الدور الاسرائيلي : كيف يجمع السيستاني والبارزاني؟

شبكة البصرة

صلاح المختار

حينما كنا نقول ان مخطط غزو العراق اكبر من جغرافية العراق، وانه بداية لمشروع اقليمي ستراتيجي، كان البعض يشكك والبعض الاخر يتردد في تصديق ذلك، لكن هذا المقال الاسرائيلي، يكشف فقط راس الجليد الطافي من المخطط، وهو ما يجري في شمال العراق من تغلغل اسرائيلي وتعميق تحالف الزعامات الكردية مع اسرائيل، من اجل اعادة تشكيل المنطقة كلها وليس العراق فقط. ولتحقيق الفائدة القصوى من قراءة  المقال يجب ان نشير الى عدة حقائق اكدها :

1- يكشف المقال عن ان ما يجري في شمال العراق هو بناء قاعدة ستراتيجية ضخمة عسكرية واقتصادية ولوجستية وبشرية لخدمة وتنفيذ الخطوات اللاحقة من المخطط ، واهمها التقسيم الحتمي لتركيا وايران اذا نجح مخطط تقسيم العراق .

2- يكشف المقال حقيقة التغيير السكاني القسري في شمال العراق حينما يذكر ان عدد اكراد العراق هو الان ستة ملايين كردي! مع ان الاحصاءات الرسمية حتى تلك التي اجرتها الامم المتحدة اثناء الحصار، لتسهيل تنظيم البطاقة التموينية، اكدت ان عدد اكراد العراق لا يتجاوز ثلاثة ملايين ابدا. معنى هذا ان الزعامات الكردية، وبدعم امريكي اسرائيلي ايراني، قد نقلت ثلاثة ملايين كردي من تركيا وايران وادخلتهم العراق من اجل ليس فقط تأمين عدد كبير من السكان يدعم هدف الانفصال بل ايضا تغيير الطبيعة السكانية للعراق تمهيدا لتقسيمه. ويجب ان نشير الى ان تعمد امريكا تقسيم العرب الى سنة وشيعة سياسيا ، احد اهدافه الاساسية هو ازالة الاغلبية العربية الساحقة، التي تشكل اكثر من 85% من العراق، وجعل الشيعة العرب كتلة مستقلة عن السنة السنة العرب، وبهذا يصبح في العراق شيعة وسنة  كل منهما عشرة ملايين نسمة او اكثر او اقل! ما هي النتيجة؟ النتيجة تقارب المكونات السكانية وانعدام القومية الرئيسية التي ضمنت وحدة العراق عبر الاف السنين، وتلك خطوة حاسمة لدفع العراق على نفس طريق يوغسلافيا ، اي التقسيم .

3- يشير التقرير الى ان هناك عمليات ضخمة تجري في شمال العراق للعثور على ثروات محلية لتمويل مشروع الدولة الكردية المستقلة، وهو امر تساعد عليه اسرائيل بدعم امريكي، ومانشر مؤخرا عن بدء التنقيب عن النفط في شمال العراق بواسطة شركة نرويجية يكمل صورة الاعداد لتقسيم العراق. كما ان الاصرار على تغيير الطبيعة السكانية لكركوك بالقوة والتطهير العرقي لصالح الاكراد يكمل  عملية الاسراع بالاعداد لاعلان دولة كردية تستطيع الاعتماد على موارد خاصة بها، ولا تخنق اقتصاديا بمجرد عزلها كما هو معروف .

4- ان الكونفدرالية التي كرسها الدستور الصهيوني هي الاساس الشرعي الشكلي لانفصال شمال العراق، كما ان الانتخابات الاخيرة زورت لاعطاء شرارة البدء في انفصال الشمال، بحجة تعقد الصراع بين من يطلق عليهم السنة والشيعة بسبب الاعتراض على نتائج انتخابات اعدت سلفا وهو ما قلناه مرارا .

5- يحاول المقال اعطاء انطباع بان الاسرائيليين قد هربوا بعد كشف وجودهم، وهذا غير صحيح وهو مجرد تمويه، لانهم مازالوا هناك ويزدادون عددا ودورا، لان المشروع الانفصالي الكردي والصفوي في الجنوب، لم ينفذ ولم ينجح .
ومع تثبيت هذه الملاحظات يجب ان نذكر بان هذا المخطط مكتوب عليه الفشل الحتمي لانه مشروع معاد لكل العراقيين ،وبالاخص لاكراد العراق ، الذين تريد الزعامات الكردية تعريضهم للمأسي المتسلسلة لخدمة اهداف عوائل حاكمة وقوى اجنبية، فمنطقة شمال العراق، ومهما غيرت سكانيا وعسكريا واقتصاديا ستبقى في مكانها، اي انها ستبقى اسيرة الجغرافية، الامر الذي يجعل بامكان العراق ودول الجوار خنقها بسهولة وبدون حروب . اما اذا عمل العنصر الخارجي ، خصوصا الاسرائيلي الامريكي على دعم مشروع الانفصال ضد اردة شعوب المنطقة فعندها ستتحول منطقة شمال العراق الى بؤرة جحيم المنطقة، وستفرغ من السكان بسبب هذا الحجيم، بعد ان تصيب العرب والاكراد والاتراك والايرانيون الكوارث .

اننا نقول ذلك لاننا نعلم ان ما تقوم به اسرائيل، وهي تجر امريكا من قرونها الى مأزق خطير في شمال العراق، انما هو تكتيك استنزاف العراق وعرقلة اعادة بناءه بعد تحرره قريبا، ومنع ايران من الاتجاه للتعايش مع العرب، ووضع عقبات امام تحول تركيا سلميا الى دولة تنتمي الى العالم الاسلامي وليس الى اوربا او حلف الاطلسي .

لكن اسرائيل تعرف كما تعرف امريكا ان مصير الانفصال الكردي هو الزوال الحتمي مهما طال الزمن، لان مقومات البقاء خارج العراق شبه معدومة والعمليات التجميلية التي تجري الان لن تصمد امام الجحيم اذا صار شمال العراق بؤرة للصراع .
 

من صحافة العدو : في عُمق العدو

بقلم: تصادوق يحزقيلي وآخرين

يديعوت 2/12/2005

في منتصف الليل وصل الوزير كريم سنغري في سيارته المدرعة. هذا الشخص الذي لم يتردد اسمه أبدا بصورة مباشرة، وانما تردد اسمه السري فقط K. الوزير وصل محاطا بمرافقيه وجلب معه حركة فزعة. الهدوء في الموقع تبدد دفعة واحدة. الاسرائيليون قفزوا من أسرّتهم: خريجي الوحدات الخاصة، كل واحد منهم ذو رصيد قتالي في وحدات الجيش الاسرائيلي المختارة.

 

ارض العدو هذه كانت منزلهم في الاشهر الأخيرة. هم هناك يقومون بعمل خطير، ولكن من دون أي شائبة ايديولوجية، والأرباح التي يحصلون عليها أفضل من العمل كحارس في سوبرماركت أو في "الشباك". هم تركوا وراءهم عائلات كانت على قناعة أنهم يعملون في دولة صديقة. وفي إجازاتهم ايضا لم يُحدثوا أحدا عن عمليات التدريب على السلاح وتشكيل وحدات مكافحة الارهاب ووحدات الدراجات النارية السوداء وخلايا كشف المواد الناسفة، وسرية النساء المسلمات ومرافقي الشخصيات الهامة ووحدات الكلاب. كلهم هناك عرفوا أنهم اسرائيليون إلا أن أحدا لم يتحدث عن ذلك. حلف الصمت الذي تبناه المحليون هناك. ولكنهم اسرائيليون، ممثلون لشركات تجارية يُدربون مسلمين كانوا حتى فترة وجيزة من مواطني الدولة الأكثر عداءا لاسرائيل.

 

كل شيء كان اسرائيليا من حولنا في الموقع: التجهيزات والتكنولوجيا والالكترونيات والجدران وأبراج الحراسة والشركات الاسرائيلية الأكثر شُهرة من "موتورولا" وحتى "ميغيل". حتى الكلاب التي تجري هنا وهناك كانت ذات تربية اسرائيلية ومُدجنة على يد اسرائيليين. المخاطر في الموقع أُزيحت جانبا لأن المكان كان منجم ذهب هائل. ومجموعة من رجال الاعمال الاسرائيليين حصلت على امتياز أوحد للتنقيب عن الذهب. مئات ملايين الدولارات مرت هناك بين الأيدي. من استثرى من ذلك لم يكن المقاتلون المُتعبون في الميدان، وانما أسماك القرش الكبيرة التي تعرف كيف تجرُف الذهب بعذوبة وطلاوة خداعة.

 

الوزير K. الرجل القوي والمقتدر في هذه البلاد الصحراوية، فتح الباب للاسرائيليين. ليس من الممكن الدخول في هذه الدولة الملعونة من دونه. لا يتزحزح أمر من دون كلمته. حتى الامريكيون أنفسهم تزلفوا له، والكوريون ايضا نسجوا حوله اقتراحات مُغرية. K فتح الحواجز أمام الاسرائيليين ليس من فرط حبه لهم، وانما أكثر من ذلك بسبب إعجابه بأسطورة القوة الاسرائيلية. هو من أحفاد الحمولة العتيقة التي نسجت خلال عشرات السنين علاقات سرية مع اسرائيل، من منظمة نتيف وحتى الموساد. وعليه، في خلفية الامور تحالف قديم. ولكن المسألة كانت عبارة عن "بِزنس" أكثر من كل شيء. الوزير K والى أي حد سيبدو ذلك غريبا، شعر بالراحة أكثر مع الاسرائيليين من غيرهم. هم تحدثوا بنفس اللغة والمضامين "دوغري"، لغة تُحسم فيها الامور بكلمة أو بمصافحة باليد. الامور الهامة كانت تُحسم من قبل الوزير من خلال السير لنصف ساعة على طول مسار التدريب الرملي برفقة الاسرائيلي المسؤول في الموقع.

 

في تلك الليلة كان كريم سنغري، وزير الداخلية، عصبيا وهائجا. عليكم أن تغادروا المكان، قال، وبأكبر سرعة ممكنة. السر الأكبر بوجود اسرائيليين في المكان تسرب الى الخارج. الاشاعات بدأت تتردد حول اسرائيليين يقفون من وراء المشاريع الكبرى في شمالي العراق. عملاء التجسس الايرانيين بدأوا يتجولون في المواقع. هذا الامر كان سيئا لصورته وللصفقة التجارية، وكان من الممكن أن ينتهي بكارثة فظيعة لو نجح المتمردون أو أنصار القاعدة الموجودين فوق كل صخرة في السيطرة على الموقع الاسرائيلي. لم يكن في المنطقة كلها هدف أكثر جاذبية من الاسرائيليين في المكان. سنغري تخيل فزعا اختطاف الاسرائيليين الى كهف بعيد لتتحول المسألة بسرعة الى مسألة عالمية متفجرة وانتصار للارهاب على الأسطورة الاسرائيلية. اذا كانوا قد تغلبوا على الامريكيين هناك وصنعوا بهم العجائب، فماذا سيفعلون بالاسرائيليين من الوحدات الخاصة؟ سنغري كان قلقا من كشف النقاب عن علاقته الخفية مع اسرائيل. هذه كانت لتصبح ذروة الدراما في قصة الاسرائيليين مع العراق.

 

في هذه الحكاية يشارك سياسيون كبار من المؤسسة الأمنية سابقا ورجال اعمال مُجرِبين. هذه العملية معقدة وحاذقة، وقد بدأت قبل سنة ونصف، إلا أن اسرائيل تنفي ضلوعها فيها حتى اليوم.

 

في العشرين من أيار 2004، في ساعات المساء الدافئة، غاب في الطابق الأعلى من مطعم "يكيمونو" في تل ابيب عضو الكنيست داني ياتوم، رئيس الموساد السابق، ويعقوب بيري رئيس بنك همزراحي ورئيس "الشباك" سابقا، وموشيه عبري سوكينيك قائد ذراع اليابسة سابقا الذي كان ملحقا عسكريا في واشنطن، ويعقوب غرتسمان من كبار المسؤولين في موتورولا وغيرهم. المأدبة جرت في غرفة خاصة مغلقة وأدارها رجل الاعمال شلومي مايكلز.

 

مايكلز، الذي يُنادى احيانا بـ ميخالوفيتش، هو الشخص المركزي في الحكاية، وهو الذي يُحرك الاجتياح الاسرائيلي للعراق. هذا الشخص رجل ظل غامض جدا وحذر وسرّي، وهو لا يُجري المقابلات ولا يظهر أمام عدسات الكاميرا. اسمه ليس معروفا رغم أنه نشيط في الساحة التجارية منذ عدة سنوات. نظراءه يتحدثون عنه كمليونير. في آخر التسعينيات بعد أن خرج ياتوم من الموساد شكل مع مايكلز شراكة تجارية. اسمها كان "انتروب غروب"، واعتبروها شركة للاستشارات الاستراتيجية. الفكرة كانت أن يستغل ياتوم علاقاته السابقة ومواقعه كجنرال في الجيش ورئيس للموساد وسكرتير عسكري لرئيس الوزراء حتى يحقق للشركة عقودا في المجال الأمني. ياتوم أكد لنا أنه استغل علاقاته هذه فعلا لتحقيق المشاريع، وهو الذي قاد عملية الدخول الضخمة الى شمالي العراق. "بدأت اقامة علاقات عبر شخص ثالث في اوروبا، إلا أن الصفقة لم تكن قد تمت بعد وأنا في الشركة".

 

هل التقيت مع الأكراد؟ ياتوم أجاب: "التقيت مع ممثل الأكراد في واشنطن فرهاد برزاني. هو طلب مني أن أساعدهم في اعمال الوساطة والضغط في الولايات المتحدة لتحسين صورتهم أمام الادارة الامريكية".

 

ياتوم يدعي بشدة أنه قد أوقف نشاطاته تماما في تلك الشركة بعد دخوله الى الكنيست في شباط 2003.

 

ألا تعرف أنهم يعملون في شمال العراق؟

"لقد وردتني معلومات بأنهم يعملون في مجال البنى التحتية وبناء المطار، ولكن ليس في مجالات أمنية، فأنا لا أعرف شيئا ولا أريد أن أعرف".

 

ولكن في أيار 2004، كما اسلفنا، في ذروة المشروع الأكبر الذي كانت الشركة التي كان شريكا فيها، ضالعة فيه، ظهر عضو الكنيست ياتوم في مأدبة شارك فيها اسرائيليون يقومون بأعمال تجارية مع شركته في العراق. بعض رجال الاعمال الذين شاركوا في ذلك اللقاء السرّي أجروا مفاوضات في تلك الفترة مع "انتروب غروب" والشركة المنبثقة عنها "كودو" المسؤولة عن المشروع العراقي. وجود ياتوم في تلك المأدبة يثير اسئلة حول مدى مشاركته في تلك الاعمال.

 

في بداية عام 2004 وصل الى أربيل عدد من الاشخاص غريبي المظهر في لباس مدني. هم كانوا اسرائيليون رغم انهم حاولوا عدم الظهور ولم يتكلموا بالعبرية. عندما دخلوا الى المطار الصغير والمتواضع في أربيل عاصمة شمالي العراق، سجلوا ملاحظات في دفاترهم وخططوا ما الذي يتوجب بناءه هناك. منذ أن طرد الامريكيون صدام من الحكم، تحوّل شمالي العراق الى منطقة حكم ذاتي غير رسمية لستة ملايين كردي لم يخفوا أبدا تطلعهم الى اقامة دولة مستقلة. الأتراك يخشون من جيرانهم الأكراد خلف الحدود وخصوصا من حدوث انتفاضة قومية لعشرين مليون كردي تركي، ويخشون ايضا من مطالبتهم هم ايضا بالاستقلال. منذ أن قام بوش بإزاحة صدام، والأكراد يمرون في نهضة هائلة من التطور والتسلح وبناء أسس الدولة الوليدة، وكل ذلك تحت غطاء البنى التحتية المدنية والزراعية.

 

النهضة الكردية في العامين الأخيرين جرّت الى العراق شركات تجارية متحمسة للمشاركة في هذا المهرجان. أموال كثيرة تتدفق الى هناك من ميزانية الحكومة الكردية الضخمة ومن الامريكيين وبنوك الاستثمار. اليابانيون والكوريون والامريكيون والالمان، كلهم يتنافسون بجنون، والآن يتبين أن الاسرائيليين هم أكبر النجوم في سماء العراق.

 

المشروع الاول كان المطار المجاور لأربيل، الذي اعتبره الأكراد سفينة العَلَم خاصتهم. هم أرادوا مطارا دوليا مع منظومة متطورة من الحراسة، تماما مثل تطلع عرفات للمطار الفلسطيني. الاسرائيليون شخصوا الهدف الكلاسيكي بالنسبة لهم وانقضوا عليه.

 

من هو الرجل السري الذي ربط ياتوم بهذه المغامرة التجارية الهائلة في العراق؟

 

مايكلز (50 عاما)، هو منتوج اسرائيلي يجمع بين المناعة الجسدية والمظهر الرياضي والذكاء الجذاب والسحر والقدرة اللفظية والمهارة التجارية والقدرة على الاقناع. في رصيده سجل عسكري في سلاح المشاة ووحدة مكافحة الارهاب. في الحكاية الكردية يوجد ايضا اسم كلية نتانيا، المؤسسة الاكاديمية الصغيرة التي يعتبر ياتوم نفسه واحدا من مؤسسيها. ياتوم ايضا يترأس مركز الحوار الاستراتيجي في الموساد الذي يتفاخر بعشر نجوم شهيرة ومن بينهم ميخائيل غورباتشوف وجوليو أندريوتي ولويس بيري الذي كان رئيس الـ اف.بي.آي ويعقوب بيري وايضا البروفيسور شلومي مايكلز من جامعة كولومبيا.

 

في شهر تشرين الثاني 2004 أصدر الوزير سنغري وثيقة كُتب في أعلاها: "الموضوع: اجهزة لكشف المواد الناسفة. الاجهزة مخصصة لوزارة الداخلية من اجل العمل في مطار هاولر الكردي بجانب أربيل، ومن اجل حماية المطار". المبلغ الضخم الذي خُصص لذلك هو مائة مليون دولار في السنة، دُفع من قبل الأكراد واحيانا نقداً. الاشخاص الذين يتمتعون برؤية قوية استطاعوا أن يروا أن هناك شيئا ما غير عادي يحدث في معبر ابراهيم خليل في المثلث الحدودي سوريا - العراق - تركيا. هذه محطة حدودية مُغبرة مع صهاريج نفط وشاحنات للإمدادات وأماكن لبيع الطعام السريع وضجيج وفوضى عارمة. آلاف الناس يأتون ويذهبون كالبازار الحي المفعم بالنشاط - البوابة الرئيسة لشمالي العراق. الأتراك يفتحون عيونهم المرتابة على هذا المعبر محاولين اكتشاف منْ يُشتبه به كمساعد للأكراد في اقامة دولة. الى داخل هذه الجلبة دخل عشرات كثيرون من الاسرائيليين خلال السنة والنصف الأخيرة والذين جاءوا كلهم على دفعات متعاقبة مزودين بجوازات سفر اسرائيلية. هم طرحوا أنفسهم بأشكال مختلفة: "مهندس طرق"، "خبير زراعي"، "مستشار للري"، إلا أن أحدا منهم لم يكن خبيرا في هذه المجالات. هم كانوا مختصين في عمليات القتال الصغيرة والتدريب القتالي وحماية الشخصيات والمباني واكتشاف المواد الناسفة - الامور التي يُجيدها الاسرائيليون.

 

في بداية 2004 بدأ الاسرائيليون بالوصول الى العراق بصورة تقطيرية حذرة حتى لا يثيروا انتباه الأتراك في المعبر الحدودي. هدفهم لم يكن مطار هاولر في أربيل الذي يبنيه الاسرائيليون سرا فقط. الأمر الحقيقي كان إعداد المقاتلين الأكراد. هذا كان مشروعا سرياً. الاسرائيليون طولبوا بالصمت، وعندما سُئلوا الى أين هم مسافرون عرفوا أن من المحظور عليهم أن يقولوا أنهم متوجهون الى كردستان. اذا قام أحدهم بِذِكر الكلمة خطأ يقول له الأتراك ليس هناك مكان كهذا.

 

في المحطة الحدودية يكون بانتظارهم ميني باص لنقلهم الى مكان مجهول بجانب قرية زافيتا. هذا المكان المجهول سُمي Z. ثقب نسيه الله بعيدا عن الأعين وبعيدا عن المدن. من خلف الجدران بُنيت قاعدة تدريب مع تجهيزات، وجرت فيها كل عمليات التدريب خلال فترة طويلة. خلال شهرين نُقلت الى المكان أطنان من الاجهزة: دراجات نارية، تراكتورات. شركة اسرائيلية زودت اعضاء وحدة الدراجات النارية بالملابس السوداء، وأخرى وفرت لهم الخوذات والسترات الواقية وما الى ذلك. عشرات الكلاب ايضا نُقلت في عملية خاصة من اسرائيل الى كردستان العراق حتى تكشف عن المواد الناسفة. خلال أشهر عمل الاسرائيليون في ظروف قاسية - في العواصف الثلجية وعواصف الغبار الصحراوية والخماسين الحار. هم قاموا بتدريب الأكراد على السلاح، ولم يكتفوا فقط باقامة وحدة مكافحة الارهاب، وانما ايضا قاموا بتدريب مقاتلات كرديات. القُساة الأقوياء من اسرائيل الذين دربوا الكرديات على الإمساك بالمسدسات نظروا بتسلية الى ملابس الكاكي التي ارتدتها الشابات الكرديات وغطاء الرأس والصنادل. كل الأكراد الذين دُربوا في الموقع Z عرفوا أن المدربين اسرائيليين. العلاقات في البداية كانت حذرة. الاسرائيليون طولبوا بالتحدث بالانجليزية وعدم إظهار هويتهم، ولكن الحواجز سقطت بعد ذلك وأصبح من الصعب الحفاظ على السر.

 

قواعد اللعبة ألزمت الجميع بإظهار عدم المعرفة والتنكر. الأكراد أظهروا وكأنهم لا يعرفون أن لديهم اسرائيليين. كل شيء كان أشبه بمسرحية. التجهيزات والنقليات التي كانت تأتي من اسرائيل كانت تظهر وكأنها موجهة الى بلد آخر. مثلا، الطائرة الاوكرانية التي نقلت بعض التجهيزات لم تسافر من مطار بن غوريون الى أربيل مباشرة وانما توقفت في لارنكا حيث غُيرت هناك وثائق الرحلة لتبدو وكأنها قادمة من قبرص. البلد الأصلي الذي جاءت منه لم يعد مذكورا. شركة موتورولا ايضا أرسلت الى العراق عتادا من الولايات المتحدة واوروبا ولكنه كان في الواقع من اسرائيل.

 

الرحلة نحو الغد

من الناحية الخارجية كان من الممكن إزالة كل اشارة، ولكن في الغرف المغلقة كانت هذه شراكة تجارية اسرائيلية - كردية كاملة. "كودو" ذراع العملية الاسرائيلية التنفيذية أُقيمت بالتعاون بين الاسرائيليين والحكومة الكردية وسُجلت في سويسرا. من شاهد اعلان الشركة عن نفسها كان سيعتقد أنها هيئة من هيئات الامم المتحدة للتنمية الاقتصادية، أو مكتب لتنمية كردستان من اجل اجتذاب المستثمرين الاجانب: "ثروات نفطية هائلة وملاعب أعشاب هائلة وجميلة وقطيع أبقار كبير، أحد المناطق الأكثر ثراءا في الشرق الاوسط بالكنوز الطبيعية". كل هذه الكلمات تثني بالمديح على الحكومة الكردية التي تعتبر كلها رمزا "للعلمانية وللتسامح الديني". "كودو" تُمجد بالأساس رئيس الحكومة نحروين برزاني الذي اختار الاشخاص الأكثر مهارة من دون علاقة بانتمائهم السياسي أو الديني أو العرقي. شعار "كودو" يُذكر ببرنامج حزب عشية الانتخابات: "من اجل غد أفضل". ربما رغب النشطاء السياسيون الأكراد فعلا أن يطوروا بلادهم، وربما كان الاسرائيليون هناك من اجل اقتياد الأكراد الى غد أفضل، إلا أن الرحلة نحو الغد كانت مرصوفة بملايين الدولارات.

 

من وثيقة رسمية لشركة "كودو" صادرة في الثالث عشر من حزيران 2004 وموجهة الى الوزير سنغري، يتبين أن الشركة تطالب بالدفعات التالية: 1- منظومة آفكو لشركة موتورولا: 10.137.335 دولار. 2- وحدة الدراجات النارية: 971.363 دولار. 3- وحدة الكلاب: 683.721 دولار. 4- تطوير الكلاشينكوف: 90.318 دولار. 5- مدربون لاشهر أيار، حزيران وتموز: 285 ألف دولار. 6- تجهيزات: 221.818 دولار. 7- مجموع الدفعات هو: 12.389.557 دولار. وهذا ليس إلا نموذجا من أمثلة كثيرة.

 

وأينما توجد اموال كثيرة كهذه تظهر الصراعات عادة. العلاقات اليوم بين الشركاء لم تعد كما كانت. الشريك الامريكي مايكلز مثلا، فقد شريكه راسل ولسون في الآونة الأخيرة. صراع مفتوح يدور ايضا بين "لويدز"، شركة الحراسة، وبين مايكلز حول ديون لدفعات البوليصات التي لم يكن الاسرائيليون مستعدين للتوجه والمخاطرة في العراق من دونها.

 

من المحتمل أن يكون المهرجان قد أوشك على الانتهاء.

الأكراد يجدون صعوبة في مواصلة المسرحية. كل تلميح ولو صغير في صحيفة سعودية حول المشاركة الاسرائيلية العسكرية في العراق، كان يثير حفيظتهم وذعرهم. هم عرفوا أن كشف المشاركة الاسرائيلية في كردستان سيكون نهاية للتجارة المزدهرة. وهو ايضا نهاية لحرية تجوال الاسرائيلي في شمالي العراق.

عندما دخل سنغري الى القاعدة غاضبا، بادعاء أن الاستخبارات الايرانية قد كشفت القاعدة الاسرائيلية، رحل الاسرائيليون من هناك. ليس فورا، وليسوا كلهم، إلا أنهم فروا. ولكن خلال شهر لم يبق أي اسرائيلي هناك. ولم تكن أي اموال حتى لو كانت رواتب ضخمة، وحالمة، لتُبقيهم في ذلك المكان.

شبكة البصرة

الاحد 23 ذو القعدة 1426 / 25 كانون الاول 2005

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس