مؤتمر القاهرة : (الوفاق) مع من؟ ولخدمة من؟

شبكة البصرة

صلاح المختار

اليوم الموعد الرسمي لعقد ما يسمى (مؤتمر الوفاق) في القاهرة، والذي حل محل الاسم الاصلي، وهو (مؤتمر المصالحة العراقية)! ويتبارى العديد من الاشخاص في تصليب شواربهم بوضع الجل عليها، وتلميع احذيتهم في فنادق الخمس نجوم في القاهرة استعدادا لمعانقة عمرو موسى، وعيونهم تبحث عن كامرة او صحفي ربما يوفر لهم فرصة الشهرة. ووسط هذه الزفة ينشط رواد مزابل الاحتلال في نشر اكاذيب ساذجة ووسخة حول اشتراك بعثيين في ذلك المؤتمر، رغم ان الحزب اعلن رسميا انه ضد المؤتمر كليا، وان أي بعثي ربما يحضره سيعد تلقائيا خارج الحزب، ويطير اخرون برقيات، حول امكانية انهاء الاحتلال بواسطة الجامعة العربية والامم المتحدة!

ما الذي يجري؟ ما حكاية مؤتمر المصالحة؟ مصالحة مع من؟ وبرعاية وضمانة من؟ من سيحضره؟ ومن وقف وراء الدعوة له؟ وما معنى المشاركة فيه؟ وما هو منطق الوطنيين الذين قرروا حضوره؟ هذه التساؤلات تفرخ اسئلة محددة سنطرحها ونجيب عليها، حرصا منا على مد يد الانقاذ للوطنيين الحقيقيين الذين دارت رؤوسهم من هول احداث العراق.

                       

تفجير الغام اسئلة

سؤال 1 : من دعا الى مؤتمر القاهرة للوفاق او المصالحة ؟ بالطبع ستقولون عمر موسى  وجامعته العبرية ، وهذا الجواب يولد سؤالا اخرا : هل يملك موسى هذا القدرة على التدخل في مستنقع العراق ؟ ان ارشيف ذاكرة كل عراقي وعربي يضم بالصوت والصورة وثائق تثبت ان الجامعة لم تكن عربية بل عبرية ، لانها كانت غطاء بدء تدمير العراق في عام 1991 ، وهي الان تتوج  تأريخ صبواتها العبرية باحتلال رأس قائمة خدام الاحتلال الامريكي للعراق ، من خلال تكليفها رسميا من قبل انظمة عربية ، امرتها السفارة الامريكية، بضرورة تحرك عمرو لتكون جامعته وكيل احضار من لديه الاستعداد للاشتراك في ستربتيز القاهرة الذي سيكون افضح عرض تعري ينقل عبر شاشات التلفزيون . ولمن ضعفت ذاكرته او تظاهر بذلك يجب ان نعيد التذكير بان امريكا ، وهي تدرك بيقين انها تحفر قبرها في العراق ، وأخر الاعترافات بذلك تصريح النائب الديمقراطي المهم في الكونغرس الامريكي جون مورثا الذي صرخ يوم 17 11 -  2005متوجعا : ( يجب ان ننسحب فورا من العراق ) ،امريكا هذه تخلت عن كبرياءها الكاذب، واستنجدت منذ اكثر من عام وكررت الاستنجاد ،  بمن وصفها كولن باول وسيده بوش ب ( اوربا القديمة )  احتقارا ونبذا وعزلا لها قبل الغزو بقليل ، وبمن هددها بوش في خطابه فيها ، قبل الغزو ايضا ، أي الامم المتحدة ، حينما قال اذا لم توافق الامم المتحدة على خطتنا لغزو العراق، باصدار قرار من مجلس الامن يمنح الشرعية للغزو، فسوف نجعلها من مخلفات الماضي !

نعم لقد غيرت امريكا موقفها تغييرا بارزا من القوى الدولية الاخرى ، نتيجة انتصارات المقاومة الوطنية العراقية وهزائم امريكا المريرة وتحول العراق الى قاعدة للمقاومة والتحرير،  اخذت تنشر اشعاعها التحرري الى كافة الاقطار العربية ، ومدت حركات  السلم والديمقراطية العالمية بقوة كبيرة فقدتها منذ عقود ، فأدركت امريكا انها مقبلة على انهيار هو الاخطر في تأريخها كله، وان مشروعها الامبراطوري قد اصبح مهددا بأن تأده سكين الثورة العراقية المسلحة .  لذلك قررت ان تستنجد بمن بصقت في وجوههم ، من خلال دعوتهم للمشاركة في احلال ما اسمته السلم في العراق، ووعدت اوربا القديمة ، وفي المقدمة منها فرنسا والمانيا ، بتقديم فتات موائد العراق لهم ، وامرت الامم المتحدة بالركض بسرعة للتدخل في العراق ، فوضع عنان اطراف دشداشته ( جلابيته ) بين اسنانه واخذ يركض في مختلف الاتجاهات ، لتحشيد العالم باسم منظمته العتيدة خلف جهد الواجهة الاستعمارية المسماة ( المجتمع الدولي) !

اما جامعتنا ، التي وصفها الفنان المرحوم عزيز علي منذ مطلع الخمسينيات ، بانها (جامعتنا الما لمتنا)، أي التي لم تنجح في توحيدنا، فان امينها العام  كان يراقب ابادة العراقيين وتدمير وطنهم واغتصاب نساءهم وشيوخهم واطفالهم جنسيا من قبل سوبرمانات امريكا في سجون (الحرية)  التي اقاموها في العراق، وهو يستمتع بالمناظر الخلابة لشرم الشيخ ، او يلتهم الكافيار الروسي والايراني ، في مطاعم الامم المتحدة ، ويرقص سيجاره بين اصبعيه !

من مهازل زمننا  ان ننتظر من الجامعة العبرية خيرا مع انها زائدة دودية لا فائدة لها سوى تفجيرها، بين وقت واخر، لنشر السم في الجسد العربي، ونحن لم نكن نعول عليها ابدا ، خصوصا منذ قامت بدور مصنًع غطاء شن العدوان الثلاثيني على العراق في عام 1991 ، وقد استقلت وقتها من هذه الجامعة ، الني كنت اشغل فيها منصب الامين العام المساعد المسؤول عن الاعلام والمكاتب الخارجية ، وهو اهم منصب فيها بعد الامانة العامة ، واعلنت في مؤتمر صحفي في تونس انني لا يشرفني ان اكون مسؤولا في جامعة تشرعن شن الحرب على العراق خدمة للاستعمار الامريكي .

وبعد ذلك العدوان الذي افنى البشر ودمر الحجر ، واصلت الجامعة لعب دور الزائدة الدودية التي تغمض العين عن استمرار الحصار على الشعب العراقي الذي قتل مليوني عراقي ، وبقي امينها العام السابق عصمت عبدالمجيد يغرف باطرافه الاربعة هو واولاده العقود والملايين من الدولارات من منطقة في جنوب البصرة وغيرها ، مقابل اصدار بيانات تحلل الدم العراقي وتستبيح سيادة العراق . كانت الجامعة من اهم السيوف التي قطعت اعناق مئات الالاف من العراقيين وساهمت في موت مليوني عراقي! ولم يكتفي عمرو موسى بذلك بل اعترف بالاحتلال الامريكي وبالحكومة التي نصبها ، وارسل وفدا برئاسة ناقص جاه  دخل الجامعة العبرية لجمع المال الحرام ، وهو احمد بن حلي الذي اهان العراق وشعبه بوقاحة  لا حدود لها عند زيارته للعراق وتقبيله للعملاء واطلاقه تصريحات اهانت القوى الوطنية العراقية . واعقب ذلك زيارة عمرو ومعانقته للجعفري والطالباني والبارزاني ووقوفه ب(اجلال امبراطوري) فارغ ،  وهو يستمع ل(السلام الوطني الكردي )، في اشنع خرق لميثاق الجامعة ، التي لا تعترف الا بالعراق وسلامه الجمهوري وعلمه الوطني !

وبعد ان استمتع عمرو موسى باطاييب الدنيا ، وهز كتفيه طربا على انغام احد معابد (روتانا ) ، ربت سيده على كتفه ، بحنان  ابوي، وقال له : يا عمرو لقد اطعمناك الكافيار، وسقيناك الكوثر، ووضعنا في اصبعك خاتم علاء الدين ،  والان حان دورك في ترقيص عراقيين ، على نفس الانغام التي ترقص عليها ، فتحرك لجمعهم في القاهرة ، واجمع رؤوسهم بالحرام ، ونظم لهم اعظم حفلة ستريتيز ، لان هدفنا نبيل وهو مصالحة العراقيين، ووضع حد للارهاب ، واقناع الوطنيين باحتضان وتقبيل اياد علاوي واحمد الجلبي وعبدالعزيز الحكيم وابراهيم الجعفري ، فعبر ذلك يمكن لامنا امريكا ان ترتاح وتوقف نزيف المال والدم الامريكي، وتبقى ضيفا عزيزا على العراق الديمقراطي ! انا أسال بجدية تامة  وطنيون وصلوا القاهرة : هذا ال(عمرو موسى ) هل يملك حقا ارادة وسلطة تمكنه من تنفيذ ما قد يتوصل اليه مؤتمر القاهرة ؟ ام انه مجرد بيدق في لعبة شطرنج واضحة تماما ؟

لا احد يتجرأ على انكار ان عمرو بلا سلطة وبلا استقلالية وانه مجرد موظف كبير في المؤسسة العربية . اذن كيف يتوقع عاقل يملك الحد الادنى من الوعي من عمرو ان يستطيع تقديم حتى الحد الادنى من الضمانات لوطنيين سيحضرون مؤتمر القاهرة ؟  ان حضوركم لا يعني الا شيئا واحدا : انكم تقدمون انفسكم قرابين على مذبح المراهنات الخائبة بوجود امل في احترام امريكا للجامعة العبرية .

سؤال 2 : من أيد الدعوة عالميا ؟ انه كوفي عنان الذي تحرك بنشاط وزار العراق لاول مرة منذ الغزو في مسعى واضح لاقناع تيارات ترفض تصديق ان امريكا يمكن ان تنسحب وفق جدول زمني فاقنعها بان امريكا جادة في التقيد بجدول زمني ، تماما كما فعل هو واسلافه من الامناء العامين للامم المتحدة مع القيادة العراقية الوطنية اثناء الحصار ، والذين اعطوا وعودا بان تقيد العراق بتنفيذ القرارات الدولية سيقود الى رفع الحصار ، لكن حينما تقيد العراق ونفذ تبخرت الوعود ، وبقي الحصار يقتل  يوميا اكثر من 300 عراقي ، وثبت ان امريكا تستخدم ادواتها ، مثل الامناء العامون للامم المتحدة، لخداع من يصدق ان الامم المتحدة مستقلة ولو بالحد الادنى ، ومن ثم تسليم رقبته لشرف من لم يعد امينا على شيئ سوى الدولار .

ان الامين العام للامم المتحدة ليس سوى عبد مأمور ، ولو بدرجة اقل من عمرو موسى ، لذلك فان تصدره واجهة التحركات الدبلوماسية ما هو الا  من ضرورات ديكور المشهد ، والذي يوظف لاقناع من في نفسه مطمع وحلم سلطوي عتيق ومكتوم بالافطار على خمر . ولذلك فان تدخلات كوفي ما هي الا غطاء لاستمرار احتلال العراق. وحتى لو افترضنا لاغراض النقاش الصرف ، ان عنان صادق في وعوده واقواله يبقى الامر الجوهري وهو : كم بندقية ومقاوم لديه ليقنع امريكا ، التي لا يقنعها منطق او قانون او انسانية ابدا ، وكما اكدت تجارب تاريخ امريكا ، بل ان ما يقنع امريكا هو شيئ واحد لا غير هو قوة المقابل وقدرته على الرد على اذاها بأذى مقابل . أذن ماذا سيفعل عنان حينما ستقول امريكا بعد فترة من اعطائها وعدا ، وحتى بعد توقيعها اتفاقا بجدولة الانسحاب ، لقد غيرت رايي وسامدد بقائي في العراق ؟ لاشيئ وكل ما سيفعله هو تكرار ما فعله مع غزو العراق ، ففي البداية قال انه غزو غير شرعي لكنه قبل شرعنة الغزو ، بدليل تعامله مع وضع الاحتلال كانه امر طبيعي (ويناضل بشدة ) كما يناضل عمر موسى ، من اجل دعم حكومة الجعفري التي عينها الاستعمار الامريكي !

السؤال 3 : من سيحضر مؤتمر القاهرة ؟ ينقسم من سيحضره الى ثلاثة مجموعات، مجموعة العملاء المكشوفين ، الذين كانوا وما زالوا اهم الادوات التي استخدمتها امريكا في تنفيذ خطة الاحتلال وقتل ربع مليون عراقي ، ماتوا منذ الاحتلال، وتدمير العراق واغتصاب نساءه واطفاله وشيوخه ، ونهب ثرواته ، ومحاولة اغراقه في مستنقعات الحرب الاهلية ومحو الهوية العربية للعراق، وفي مقدمة هذه المجموعة  اياد علاوي واحمد الجلبي وعبدالعزيز الحكيم وابراهيم الجعفري . وهؤلاء هم من ترى كل الشعوب ، انهم ارتكبوا فعل الخيانة العظمى ، وعقوبة هذه الفعلة النكراء ،  من الناحية الاجتماعية ،هي الاحتقار لهم ولابناءهم واحفادهم جيلا بعد جيل ، ونحن في العراق نحتقر حتى الان من تعاون مع الانكليز في العشرينيات من القرن الماضي .

 اما المجموعة الثانية فهي المواجذ ، وهي جمع لكلمة خلد ، والتي تعني الجواسيس المتخفين والمكلفين بالاندساس ضمن صفوف الحركة الوطنية ، والتظاهر باشد الاخلاص ، والمزايدة على المخلصين الحقيقيين ،لاجل الوصول الى مراكز صنع القرار او التاثير ، عندها تأخذ المواجذ بالتخريب ، او تكشف توجهها الحقيقي بعد ان امسكت مواقع مهمة . والامثلة الابرز ميخائيل غورباتشوف الذي وصل الى اعلى مراكز صنع القرار في الاتحاد السوفيتي ، وهي رئاسة الدولة وامانة الحزب العامة ، ومن ذلك الموقع بدأ بتفكيك الاتحاد السوفيتي تحت شعار البرويسترويكا والغلاسنوست ، واللتان اديتا الى تفسيخ الحزب الشيوعي والاعداد للانهيار الدرامي لاعظم قوة ! كما ان مثال كيم فيليبي ، مدير قسم مكافحة التجسس في المخابرات البريطانية ، والذي ثبت فيما بعد انه كان جاسوسا سوفيتيا ، أي انه كان حاميها حراميها ! هو مثال موح لما نريد الاشارة اليه ، وهو ان من السذاجة والغباء المفرط افتراض ان كل من يعارض الاحتلال وطني حقيقي ، اذ لابد من التعامل الجدي مع حتمية خطيرة ، وهي ان المخابرات الامريكية والبريطانية على الخصوص قد اعدت المواجذ قبل الغزو وكلفتها بلعب دور المعارض للاحتلال، والمنخرط في صفوف الحركة الوطنية العراقية بكافة احزابها ، وانها زايدت وتزايد على الوطنيين الحقيقيين من اجل ان تبني صدقيتها وتحسب على الخط الوطني وتتغلغل في صفوف انصار المقاومة ، بهدف محاولة اختراقها ، واذا عجزت ، فعلى الاقل تعمل على تمزيق صفوفها او تبني مواقف تضعف المقاومة ، او تربكها ، جزئيا او كليا .

هذه المجموعة موجودة بالتأكيد ، وقد احتفظت امريكا وبريطانيا بها للحظات الحسم، حيث يجب ان ترتفع اصوات تشكك بثوابت المقاومة ، وفي مقدمتها العمل المسلح حتى طرد الاحتلال ، بالادعاء بان شعبنا قد انهك وتعرض لكوارث وان الوقت قد حان لتجربة نوايا امريكا ! فلربما نستطيع الحصول على الاستقلال من خلال التفاوض معها وقبول وضع جدول زمني لانسحابها !

بهذا المنطق تتحرك المواجذ ، وبهذا المنطق نستطيع التأشير على عناصر مشبوهة تتحرك ، ولكن هذه المشبوهية تصطدم بثقة بعض السذج بهؤلاء ورفضهم قبول احتمال ان يكونوا جواسيسا للاحتلال ، لانهم يشتمون الاحتلال ويقولون انهم ضده ، وكأن الجاسوس يجب ان يكتب على جبينه (انا جاسوس )! في هذه المرحلة التي تتميز بتداعي الاحتلال وتأكد كل الزعامات الامريكية من ان غزو العراق كان خطأ ستراتيجيا كارثيا ، واخر من اعترف بذلك هو جون مورثا  النائب في الكونغرس الامريكي كما اشرنا ، تبرز الحاجة لتحرك الاحتياطي الغالي لامريكا ، وكشف اوراقه، بعد تغليفها برداء الواقعية والامر الواقع ، او قبول ما يمكن الحصول عليه لانه افضل من لا شيئ ومن استمرار القتل ! الخ من هذه الاسطوانات التي سمعتها كل الشعوب التي خاضت حروب التحرير .

نعم الان وفي مؤتمر القاهرة سنرى المواجذ تستيقظ ، أي تقدم الخدمة الاساسية والتي جعلتها تتخفى بالموقف الوطني من اجل ان تقدمها بنجاح ، وهي معانقة اياد علاوي والحكيم والجعفري والجلبي، تحت شعار المصالحة الوطنية ووضع حد لسفك الدماء ومعاناة العراقيين والوصول الى ما يمكن الحصول عليه من امريكا ... الخ من هذه الخزعبلات . من يستفيد من هذا الطرح ؟

اول المستفيدين هو الاحتلال ، اذ سيقول بوش لشعبه ،الذي اصبحت نسبة حوالي 70 % منه ضد الحرب والغزو  بعد ان وصلت اعلى نسبة تأييد يحصل عليها رئيس امريكي عقب الغزو ، سيقول : انظروا هاهم من كانوا يقاتلون الاحتلال تراجعوا واخذوا ينخرطون في العملية السياسية ، وبذلك يعيد بعض شعبيته ويساعد حزبه على الفوز في الانتخابات النصفية للكونغرس الامريكي ، بعد ان اكدت استطلاعات الراي العام ان الحزب الجمهوري قد تعرض لضعف شديد نتيجة سياسة بوش الفاشلة في العراق ! وثاني مستفيد هم العملاء الذين ارتكبوا فعل الخيانة العظمى ، لان مؤتمر القاهرة يعني في المقام الاول ازالة الفارق بين المجموعة الاولى ، أي الخونة والجواسيس ، وبين الوطنيين المفترضين ، وبذلك يمنح للاولين صك براءة من فعل الخيانة العظمى ويخدع قسم من العراقيين بالقول ان مصلحة العراق تحتم التنازل والوفاق !

اما المجموعة الثالثة فهي الوطنيين الحقيقيين الذين قرروا حضور مؤتمر القاهرة نتيجة شدة ضغط الوضع العراقي عليهم ، واختلال المعادلة لديهم ، خصوصا وان السذاجة تطبع فهم بعضهم  لاليات الاحتلال واهدافه الستراتيجية البعيدة واساليبه الاستخبارية ، كما تؤكد ذلك تبريراتهم لحضور مؤتمر القاهرة ، من جهة ، وتأثيرات العقلية الريفية على قراراتهم الحاسمة ، من جهة ثانية ، وهي عقلية مباشرة وتفترض حسن النية في الخصم ، واحيانا تجد له الاعذار، لانها بالاصل طيبة النوايا ونقية السريرة ، فتسقط نمط تفكيرها على الخصم وتتصوره مثلها طيب القلب والنوايا ، وهكذا تجد نفسها تصارع قناعاتها المتضاربة ، فتسقط في الفخ ، خصوصا اذا كانت تحسن الظن بمواجذ وتعدهم مخلصين ووطنيين لايشك بهم . كما نجد عناصر اخرى وطنية يطغى على تفكيرها الطابع البورجوازي الصغير ، والذي يتسم ، اول ما يتسم، بتغليب الانا على المجتمع ، بتعبير اخر : ان البورجوازي الصغير يبقى صلبا ونقيا مادامت ذاته راضية بالوضع ، لكنه ينقلب ، وربما جذريا ، حينما تصطدم ذاته مع المصلحة العامة ، مثل تعرضه للموت ، او وصوله الى حد الانهاك والعجز عن الاستمرار في تحمل ضغوط التحديات ، فيشرع في قبول التبريرات والادعاءات التي كان يرفضها ، ويسوق ذلك تحت غطاء الواقعية وتبدل المعطيات !

لقد نجحت العاهرة المحترفة المنبوذة اجتماعيا وسياسيا واخلاقيا ، أي عملاء الاحتلال ، في اختراق الحاجز ودخلت احياء ( الشرفاء )، ومن ثم اخذت القيم الوطنية تختلط بقيم العهر والسمسرة لدى البعض ، وتلك هي اهم المطاليب السايكولوجية التي يريد الاحتلال ان يوصل العراقيين اليها ، تماما كما اوصل عربا الى قناعة ان عهر اسرائيل يمكن ان يصبح ضرورة عربية ! فغيرت مناهج التعليم ومنعت ايات قرانية مقدسة من الاستخدام ، ورفعت المقاطعة ، وكل تلك الاشياء كانت مقدسات عربية ، والان اصبحت مرفوضة  اواجتهادا نسبية بالنسبة للبعض . ولهذا اخذنا نشاهد الفضائيات التي كانت تمنع القبلة الخفيفة تسمح ببث مناظر العهر الفاضح ! كما لاحظنا ان فضائيات عربية قد دشنت عصر دخول المسؤولين الاسرائيليين الى غرف نوم اطفالنا باسم الاطلاع على الراي الاخر وتزامن ذلك بمقاطعة المفكرين والكتاب البعثيين وغيرهم من الوطنيين !

تلك هي عمليات التطبيع السايكولوجي المخطط لها من قبل الصهيونية الامريكية . ومؤتمر القاهرة يهيأ لنا تطبيعا مع العملاء ومع قيم العمالة و(مصالحتها) مع القيم  الوطنية والدينية ، لكن هذه المصالحة لا تخدم الطاهر والوطني ابدا ، لانك حينما تضع تفاحة فاسدة كاياد علاوي او الجلبي ، في سلة تفاح سليم ، كالوطنيين الذن سيحضرون مؤتمر القاهرة ، سيفسد الصالح ولا يصلح الفاسد على الاطلاق ، وانا اتحدى من يجلب لي مثالا واحدا نجحت فيه تفاحة سليمة في اصلاح تفاح فاسد وضعت معه في سلة واحدة .

ان مجرد حصول حوار بين الجلبي وعلاوي والحكيم والجعفري، مع عناصر وطنية سيكون بمثابة اعلان ان العناصر الوطنية  اصبحت تفاحا فاسدا تعافه النفس .

وهنا يجب ان نطرح سؤالا منطقيا لا يمكن الهروب منه وهو : لنفرض ان امريكا وعدت بالانسحاب في اطار جدول زمني ، كيف تمنعون امريكا من التراجع حينما ترتاح في العراق ، لا سامح الله ، وترفض الانسحاب ؟ لقد تراجعت امريكا امام الاتحاد السوفيتي وكان القوة العظمى الاخرى ، وتراجعت امام الصين واتحاد اوربا برفض توقيع اتفاقية كيوتو حول المناخ واتفاقية المحكمة الجنائية الدولية ، واللتان كانت هي  من اقترحتهما ، فماذا فعلت القوى العظمى والكبرى لاجبار امريكا على التقيد باتفاقيات دولية ؟ لا شيئ سوى قبول الامر الواقع . فهل يملك من سيحضر المؤتمر القوة التي تجبر امريكا على الالتزام بالانسحاب وفقا لجدول زمني والعراق هو اعظم (مكافئة) ستراتيجية تقع في يدها ؟ ان السذاجة ستكون قاتلة للروح قبل الجسد اذا ظن البعض انه يستطيع التكتكة مع امريكا ، وفي هذه الحالة فقط نحن نقول ما قاله السادات يوما : (ياعم دي امريكا ) .

كما المطلب الاساس لهؤلاء الوطنيين هو تسليم العراق للامم المتحدة واجراء انتخابات حرة ، هو الاخر اما يعبر عن سذاجة مفرطة في فهم امريكا او انها تستبطن نية في الانبطاح لها ، لان الامم المتحدة استخدمت وتستخدم كاداة امريكية طيعة ، وتسلمها للعراق سيعني امران متلازمان : الاول محاولة حرمان المقاومة الوطنية العراقية من استلام السلطة واستباق انهيارالاحتلال  على يدها ، وهو امر يقترب بسرعة ، اما الامر الثاني فهو تسليم العراق فعليا لامريكا ولكن هذه المرة بتعاون رموز وكتل كانت ضد الاحتلال ، فمن المستفيد اذن من مطلب تسليم العراق للامم المتحدة ؟ يقينا ان طفل ساذج يعرف ان تسليم العراق للامم المتحدة ما هو الا تكتيك امريكي صرف لتمويه الاحتلال ، واذا طالب بذلك احد ايا كان فهو اما اعمى البصر والبصيرة واما انه خلد نائم شرع بالاستيقاظ .

سؤال 4 : اذا قبلتم خطة بوش التي سيعرضها عليكم عمرو موسى، الا تعرفون انكم تدخلون في تناقض حاسم مع موقفكم المعلن القائم على دعم المقاومة؟ ان المقاومة اعلنت وكررت الاعلان انها لن تقبل أي حل تفاوضي ما لم يقبل الاحتلال بمطاليب المقاومة المعلنة ، وهو لم يفعل ذلك حتى الان ، اذن  فمطالبتكم بتسليم العراق للامم المتحدة  واجراء انتخابات حرة باشرافها يتناقض كليا مع قرار المقاومة استلام السلطة بعد التحرير من قبلها ، فماذا تقولون ؟ وهل تضعون انفسكم كبديل عن المقاومة وانتم مجرد انفار مستنفرة ؟ والى ماذا سيؤدي ذلك ؟ الاتعلمون ان أي قرار يتخذ في اجتماعات كهذه سيستخدم من قبل امريكا لتاكيد انها تحصل على دعم وتعاون (كل اطياف الشعب العراقي) وان من كانوا مغيبين قد حضروا وشاركوا في تقرير مصير العراق !

 

نصيحة اخيرة

ايها الوطنيون الذن سيحضرون مؤتمر القاهرة : نرجو منكم ان تقراوا الملاحظات التي عرضناها ، وان تتذكروا ان مؤتمر القاهرة سيكون عرض ستربتيز ينقل عبر شاشات التلفزيون ويظهركم تنزعون ثيابكم ، ثم تتطور لقطة الاثارة بدعوة اياد  علاوي والجلبي لفض بكاراتكم ، فهل سمعتم بباكر شريفة تعرض بكارتها لسمسار كي يفضها عبر شاشات التلفزيون وملايين الناس يتابعون المشهد ؟! انني ما زلت اثق بانكم لن تسلموا بكاراتكم للعملاء ، وما زلت اثق انكم لن تفطروا على خمر بعد صيام طويل ، فهل اعتقادي هذا صحيح ؟ ام انه محض امنيات شخصية لانني احترمكم ؟ لا تنسوا ان المقاومة مستمرة في تنفيذ ما قررته وهو تحرير العراق عبر الكفاح المسلح ، وان أي تغيير في مواقفكم سيضعكم في سلة اعداء التحرير ، وهو امر لن يغير شيئا كبيرا في معادلة الصراع لانكم كنتم وما زلتم بلا سيقان تقفون عليها داخل العراق .

انني ادعوا كل انصار المقاومة من الكتاب الى رفع اصواتهم فورا ضد هذا المؤتمر والمساهمة في فضحه ودحض طروحاته ، وعدم التوقف الا عند اسقاطه والحاق الهزيمة بمنطقة واشخاصه .

salahalmukhtar@hotmail.com

شبكة البصرة

السبت 17 شوال 1426 / 19 تشرين الثاني 2005

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس