الدور الدنيء لال الصباح (مغتصبي قصبة كاظمة)
 في المؤامرة على العراق بدءا من عام 1990

شبكة البصرة

        د. صباح محمد سعيد الراوي

الفصل الأول من الجزء السادس

محاولات فتح القنوات الدبلوماسية

 

ما ان انتهت مؤامرة القاهرة حتى بدأت واشنطن بتضييق الحصار حول العراق بمختلف الوسائل، فقد كان بوش يعتمد على تشديد فاعليته لأجل تحقيق غايته قبل البدء بالعدوان، وسخرت الولايات المتحدة لهذا التشديد كل ما تملك من وسائل عسكرية وتقنية، فعدا عن أجزة الاستخبارات وتوابعها، كان هناك صور اقمار التجسس الاصطناعية التي اظهرت التحركات العسكرية العراقية بكل دقة، كذلك قامت وكالة ناسا بواسطة اجهزتها المثبتة في تركيا بالتقاط العديد من المخابرات الهاتفية من الشبكة العراقية، حيث كانت ترسل الى الولايات المتحدة فورا ليقوم المختصون من المترجمين وخبراء اللغة العربية (خصوصا من العملاء الخونة العراقيين) بعمليات التحليل والتقييم استنادا للنبرة والمفردات والجمل... وذلك لفهم معنويات الشعب العراقي بمختلف فئاته..... ثم الى معرفة الوضع الاقتصادي في العراق بدءا من تكاليف ركوب التاكسي واسعار المحروقات وسعر المواد التموينية وسعر صرف الدينار العراقي، الذي انهار انهيارا مروعا بسبب العقوبات والحصار، إلى أسعار أيجار الغرف في الفنادق بمختلف درجاتها!!!!!!... وشاركت اذاعة صوت أمريكا بالحرب النفسية ايضا، فقد بدأت ببث بيانات وتحريضات شتى، سواء للشيعة او الاكراد أو رجال الجيش العراقي، وكذلك حضروا مناشير لالقائها فوق العراق، مثل منشور سخيف تافه يتحدث عن مقارنة بين الجندي العراقي والجندي الامريكي... فالثاني حسب ذلك المنشور التافه يتمتع بوجبة ساخنة وفواكه ومياه صافية بقوارير نظيفة...و....و.... من مثل تلك الترهات والسخافات.. بينما حسب زعم تلك المناشير ان الجندي العراقي وضعه مأساوي وليس له تلك المزايا !!!! يظنون ان الجندي العراقي مثلهم... يعيش ليأكل فقط وليتمتع بوجبات البرجر والبيتزا والكولا.....

 

كانت القوات الامريكية وحلفائها تتدفق الى منطقة الخليج بكثافة لم يسبق لها نظير، فبمعدل كل عشر دقائق كانت هناك طائرة ضخمة تحط في مطار بلد خليجي ما وعلى متنها جنود ومعدات حربية، وقامت مجموعة تدعى " المجموعة الرابعة للعمليات السيكولوجية " بتوزيع كراسة على كبار الضباط الامريكيين طلبت منهم دراستها بتمعن، كان فيها عدة نقاط وضعت تحت مسمى " نقاط حساسة " جاء فيها ما يقال بأنه في منطقة الخليج يجب تحاشي المسائل التالية:

 

- المقالات التي تظهر التعاون الامريكي الصهيوني – المواد التي تعتبر مخلة بالاخلاق او صورة ذكور واناث في حالة عناق وتقبيل – اعلانات الجينز والعطور او الثياب الداخلية – اعلانات لحوم الخنزير والخمور – مظاهرات الطلاب العرب في امريكا- الايحاء بأن الولايات المتحدة قد تلجأ الى الخيار العسكري بسبب صدام حسين – التبشير بأديان غير الاسلام – تحاشي نقد العادات والتقاليد العربية المستمدة في معظمها من الاسلام – تحاشي الحديث عن طائرات الاواكس ومهماتها – تحاشي الدخول بسياسات الدول المضيفة....

 

كان العراق يراقب كل هذا التصعيد، ولم يكن يملك ما يكفي لمواجهته اكثر من تكثيف حملته على الولايات المتحدة من خلال تذكير الشعب العربي من المحيط الى الخليج بالدعم الامريكي المطلق للصهاينة... وكذلك بتسخين القضايا المعلقة. ثم قامت بغداد باحتجاز الرعايا الغربيين لديها، سواء في العراق او الكويت، وكان عددهم يقدر بالالاف، فانتهزتها الولايات المتحدة فرصة لاصدار قرار ثالث من مجلس الامن برقم 664 يعبر عن قلق المجتمع الدولي من احتجاز رعايا دول اطراف ثالثة في العراق والكويت، وطلب القرار من العراق تأمين فوري لسفر الرعايا الاجانب جميعا سالمين الى بلادهم ويحمله مسؤولية كل ما يمس " سلامتهم وصحتهم". وسبقت هذا القرار حملة اعلامية عنيفة تندد بحالة ما يسمى حقوق الانسان في العراق.... وكأن امريكا تعرف شيء اسمه حقوق انسان... اللهم الا الانسان الصهيوني والامريكي الابيض الاشقر!!!!

 

وكان الشارع العربي في الاردن والضفة الغربية وقطاع غزة في فلسطين وليبيا وموريتانيا والسودان والجزائر والمغرب وتونس... يغلي من الغضب وهو يرى الحملات الصليبية الجديدة تبدأ تحضيراتها للعدوان على بلد عربي مسلم... وكان الحسين بن طلال وسط هذه الاجواء المكفهرة والمتلبدة يحاول من جديد لعله يفلح في فعل شيء ما....... الامـر الذي دعـا الاسـتاذ محمد حسـنين هيكـل لان يكتـب عنـه فـي يــوم 12/8/1990 في جريدة التايمز: لا اخفي انني اكن تعاطفا مع الحسين، فبعد 37 عاما من استمراره على عرش الاردن، يبدو اليوم موقفه اصعب مما كان عليه في اية حقبة سابقة، وفي الوقت الذي ناور فيه آخرون وراوغوا... بذل الملك جهده للعثور على حل عربي... إن زياراته الى لندن وواشنطن وعواصم أخرى جلبت له المزيد من المهانة لم يكن أقلها تلك الصادرة عن (داوننغ ستريت) (مقر رئاسة الوزراء البريطانية)... لقد اختلفت معه في نقاط عديدة... لكنني اشهد ان دبلوماسيته في هذه المسألة كانت الوحيدة التي تعطي بصيصا من الامل... فقد كان يطرد شعورا يائسا حاول ان يعقده بعد قمة القاهرة التي كانت نتائجها تضييع المبادرة العربية وتسليمها للقوى الاجنبية... أحس الملك ان التطورات القادمة يمكن ان تجرف معها وفي طريقها كافة الممثلين والمتفرجين على حد سواء....

 

وفي يوم 12/8/1990 قرر الحسين السفر الى بغداد للاجتماع مع الرئيس صدام في محاولة لإيجاد حل عربي للازمة، فالملك كان مقتنعا بأنه لا زال هناك أمل في حل عربي، وكان احساسه بعد عودته من قمة القاهرة انه حاول اداء دوره قدر ما يستطيع ولم تمكنه الظروف، أو بالاحرى أوقفوا الظروف ضده لأنه حاول ايجاد حل عربي، وكان الملك يشعر انه في حل من ان يجلس مثلهم في ركنه بدون حراك بينما الساحة هائجة في الوطن العربي، والكل يتفرج على المشهد القادم كيف سيكون. فاجتمع الحسين مع الرئيس صدام، وناقشا الاوضاع ومؤتمر القاهرة والمستجدات التي حصلت بعده والتدفق العسكري الامريكي الكثيف على المنطقة، ويروى ان الرئيس صدام اشتكى للحسين بمرارة من العرب ومن ال سعود بالذات، الذين لم يصدقوا قوله انه لن يرسل جيشه لغزو السعودية كما ادعوا، ودارت احاديث جانبية بين الرجلين استطلع كل منهما أراء الآخر وتصوراته وتقديراته للموقف. فقال الحسين لصدام انه ينوي السفر الى واشنطن للاجتماع مع بوش لعل حلا سلميا يلوح في الافق، فعبر الرئيس صدام عن تقديره لهذه الخطوة واثمن المجهود الكبير الذي يقوم به الملك - الذي اتخذ وللامانة موقفا صادقا مشرفا في محاولة ايجاد حل للازمة- وهكذا، عاد الحسين الى عمان بنفس اليوم واتصل مع جورج بوش يطلب منه موعدا للقائه، وان كان سيقطع عليه اجازته، وكانت بين الاثنين صداقة طويلة جعلت كل منهما ينادي الاخر باسمه الاول وبدون تكليف أو حرج، فأخبره بوش بأنه في انتظاره في كينينكبورت في اي يوم من الايام الثلاثة القادمة، لكن الحسين قرر السفر على الفور بدون انتظار رغم انه كان يعلم مسبقا ان عدوانية الكونجرس وأعضاءه ستكون بانتظاره، وقرر أيضا ان يصطحب معه السفير الامريكي الجديد في عمان الذي لم يكن قد قدم أوراق اعتماده بعد للبلاط الهاشمي، فوصل السفير روجر هاريسون الى القصر الملكي حاملا حقيبة ملابسه، ثم صعد مع الحسين الى الطائرة التي راحت فيما بعد تخترق الاجواء في رحلة مباشرة الى كينينكبورت بدون توقف لمدة 13 ساعة... وحين وصلوا.... توجه الحسين الى مكان يستريح فيه من عناء الرحلة.... على ان بوش مر بعد ساعات قليلة ليصطحبه الى مقره الصيفي للاستماع اليه.

 

كان البعض يظن ان الحسين يحمل رسالة من صدام الى بوش، لكن هذا لم يحصل، فالرجل كانت لديه وجهة نظر يريد عرضها للتوصل الى افساح المجال لحل عربي مهما كانت صعوباته.... بدأ الاجتماع بين الحسين وبوش بكلام للحسين مستعرضا فيه الأزمة، ثم وصل الى نقطة قال فيها: إن الحشود الأمريكية في الشرق الاوسط قد رفعت درجة التوتر في المنطقة إلى حد كبير..... فقاطعه بوش بحدة ظاهرة : لم نكن نحن الطرف الذي رفع حدة ‏التوتر، وحشودنا العسكرية هي ردا على احتلال عسكري عراقي للكويت.... فانتبه الحسين الى ان جو المقابلة ليس على ما يرام من بدايته، وليس هذا ما عهده من قبل في لقاءات سابقة مع صديقه " بوش " ثم ما لبث بوش أن أضاف ملاحظة قال فيها: انه يدرك ان الملك حسين لابد أن يشعر بالقلق على اوضاع الاردن الاقتصادية بعد ‏فرض الحصار الكامل على العراق، ان دولا عربية تستطيع مســاعــدة الاردن ‏‏(وكان بالطبع يقصد السعودية ودول النفط الاخرى) فشعر الحسين بالحرج الشديد من هذه الملاحظة وأجاب: انه لم يقطع كل تلك المسافة ويأت الى ‏هنا لبحث هذا الموضوع وانما جاء لبحث موضوعا اكبر منه بكثير وهو موضوع ‏السلام، لكن رد بوش كان سريعا وجافا... اذ أنه قال: حسين... اسمعني ان البترول بالنسبة لنا اكثر من ضرورة..... وهو اسلوب حياة..... وانا ‏لن اسمح لهذا الرجل ان يسيطر على ثلث انتاج الخليج اليوم وعلى ثلثي احتياطي ‏العالم غدا.... ثم اكمل: ان هذا الرجل اثبت انه عدو الولايات المتحدة ولن اسمح لنفسي ان اترك ‏ديكتاتورا يضع يده على شريان حياتنا، انتم العرب تعيشون على برميل بارود.... ‏وهذا الرجل هددكم ولا يزال يهددكم..... وهو يستطيع ان يفعل ذلك معكم ولكن ليس معنا.... نحن بعيدون عنه... لنا في ‏المنطقة مصالح حيوية ونحن هناك لحمايتها...... ولم يخرس بوش عند هذا بل أخذ يرغي ويزبد قائلا للحسين: انني ترددت في مقابلتك.... فأنت كنت ‏في بغداد قبل اربع وعشرين ساعة من اتصالك بي..... وكان ترددي هو خشيتي ان تظهر زيارتك ‏وكأن بيني وبين هذا الرجل وساطة..... وانا لا اريد ذلك ولا الكونجرس ولا الرأي ‏العام الامريكي يسمحان به......‏


فقال الحسين: انه على استعداد للانسحاب... فرد بوش بهمهمة غير مفهومة.... ثم قال ‏بنبرة حادة: الانسحاب بشروط؟ جائتنا هذه الشروط ونحن نرفض كل شرط فيها.. أن ينسحب طبق جدول يضعه هو، وأن ينسحب الى المواقع المختلف عليها..... حقل البترول المتنازع عليه... والجزر... فات أوان هذا الكلام... اذا اراد الانسحاب لينسحب لن يمسك به احد، لينسحب على الفور دون ‏شروط ولا جداول زمنية ولا حدود مختلف عليها ولا حقول نفط ولا جزر فلن ‏نبحث في كل ذلك الان..... وسوف تعود اسرة الصباح وبعدها سنرى ما يمكن ‏عمله.... أما الذي كان يقصده بكلمة ما يمكن عمله .... فهي بنود جديدة اضافتها الولايات ‏المتحدة لقائمة طلباتها وتحدث عنها بيكر امام الكونجرس وهي:‏

 

- تحديد حجم الجيش العراقي
- نزع صواريخه أو تدميرها
- فك المنشآت الكيميائية والجرثومية
- فك المنشآت النووية


ثم تحول بوش الى خنزير بري هائج، وبدأ الهجوم على الاردن لعدم التزامه بقرارات الامم المتحدة، وقال: ان ميناء العقبة ما ‏زال مفتوحا للعراق رغم قرار صادر من الامم المتحدة.... ولا ينبغي للاردن أن يخالف قرار للامم المتحدة يعبر عن الشرعية الدولية...والاردن يجب ان يطبق اجراءات الحصار وإلا وجد نفسه يواجه الارادة الدولية.... فرد الحسين بأن الاردن ليس خارجا عن الشرعية الدولية ولا عن قرارات مجلس الأمن...


هنا، واثناء سير الاجتماع، تلقى بوش مكالمة من زعيم عربي، وبعد ان انتهى منها قال للحسين:


هذا أحد ‏زملائك يحثني على سرعة العمل بالقوة العسكرية قبل أن تؤثر الدعاية العراقية ‏على الشارع العربي، (هذا الشارع العربي الذي كان هادئا نسبيا هو الشارع ‏المصري اذ كان الشباب المصري ينوي الخروج بمظاهرات تأييد للعراق في ‏الجامعات المصرية) والامر ليس بحاجة للكثير من الذكاء ليعرف المرء ان الزعيم ‏العربي الذي كان يطالب بالعمل العسكري هو حسني .... ومن وصفه احد وزارء الخارجية العرب يوما ما بأنه مخلب أمريكا في ‏الوطن العربي.‏


غادر الحسين امريكا محبطا لانه لم يستطع ان يشرح وجهة نظره ولا وجهة ‏النظر العراقية في واشنطن، أو بالاحرى لم يجد آذانا وعقولا منفتحة وواعية للاستماع اليه، فقد ادرك ان الحل السلمي بات صعب المنال في ظل ‏عقلية بوش العدوانية الاجرامية، وتوجه من عمان الى بغداد حيث اجتمع مع الرئيس صدام حسين ووضعه بجو لقائه مع بوش، ولم يستغرب الرئيس مقولة ان بوش هو الذي أفشل الاجتماع بسبب العقلية العدوانية التي تكونت لديه. على انه فيما بعد، وفي تعارض مع اي شكل من ‏اشكال المنطق، راحت الولايات المتحدة وبعض دويلات الخليج تتخذ موقفا سلبيا من ‏دعاة الحل العربي، وفي الوقت الذي كان فيه الاردن غارقا في مصاعب اقتصادية ‏جمة، قلنا ان دول الخليج ابعدت الكثير من ابناءه العاملين في دول الخليج وكذلك ‏من ابناء اهل فلسطين، ولم تكتف السعودية بهذا وحسب، بل صارت مع امريكا تعاملان الاردن بغطرسة ‏ظاهرة، ووصل الامر بالسعودية ان بدأت بخنق الاردن اقتصاديا، فأوقفت مرور ‏الشاحنات الاردنية عبر أراضيها، واوقفت استيراد البضائع ‏الاردنية بكل أشكالها، اذ كان تشيني قد زار في 17/8/ كل من السعودية والبحرين وعمان والامارات ومصر، وتم الاتفاق في تلك الجولة مع حكومات تلك الدول على الخنق الاقتصادي لكل دولة يعتقدون انها تساند العراق او تقف الى جانبه في هذه الازمة.

 

وفي يوم 20/8/ توجه السيد سعدون حمادي الى موسكو في محاولة لاستجلاء الموقف السوفييتي، فقابله شيفاردنادزه بوجه عابس، اذ كان ينوي امطار المبعوث العراقي بقائمة من الطلبات التي لم تكن تتصل بالأزمة بمقدار ما كانت تردادا للشروط الامريكية المعهودة (الانسحاب غير المشروط... اخلاء سبيل الرعايا .... الخ...) فلم يجد السيد سعدون بدا من العودة الى بغداد، فذلك اشرف له من مقابلة شخص يتحدث بلسان امريكي وان كان يقول عن نفسه انه وزير خارجية الاتحاد السوفييتي !!! ثم وفي اليوم الثاني لوصول سعدون الى بغداد، ارسل جورباتشوف رسالة الى صدام حسين يدعي فيها انه أجل التصويت في مجلس الامن حول القرار رقم 665 بقدر ما يستطيع، لكن تاريخ الرسالة المرسلة كان يوم الخميس 23 آب وكان على العراق ان يرد على ما يشبه الانذار في غضون يوم واحد فقط!!!!! فجرت مكالمة هاتفية بين جيمس بيكر وزير خارجية الولايات المتحدة وشيفاردنادزه يقول الثاني فيها للاول: ان ردهم لا يستحق التعليق... اذهب الى الامم المتحدة وسوف الحق بك... فحصلت امريكا على موافقة السوفييت لقرار مجلس الامن رقم 665 الداعي الى فرض الحصار على العراق بالقوة المسلحة، وهذه اول سابقة من نوعها، حين يمنح مجلس الامن سلطة استخدام القوة لفرض حصار اقتصادي على دولة ما.... ويبدو ان الاربعة مليارات دولار التي حصل السـوفييـت عليهـا مـن السـعودية قد فعلت مفعولها، فهذا خامس قرار توافق عليه القيادة السوفييتية بعـد القـرارات ارقـــام:  (660/661/662/664) لقد فعل الدولار فعله وظهر تأثيرا جليا الان.....

 

وفي يوم 27/8 وصل الى بغداد القس جيسي جاكسون لأجل حل مشكلة الرهائن الاجانب ( أو الضيوف بحسب التعبير الرسمي العراقي)، فقد كانت هذه المشكلة تتفاقم وبلغت ذروتها حين راحت وسائل الاعلام الامريكي – والمستعربة على السواء – تنسج من هذه المشكلة دراما انسانية مأساوية ذات طابع مسرحي متصاعد... فوجود حوالي ثمانية الاف رهينة اقام الغرب وامريكا ولم يقعدهم، بينما حصار جائر قتل الالوف من أطفال العراق لم يحرك فيهم ساكن... المهم... استقبل السيد طارق عزيز جيسي جاكسون، وراح يشرح للوفد الامريكي بلغة انجليزية نقية يفهمها اكثر من اهلها واقع المشكلة قائلا: لقد صبرنا طويلا... وكان الرئيس صدام اكثرنا تسامحا مع الكويت، وقد استبد بنا اليأس إثر فشل مؤتمر جدة، لم نعد نستطيع تسديد ثمن وارداتنا من الاغذية، كانوا يخوضون حربا لتجويعنا، حتى الملك فهد نفسه لم يكن مكترثا ما إذا كنا جائعين أم لا، كانت مؤامرة مدبرة لتدمير العراق، الكويت في الواجهة، ولكن خلفها دعم الولايات المتحدة، بالنسبة لنا كان الهدف من قبلهم تدمير الاقتصاد العراقي يتبعه انهيار سياسي ثم انهيار النظام برمته... وفي نفس اليوم مساء، استقبل الرئيس صدام جاكسون، وكان جزء من المحادثات يدور حول تضحية سيدنا عيسى عليه السلام في سبيل البشرية وخلاصها، وعلى كل حال فإن شخصا مثل رئيس جاكسون " بوش" لايعرف شيئا لا عن المسيح ولا عن الانجيل ولا عن اي دين آخر، انه يعرف الصهيونية والماسونية لاغير.... وسمحت السلطات العراقية لجاكسون بزيارة خاطفة الى الكويت للاطلاع عن قرب عما يدور هناك... وايضا سمح له بأن يأخذ معه النساء والاطفال. كذلك جاء الى بغداد كورت فالدهايم، الامين العام السابق للامم المتحدة والرئيس النمساوي فيما بعد، حيث نجح ايضا باصطحاب الرعايا النمساويين الى بلاده...

 

ثم وفي يوم 30 اب التقى دي كويلار امين عام الامم المتحد بطارق عزيز في ‏عمان، وكان هذا اللقاء مقررا اصلا في نيويورك، لكن لأن الولايات المتحدة رفضت منح تأشيرة دخول لطارق عزيز، فقد وقع الاختيار على عمان لتكون مكانا لعقد الاجتماع. وكان ‏الموضوع الرئيسي الذي يريد التحدث عنه الامين العام ليس موضوع الازمة ‏وكيفية حلها، وانما موضوع الرهائن الغربيين في العراق، لكن طارق عزيز اثار ‏موضوع الازمة كلها ومن جميع جوانبها ... ولكن بدون التوصل الى نتيجة... وحين ذكر طارق عزيز دي كويلار بمجد الامم المتحدة السابق أثناء أزمة السويس، كان رد دي كويلار: ان أزمة السويس تختلف عن أزمة الخليج كما انني لست همرشولد (الذي قدم استقالته من الامانة العامة للامم المتحدة حين وقوع العدوان الثلاثي على مصر). لقد ادرك الامين العام ‏ايضا ان الحل العسكري هو الغالب، وكان قد صرح من قبل بأن قيام الامريكيين ‏منفردين بفرض حصار اقتصادي على العراق بالقوة يعد خرقا لميثاق الامم ‏المتحدة.. لكن الولايات المتحدة لم تكن على استعداد لسماع اي كلام من هذا النوع. وكان ان اعلن دي كويلار في مؤتمر صحفي بعد لقاء عزيز انه مهمته مع وزير خارجية العراق لم تحقق أي نجاح. وبالتالي تبدد اي أمل كان معلقا على تلك الزيارة.‏


لم يقطع الحسين الأمل في إيجاد حل سلمي، واذا كان اللقاء مع بوش فاشلا، فلربما يكون الباب الأوروبي أكثر نجاحا. ففي الأول من سبتمبر توجه الى لندن للقاء تاتشر (البعيدة بعد السماء عن ‏الارض على اية حال من جنس الاناث، والسائرة على درب سلفها تشرتشل في احتقارها للعرب العصاة... الذين لابد ان ترمي الحرب خشية الله في قلوبهم..." لاحظوا ايها القراء التعابير الصليبية الوقحة")، ليس ذلك فحسب، بل انها وقبل ان تلتقي بالحسين بأيام قليلة، كانت تقف الى جانب اسقف كانتربري وليام رامزي، الذي ألقى أمام الجنود البريطانيين الذاهبين الى الخليج كلمة أوصاهم فيها بما يسمى " الحرب العادلة " ... لاحظوا ايها القراء... الاسقف يوصي الجنود بالحرب العادلة !!!!!!!.. المهم، حين التقى الحسين مع تاتشر، فإنها أصلا كانت هائجة مثل الخنزير لأجل اعدام الجاسوس البريطاني " ذوي الاصول الفارسية " فرزاد بهازفت، فبادرت الحسين على الفور بهجوم حاد وبصوت مثل زعيق بائعات الهوى في أحد أحياء سوهو القذرة ( لقد بدا بوش انسانا بالمقارنة معها) قائلة له: لماذا تؤيد صدام وانت تعرف انه شرير؟ فرد الحسين: انني لا أؤيد احدا، ‏ولكني أحاول البحث عن فرصة لإنقاذ السلام في المنطقة، فردت بحدة وبصوت مثل نعيق الغربان قائلة: ومن المسؤول عن هذا؟ فسيطر الحسين على ‏اعصابه بمعجزة قائلا: ان عصر دبلوماسية المدافع ينتمي الى القرن التاسع عشر ( هو بالواقع يحاول افهامها ولكنها غبية).... ‏فنظرت اليه كما تنظر الافعى المسمومة الى فريستها وقالت: اسمعني جيدا.... انك تقف وراء الطرف ‏الخاسر..... وانا اريدك ان تعرف الحقيقة قبل فوات الاوان..... ولم يعد هناك مجال لاستمرار الحديث بينهما، إذ أدرك الحسين أنه انما يتحدث مع امرأة لا تنتمي الى جنس النساء إلا بـ ...... وتبادل الاثنان فيما بعد رسائل كانت ‏كلها شتائم وعبارات لاذعة، على ان عبارات تلك المرأة التي تحمل صفات الحرباء كانت كلها وقاحة وانحطاط دلت على مستواها الوضيع السافل، فعلق ‏الحسين قائلا عنها:  ان لسانها اطول من جسمها كله.‏


ثم توجه الى فرنسا، وفي طريقه اليها، شعر الحسين ان الابواب قد أحكم اغلاقها، وأن الولايات المتحدة التي تمكنت من أخذ الاتحاد السوفييتي وأوروبا واليابان الى صفها، لن تمكن أحدا من التجول في ممرات الأزمة.... في باريس، كان ميتيران الطف وارق من بوش وتاتشر على السواء، فقال له بهدوء: ان ‏الامريكان والانجليز يتحركون طبقا لخطة واضحة امامه ومعروفة، وهم قلقون على ‏امدادات البترول، وهم مستعدين للعمل العسكري، والشيء الذي يجعلهم ينتظرون هو ‏استكمال استعداداتهم، والسبيل الوحيد لاحراجهم هو الانسحاب العراقي الفوري............ ثم ما لبث أن سأل الحسين سؤالا مريرا وهو: أليس في استطاعة العرب ان يقوموا بدور؟ اين ‏العنصر العربي في الازمة ؟؟ فشرح له الحسين ظرف العمل العربي والمأزق الذي انتهى اليه مؤتمر القمة العربي الأخير... ودارت مناقشة بين الرجلين استمرت لساعتين، قال بعدها ميتيران: إن فرنسا انضمت للتحالف لأنها تريد أن تستعمل الفرامل من الداخل، ولكن ينبغي أن يعرف أصدقاؤنا العرب أنهم اذا لم يتمكنوا من إعطائنا موقفا واضحا واحدا، فإن فرنسا لا تستطيع التحرك... صعب أن نتحرك ... وفيما بعد، وحين وقوع العداون على العراق، خرج إلى العلن رجلا فرنسيا شهما شريفا – اشرف من اي حاكم عربي شارك في العدوان على العراق – هو جان بيير شوفينمان، الذي كان يشغل منصب وزير الدفاع الفرنسي، واستقال احتجاجا على العدوان، كتب يقول: ... كان علينا أن ندعم حلا سياسيا في إطار عربي، ونتحاشى الانزلاق نحو تورط ميكانيكي يتجلى بإرسال قواتنا الى الخليج، ذلك أن أهدافنا السياسية ليست أهداف الولايات المتحدة واسرائيل... إن ارسال حاملة الطائرات كليمانصو افضل مساهمة للرد على احتمال هجوم عراقي على السعودية... أنا لم أعتقد بأن ذلك منطقي، فا