صلاح المختار : ديمقراطية الدولة المركزية هي الرد على اجتثاثية العولمة

شبكة البصرة

ننشر الرسالتين المتبادلتين بين الاستاذ صلاح المختار والدكتور (.........) الذي علق على احد مقالات المختار بخصوص دور الدولة والليبرالية .

أخي صلاح المختار المحترم

تحية طيبة

يقال أن الشطارة ، هي الاستعانة بما نجح به الاخرون ، والديمقراطية نجحت في كافة البلدان التي طبقتها ،و منها البلدان الاسلامية كماليزيا واندونيسيا وتركيا ، وخلق دولة مركزية قوية يتعارض مع الديمقراطية ، باعتبار الاخيرة تنفي المشاركة الواسعة للشعب في اتخاذ القرار والادارة العامة . والدولة الديمقراطية تستند على ثلاثة أسس ، هي الحكومة بطابعها السياسي السلطوي ،القطاع الخاص واندفاعه لتحقيق أقصى ربحية ، والمجتمع المدني الذي تسيره المساهمة التطوعية والنية الحسنة للعمل الانساني .

أخي صلاح

من حقك الدعوة للنظام الذي ترتائيه ولكن ليس على حساب اقصاء الاراء الاخرى  ،و الحكم المعتمد عالميا في تصنيف الحكم الرشيد او الحكم الصالح  هي مؤشرات التنمية البشرية المستدامة التي تنظر الى الانسان كغاية وهدف للتنمية وتهدف الى تنمية الشرائح الاجتماعية المهمشة والمسحوقة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا . والمؤشرات العامة للتنمية المذكورة  تحددها الارقام

وهي معدل دخل الفرد السنوي ، وما يعرف بمؤشر الرفاهية ، والتالي هو مؤشر الخدمات والرعاية الصحية المر تبط بمعدل الولادات الحية ومعدل عمر الانسان ، المؤشر الثالث هو مستوى التعليم ويعبر عنه بمعدل سنوات التعليم ونسبة تفشي الامية .

أخي صلاح

أعطني معدلا مقبول  عالميا لهذه المؤشرات ، ونظر لاي نظام حكم تبتغية . وشكرا

الدكتور (........)

الكاتب في جريدة (........) البصرية  

**********

 

رد الاستاذ صلاح :

        عزيزي الاستاذ  (.....)

        تحياتي الصادقة وتمنياتي لك بالموفقية في شهر رمضان المبارك

        من البديهي انني لا املك ، ولا غيري يملك حق مصادرة اراء الغير ابدا ، هذه نقطة ايضاحية مهمة ، كما انني لا استطيع فرض رايي على احد ، بل لا يجوز ان افعل ذلك ، خصوصا بعد تجربة نصف قرن من الاقصاء المتبادل بين القوى السياسية العراقية . ما اريده بتاكيد حتمية وجود دولة مركزية قوية في العراق لا يقصد به اي نمط من الديكتاتورية او اقصاء احد ، بل تاكيد حقيقة تنموية اساسية ، وهي ان حشد الموارد الوطنية لاجل التنمية وردم هوة التخلف يتطلب حكومة قوية وذات صلاحيات قوية في استثمار الموارد ، بما في ذلك البشرية ، من اجل التقدم ، وهذا الهدف يمكن ان يتم بوسائل ديكتاتورية وبوسائل ديمقراطية . والديمقراطية هي الاطار الانجح طبعا للقيام بتنمية مستدامة وشاملة، بشرط ان تخدم الشعب وليس حيتان الاحتكارات العالمية . كما ان الديمقراطية تضع حدا لسياسة الاستئثار بالسلطة ، وهي المقدمة الطبيعية لفشل خطط التنمية ، التي تحتاج لحشد الجهد الوطني بكامله . لكن الديمقراطية التي نحتاجها ليست الليبرالية ، لانها تعني اول ما تعني تحطيم المركز وجعل العراق مجرد كم متوازن يحيد بعضه البعض الاخر ، ويشل القدرة على التقدم . هل هذا توجه خاص بنا ؟ كلا ، فقط انظر الى مركز الليبرالية ، امريكا ، وكيف انها تحولت الى الليبرالية المتوحشة ( هل خطر ببالك وببال اى مثقف ان تقترن الليبرالية بوصف التوحش الذي يناقضها ، بل ينقضها ؟ ) ! العالم يعايش كارثة ان الليبرالية الامريكية ما ان تصورت انها انتصرت على الشيوعية حتى اعلنت ليس ديكتاتوريتها فحسب بل وحشيتها ايضا ! خذ مثال ليبرالية امريكا في ابو غريب والفلوجة والقائم وتلعفر وغيرها ، حيث صارت شرعة حقوق الانسان ورق تواليت تمسح به امريكا قاذوراتها بكل صلافة ووضوح ! وحيث قتل اكبر عدد من الصحفيين الذين كانوا يريدون اعلام العالم بما يجري في العراق ! الا يشابه النهج الاجتثاثي الامريكي نهج بول بوت في كمبوديا وبينوشيت في تشيلي وسوهارتو في اندونيسيا ؟ الليبرالية راية القوي حينما يواجه خصوما اقوياء لكنها ترمى في الزبالة حينما يتحرر هؤلاء من تهديد طرف مواز في القوة المادية ، فتظهر اسنان الليبرالية وتصبح وحشا كاسرا يتلذذ بالعبث بالاعضاء التناسلية للاسرى والمدنيين في ابو غريب ومئات السجون المثيلة لابو غريب في العراق والعالم !

        اما بخصوص امثلة ماليزيا وغيرها ، فاسمح لي ان اقول لك انها تجارب خاصة واستثنائية تمت نتيجة حاجة النظام الراسمالي العالمي للمحيط العالمي لتخفيض اكلاف الانتاج وزيادة هامش الربحية ، وقد انتهت هذه المرحلة ، وانت ترى الان كيف ان نفس من دعموا تجربة النمور الاسيوية اخذوا يعتدون عليها ابتداء من الانهيارات المالية ، في التسعينيات ، التي احدثها المضارب جورج سايروس، ووصولا للتامر على قيادة ماليزيا لمجرد انها انتهجت خطا مستقلا ! يضاف الى ذلك انك حينما تتحدث عن القلب الجيوبولتيكي للعالم ، وهو اقليم النفط في الوطن العربي ، وعن منطقة الصراع الاعقد والاخطر ، وهو الصراع العربي _ الصهيوني ، فمن الضروري الانتباه الى ان نفس القوى التي كانت وراء صعود النمور الاسيوية وقفت وتقف ضد اي نهضة حضارية حقيقية مستقلة في الوطن العربي ، وامامنا تجربتي جمال عبدالناصر وصدام حسين ، وقبلهما تجربة محمد علي باشا وابنه ابراهيم باشا في مصر ، والتي اجهضت كلها لصالح التخلف وقتل روح الابداع لدى الانسان . من المستحيل التعامل مع معايير التنمية بمعزل عن الاطار الستراتيجي للبلد المقصود ، ففي النهاية ما يتحكم في المواقف الدولية والاقليمية هو المصلحة ، بمعناها الستراتيجي .

       مما تقدم اخلص للاستنتاج الرئيس الذي بلورته تجربة العالم الثالث في نصف القرن الماضي وهي ان التنمية الوطنية اذا فقدت الاستقلالية تصبح محض امتداد وظيفي لمشاريع كونية تسحق المصالح الاصغر، وتستغلها لزيادة هامش الربح حتى لو ادى ذلك الى تنمية احادية ، وهي تنمية التكنولوجية وارباح نخب محدودة ، مقابل تحطيم الطبقة الوسطى ، كما يحصل في امريكا منذ انهيار الاتحاد السوفيتي ، وزيادة بؤس الشعوب الملونة كما يطلق الغرب علينا ، وتدمير البيئة من قبل من يقلل كلف الانتاج حتى بحذف ما يجب تنفيذه من خطط حماية البيئة !

        العراق دمر لانه ارتكب خطيئة التنمية المستقلة، من جهة ، ورفض الانخراط في مسيرة الاعتراف باسرائيل من جهة اخرى ، ومن التجني القول ان تدميره تم نتيجة اخطاء ارتكبت خارج اطار السببين المذكورين ، لذلك فنحن بازاء خيارين اساسيين : اما ان نتحول الى مسمار في عجلة الوحش النهم المسمى امريكا ، وهو خيار البؤس والشقاء المضاعف ، او نتمسك بالتنمية الوطنية المستقلة، بالتعاون مع قوى دولية محددة، ومحاولة الاستفادة الى اقصى حد من التعاون العالمي ، حتى في ظل شروط مجحفة . الا ترى ان ماليزيا قد اختارت ما ذهبت اليه مؤخرا ؟

        تقبل تحياتي

      صلاح المختار   

شبكة البصرة

السبت 11 رمضان 1426 / 15 تشرين الاول 2005

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس