقع الغزو ، اذن مشروعية الدولة وحكومتها تبقى قائمة وسارية المفعول ، خصوصا وانها دعمت بمقاومة مسلحة، كان مهندسها ومعدها ومفجرها وقائدها هو الحزب الذي قاد النظام الوطني الذي صارع وما زال يصارع الاحتلال . من هنا لا نستطيع ان نفهم او نتفهم المطالبة بتسليم العراق للامم المتحدة الا على انها موقف يحتاج لوقفة متأنية لسبر اغراضها وتحديد مدى منطقيتها وانسجامها مع كل معايير الحق والعدالة والقانون والشرعية والمنطلقات الوطنية والقومية والاخلاقية .

 

من سيسلم العراق للامم المتحدة ؟

        وثمة مسألة عملية اخرى وهي : من سيسلم العراق للامم المتحدة ؟ هل هي امريكا ؟ من المؤكد ان الجواب هو نعم ،لان المحتل هو امريكا وليس موزامبيق . ولذلك يتولد سؤال حتمي وهو: لماذا تقبل امريكا بتسليم العراق للامم المتحدة ؟ من المؤكد ، مرة اخرى ، ان امريكا لم تغزو العراق كي تسقط النظام الوطني وتخرج فقط ، في عمل خيري ديمقراطي( !!!)، وهذا أمر جوهري وحاسم ، فهي جاءت لتنهب وتغير جذريا العراق والمنطقة لصالحها ولصالح اسرائيل . ومن الترتيب الاصلي الذي كانت تريد فرضه انطلاقا من العراق ، كان يجب ان تبتز العالم نفطيا وتركعه ، لذلك فان فرضية تسليمها العراق للامم المتحدة تخضع لواقعة محددة، وهي انها انهكت وفشلت في فرض سيطرتها الاستعمارية على العراق، فقررت ان تلجأ ، قبل ان تلحق بها هزيمة كارثية تهدم كل مشروعها الامبراطوري الكوني ، الى حل شكلي يبقي احتلالها، من الناحية العملية ، بتسليم الحكومة ، وليس الحكم ، بواسطة الامم المتحدة وبغطائها واسمها ، الى عناصر لم تحرق ، ومن الضروري جدا ان  تكون وطنية ، او قسم منها على الاقل ، وتعيد نشر قواتها وتمركزها في قواعد خارج المدن لتجنب الاحتكاك بالعراقيين وتدعي ان وجود قواتها ضروري لحفظ الامن وبشكل مؤقت ، وهذا هو الوضع الحالي بالضبط .

        اذن امريكا وهي تتجه الى تسليم العراق شكليا للامم المتحدة تريد تحقيق ما فشلت عسكريا في تحقيقه ، وليس التصرف بكرم طائي وباخلاق الفرسان ، التي تبعد عنها بعد الارض عن مركز مجرة درب التبانة ، وهذا يعني انها ستمسك من يعين بدل الجعفري من بين ساقيه لتضبط ايقاعات حركاته وتحدد مسار ساقيه ، ومن ثم سيحول الوطني الحقيقي الى اياد علاوي اخر وجعفري اخر ! ومن الغريب يا اخ كمال انك لم تاخذ بنظرالاعتبارالسؤال التالي : من سيجبر امريكا على تسليم العراق للامم المتحدة ؟ هل هو المقاومة المسلحة ؟ فاذا كان الجواب ان المقاومة المسلحة هي التي ستجبر الاحتلال على اللجوء الى الامم المتحدة ، فان ما يترتب على ذلك منطقيا ووطنيا هو الدعوة لتسليم السلطة للمقاومة وليس للامم المتحدة ، اما اذا كان جوابك هو المقاومة السلمية والمقاومة المسلحة سوية فاننا سندخل نفقا يراد له ان يكون مظلما ، لاجل ان لا نرى الحقائق القائمة على ارض العراق ، وفي مقدمتها ان الفئات والاشخاص الذين عددت اسمائها واسمائهم كابطال ل(لمقاومة السلمية)، لا يشكلون لا قوة شعبية كبيرة، ولا قوة عسكرية مقاتلة . كما سنوضح فيما بعد .

        يبقى سؤال اساسي : اذا تذكرنا سؤالنا السابق لم تسلم امريكا العراق للامم المتحدة يفرض السؤال التالي نفسه : هل ستسمح امريكا لحكومة تشكلها الامم المتحدة بان تكون مستقلة حقا ؟

 

(3)

تسليم العراق للامم المتحدة مشروع من؟

        نأتي الان الى احد اهم جواهر الموضوع وهو الجواب على سؤال حساس جدا في نقاشنا . لقد كتبت وكتب غيري من انصار المقاومة المسلحة منذ ما بعد معركة الفلوجة الاولى في نيسان ابريل عام 2004 مؤكدا ان امريكا قد هزمت في الاطار الستراتيجي العام ، وانها شرعت باللعب بالوقت الضائع من اجل الاعداد لانسحاب مشرف من العراق يحفظ ماء الوجه ، وربطنا ذلك باتجاهها نحو بلورة بديل وطني يسلم الحكم وباشراف الامم المتحدة والجامعة العربية ، ويقوم باجراء انتخابات حرة لانشاء برلمان منتخب ، على امل ان تتمكن من العثور على ثغرات تشق من خلالها الصف المقاوم بالسلاح وتؤسس فرقة شعبية تقبل ك(حل وسط) بقاء قوات امريكية لزمن محدود، تحت غطاء مشبوه هو (جدولة الانسحاب)  ،  وهكذا تلغي قرار الانسحاب وتعود الى العمل وفقا لمشروعها الاستعماري الاصلي .

        هل يتحقق ذلك الان ؟ الجواب هو نعم ان امريكا وبالتعاون مع الاتحاد الاوربي وروسيا تريد ، اجتذاب الامم المتحدة وقوات دولية لاستلام العراق ظاهريا ،لاجل تحقيق عدة اهداف متزامنة او متتابعة ، ابرزها ،اولا ، تمويه الاحتلال ورفع واجهة مستقلة شكليا ، وهي واجهة الامم المتحدة والجامعة العربية وروسيا والصين واتحاد اوربا وربما الهند ، وثانيها تخفيف الاعباء المالية والبشرية للغزو والتي تتحملها امريكا وبريطانيا، وصارت عبئا لايمكن الاستمرار في تحمله ، عن طريق التدويل الظاهري للغزو، وتحمل دول اخرى التكاليف الباهضة له البشرية والمادية، فتستطيع امريكا التعامل، بقدر اكبر من الاستقرار وبقدر اقل من الضغوط النفسية والعسكرية والشعبية ، مع حالة العراق المعقدة وبهدف تصويب خطط الاحتلال وزيادة فاعليتها ،وثالثها توفير غطاء اممي وعربي واسلامي لدخول شخصيات وطنية اللعبة السياسية باقل قدر من النقد والرفض ، وباكبر قدر ممكن من الدعم الجماهيري ، الذي يستقطب تحت شعار (انقاذ العراق من كارثة الدم والاحتلال) . اما رابع هدف امريكي، واهمها ،  فهو التخلص من القوة الفائقة للمقاومة المسلحة وتشطيرها وا تقزيمها عبر شقها او توريط فصائل منها بالتعاون السياسي مع الاحتلال .

        هذا الخيار يطلق عليه الان اسم (الخيار البريطاني ) . ما المقصود بالخيار البريطاني ؟ ننقل حرفيا ما قالته صحيفة الاوبزرفر البريطانية يوم 21 3 2004 : يخطط مسئولون أمريكيون وبريطانيون لاستصدار قرار جديد من الأمم المتحدة في غضون الشهرين القادمين، يهدف لإضفاء غطاء شرعي على الوجود العسكري الأجنبي بالعراق من جهة، ومنح المنظمة الدولية دورًا أكبر من جهة أخرى، من أجل ضمان التأييد الدولي لخطط الدولتين في العراق، بعد تسليم السلطة للعراقيين يوم 30 يونيو 2004. ونقلت صحيفة "أوبزرفر" البريطانية الأحد 21-3-2004 على موقعها الإلكتروني عن مسئولين بريطانيين كبار أنه "سيكون هناك سعي متواصل لاستصدار قرار جديد من الأمم المتحدة يمنح تفويضا باستمرار الوجود العسكري الأجنبي (بقيادة الولايات المتحدة في العراق) بعد موعد تسليم السلطة" لحكومة انتقالية عراقية .

 

    وقالت مصادر بريطانية مطلعة: إن لندن تريد أن يحظى القرار الجديد بدعم من مجلس الأمن، وأن يخول كذلك الأمم المتحدة دورًا كبيرًا في الإشراف على أول انتخابات ديمقراطية يفترض أن تشهدها العراق في غضون عام، وكذلك الإشراف على الإطار القانوني والقضائي لحماية الحريات الفردية به.

وأشارت المصادر ذاتها إلى أن بريطانيا ستقترح أيضا دورا أمنيا لحلف شمال الأطلسي في العراق مثلما حدث بنجاح في أفغانستان . وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع تبني حزب العمال البريطاني الحاكم وثيقة جديدة للسياسة الخارجية، تقول بأن كل الصراعات الدولية يجب أن تسوى "في إطار الأمم المتحدة".

وتقول الوثيقة -التي من المتوقع طرحها كورقة سياسية للحزب قبل الانتخابات المقبلة-: إن العمل العسكري يجب أن يكون "الحل الأخير وبالتوافق مع القوانين الدولية"، بحسب صحيفة "أوبزرفر".

وفي هذا السياق اعتبرت الصحيفة البريطانية أن السعي الحثيث من جانب المسئولين البريطانيين لحشد الدعم الدولي لهذا القرار الجديد يعكس "مدى الرغبة البريطانية الشديدة في إيجاد غطاء أممي للوجود العسكري الأجنبي بالعراق".

يذكر أن تعديلا يطالب بالنص على أن يتم تنفيذ جميع العمليات العسكرية عن طريق الأمم المتحدة تم رفضه مؤخرا في منتدى السياسة القومية للحزب الذي عقد في "وورويك". ومع تراجع الدعم الدولي لاستمرار احتلال العراق رأت مصادر حكومية بريطانية أن "الأمم المتحدة هي الطريق الأوحد لضمان دعم أوربي شامل للوجود العسكري الأجنبي بالعراق".

وقال مسئول بريطاني كبير مقرب من تلك العملية: "عندما نحتاج لقرار جديد وواضح خاصة مع اقتراب شهر يونيو سنكون بحاجة لمناقشة إمكانية نجاح الحكومة الانتقالية".

وأضاف المسئول البريطاني: "سوف يجب علينا إيجاد غطاء للقوات متعددة الجنسيات التي ستظل بالعراق، وينبغي أن يكون ذلك دعما لرغبات الشعب العراقي. كما ينبغي أن ننظر في طبيعة دور الأمم المتحدة في أعقاب تسليم السلطة".

وأضاف أنه يمكن للأمم المتحدة أن تصدق على القرارات التي تصدرها الحكومة الانتقالية بالعراق، وتساعدها في الإعداد للانتخابات وضمان الديمقراطية.

وتابع المسئول البريطاني: "أشعر أن ديناميكية مجلس الأمن حاليا تشير إلى أننا متفقون جميعا على الحاجة لدور كبير للأمم المتحدة بالعراق، كما نتفق أيضا على ضرورة نقل السلطة للعراقيين بحلول نهاية يونيو 2004، وهو الوقت الذي يمكننا القول فيه بأن هناك حكومة انتقالية".

هل يمكن فصل هذا التحول في الموقف الامريكي البريطاني عن عمليات المقاومة المسلحة ؟ بالطبع لا ، اذ ان الهجمات المتعاقبة في العراق ، التي تستهدف الاحتلال وكل من يقترب من دائرته ، هي سيدة الموقف ، وأجبرت بوش سريعا ، بعد أشهر قليلة من احتلال بغداد ، على تقليص ثم تغيير أهدافه، بحسب تقرير نشرته صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية يوم الجمعة 19-3-2004.

ويجب ان نذكر بان أن كبار المسئولين الأمريكيين كانوا يبدون "امتعاضا وتعاليا" في الأيام الأولى للاحتلال من المطالبات الدولية العديدة بإيجاد دور رئيسي للأمم المتحدة في العراق، إلا أنهم سرعان ما تبنوا ، تحت وطأة الهجمات، الموقف الأوربي الداعي إلى نقل السلطة سريعا للعراقيين، فوقَّعوا يوم 15-11-2003 اتفاق نقل السلطة مع العراقيين .

      وبالنظر لجدية الدعوة لتسليم العراق للامم المتحدة ، عقب اجراء انتخابات شكلية مزورة ، قال كوفي عنان :ان الامم المتحدة لا تستطيع احلال قوات حفظ سلام محل القوات الامريكية وغيرها، واضاف انه اذا اتخذ مجلس الامن قرارا بذلك فلا يمكن سوى السير بهذا الاتجاه ،واضاف ان الكثير من الدول مستعدة للمشاركة في تلك القوات بشرط ان تكون تحت قيادة الامم المتحدة (شبكة المعلومات العربية ، المحيط  ). اذن خيار تسليم العراق للامم المتحدة هو خيار امريكي، بلورته بريطانيا بدعم اوربي روسي صيني هندي، تم تبنيه بعد السقوط الحاسم لخيارات المحافظون الجدد ، ولذلك يجب ان نسأل بجدية : كيف يجوز لوطني عربي او عراقي الدعوة لتبني نفس الخيار الاحتلالي ؟

 

(4)

ما هو الموقف الوطني من المقاومة ؟

        لقد اثارت مواقف الكثير من الوطنيين في الضمير اسئلة حائرة، ومحيرة، منذ وقع غزو العراق ، فهؤلاء يويدون المقاومة ويعدونها اقوى مظاهر اليقظة العربية الوطنية والقومية بعد ان حل ظلام الصهيونية الامريكية ، ولكننا نواجه مشكلة لم تواجهها حركات التحرر العالمية ، بل والعربية ايضا من قبل ، وهي مشكلة اعتراف هؤلاء الوطنيين بان المقاومة المسلحة هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب العراقي ! هل برزت هذه المشكلة في البلدان التي خاضت حرب تحرير من الاستعمار ؟  

        اننا نعيد التذكير بان كل الوطنيين العرب قد اعترفوا بالمقاومة الجزائرية كممثل شرعي ووحيد للشعب الجزائري ، وتأكد ذلك حينما خطفت فرنسا الاستعمارية قادتها احمد بن بلة ورفاقه ، فثار العالم وطالب باطلاق سراحهم والاعتراف بهم كقادة شرعيين للشعب ، رغم ان انتخابات لم تجري ، لان اصل شرعية اي مقاومة مسلحة هو دعم الشعب لها، كما حصل  للمقاومة الجزائرية . وهذا ينطبق على منظمة التحرير الفلسطينية ، التي اعترفت بها الحركات الشعبية والحكومات العربية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني ، وفي الحالتين كانت هناك خلافات بعضها عميق جدا مع فتح قائدة المنظمة ، ومع ذلك قبل الكل بذلك حرصا على القضية الفلسطينية وتغليبا للعام على الخاص . وعلى مستوى العالم لم نشهد ان احدا من الوطنيين قد رفض الاعتراف بشرعية ووحدانية تمثيل المقاومة المسلحة للشعب ، من فيتنام الى كوبا وقبلهما الصين ، وبعدهما انغولا وموزمبيق ! والسبب في ذلك واضح ، وهو ليس فقط ضرورات المصلحة الوطنية ، ولضمان دحر الاحتلال، بل ايضا اعترافا بان من يسفح الدم من اجل تحرير الوطن هو الممثل الشرعي والوحيد . واذا لم يكن هذا المعيار صائبا فما هو المعيار الانسب ؟ هل هو النظر الى من يلوكون الكلمات في مقاه الانكلوسكسون المترفة  كممثلين للشعب العراقي الى جانب من يسفح الدم ؟ ام انهم انفار لاسيقان لهم داخل العراق ولا بندقية تسندهم ولكنهم يؤيدون المقاومة ؟ ان التاريخ يعلمنا ان من يؤيد المقاومة المسلحة التحررية( من ابناء الوطن المحتل ) يجب ان يكون امتدادا لها يلتزم بستراتيجيتها وخطها السياسي العام ، وليس من يريد ، في تهويمة نرجيلة (او ارجيلة) في مجالس البطر ، ان يصبح خطا موازيا للمقاومة ، يطلق على نفسه اسم مضلل وهو(المقاومة السلمية) ! والسؤال المهم هنا هو التالي : هل يمارس هؤلاء جوهر المقاومة السلمية كما عرفها العالم ؟

       ان المقاومة السلمية لها مقومات واصول يجب معرفتها من قبل اولئك الذين  يلصقون انفسهم بها ، واول قاعدة في المقاومة السلمية ان تكون تابعة للمقاومة المسلحة وليس ندا او موازية لها ، وثاني قاعدة هو ان تكون المقاومة السلمية مستندة الى جماهير غفيرة تستطيع زجها في عملية النضال ضد الاحتلال لاجباره على الرضوخ لشروط المقاومة المسلحة ، وثالث قاعدة هو ان تتبنى ستراتيجية التحرير الخاصة بالمقاومة المسلحة .

        والسؤال الذي لا يمكن اغفاله هو : هل تنطبق هذه القواعد البديهية على القوى التي اشرت اليها مرارا يا اخ كمال ؟ الجواب هو كلا مع الاسف الشديد ، فهذه التسميات ، اذا استثنينا تيار الصدر الذي لديه قاعدة شعبية ، هي لانفار في يمين المعادلة العراقية او اصفار على يسارها ! والا قل لي بربك لو ان (المؤتمر التاسيسي) مثلا لديه قواعد لم يخفيها ولا يزجها في النضال ضد الاحتلال ؟ الم تشهد ثورات التحرر قيام المقاومة السلمية بتنظيم مظاهرات ضخمة وذات ضغط فعال ؟ الم تنظم المقاومة السلمية في لحظات تاريخية عصيانا مدنيا لاجبار الاحتلال على الرحيل بعد حرمانه من كل الخدمات المحلية والتي يعني فقدانها استحالة بقاءه ؟ الم تشهد محافظة ديالى البطلة قبل يومين مظاهرات الفية حاشدة رفضا للدستور الاستعماري حملت صور الرئيس صدام حسين فك الله اسره، وهتفت (بوش ...بوش اسمع زين ...احنا نحب صدام حسين ) ، رغم ان البعثيين يتعرضون للابادة الجسدية ؟ اذن اين عصيان هؤلاء المدني ؟ اين مظاهراتهم الملايينية او الالفية ؟ ان الثورة العراقية المسلحة وصلت الى مرحلتها الاخيرة وهي اجبار الاحتلال على الانهيار او الهرب او التفاوض في اطار شروط المقاومة المسلحة ، فهل قام هؤلاء باي دور مؤثر لتسريع انهيار الاحتلال ؟ الجواب الذي يعرفه كل عراقي هو لا شيئ مع الاسف الشديد ! ان كل ما يفعله القسم الاكبر من هؤلاء الانفار هو الخطب وكتابة المقالات وحضور مؤتمرات مترفة في عواصم اوربية وعربية تنظم لدعم المقاومة ! الاكثر مدعاة للشك هو قيام قسم من هؤلاء بتوجيه الشتائم لمن هندس ونظم وفجر المقاومة المسلحة وقادها حتى اسره وهو القائد صدام حسين فك الله اسره ! بل ان من بين هؤلاء من اسس فيلق بدر والمجلس الاعلى للردة على الاسلام، وكان مع الحكيم المقبور محمد ، والحكيم الممهور عبدالعزيز، اخا لهم! وهو حتى الان يرفض تسمية عملهم مع الاحتلال بالخيانة الوطنية العظمى !؟ فهل يفعل ذلك لانه يعرف انهم وطنيون ايرانيون كبار نفذوا مخطط تدمير العراق ؟ ام لانه ينطلق من قاعدة طائفية تحرم مهاجمة افرادها حتى لو خانوا وارتكبوا الجرائم البشعة بحق الانسانية والعراق كما فعل الحكيم والجعفري وغيرهما ؟

        واذا اردنا ان نعرف صلة هؤلاء بالمقاومة المسلحة فخر العرب وتاج راسهم وجدنا ا ن اي من هؤلاء لا صلة له بالمقاومة المسلحة ، واذا كذب عليك البعض، يا اخ كمال، وقال ان له صلة بفصيل فانا اقول لك انهم كذابون ، لان المقاومة معروفة بتشكيلاتها ومكوناتها التنظيمية ، وباستثناء تيار الصدر الذي فرض عليه الاحتلال حمل السلاح لفترة ثم توقف عن القتال ، لا يوجد نفر واحد من المؤتمر التاسيسي مدعوم بفصيل قتالي موجود .

        واخيرا وليس اخرا يجب ان ننبه الى ان هذه التشكيلات ، وبسبب هشاشتها التنظيمية وعزلتها عن الجماهير، ووجود عناصر مشبوهة وطنيا بين صفوفها ، تتارجح بين دعم المقاومة وتسهيل عملية الاحتلال ، من خلال تبني حلا لقضية احتلال العراق يقوم في جوهره على دعوة الامم المتحدة لاستلام العراق ، وليس دعم سعي المقاومة لاستلام السلطة بعد التحرير ! فأي دعم للمقاومة هذا الذي يدعيه المؤتمر التاسيسي وهو ينقض جذريا اهم اهدافها وهو منع الامم المتحدة من التدخل في الشأن العراقي ؟ واي دعم للمقاومة وبيان هيئة علماء المسلمين الاخير يطالب بتسليم العراق للامم المتحدة حيث قال حرفيا :( ودعت الهيئة الإدارة الأمريكية 'نبذ المكابرة وعدم فرض العمليات السياسية غير المجدية على الشعب العراقي والعمل على إنهاء احتلالها للعراق بجدولة انسحابها وتحويل الملف العراقي إلى الأمم المتحدة للإشراف على العملية السياسية ليشعر الشعب العراقي بحريته ويصوغ دستوره بإرادته بمعزل عن الضغوط والتدخلات الخارجية والداخلية وإلا فإن كاهل هذه الإدارة سيزداد ثقلاً بالمسؤولية التاريخية والقانونية والإنسانية عما سيحصل للعراق وعما ستتمخض عنه هذه العملية غير القانونية من تبعات ومخاطر'24 -8 - 2005) ! وتكتمل صورة الموقف الفعلي لهؤلاء حين  يضعون شروطا مستغبية ، للعمل مع العملاء ( كيف يمكن لوطني ان يعمل مع عميل ؟ ) لوضع دستور فرض نصوصه الاساسية بول بريمير الحاكم الاستعماري الامريكي ؟

        لم تريد يا اخ كمال مساواة هؤلاء بالمقاومة المسلحة ومنحهم شرف التساوي هذا مع انهم يعيشون على اطراف الصراع في العراق ، ويبدون هشاشة ستؤدي بهم الى الارتماء باحضان الاحتلال، اذا لم ينتبهوا لانفسهم ويتخلوا عن اوهام استلام السلطة بدل المقاومة بدعم امريكي تحت غطاء الامم المتحدة ؟ ان الدعم الوطني للمقاومة العراقية يجب ان يتجلى باوضح صوره في الاعتراف الصريح بانها الممثل الشرعي والوحيد للشعب العراقي  وتبني ستراتيجية المقاومة المسلحة والعمل كامتداد طبيعي لها ومنسجم معها، وليس ادعاء وجود مقاومتين سلمية وعنفية !

 

(5)

رد فعل المقاومة

        لنناقش قضية اخرى وهي رد فعل المقاومة على الدعوة لتسليم العراق للامم المتحدة: هل فكرت يا اخ كمال كيف سيكون ؟ المقاومة المسلحة تناضل ضد الاحتلال وتقدم الاف الشهداء من اجل تحرير العراق ، وتعلن رسميا انها ستستلم السلطة عقب التحرير مباشرة ثم تأتي شخصيات وتجمعات وتقول : كلا يجب تسليم العراق للامم المتحدة ! هل هذا معقول ؟ وهل ستقف المقاومة وقفة المتفرج على هذا المقترح ؟ ام انها ستوجه ضربات قاسية لكل من يقدم على العبث بمصير العراق ، ويؤدي عمله الى احباط مشروع التحرير وتسهيل بقاء الاحتلال عبر تسليمه للامم المتحدة ؟ من المؤكد ان المقاومة لن ترحم من يريد اجهاض الثورة المسلحة ، عن طريق ابعاد المقاومة باحلال قوات دولية باسم الامم المتحدة ، في حين ان هذه القوات تخدم وتنفذ الاوامر الامريكية كما هو مؤكد . فهل المطلوب تشجيع صراع دموي، بين القوى الوطنية التي تقود المقاومة ( واكرر القوى الوطنية لان المقاومة تشترك بها وتقودها قوى متعددة وليس قوة واحدة ) وبين افراد او نخب او تنظيمات قاعدة لا تحمل السلاح من اجل تحرير العراق، ومع ذلك قررت مزاحمة الوطنيين المقاتلين ؟

     هل يهم الوطنيين العرب رد فعل المقاومة ؟ هنا تظهر موضوعية وعقلانية الافراد والمنظمات ، فاؤلئك الذين يدعمون المقاومة عليهم ان يترجموا ذلك عمليا ، باقرار حقها الطبيعي في استلام السلطة اثناء وبعد التحرير ، والا ما معنى دعم المقاومة : هل هو مجرد انسياق وراء المد والمزاج والموقف الجماهيري السائد ثم محاولة تغيير مجراه من الداخل ؟ ام انه يستبطن نزعات حزبية ضيقة تريد استبعاد قوى وطنية و مقاتلة لمجرد انها لاتحبها سياسيا او ايديولوجيا ؟ ان المقاومة قد اعلنت في اكثر من مناسبة انها لم ولن تسمح باي تطور يمنح الاحتلال فرصة التنفس الهادئ او بسرقة الوقت، عبر تسليم العراق للامم المتحدة او الجامعة العربية او منظمة المؤتمر الاسلامي او غير ذلك ، وانها ستتعامل مع اي شخصية او جماعة ، مهما كانت هويتها وارتباطاتها او تاريخها، صغيرة كانت او كبيرة ، تحاول عرقلة مسار الثورة نحو النصر الحاسم والكامل ، تحت اي ذريعة او حجة ، على انها جزء من القوى التي تريد تسهيل مهمة الاحتلال ويؤدي سلوكها العملي الى اعطاء الاحتلال فرصة الانتعاش والبقاء في العراق . ما معنى ذلك ؟ معناه ان من سيعمل جديا في اطار تسليم العراق للامم المتحدة سيجعل من نفسه هدفا مشروعا للمقاومة مثل اياد علاوي والجعفري والحكيم ومحسن عبدالحميد . فهل يقبل اي وطني بتفجير فتنة كهذه ؟ ومن سيستفيد منها ؟ لا شك ان الاحتلال هو المستفيد الاول .

تأهيل استلام السلطة

        اذا تركنا ما سبق جانبا وطرحنا السؤال التالي، سنجد ان من يدعون لتسليم العراق للامم المتحدة امام مأزق عملي خطير : هل يملك من ستسلمهم الامم المتحدة مؤهلات عملية، ولنترك المؤهلات الوطنية ، لادارة العراق في الفترة الانتقالية ؟ وللاجابة على هذا التساؤل ينبغي طرح اسئلة اخرى تفصيلية ، واهمها ما يلي :

        1 هل يملك هؤلاء سيقانا كي يقفوا عليها بتوازن ثابت يكفي للصمود بوجه الضغوط الامريكية ، التي تستهدف الزامهم بأكمال تنفيذ ما بدأه اياد علاوي والجعفري من خطط استعمارية معلنة ؟ ان سيقان اي نظام ، اي جماهيره ، هي التي تمكنه من الصمود ورفض الضغوط ، فهل يملك هؤلاء جميعا، وباستثناء تيار الصدر ، قوى جماهيرية ؟ الجواب هو كلا ، بدليل العجز التام لهذه الشخصيات والتجمعات الصغيرة ، وغالبا الصغيرة جدا ، عن تنظيم مظاهرة كبيرة واحدة ضد الاحتلال ومشاريعه التصفوية والصفوية . اذن تكليف هؤلاء بتشكيل حكومة هو افضل خيار بالنسبة للاحتلال ، لانه يقدم له اشخاصا غير محروقين وتاريخ بعضهم جيد ، والاهم انهم لا يستطيعون مقاومة الضغوط ، فتبدأ الاغراءات السلطوية وغيرها ، بتلوين وجوههم وتغيير مسار اقدامهم .

        2 هل يملكون الخبرة والحصانة والتفكير العقلاني الذي يجعلهم يقيمون جبهة عريضة تضم كل الوطنيين، خصوصا القوى الاساسية، مع انهم الان يتحصنون بقلاع عقدهم وحساسياتهم ، تجاه القوى الاكبر، والاخبر والاجبر والاعمر ؟ ان من المؤسف القول ان هؤلاء ، وبعد اكثر من عامين ونصف العام على غزو العراق ( مازالوا يرفضون النزول من بغلتهم ) ، كما يقول المثل العراقي ، والمقصود هو اغلاقهم لعيونهم ورفضهم رؤية ان طريق خروج العراق من محنته يمر عبر الاعتراف بانهم لا يمثلون الا شخصيات او تجمعات ثانوية القوة والقدرة ،  ومن ثم التعامل مع واقع العراق الذي يؤكد ان المقاومة بمختلف فصائلها ،( وليس المؤتمر التاسيسي او هيئة علماء المسلمين او اي شخص او تنظيم فتي )، هي خزان الفكر والدم والخبرة والعقلانية والحكمة الذي حفظ للعراق كرامته وارثه النضالي التاريخي. ان هؤلاء يتارجحون بين دعم المقاومة ومد جسور مع الاحتلال او الرموز المتعاونة معه ، فما معنى قبول الدستور اذا عدل وهو دستور الاحتلال الذي صيغ من الفه الى ياءه ليخدم غاياته ؟ ان مجرد قبول اي وثيقة للاحتلال ، حتى لو كانت ، افتراضا ، خالية من الالغام هو اعتراف فعلي بالاحتلال وقبول به ، فكيف الحال حينما يكون المطلب الاساسي لبعض من تعدهم من المقاومة ، يا اخ كمال، هو (تمثيل السنة ) واشراكهم في صياغة الدستور ؟ اين الخبرة والحصانة التي تحمي الوطني من الغام العدواذا كان تفكيره هو ملغوما بداء الطائفية ؟ ان السلطة بلا خبرة وحصانة هي مشروع انتحار لمن يشارك فيها ، لسهولة خداعه وتوريطه في مواقف وسياسات منحرفة لا يكتشف انحرافها الا ( بعد خراب البصرة ) !

        والخبرة والحصانة والتعقل يحتاجها ايضا، بل واكثر، من له سيقان او قاعدة جماهيرية ،لان الافتقار اليها يجعل الانحراف والخطأ اكبر واخطر فمن يرتكبه جماعة وليس فرد ، خذ مثلا التصريح الاخير لمقتدى الصدر عقب معارك النجف مع فيلق بدر وجماعته ، هل تعرف عن ماذا تفتحت قريحته ؟ بدل ان يشتم ويهاجم عملاء ايران من جماعة فيلق بدر، الذين احرقوا مكتب والده وقتلوا اكثر من خمسة من انصاره ، شتم البعثيين ووصفهم بالكفار وشتم الرئيس وسماه مرارا (هدام) ! وبنفس الوقت شكر الجعفري وجلال الطالباني، وطلب من جماعته التوقف عن القتال مع عملاء الاحتلال وايران! اين الخبرة والعقل والمنطق في سلوك مقتدى الصدر الذي يشكر العملاء ويتصالح مع قادتهم وينسق معهم ويرفض مهماجمة السيستاني واحمد الجلبي والحكيم والجعفري ، لكنه ما ان تتاح له فرصة فتح فمه حتى يشتم البعث وصدام حسين، الاسير الذي يقاتل الاحتلال حتى وهو في السجن! هل هو غباء سياسي ؟ ام انه شيئا اخر اخطر واعمق ؟ وكيف لا يدرك مقتدى انه يتخبط وينشر الفوضى والارباك في  الصف الوطني بممارسات كهذه ؟ ان الخبرة والحصانة والتعقل والعقل من اهم شروط الحفاظ على وطنية الوطني وحمايته من الصبوات الشخصية والعواطف المدمرة . انها كارثة ان يقود شخص بعقلية مثل عقلية مقتدى الصدر جماعة تدعي انها ضد الاحتلال ، لكن اول واخر ما تفعله هو تكفير القوة الاساسية في المقاومة، وهي مهمة ايرانية معلنة منذ تكفير خميني للبعث (( يجب ان نشير هنا الى مقتدى الصدر يقلد ( من اتباع ) كاظم الحائري الايراني الموجود في قم، وهو من اتباع ولاية الفقيه ، اي من اتباع خامنئي)) ، ولصق تهم يعرف الطفل الغر انها كاذبة كتحميل البعث مسؤولية معارك مقتدى مع فيلق بدر ! الا يبرئ ذلك فيلق بدر من مسؤوليته ؟ اذن لا يكفي ان يمتلك طرفا ما دعما جماهيريا ليكون مؤهلا للقيادة ، خصوصا حينما تكون القيادة منحة الوراثة وليس التعب النضالي الطويل والحنكة والخبرة .

        3 ماذا يعني تسليم الامم المتحدة للسلطة لطرف غير مقاتل ، او مقاتل لكنه صغير؟ الجواب الوحيد هو ان المقاومة ستمنع ذلك ومن ثم سيحدث قتال بين المقاومة وقوات الاحتلال ( المتبرقعة بغطاء الامم المتحدة ) وسيكون من سلم الحكم محتميا بدرع دبابة امريكية ! مرة اخرى ، واخرى : الم تعلم يا استاذ كمال ان المقاومة اعلنت مرارا انها هي وليس غيرها من سيستلم السلطة اثناء وعقب التحرير ؟ اذن هل تجهل ان مقترحك هو مشروع اقتتال وطني- وطني ؟ الا يعني ذلك اننا نساهم بدفع عناصر وطنية الى احضان الاحتلال وتحويلهم من وطنيين الى عملاء بالجبر ؟

        4 هل كل هؤلاء المنخرطين في المؤتمر التاسيسي وهيئة علماء المسلمين وطنيين ؟ الجواب هو كلا ، فثمة اشخاص في المؤتمر التاسيسي كانوا شركاء اياد علاوي في (حركة الوفاق ) ، التي شكلتها المخابرات الامريكية وفيهم من كان احد قادة المجلس الاعلى للردة على الاسلام الذي، شكلته المخابرات الايرانية وقتل واغتال مئات العراقيين قبل الغزو ، حينما كان هذا الشخص في قيادته ! وفي هيئة علماء المسلمين اشخاص ينتمون للحزب الاسلامي العميل ، كما ان فيها اعضاء احترفوا الارتزاق وقبض الرواتب وتغيير جلودهم كلما اقتضت مصالحهم ذلك . اذن نحن لسنا بأزاء تنظيمات مجربة ومنقاة بل نحن نتعامل مع خليط معقد من الوطنيين الاذكياء والعملاء ، ومن ضحلي الوعي وضعيفي العقلانية وفاقدي الحكمة ، وهؤلاء يعملون سوية مع شخصيات وطنية كفوءة لا غبار عليها ! هل يمكن تقديم ضمانة ان الالغام الموجودة داخل هذه الكتل لن تساوم في لحظة حرجة وتقدم للاستعمار هدية لا تقدر بثمن ؟ ان هؤلاء يقدمون الهدايا الان للاحتلال ، مثل الموافقة على التعامل مع افرازات ونتائج الاحتلال ثم يقولون : بشرط !!!ان هذا الشرط هو المصيدة القاتلة للوطنيين ، لان الاحتلال هو الذي يريد هذه ال ب(بشرط ) من اجل استدراج من لا يملك حصانة كافية او وعي عال الى فخاخه ، فيحتوى تدريجيا .

        5 من مظاهر الخلل ووجود الغام داخل هؤلاء عدم التحالف مع البعث مع ان الاخير هو مهندس ومفجر وقائد المقاومة حاليا ! الا يدل ذلك على شيئ غامض ؟ كيف يسهم هؤلاء في طرد الاحتلال من دون التحالف مع القوة الاساسية في المقاومة ؟ وماذا يعني وجود نية معلنة للعمل ليس بمعزل عن البعث بل ضده ايضا ؟ ان الكثير من هؤلاء يشتمون البعث وقيادته اكثر مما ينقدون بادب جم الاحتلال ، ثم يتجاهلون رموز الاحتلال وعملاءه ويحافظون على صلاتهم القديمة بخونة ومدمري العراق ! ان هذا الواقع  يعني شيئا واحدا قبل كل شيئ : تمكين الاحتلال من سرقة الوقت والتنفس والعثور على خدم جدد غير الذين استهلكوا، وزرع الانشقاقات في الصف الوطني ، وتشويه صورة القوة الاساسية في المقاومة المسلحة . ان الوطنية الحقة هي التي تدفع رجالها لتغليب العقل على العواطف والانفعالات والاحقاد والصراعات بين ابناء الوطن الواحد ، وهي التي تعزز الدافع الاخلاقي وتسخره للشعور بالمسؤولية الوطنية واخماد كل سلوك يؤدي الى الشقاق والفرقة .

        في ضوء الملاحظات الخمسة المذكورة يكون من حقنا ان نسأل : هل تأهيل هذه الجماعات للحكم كاف لتسليمهم اياه ؟

 

(6)

اسئلة ختامية

        بعد طرح هذه الملاحظات والاسئلة والتساؤلات تبقى ثمة اسئلة حول مقترحك تسليم العراق للامم المتحدة :

        1 لماذا ترفض ارسال قوات دولية الى لبنان ، وهو رفض صحيح ، لكنك تدعو لتسليم العراق الى الامم المتحدة ؟ لا تقل لي ان العراق محتل لان فرقة واحدة من القوات المسلحة العراقية التي تقود حرب التحرير اكبر واقوى من كل القوى المسلحة اللبنانية مع شديد احترامي لها .ان المقاومة التي اذلت امريكا واحبطت مخططها الاقليمي وربما الدولي تشكل قوة ضاربة ولا تقهر ، وهي اقوى من كل الجيوش العربية مجتمعة ومنفردة . كما ان العقل الذي هزم امريكا في العراق هو الارقى والاقدر من كل الحكومات العربية واكثر حكومات العالم ، اذا تذكرنا فقط ان قيادة المقاومة المسلحة وليس غيرها هي من الحقت الهزيمة بالعسكرية الامريكية وبمراكز البحوث الامريكية وبالتكنولوجيا الامريكية وبالخبرة الامريكية ، في وقت انبطحت فيه (ارقى ) واذكى واقوى حكومات العالم ، خصوصا في اوربا ، للثور الامريكي المسعور وتركته يكسر كل خزف العالم حتى وصل للعراق فكسرت المقاومة المسلحة قرنيه .

        2 لماذا تريد استثناء العراق من القاعدة الاساسية في حروب التحرير وهي ان قيادة الثورة المسلحة تستلم السلطة كما حدث في فيتنام والجزائر والصين وكوبا وغيرها ؟

        3 هل الهدف من تسليم العراق للامم المتحدة هو استبعاد قيادة المقاومة ومنح الفرصة لتيارات تفضلها انت سياسيا مع انها تيارات لا تملك مقومات تحمل مسؤولية الحكم بعد التحرير ؟

        4 من سيستفيد من ذلك ؟ اليس هو الاحتلال في كل الاحوال ؟

 

ملاحظات ختامية

        اخي كمال : لقد استفضت في الحوار معك لانني ارغب بصدق ان اضعك امام الصورة الحقيقية للوضع في العراق ، وعبرك اردت ان اناقش كثيرا  من الطروحات الخاطئة والقاصرة ، وكثيرا ما تكون مضرة جدا ، التي تقال هنا وهناك ، ولم تسنح لنا الفرصة للرد عليها لاننا محاصرون اعلاميا، ، لذلك اردت اغتنام فرصة بعث رسالتك لتصحيح اخطاء سادت وانتشرت حول المقاومة العراقية ومن يقودها ويشارك فيها . ولهذا يبدو ضروريا ان اختتم حواري معك بطرح الملاحظات المهمة التالية .

 

من هزمنا : قوة العدو ام تمزقنا ؟

        لقد اثبتت التجربة التاريخية الحديثة للامة العربية في نصف القرن الماضي ان من اهم اسباب هزائم العرب وقواهم الوطنية هو ليس قوة الاعداء وتفوقهم علينا ماديا، بل انه  ضعف الشعور بالمسؤولية التاريخية الوطنية والقومية ، والاستسلام لمشاعر تغلب دور الذات ، حتى لو لم تكن مؤهلة ، على دورالاخر ، حتى لو كان مؤهلا ! وهذه الحقيقة تفسر لم انشق القوميون العرب الى بعثيين وناصريين وانغمسوا في صراعات داخلية اضعفتهم ، وكانت القابلة الطبيعية لانفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة ، وتدهور التيار القومي وانعزاله في جزر طوقت ثم اغتيلت ، واخرها جزيرة العراق . بل ان كل تيار قومي وكل تيار وطني رئيسي دخل كارثة الانشقاقات الداخلية من اجل السلطة والتلسلط ، والكل يعرف انه صراع انتحاري وكارثي ، لكن لعنة العاطفة الفاسدة والمفسدة كانت اقوى من العقل واقوى من المنطق واقوى حتى من غريزة حب البقاء ! وهذا ينطبق على الصراع القومي الشيوعي ايضا ّ! لقد ذبحنا انفسنا ومشروع نهضة امتنا الحديث بعواطفنا وميلنا ، جميعا ودون استثناء ، للانفراد بالسلطة او السعي لاسقاط منافسنا منها ، حتى لو كانت النتيجة ان يأتي العدو الحقيقي ، وهو الاستعمار الغربي والصهيونية لتجميع الغنائم من حول جثثنا !

        الم نتعلم ، من تلك الكوارث التي الحقناها بانفسنا جميعا ، نحن البعثيون والقوميون والشيوعيون والاسلاميون ، ان نحكم العقل والمنطق الان ونحن نشهد المذبحة الاكبر والاخطر على هويتنا ووجودنا  في العراق والوطن العربي ؟ هل كتب علينا ان نكرر اخطائنا ونقدم للعدو على طبق من ذهب استقلالنا ووحدتنا وهويتنا، ليفعل بها ما يشاء خدمة لمطامعه الاستعمارية ؟ ان معركة العراق ستقرر مصير العرب جميعا وربما الانسانية كلها ، وهي معركة الحواسم ، التي ستنهي الصراع اما لصالحنا او لصالح اعدائنا المشتركين : امريكا واسرائيل وايران الصفوية الحاقدة على كل ماهو عربي . الا يكفي ذلك لنتوحد ونعرف من فينا الذي يملك القوة والحسم فندعمه، ونشاركه شرف التحرير وحماية هوية ومستقبل الامة ، بعد ان نتخلى عن نزعة الاستحواذ على حقنا وحق الغير ؟ نعم يجب ان نتخلى عن انانية الوعي القاصر ونعترف انها كانت السبب في تفرقنا وانتصار اعدائنا ، واذا لم نفعل ذلك فالويل لامة لاتتعلم من اخطائها وكبواتها !

 

من يحمي عروبة العراق ؟

        ان عروبة العراق لن تحميها نخب او شخصيات تستدبر للرصاص ، لانها تضم انفارا مستنفرة للصوت فقط ومحرومة من نعمة الفعل، وتستعبد العقل لديها العاطفة الهوجاء، بل من يحمي العراق وعروبته  تنظيمات جماهيرية واسعة سعة العراق ، ولها شبكة تنظيمية منسجمة وشاملة ، وتتسلح بعقل منطقي وستراتيجي، عركته سنون النضال واكسبته خبرات لا يصنعها صفير الصوت ، مهما كان جميلا . ومعركة العراق الحالية تثبت ذلك ، فلقد شرف الله البعث بمبادرته لتفجير الثورة المسلحة بعد اعداد طويل لها قبل الغزو ، وشرف الشعب البعث بان التف حول المجاهدين بلا تردد ولا عقد او نزوات شخصية، وهذه واحدة من اعظم صفات الشعب العراقي والتي لا نراها مع الاسف في انفار مستنفرة ، ولذلك وصلت الحملة الصهيونية الامريكية الايرانية الى طريق مسدود ، وتوقفت وهي تحتضر عند بوابات بغداد ، كما نشاهد الان .

        اذن ما هو الموقف المطلوب وطنيا وقوميا واسلاميا ؟ اننا لسنا ضد فرد او جماعة بل نحن ضد مواقف وسياسات، ونحن نصر على توحيد الجميع انفارا وجماعات ، لذلك فان الجواب العملي والوحيد هو حتمية اقامة جبهة وطنية عريضة تضم ، اول ما تضم قلب الشعب العراقي وقوته الاساسية ، وطليعة المقاومة المسلحة وقوتها الضاربة ، اي البعث، والقوى الاسلامية والناصريين والشيوعيين الذين تبرأوا من خيانة حزبهم . اما الانفار والشخصيات الوطنية فانها تلتحق بالجبهة كعناصر دعم لها ، لانها لا تمتلك تنظيما جماهيريا ، والجبهات عادة تقتصر على التنظيمات الجماهيرية الحقيقية، والتي اثبتت وجودها النضالي في الساحة ، وليس على صفحات الورق او عبر لعلعة المايكروفونات فقط . اننا نلاحظ الان ، وبأسف شديد ان الاية مقلوبة ، فالانفار المستنفرة ، والتي غالبا ما تكون مستقرة في بلاد الغربة ، في الوقت الذي تستدبر فيه الرصاص ، تستخدم قوتها الصوتية لاجل التزاحم مع من يستقبل الرصاص بصدره او يزرعه في صدور المحتلين ، وتطرح نفسها قيادة وتصوغ برامج متعارضة مع خط الثورة والمقاومة ، وتضع شروطا( تصور تضع شروطا وهي لا تستطيع طرد ذبابة ) للتعاون مع قلب العراق وعنوان شرفه الماسك للبندقية والباذل للدم ! فهل سمعت، يا اخ كمال ، في كل تاريخ الثورات بأمر غريب ومقلوب كهذا ؟

        ان حماية هوية العراق العربية وتحقيق استقلاله ، وبناء نظام ديمقراطي تعددي يتم فيه تبادل السلطة طبقا لنتائج الانتخابات الحرة ، حسب ماورد في برنامج المقاومة المعلن، اهداف لن تتحقق الا بالجبهة الوطنية العريضة ، الممثلة لاحزاب لها جماهير ، وليس مبادرات ومغامرات نخب ، تضطر للتعاون مع الشيطان في مرحلة متاخرة لم تفكر فيها ، لانها لا تملك مقومات الصمود بوجه الة امريكا المدمرة ، وبذلك يقرب العراق من التقسيم بدل ابعاده عنه !  وهذه الحقيقة ، تدحض الادعاء البائس ، المستخدم لاستبعاد الجبهة الوطنية ، الذي يقول ان البعث يريد العودة للسلطة منفردا بعد تحالف تكتيكي مع الاخرين، فلا عراق متحرر او مستقل من دون حكم ائتلافي جبهوي يستمر لمرحلة تاريخية طويلة جدا ، قد تنتهي بصيغ تنظيمية وحدوية متقدمة .

 

اذا تمت الصفقة الامريكية

        ويجب الانتباه الى حقيقة ان عمل امريكا على اجتذاب عناصر وطنية بلا قواعد الى لعبة المشاركة في العملية السياسية او لعبة تسليم العراق للامم المتحدة ، يستبطن في احشاءه هدف توسيع قاعدة الاحتلال، بضم عناصر عارضته بصدق ووقفت مع المقاومة المسلحة ، ويتخذ هذا المسعى شكل دعوة ، من يطلق عليهم اسم ( السنة ) للاشتراك في التفاوض والمداولات حول مصير العراق ، او دعوة فصائل من المقاومة ، للمشاركة في تقرير مصير العراق ، تحت راية الامم المتحدة ! ولكن توسيع قاعدة الاحتلال لا يقصد به فقط ترجيح كفة الاحتلال على كفة المقاومة المسلحة بل ايضا توفير فرص اخرى لاشعال حرب اهلية ، لان توحيد قسم من المتعاونين مع الاحتلال بقسم ممن كان يعارضه، ووضعهم شكليا تحت راية الامم المتحدة، وباسم مضلل هو (المصالحة الوطنية ) ،وهو ما تسعى اليه المخابرات البريطانية الان اكثر من الامريكية ، سيجعل بالامكان ، من وجهة نظر امريكية، مواجهة المقاومة ، بقوى عراقية كبيرة عدديا، تستخدم ما يسمى ب ( الشرعية الدولية ) لقمع المقاومة او اجبارها قسم اخر منها على الانخراط في العملية السياسية وترك السلاح !

 

الطريق الاوحد الصحيح

        ماهو المخرج من هذا التداخل المربك في خيوط اللعبة الامريكية الايرانية ؟ ببساطة يمكن ضمان تحرير العراق وانقاذ وطنيين من الوقوع في فخاخ الاحتلال عن طريق التمسك التام، وبلا اي تردد او تذبذب ، بقواعد السلامة الوطنية التالية :

          اولا الرفض التام لتسليم العراق للامم المتحدة او الجامعة العربية او اي منظمة او جهة غير المقاومة المسلحة ، او من توافق عليه الاخيرة .وهذ يعني بوضوح تام، ويقود الى :

         أ- ضرورة دعم المقاومة المسلحة بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب العراقي، وتقديم كل ما يمكنها من التعجيل بطرد الاحتلال ، او اجباره على قبول شروط المقاومة التفاوضية .

         ب - كما يعني رفض القبول باي نتيجة ترتبت على الاحتلال، بما في ذلك الاستفتاء على ما يسمى الدستور او الاشتراك في العملية السياسية .

        ج - وهذه الاهداف تتطلب اقامة جبهة وطنية عريضة الان وقبل التحرير لضمان افضل حشد للطاقات العراقية يجعل الاحتلال يزداد  اقتناعا باستحالة بقاءه في العراق ، واذا كانت الظروف لا تساعد على ذلك فان المقاومة قادرة على اكمال عملية التحرير وحدها .

         ثانيا - الرفض التام لاي محاولة للانفراد بالسلطة بعد التحرير من قبل اي طرف , واعتماد صيغة الجبهة الوطنية العريضة ، والتي يجب ان تضم كل المناهضين للاحتلال ، سواء بالسيف او الكلمة والموقف .

         ثالثا اقامة نظام وطني ديمقراطي ائتلافي على اسس ستراتيجية وليس تكتيكية ، يكون مقدمة لصيغة عمل وحدوي بين كل الوطنيين العراقيين ، مهما اختلفت ايديولوجياتهم وتنظيماتهم ، لان تحديات ما بعد التحرير ستكون اكبر واخطر من تحديات المرحلة الحالية .

        رابعا اعتماد الانتخابات الحرة وسيلة لتقرير من يحكم العراق ، ونبذ عقلية الانقلابات البونابارتية والتنكيل بالاخر لاي سبب كان .

        خامسا تنفيذ خطط فورية لاعادة اعمار العراق من اجل تامين الحاجات الاساسية لحياة المواطنين، مثل الامن والكرامة والخبز والدواء والعمل والخدمات والحريات الاساسية.

        سادسا - حل مشاكل العراق الحالية وفق اليات حوار مستمر وايجابي ، مثل المشكلة الكردية التي يجب ان تحل اعتمادا على قانون الحكم الذاتي الذي طبق، ومراجعته لاجل تحسينه وتطويره لتامين افضل الاوضاع لاكراد العراق، والرفض التام لاي فدرالية باي شكل او صيغة ، لانها مقدمة للانفصال .

        ان هذه النقاط من برنامج المقاومة هي الضمانة الاساسية للنصر العاجل ولتحقيق الوحدة الوطنية وتجنيب العراق المزيد من الازمات والمشاكل ، وهي قبل هذا وذاك المشعل المنير للطريق والذي يجنبنا العثرات والثغرات والنعرات والهفوات والصبوات ، ويضعنا في الاحضان الدافئة لعراق متحرر وديمقراطي ومستقر وعربي الهوية ، يفتح الابواب واسعة امام نهوض قومي عربي شامل ينهي مرحلة التراجعات والنكسات ، ويقدم للانسانية دليلا حاسما على من يريد مقاومة الديكتاتورية العالمية الامريكية، في كل القارات، يستطيع النجاح ودحر امريكا كما حصل ويحصل في عراق الثورة المسلحة والتحرير.

SALAHALMUKHTAR@HOTMAIL.COM

شبكة البصرة

الاحد 23 رجب 1426 / 28 آب 2005

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس