عواءات ليلة ما قبل هزيمة امريكا في العراق

شبكة البصرة

صلاح المختار

        أذا صرخ عدوك تألما ، وأنت تعض اصبعه ، وإذا كتمت ألمك والعدو يعض إصبعك فعليك أن تعرف انك انتصرت وان عدوك انهار ، وما عليك سوى انتظار لحظات أعداد كفنه . هذا هو حال الحروب والأزمات الخطيرة ، ينتصر فيها من لديه استعداد للصبر والمطاولة والتحمل وكظم الألم ، وكل ذلك لا يتوفر الا لاصحاب القضايا العادلة والمبادئ النبيلة . كيف نطبق ذلك على العراق المحتل ؟ وهل اخذ العدو الامريكي- البريطاني بالولولة والصراخ ، وصار مألوفا ذهابه للمراحيض بعد كل رشقة رصاص ؟ نعم لقد نضجت الهزيمة الامريكية في العراق ، بعد ان تعالت صرخات التالم في البيت الابيض والكونغرس الامريكي ، وفي البرلمان البريطاني، وفي 10 داوننج ستريت( مقر الحكومة البريطانية) . دعونا نرى مشهد المهزومين، وهم يضعون احذيتهم في افواههم لمنع اصوات صرخاتهم من الوصول للخارج ، ومع ذلك اخذ العالم كله يسمع، ليس فقط صرخات الالم، بل ايضا نحيب الضباط والجنود المرعوبين من حدة وشمولية معارك حرب تحرير العراق .

       ان عواءات هؤلاء افضل مقال منطوق يؤكد ان هزيمة امريكا في العراق قد اقتربت، وان درب امريكا في العراق هو مجرد زقاق ضيق نهايته القبر، وكما يفضي القبر الى الفناء الابدي فان زقاق امريكا في العراق يقود الى نتيجة حتمية واحدة لاغير، وهي الهزيمة الحاسمة ،  لذلك لا نحتاج للكثير من التحليل والتفسير لما يجري، بل يكفي ان ننصت لعواء ضباع امريكا ولثغاء خرافها. لنستمع اذن لعواءات الليلة المقمرة السابقة للانهيار في العراق.

 

ثغاء خراف ام عواء ضباع ؟

        من بين اسمن الخرفان التي اخذت تصعد ثغاءها الرئيس الامريكي السابق بيل كلنتون ، الذي خرق عرف امريكي ثابت، وهو ان لا ينتقد رئيس سابق رئيس حالي ! فماذا قال محترف وضع سيجاره في مكان دافئ ، هو الاكثر خصوصية، والاشد حميمية ، والاخطر جنونا في جسم  مونيكا لوينسكي ؟ قال :( قررت إدارة بوش غزو العراق لوحدها وقبل أن تتم الأمم المتحدة عمليات التفتيش، وبدون ضرورة حقيقية لم يكن هناك دليل على وجود أسلحة دمار شامل). وأضاف كلينتون في لقائه يوم 18 9 2005 مع شبكة 'ABC' الأمريكية: حولت حرب العراق تركيز أمريكا في الحرب على 'الإرهاب'، وقوضت الدعم الذي كان لدينا. وبشأن الميزانية الأمريكية حذر كلينتون من زيادة العجز التجاري بسبب تكاليف الحروب في أفغانستان والعراق، وإعصار كاترينا، والاستقطاعات
الضريبية. وأشار كلينتون إلى أن الولايات المتحدة تضطر للاقتراض من الدول الأخرى لتمويل حربي العراق وأفغانستان، وآثار إعصار كاترينا، وقال كلينتون: (لم نفعل ذلك من قبل، لم يحدث في تاريخ جمهوريتنا أن موّلنا نزاعاتنا العسكرية، عبر اقتراض المال من مكان آخر)  .

       ما معنى هذا ؟ كلنتون يقول : اننا نقاتل بالاقتراض ! وهذا امر لم يحدث لامريكا من قبل حتى اثناء حرب فيتنام ، اذن هناك خلل جوهري وضع كلنتون اصبعه عليه، بعد ان رفعه من اكثر اجزاء جسم مونيكا خطورة ! هل هذا كل ما ينبئ بانهيار الاحتلال ؟ كلا ، فالقائمة تطول ولا تنتهي ، ففي دراسة اعدها معهد دراسات السياسة الامريكي تحت عنوان (المستنقع العراقي: التكاليف المتزايدة

للحرب واعادة القوات للوطن )  كشفت النقاب عن ان حرب العراق هي الاكثر تكلفة خلال حروب امريكا في فترة 60 عاما مضت ، وهي اكثر تكلفة من حرب فيتنام واي حرب اخرى (مقابلة ايريك ليفر حول تكاليف الحرب على العراق ، المنشورة يوم 19 9 2005 في موقع uruknet.info)

                                       

        وتدخل الكونغرس الامريكي، بجمهورييه وديمقراطييه ، من ايد غزو العراق ومن عارضه ، مستغلين اعصار كاترينا ليخرجوا ب( اجماع وطني) يحصل لاول مرة ، منذ غزو العراق ، على ان امريكا لاتستطيع الاستمرار في الحرب ضد العراق ومواجهة كارثة كاترينا وغيرها ! فقد وصف المعارضون لحرب العراق في مجلس الشيوخ الامريكي الاعصار كاترينا بانه جرس انذار لسحب القوات الامريكية والتركيز علي الاحتياجات المحلية، واتفق مشرعون من الحزبين الجمهوري الحاكم والديمقراطي المعارض علي أن جهود الاغاثة ستصعب علي الرئيس جورج بوش مهمة الحصول علي تأييد متواصل للحرب. وقال جوزيف بايدن، كبير الاعضاء الديمقراطيين في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ ، ان درجة الصعوبة زادت جدا بسبب كاترينا ، وأضاف: لا تكرروا هذا الكلام عديم القيمة عن أننا سنبقي هناك حتي تتم المهمة بل يتعين علي بوش ان يحدد جدولا زمنيا لتدريب القوات العراقية لتحل محل القوات الامريكية.

       وقال السناتور الجمهوري جون مكين: من الواضح أن هذه الامة قادرة علي توفير التكاليف المتعلقة بكاترينا وبحرب العراق، لكن ليس هناك شك في أن لكاترينا أثرا سلبيا علي التأييد لحرب العراق . والسناتور الجمهوري من أقوي المؤيدين للغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق. وقال روبرت بيرد السناتور الديمقراطي، وأحد أقوي المعارضين للحرب ضد العراق في مجلس الشيوخ، في كلمة القاها: ان الاستجابة المتخبطة، التي أبدتها الادارة، لمواجهة الدمار الذي لحق بالساحل الامريكي علي خليج المكسيك، يظهر ان( حرب العراق) استنزفت الموارد التي تحتاجها البلاد. وأضاف يجب ان نصغي الي انذار كارتينا. لا يمكننا ان نستمر في الالتزام بأن ننفق في العراق مليارات يحتاجها شعبنا بشدة ليس الان فقط في نيواورليانز لكن في مختلف ارجاء امريكا، في كل شيء من التعليم الي الرعاية الصحية والامن الداخلي وتأمين حدودنا . وقال ان غزو العراق لم يكن يفترض مطلقا ان يكون مهمة مفتوحة الامد وان تظل قواتنا غارقة في مستنقع فوضي استمرار القتال .


      وشكك عدد من اعضاء الكونغرس بامكانية تحمل الدولة جهود الاغاثة في ساحل خليج المكسيك، بعد ان خصصت بالفعل 62 مليار دولار، ومن المتوقع ان تخصص عشرات المليارات الاضافية من الخزانة الاتحادية، الي جانب حرب العراق التي كلفت حتي الان ما يقرب من 300 مليار دولار. وقال السناتور كنت كونراد كبير الاعضاء الديمقراطيين في لجنة الميزانية بمجلس الشيوخ الامر يتعلق بخفض ضريبي كبير تزامن مع انفاق ضخم علي العراق وكاترينا في الوقت الذي لم نكن قادرين فيه علي سداد فواتيرنا... التداعيات المالية لكل ذلك تزداد حدة .

وأثار بيرد واخرون شكوكا فيما اذا كانت قدرة الحرس الوطني علي الاستجابة للكارثة قد تأثرت نتيجة لاستنزاف قواته ومعداته في العراق. وقال كارل ليفين كبير الاعضاء الديمقراطيين في لجنة القوات المسلحة بالمجلس: كاترينا فاقمت الضغط علي القوات والحاجة لايجاد سبيل لخفض وجودها في العراق .

        وهكذا حسم الكونغرس امره واصبح متفقا على ان غزو العراق قد صار عبئا ستراتيجيا على امريكا وليس( كنزا ثمينا)ا كما قالوا، وتمنوا ، في بدء الغزو . وفي بريطانيا يحصل الشيئ ذاته، ثورة على رئيس الوزراء توني بلير ونقد حاد وجاد له ، فقد اعتبر مالكولم ريفكند، احد المرشحين لرئاسة حزب المحافظين في بريطانيا، الاربعاء ان كارثة حرب العراق اكبر من كارثة فيتنام مطالبا رئيس الوزراء توني بلير بالاستقالة. وقال ريفكند للبي.بي.سي يوم 22 9 2005 "انها اكبر كارثة في تاريخ سياسة المملكة المتحدة  الخارجية منذ 60 عاما. السويس (العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956) مقابلها لا شيء يذكر. وحتى فيتنام لم تكن مأسوفا عليها بهذا القدر، لانه على الاقل في فيتنام تمت دعوة الاميركيين من قبل حكومة كانت تسعى الى حماية نفسها من الشيوعية". واضاف وزير خارجية جون ميجور السابق "هنا اجتحنا بلدا واثرنا حربا ما كان يجب ان تحدث والان نرى فراغا سياسيا كاملا". 

    واوضح " اجد من المذهل ان يبقى رئيس الوزراء في منصبه". لاحظوا امريكا تتحدث عن كارثة ستراتيجية لم تواجهها منذ ستين عاما ، وبريطانيا كذلك تتحدث عن كارثة ستراتيجية لم تواجهها منذ ستين عاما ! اذن المقاومة العراقية الحقت بالاستعمار القديم ( بريطانيا )، والاستعمار الجديد ( امريكا ) كارثة ستراتيجية لم يستطع الاتحاد السوفيتي ولا الصين ، ولا الحركة الشيوعية العالمية جعل امريكا تواجه مثلها ، رغم ان تلك كانت قوى عظمى وكبرى في حين ان المقاومة العراقية تمثل شعبا حجمه صغير، لكن فعله التاريخي والحالي كبيرين جدا .

      واعتبر نائب كينسنغتون وتشيلسيا، الحي الراقي غرب لندن، انه كان على بلير الاستقالة "منذ اللحظة التي اصبح فيها من الواضح انه خدع البرلمان واستغل اجهزة الاستخبارات". واضاف "نرى الان الفوضى في العراق نتيجة لهذه الحرب.

وهذا لا يعني بلير وحده اذ ان الرئيس بوش في الوضع نفسه". وقال النائب المحافظ  "لا ينبغي ان يبقى اي رئيس وزراء ذهب الى الحرب بكذبة تمهيدية،

سواء بحسن نية او سوء نية، عندما يتبين انها كانت اكبر كارثة يشهدها هذا البلد في تاريخ سياسته الخارجية منذ الحرب" العالمية الثانية. وقد قدم المحافظون حتى الان دعمهم للحرب في العراق. ويعد ريفكند من المرشحين

الرئيسين لخلافة زعيم المحافظين الحالي مايكل هاورد المستقيل.

        وبسبب هذه الاجواء ،الاشد سخونة في جو بريطانيا البارد، وجد بلير انه محكوم عليه باعدام مستقبله السياسي، بعد اصبح عنوانا لتوريط بريطانيا في اكبر مأزق منذ 60 عاما، كما قالت شخصيات بارزة ! لذلك وجدناه يثغي كخروف عرف انه يسير نحو المسلخ ، حينما قال يوم 25 9 2005، وصوته يرتجف كمغن شرع الجمهور برميه بالقناني الفارغة لرداءة صوته : ( لم أتوقّع أبدًا أن  يكون هناك أناس- يقصد المقاومة الوطنية العراقية - بهذه النوعية من الشراسة في الشرق الأوسط، لا هم لهم سوى عرقلة أية عملية سياسية تتم في العراق).

      واكملت الصورة تقارير إعلامية بريطانية صادرة صباح الأحد(25 9 2005 ) ، حينما تحدثت عن احتمالات أن تبدأ قوّات الاحتلال البريطانية في الرحيل عن العراق ، بدءًا من شهر مايو- ايار المقبل، وذلك وفقًا لخطط تفصيلية تتبناها كل من واشنطن ولندن، من المنتظر أن يتم عرضها على البرلمان
العراقي المرتقب خلال الشهر المقبل (!!!)، كما قالت تلك المصادر. ونقلاً عن مصادر عسكرية رفيعة المستوى في الجيش البريطاني ذكرت صحيفة الأوبزرفر أن المخطّط الأمريكي البريطاني سيعرض ما يمكن  وصفه ـ بحسب الصحيفة ـ  خارطة طريق تضمن الانتقال من نقطة إلى نقطة ،على صعيد انسحاب قوات الاحتلال الأجنبية من العراق، على أن تبدأ هذه التحركات في أعقاب الانتخابات المنتظر إجراؤها في العراق في منتصف شهر ديسمبر المقبل .
ان الانتخابات المزورة سلفا ستكون ، حسب ما قيل ، الخطوة الاولى على طريق الانسحاب .

        وبعد ليلة عواءات بلير، جاءت يوم 25 9   2005سيدة اناث الضباع  مادلين  اولبرايت، التي حللت قتل نصف مليون طفل عراقي تحت سن الخامسة، لتعوي قائلة، بصوت متفجع لم يعد يحتمل تحمل الم (عض الاسنان) العراقية : ( ليس هناك خيارات جيّدة فيما يتعلق بالوضع في العراق، وأعتقد أنه تنتظرنا أياما سود في ذلك البلد مستقبلاً).  وجددت أولبرايت وزير الخارجية الأمريكية في عهد الرّئيس السابق بيل كلنتون ، بوي فريند مونيكا ، القول أن حملة الغزو ،التي قادتها واشنطن ضد العراق في مارس من عام 2003 ، قد أدت إلى وقوع سلسلة من الأمور السيئة والخطيرة التي كان من المفترض أن يتم وضعها في الحسبان.

وأخبرت أولبرايت مؤتمرًا يركز على دور الأمريكيين في تحسين صورة بلادهم في الخارج: (بدلا من أن نكسب الأصدقاء لأمريكا، قمنا بتسميم علاقاتنا مع العديد من البلدان في الشرق الأوسط والعالم الاسلامي). وأضافت بحسب وكالة أسوشيتيد برس: 'هناك العديد من العراقيين لديهم شكوك حول أن الولايات المتّحدة تحتلّ بلادهم لضمان الحصول على نفط الشرق الأوسط'. وكانت أولبرايت قد أعربت عن معارضتها للتصور الأمريكي الحالي بأن على أمريكا أن تكون السباقة في استخدام القوة دائما كخيار أول لحل المشاكل أو لدرء التهديدات. وقالت: إن إحدى المشاكل الأساسية لسياسة بوش، تكمن في أنها أحادية الطابع وتتصف ببعد واحد، وتنظر إلى كل الأمور فقط عبر القوة العسكرية ، وتربط كل شيء بأحداث الحادي عشر من سبتمبر، كما لو أنه لم يحصل شيء آخر في العالم غير ذلك.

        وتوسعت كارثة ادارة بوش لتشمل الراي العام الامريكي ، الذي وصل دعمه لبوش بعد غزو العراق حدا لم يصله الى اي رئيس امريكي قبله ،اما الان فقد انحدر الدعم الى حد رفض الاغلبية لسياسة بوش في العراق ! فقد كشف استطلاع للرأي نشر يوم 29 9 2005 أن الحرب في العراق جعلت الأمريكيين يتشككون في جدوى استخدام القوة العسكرية كوسيلة لفرض 'الديمقراطية الأمريكية'. وأظهر الاستطلاع أن 72 % ممن استطلعت آراؤهم قالوا إن الحرب جعلتهم أقل ثقة بخصوص استخدام القوة العسكرية 'لإرساء الديمقراطية'ـ على حد تعبيرهم ـ مقارنة بـ20 % فقط قالوا إنها جعلتهم أكثر ثقة بخصوص ذلك! وكشف الاستطلاع أيضًا عن أن ثلاثة من بين كل أربعة أمريكيين يعتقدون أن الإطاحة بالحكومة العراقية ومحاولة إقامة نظام ديمقراطي مكانهاـ وهي الأسباب التي تذرعت بها أمريكا لغزو العراق ـ ليست سببًا كافيًا لخوض الحرب هناك.

 ونقلت رويترز عن ستيفن كول مدير برنامج 'المواقف من السياسة الدولية' ـ وهو مجموعة بحثية مرتبطة بجامعة ماريلاند ـ قوله يبدو أن أغلب الأمريكيين غير مقتنعين برأي الرئيس جورج بوش... أن النهوض بالديمقراطية وسيلة حاسمة لمحاربة [ما يسمى] الإرهاب وجعل العالم أكثر امنا.'وفيما يكشف رغبة الأمريكيين في فرار جنودهم من العراق قال 57 % منهم إنه إذا صوت العراقيون بالموافقة على الدستور الجديد خلال الاستفتاء المقبل فينبغي للولايات المتحدة أن تفترض أن إقرار الديمقراطية قد تحقق! وتبدأ في سحب قواتها.

وأجرت المجموعة الاستطلاع بالاشتراك مع مجلس شيكاجو للعلاقات الخارجية، في الفترة من 15 إلى 21 سبتمبر- ايلول الجاري. اذن الراي العام الامريكي انقلب على بوش وهو يريد اي حجة لسحب القوات الامريكية ، مثل اجراء انتخابات ، ولو شكلية ، في العراق للانسحاب منه بطريقة تحفظ  ماء الوجه !

 

حينما تجوع الضباع ، حينما ترتعب الخراف

        وهذا التبدل في مواقف الراي العام يعود الى الفشل الامريكي في العراق ، من جهة وتفاقم الازمة الاقتصادية من ناحية ثانية ، فطبقا لمقال نشر في شبكة البصرة يوم 27 9 2005 عنوانه (هل يتجه الاقتصاد الامريكي نحو الكارثة) ، ترجمة ماجد الشهابي عن صحيفة تورنتوستار يوم 21 8 2005، حذرت مجموعة من الاقتصاديين والموظفين الحكوميين والقادة المنتخبين، من كل من  المحافظين والليبراليين ، من أن الاقتراض المتواصل قد يقود إلى كارثةٍ،

يمكنُ أن تُطْلقَ تراجعاً في قيم الوطنية، وارتفاعاً شديداً في أسعار الفائدة وفقدان الوظائف ، وأن تهدِّد الخِدمات الحكومية بدأً من الرعاية الصحية وانتهاءً بمؤسسات تنفيذ القوانين.

        يقول ديفيد وولكر، وهو مدقق حسابات الحكومة الفيدرالية، في مقابلة مع الأسوشييتد برس: "أعتقد بأن البلاد تقف على مفترق طرق خطير، وأن القرارات التي يتمُّ اتخاذها، أو التي لا يتمُّ الإقدام على اتخاذها، في السنوات العشر القادمة أو ما يقاربها، سيكون لها تأثيراً عميق الغَوْر على بلدنا وأطفالنا وأحفادنا.  المشكلة تكْبُرُ كلّ يوم، وموجات المدّ تقترب أكثر فأكثر في كلّ يوم."ويقول تقرير صحيفة تورنتو ستار الكندية الصادرة في 21 8 2005 لقد أصاب وباء المديونيَّة الأميركية اقتصاد الأُسر والحكومة والسوق العالمية.  ولكي نتفحّص الأمر دعونا نبدأ من اقتصاد الأسر الأميركية.

        اعتاد الأميركيون على التوفير، لكنهم ما عادوا يوفِّرون. تراوحت نسبة التوفير بعد الحرب العالمية الثانية بين 7% و11%.  لكنها تراجعت في السنين القليلة الماضية لتصل إلى نسبة 1.8% في العام الماضي ثم إلى 0% في الشهور الماضية من العام الحالي.

        ينعكس النقص في التوفير على شكل ارتفاع في الدين.  ففي عام 2000 وصل الدين المنزلي إلى ما نسبته 18% من الدخل الجاري، وهذا يحدث للمرة الأولى منذ عشرين عام.  ومعنى ذلك  أن الدين يأكل دولاراً من كل خمسة دولارات تنفقها أي عائلة أميركية، بعد أن تدفع فواتير السكن والغذاء. أما بالنسبة للحكومة فقبل بضع سنين كانت أحوالها المالية في وضعٍ هو الأفضل على مدى جيلٍ كامل، لكن تلك الحال لم تدُمْ.  فقد تحوّل فائض الموازنة البالغ ٍ236 مليار دولار عام 2000 عندما استلم جورج دبليو بوش الرئاسة إلى عجزٍ مقداره 420 مليار دولار في العام الماضي( هذا غير صحيح لان العجز في الميزانية لعام 2004 كان 600 مليار دولار صلاح المختار ). على من يقع اللوم في إنهيار قطاع التجارة الإلكترونية ، والركود الذي أعقبه تخفيض الضرائب الذي قامت به إدارة بوش، وهجمات الحادي عشر من سبتمبر، والحروب اللاحقة في كل من أفغانستان والعراق ؟ اذن غزو العراق ، كما يقول تقرير الصحيفة الكندية له دور في دفع امريكا نحو كارثة اقتصادية ، ومن ثم فان استمرار الغزو سيعجل بحصول الكارثة ويزيدها سوءا .

        اذن طبقا لهذا التقرير فان غزو العراق احد اهم الاسباب الرئيسية لاقتراب حصول كارثة اقتصادية في امريكا ، وما لم يعاد النظر جذريا في غزو العراق فان الكارثة قادمة لا محالة !

 

رطانة جنرالات الابادة القصدية

       هل اهملنا الجنرالات الامريكيين؟ كلا ، فلقد اعترف الجنرال ريتشارد مايرز، رئيس هيئة الاركان العامة للجيوش الامريكية يوم (27 9 2005 ) قبل ايام من تركه المنصب، بما يعد اخطر اقرار بعظمة المقاومة العراقية وكونها اصبحت قوة عظمى تقرر مسار العالم ، وتحدد لامريكا خيارات مرة ترفض التعامل معها، حتى في الكوابيس، حينما ثغى قائلا: (لابد ان نكسب حربنا في العراق لأن عواقب الهزيمة ستكون اكبر مما لو كنا خسرنا الحرب العالمية الثانية).هل تجرأنا جميعا ، نحن انصار المقاومة العراقية ،على مقارنة قوة المقاومة العراقية بجيوش المحور ، اي جيوش المانيا واليابان وايطاليا اثناء الحرب العالمية الثانية ؟ لو فعلنا ذلك لاتهمنا باننا مولعون بالمبالغات اللاعقلانية ! لكن مايرز فعل ذلك، وليس نحن . وبسبب الخطورة الفائقة للمقاومة العراقية ،على مستقبل الاستعمار الامريكي في العالم ، حذر مايرز من خفض ميزانية الحرب الامريكية في العراق، بدعوى توجيه الاموال المستقطعة لمواجهة تكاليف اعادة اعمار ما دمره الاعصار كاترينا في جنوب الولايات المتحدة، وهو ما طالب اعضاء في الكونغرس والاعلام الامريكي . وربط بين الحرب على الارهاب عقب احداث الحادي عشر من سبتمبر/ ايلول 2001 والحرب في العراق، واكد ان كلتا الحربين في حاجة الى التزام الشعب الامريكي. واشار الى ان مواطنيه الامريكيين ينسون احيانا الخطر الذي تمثله القاعدة والمنظمات الارهابية الاخرى. وقال ان العراق بات مركز الثقل بالنسبة للقاعدة، وحذر من ان انتصار الارهاب في العراق يعني 11 سبتمبر جديد مجاور.

     وأكدت معلومات تسربت ان الميزانية العسكرية الامريكية في العراق توشك على الافلاس، حيث بلغت تكلفة العمليات العسكرية في يونيو- حزيران الماضي 11 مليار دولار مقارنة مع 1،9 مليار في مايو/ ايار و5،2 مليار في ابريل/ نيسان. وارتفع متوسط الانفاق العسكري الى 5،2 مليار شهريا بزيادة بنسبة 27 في المائة مقارنة بالعام الماضي. وكان الكونجرس الامريكي قد أقر قبل يومين من ذلك التصريح زيادة اضافية مخصصة لوزارة الدفاع للانفاق العسكري في

العراق بلغت 50 مليار دولار، في محاولة لإنقاذ الموقف الحرج، حسب طلب ادارة الرئيس جورج دبليو بوش.

      ماذا فعل مايرز ؟ انه يجمع ،بقدرة ممثل ناجح ، بين ثغاء الخرفان وعواء الضبعان ،اثناء محاولته اقناع الكونغرس بعدم تخفيض الدعم المالي للغزو الامريكي للعراق، بسبب ضغوط اعصار كاترينا ، فهل ينطوي ذلك على معان خطيرة ؟ تصوروا قادة عسكريين، لا يعرفون الفرق بين سوني وسانيو،( يحاضرون) في الكونغرس في الشؤون المالية والاقتصادية لاقناعه بعدم تخفيض الدعم المالي للجيش بل زيادته ! فأي كارثة معقدة تواجهها الادارة الامريكية ؟

      وقد أقر الكونجرس أخيراً 45 مليار دولار اضافية للغرض نفسه. وسبق ل(مركز ابحاث الكونجرس) أن أكد أن تكلفة اعادة الاعمار في افغانستان والعراق لم تتجاوز 20 مليار دولار، بينما بلغت تكلفة الحرب 350 مليار دولار حتى الآن، انفقها البنتاجون بالفعل.هذه الاشارات المباشرة والدقيقة للاستنزاف المالي الامريكي في العراق تكشف حجم التورط الامريكي في العراق، وكونه صار كخرم الابرة يسرب طاقات وموارد امريكا باتجاهات تبذيرية تهدد مستقبل امريكا ، خصوصا وهي تواجه ازمات مالية واقتصادية معقدة، ابرزها وصول الدين العام الى مبلغ سبعة تريليون ( التريليون الف مليار ) وحوالي نصف التريليون ، وذلك رقم فلكي مذهل !

       اذن مايرز ، كغيره من الجنرالات ، مهموم وقلق من احتمال يزداد قوة ، ويتراقص امام ناظريه ليل نهار، وهو ان امريكا يمكن ان تخسر الحرب في العراق امام المقاومة العراقية ، وذلك طبقا لما يعتقد، والا لماذا يعد ان هذه ا لخسارة ، ستكون عواقبها اكبر من عواقب خسارة امريكا للحرب العالمية الثانية !هل توجد صراحة ووضوح اكبر مما قاله مايرز ؟ انه يقارن المقاومة وقوتها بقوة دول المحور (المانيا واليابان وايطاليا)، الذي حارب الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، بل انه يعد المقاومة العراقية اقوى واخطر ، فهل يبالغ؟ كلا بالطبع ، فهو على العكس يقلل من شأن المقاومة ويحاول اخفاء ما سببته لامريكا من نكسات ستراتيجية هزت صورتها العالمية ووضعتها امام اعظم تحد تواجهه في تاريخا كله.

كرة رامزفيلد  الثلجية

         هذا النحيب ولطم الخدود الامريكي البريطاني، في زريبة الخراف ، جعله دونالد رامزفيلد  ،وزير الحرب الامريكي ، قبل اكثر من شهر كرة ثلج تتدحرج وتكبر كلما نزلت الى تحت ، فلقد قال  (4 -8 2005 ) : ان قواتنا تواجه مأزقا خطيرا في العراق ويجب زيادة عدد قواتنا هناك. واذا نظرتم الى وجهه الشمعي ستقرأون معلومات اكثر مما ورد ، في تصريحه ، تفصح عن الحجم الحقيقي لورطة امريكا في العراق . وستزداد فرحتكم، حينما تقرأون ما كتب على تقاطيع  وجه جاك سترو،وزير خارجية بريطانيا المهموم ، وهو يقول ، مباشرة عقب تفجيرات لندن : ان وجودنا في العراق، نحن وامريكا  ، يذكي العمليات المسلحة هناك وهنا وفي كل مكان،

مع انه كان يرفض باصرار وجود صلة بين الهجمات على امريكا وغيرها وبين احتلال العراق . كما نعرف لم كان وجه توني بلير الممكيج ترتعش خلجاته، وهو يعلن ، عقب ضرب لندن ايضا ، ان لا صلة بين ضرب لندن وغزو العراق ! فسترو اعلن ما لم يستطع بلير اعلانه، وهو يتجرع سم العراق ، في مشهد بانورامي ،لا نرى فيه سوى عمليات مركبة لاكثر من طرف راهن على نجاح غزو العراق، فاضطر لتجرع سم العراق، كما تجرعه خميني من قبل، وهو اول من راهن على غزو ناجح للعراق، فبطحته زنود العراقيين شر بطحة، واجبرته على تجرع سم زعاف بقي ثمانية اعوام يرفض شربه ! وهذا خليل زلماي زادة ، الحاكم الاستعماري الامريكي الجديد للعراق المحتل ، يقول الان وظهره معوج : لا يمكن القضاء على المقاومة بالحل العسكري وحده بل يجب اضافة العملية السياسية ! واعوجاج ظهرة يذكرنا بانتفاخ صدره حينما وصل العراق، وقال، بلهجة مبالغات شرقية تكمن في قعر ذاكرته الافغانية : لقد جئت لاقضي على المقاومة ولدي خطة ناجحة !

        اما جيمي كارتر ،الرئيس الامريكي الاسبق، فقد اطلق تصريحا مهما (2 8 2005 )، من المؤكد انه جعل بوش يحك راسه ويفرك اصابع قدميه سوية ليفهم ما يجري ! قال كارتر ان معتقل غوانتانامو وصمة عار وذريعة للإرهابيين لمهاجمة الولايات المتحدة، واعتبر حرب العراق غير عادلة ولم يكن لها مبرر. ونقلت صحيفة واشنطن بوست عن كارتر قوله إن ما يحدث في غوانتانامو ومعتقلات أميركية أخرى هو وصمة عار في جبين الولايات المتحدة. ولم يكتفي بذلك بل اضاف، في مؤتمر صحافي على هامش مؤتمر التحالف المسيحي، أن ما يحدث في غوانتانامو لا يمثل رغبة الشعب الأميركي وانه يشعر بالخجل منه ويعتقد انه شيء مجرد من الصواب ويمنح الإرهابيين المبرر لمهاجمة المدنيين. وقال انه مازال ومنذ شن الحرب على العراق يعتقد أن هذه الحرب لم يكن لها ضرورة أو مبرر وان المبررات التي سيقت لها كانت زائفة! هل كان احدا ما يتخيل قبل غزو العراق ان يقف رئيس امريكي سابق ليقول هذا الكلام ؟

       

        واذا ربطنا هذه الاعلانات بتاكيد دونالد رامزفيلد وغيره من القادة الامريكيين ان الانسحاب الامريكي قد تمت جدولته وانه سيتم في صيف عام 2006امكننا ان نفهم ما وراء الانقلاب الامريكي - البريطاني ، والذي تزامن مع الانقلاب الاسترالي ، فكل هذه التصريحات والخطوات هي اعداد المسرح العراقي والامريكي والدولي للانسحاب من العراق ، ولذلك راينا ابراهيم الجعفري ، الايراني الجنسية والمعين من قبل الاحتلال رئيسا للوزراء ، يتوسل بوش وبلير ان لا تسحب القوات المحتلة فجاة وبدون علم حكومته ، لان ذلك حسب رايه سيقوض عملية بناء الديمقراطية في العراق ، وانه سيجعل ( الارهابيين ) ، حسب قول جلال الطالباني ، يسيطرون فورا على العراق !

               

عواءات ليلة ما قبل يوم الهزيمة

        اذا نظرنا الى كل هؤلاء الذين يصطفون على منصة العراق، وهم يتجرعون سم صدام حسين( فك الله اسره ) ادركنا ما يخفيه هؤلاء الجلادون ،  فبوش الان دخل غرفة الانعاش، ولن يستطيع العيش خارجها حتى نهاية رئاسته ، ورامزفيلد يحضر كفنه ولم تعد تفيده رطانته اللغوية في التهرب من ظلمة قبر الخذلان ، وبلير يستعد لايام سود،  لم يرها حتى في كوابيسه ،بعد ان اصبح  فيلم ( تجرع السم العراقي) هو فيلم الموسم بلا منازع ،  واخذ يضرب اعلى الارقام في تزاحم المشاهدين لرؤيته . ان العراق يمر بليلة ما قبل الهزيمة ، وكل المؤشرات تثبت ذلك ، وما قدمناه من عواءات ضباع وثغاء خرفان ، يقدم لنا الصورة الحقيقية لما يجري وما تحاول امريكا اخفاءه او تمويهه . ولكن هل يمكن ذلك ؟ بالطبع كلا ،لان المقاومة العراقية الوطنية المسلحة ، القوة العظمى الصاعدة ، حسب اعترافات الجنرال مايرز ، سوف لن تسمح بغير اجبار امريكا على الاستمرار في السير في زقاق ضيقه كضيق قبر من مات ضميره قبل موت جسده .

        تبقى ملاحظة اخيرة : هل لاحظتم ان اكثر التعابير تكرارا كان تعبير الكارثة ؟ فهناك كارثة ستراتيجة ، وهناك كارثة اقتصادية ، وهناك كارثة عسكرية ، وهناك كارثة نفسية ، وهناك كارثة علاقات عامة ، و...الخ ، من يواجه كل هذه الكوارث ؟ بالطبع امريكا، لدرجة ان كارثة احتلال العراق ستعالج غدا بعد التحرير ، بعد ان تطرد المقاومة كل ضباع امريكا وخرافها الخرفة، منهية ليلة العواءات والثغاء ، لكن مسلسل كوارث امريكا سيزداد طولا ، وسيسمن ويزداد ارتفاعه، حتى تصبح امريكا يائسة من نفسها ، وقرفة من اسمها ، وتسعى للتبرؤ من رسمها . اذن دعوا الضباع تعوي ، وضعوا امامها الخراف وهي تثغي ، ستجدون انفسكم امام فيلم الموسم الاكثر اثارة . هل تعلمون ما يشغل بالي منذ تيقنت ان التحرير اقترب ؟ اصارحكم بانني مشغول منذ ايام في تصور كيفية هروب الضبع جلال الطالباني وكرشه اثقل من سيارة الاسعاف !

salahalmukhtar@hotmail.com

شبكة البصرة

 الجمعة 26 شعبان 1426 / 30 أيلول 2005

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس