لماذا مقاطعة الاستفتاء ضرورة وطنية وقانونية؟

شبكة البصرة

صلاح المختار

        هناك من يريد اقناع العراقيين بان المشاركة في الاستفتاء ضروة لابد منها لاسقاط مشروع الدستور الصهيوني ، واستناد الى ذلك نجد ان ثمة من يدعو العراقيين للمشاركة في الاستفتاء باكبر حجم ممكن ! فهل هذا القول صحيح ؟ اننا لا نريد خوض جدل بيزنطي حول قضية مصيرية، كوضع العراق ومستقبل وجوده ، بل نريد لفت الانظار الى اخطاء الفهم القاتلة ، التي يقع فيها من يظن ان المشاركة في الاستفتاء قد تتيح فرصة اسقاطة بالوسائل الديمقراطية ! ولذلك سنشير الى ملاحظات عامة سريعة نأمل ان تكون مفيدة لمن لم ينتبه في غمرة التعايش الصادق مع مأساة العراق وشعبه .

        اولا : تعد المشاركة في الاستفتاء احد اهم متطلبات اضفاء الشرعية على الدستور ، من وجهة نظر امريكية ، لان مقاطعة قطاع كبير من العراقيين للاستفتاء سيلقي الان ضلال الشك على مشروعيته بالنسبة للرأي العام العالمي ، الذي مازال قسم كبير منه يقبل ما تقوله الامم المتحدة حول الشرعية ، كما انها ، اي المقاطعة ، ستكون غدا احد اهم اسلحة المقاومة في الطعن بمشروعية الدستور ، ومن ثم رفض الوضع السياسي الذي سيترتب على تبنيه ، وتقديم دليل قانوني على ان الوضع في العراق يفتقر للشرط القانوني، وهذا الامر سيسهل اعتراف العالم بسرعة بحكومة المقاومة بعد التحرير .

        ثانيا : ان المشاركة في الاستفتاء ستقدم على طبق من ذهب لامريكا سلاحا مهما جدا، من جهة ، وسلاحا اهم منه لايران ، من جهة ثانية ، سيستخدم  لتسويغ التدخل عسكريا ضد المقاومة المسلحة ، عند وصولها الى لحظة التحرير ودحر الاحتلال ، وهي لحظة تقترب بسرعة كما تؤكد المؤشرات العديدة . ان امريكا ستحشد العالم كله ضد انتصار المقاومة ، بالقول انها تريد اسقاط حكومة دستورية شرعية ، ويتضمن ذلك التحرك عسكريا باسم الامم المتحدة هذه المرة وبقوات دولية ، للتصدي لانتصار الشعب العراقي عسكريا على الاحتلال وعملاءه . اما ايران فانها ستسارع لنجدة عملاءها في الجنوب ، والذين اصبحوا عاجزين عن حماية انفسهم وقياداتهم من ضربات المقاومة المسلحة في جنوب العراق ، وستستند ايران على نفس ما ستستغله امريكا، وهو القول ان فدرالية الجنوب هي نتاج انتخابات تمت طبقا لدستور شرعي اقره العراقيون في استفتاء معترف به وبنتائجه عالميا ، وهكذا سنجد العراق ، وبعد ان اقترب من لحظة التحرير يواجه قوات دولية في الشمال لحماية صهاينة الشمال ، وقوت ايرانية في الجنوب لحماية صهاينة الجنوب الصفويين ، وبدعم دولي وباسم الامم المتحدة !

        ما معنى ذلك تحديدا ؟ ان معنى ذلك هو تقسيم العراق ، بمحافظة امريكا على انفصال الشمال ، ومحافظة ايران على انفصال الجنوب ، الامر الذي سيبقي الوسط حائرا بين الانضمام للسعودية او الاردن او تفككه الى مناطق منفصلة ومتناحرة . ان هذا السيناريو هو ما خططت له اسرائيل وامريكا وايران منذ زمن بعيد ، ومن يشارك في الاستفتاء سيدعم تنفيذ هذا السيناريو ، بغض النظر عن النوايا .

        ثالثا : ان من يظن بان امريكا ستستمح باجراء استفتاء حر يمارس سذاجة قاتلة ، ويقع في فخ جهل مطبق ، لانه لم يفهم اوليات احتلال العراق ، وفي مقدمتها ان امريكا لم تأت للعراق الا للسرقة والنهب الاستعماريين ، من جهة، ولتدمير مشروع النهضة العربية الحديث الذي تبلور في عراق التقدم العلمي والتكنولوجي ، من جهة اخرى ، كي يبقى المشروع الصهيوني هو المشروع الوحيد في الوطن العربي ، متعاونا ، ومشاركا لكل من ايران وتركيا في قيادة المنطقة والسيطرة عليها . ان تنفيذ هذه الخطة هو الشرط المسبق لقيام امبراطورية عالمية امريكية ، لان امريكا عاجزة عن تحقق حلمها الامبراطوري اعتمادا على قدراتها الذاتية ، وتلك حقيقة اكدتها مرة اخرى كارثة لويزيانا ، لذلك فان قيام شرق اوسط ، منظم وقوي وتابع لامريكا، هو شرط مسبق لتركيع العالم واخضاعه لامبراطورية الشر الامريكية . من هنا فان من يظن ان امريكا ستسلم العراق بالطرق الديمقراطية لمن يفوز في الانتخابات والاستفتاء، هو حالم وجاهل جهلا مطبقا وقاتلا بما يجري وبخطط امريكا البعيدة المدى .

       ان المطلوب من وراء الاستفتاء هو اقرار الدستور الكونفدرالي، وليس الفدرالي، للعراق ، وتحويله الى كويت اخرى ، من حيث الخضوع للاستعمار ، فهل يوجد عارف ولو بالحد الادنى يجهل هذه الحقيقة ؟ لن تسمح امريكا ابدا بتسليم العراق لقوى وطنية عبر الانتخابات . وحتى لو افترضنا جدلا ان بالامكان ذلك فان امريكا ستضع اي حكومة وطنية بين خيارين احلاهما مر : فاما ان تنفذ ما تريده امريكا او تستقيل . وهذه الحقيقة تبدو اشد قوة حينما نلاحظ ان امريكا اخذت تتجه في داخلها لتكون دولة بوليسية تقيد حريات المواطنين ، وهو ما يحذر منه الان العديد من مفكري وكتاب امريكا ، وحجة انصار الدولة البوليسية هي ان الامن يأتي قبل وفوق الحقوق الفردية . فاذا كانت امريكا تقمع مواطنيها وتفتتش في المطار اعضاء في الكونغرس الامريكي ، مثلما حصل للسناتور تيد كنيدي ، فهل يعقل ان تسمح بفوز وطنيين عراقيين في الانتخابات ؟ اذن يجب ان ننتبه الى ان نتائج الانتخابات قد اعدت سلفا ومنذ الان توجد صناديق فيها ملايين الاوراق التي تقول نعم للدستور، ولا توجد ضمانة محلية او دولية للتحقق من نتائج الاستفتاء .

        رابعا : ان الاصل في العراق الان هو انه وطن محتل ، والفرع المتبرعم منه لا يمكن الا ان يكون مثله من حيث الطبيعة ، وهذا يعني (ان ما بني على باطل فهو باطل ) ، والاستفتاء والانتخابات، واي قانون او ترتيب يقدم عليه الاحتلال لا قيمة قانونية له ، وهو ساقط من وجهة نظر شرعية . وكما لا يمكن تحويل فرع شجرة تفاح الى فرع من شجرة بطيخ، فان من غير الممكن منح الاستفتاء الشرعية ، مهما فعل الاحتلال . واستنادا الى ما تقدم فأن الاشتراك في الاستفتاء لن تكون له وظيفة سوى اضفاء الشرعية على الاحتلال ، وتزويده بوثيقة دولية تمكنه من حشد العالم ضد المقاومة في لحظة انتصارها الحاسم ، كما ان الانفصاليين من صهاينة الشمال والجنوب سيجدون في مشاركة افراد من كل الطوائف حجة للدفاع عن واقع التقسيم الكونفدرالي للعراق ،الذي سيفرضه الدستور في حالة اقراره ، بالقول ان كافة اطياف الشعب قد شاركت فيه ، ومن ثم التحصن بالطائفية والعرقية لابقاء الكونفدرالية قائمة .

        اذن ما الحل ؟ ان الحل هو دعم المقاومة المسلحة وتبني ستراتيجيتها الخاصة بتحرير العراق ، فذلك وحده هو الذي سيضمن اجبار الاحتلال على التخلي النهائي عن مشروع احتلال العراق والانطلاق منه لبناء امبراطورية كونية ، واهم اسلحة المقاومة واشدها فاعلية تكرار تاكيدها ،عبر العمل المسلح، ان بقاء الاحتلال كلما طال سيحمل امريكا المزيد من الخسائر المادية اولا ، لانها لاتهتم ببشرها بقدر اهتمامها باموالها ، ثم مضاعفة الخسائر البشرية الامريكية لاجل تحشيد الراي العام الامريكي الذي لا يهتم بابادة الشعوب الاخرى من قبل حكومته لكنه يستيقظ عندما يقتل ابناءه ، وهو ما يحصل الان ، حيث اوصلت المقاومة امريكا بادارتها وشعبها الى الاقتناع بان العراق قد اصبح اخطر خرم ابرة تتسرب منه اموال امريكا وارواح مواطنيها ، لذلك نرى الان وليس في العام الماضي ، ان المظاهرات والاحتجاجات في امريكا قد صارت ظاهرة وطنية عامة (Nation wide ) ، وانحدرت شعبية بوش الى الحضيض ، وبرزت لاول مرة منذ عامين اعترافات امريكية رسمية وشعبية هلعة ومرعوصة ( على حافة الجنون باللهجة العراقية ) بان امريكا تزداد غوصا في مستنقع العراق، وتعترف بانه اخطر من مستنقع فيتنام . الم تسمعوا توني بلير ، قاتل اطفال ونساء وشباب وشيوخ العراق  والفاشي المتطرف، يقول (يوم 25 9 2005 ) انه لم يكن يتوقع ابدا حتى في الكوابيس ان تكون المقاومة للاحتلال بهذه القوة ؟! نعم ونقولها مرة اخرى واخرى ويجب ان يسمع ذلك كل كل من لا يعرف امريكا : ان هذا البلد هو شركة كبرى وليس امة ، وما يحدد خيارات الشركة الكبرى المسماة امريكا هو ميزان الربح والخسارة وليس اي شيئا اخر ابدا . لذلك فان خسائرها المادية كلما زادت وتضاعفت اقتربت لحظة تحرير العراق ، وهو ما فعلته المقاومة الوطنية العراقية بنجاح فاق كل التوقعات .

        هل يجوز بعد كل تضحيات الشعب العراقي من اجل تحرير وطنه ، ان نتراجع الان ونقدم اعظم هدية لامريكا بقبول المشاركة بالاستفتاء ، والتي تعني الغدر بالمقاومة ومشروعها التحرري والوطني، ومنح الاحتلال اهم ما كان يحتاجه وهو المشروعية ؟ لذلك فاننا ندعو كل العراقيين ، الى اقامة (التحالف العراقي من اجل اسقاط الدستور) عبر مقاطعة الاستفتاء ، وليس المشاركة فيه ،لاجل ضمان الحاضر ، ويتجسد ذلك في ان مقاومة الاحتلال بكافة اشكالها حق مشروع لان الاحتلال ظاهرة غير شرعية ، ولاجل ضمان الغد ، عن طريق تاكيد انه يجب ان لايوجد اي غطاء شكلي قانوني قد يستغله الاحتلال وايران وصهاينة الشمال والجنوب لطلب الدعم الدولي والاقليمي ضد المقاومة ، بالقول انها تريد تغيير وضع نشأ عن انتخابات ودستور شرعي !

        انها لحظة الحقيقة ، وعلى كل مخلص للعراق ان يجسد اخلاصه في موقف لا يلحق الضرر بالامل الوحيد في تحريره وهو المقاومة المسلحة ، علينا ان نقف جميعا ، كل من يرفض الدستور، لنقول : لا للدستور ولا للاستفتاء الذي اعدت نتائجه سلفا ،ونعم للمقاومة المسلحة وفرعها وداعمها المقاومة السلمية .

        salahalmukhtar@hotmail.com

شبكة البصرة

الاحد 21 شعبان 1426 / 25 أيلول 2005

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس