مشهد زنا اسمه (محكمة)!

شبكة البصرة
صلاح المختار

مقدمة في معنى الزنا

قبل كل شيئ يجب ان نزيل التباسا قد يقع لدى من قرأ ردود الفعل على مهزلة يطلق عليها اسم (محاكمة ) ، وهو ما روجته بعض المصادر الاعلامية حول وصف السيد برزان ابراهيم التكريتي  للمحكمة بانها ( ابنة زنا ) ، والقول بانه (تلفظ بكلمات بذيئة )! ان هذا الوصف الخاطئ أما نجم عن عدم مشاهدة المهزلة ، او ان من استخدمه ينتمي لمارينز الاعلام العرب المأجورين والمكلفين بشيطنة العراق والبعث . فوصف (ابنة الزنا) او (ابناء الزنا ) ليس كلاما بذيئا وانما هو تعبير لغوي عادي وصحيح لوصف واقعة محددة ، وهي ولادة مخلوق نتيجة لعلاقة محرمة . ولهذا نجد في الكتب المقدسة لكافة الاديان وفي كتب التاريخ والادب استخداما رائجا لهذا الوصف اللغوي الصرف . ولقد قرات مقالا في الانكليزية عن هذه الواقعة ترجم كلام السيد برزان ابراهيم  على انه قال ان المحكمة  ابنة عاهرة (daughter of a whore )  ، وهذه الترجمة تشكل اسقاطا ثقافيا من تقاليد امريكية ( عريقة ) جدا تقوم على استخدام الكلمات البذيئة بإفراط  كما يتنفس الامريكي الهواء ، خصوصا عبارة (ابن العاهرة ) ، التي قد لا تجد امريكيا واحدا لا يستخدمها في اليوم مرات ومرات ، مع اهله ومع اصدقاءه ومع مرؤوسيه ورؤساءه !

ان في ثقافة العرب والمسلمين فرقا جوهريا يجب الانتباه اليه بين الزانية والعاهرة لا يوجد في ثقافة الغرب ، فالزانية ليست العاهرة وانما هي التي مارست الجنس خارج مؤسسة الزواج غالبا مع شخص واحد ، لإشباع رغبة جنسية ، اما العاهرة فهي التي تبيع جسدها لمن يدفع وليس لاجل المتعة . اما في الغرب ، خصوصا في امريكا الشمالية ، فان مفهوم الزنا يختلف تماما  ، فالمرأة التي تقيم علاقات جنسية خارج مؤسسة الزواج تمارس حقا طبيعيا طبقا للثقافة الغربية ، وهي لهذا ليست زانية ، مما يجعل الغربي لا يفهم المعنى الدقيق لوصف (ابنة الزنا) ، او لمفهوم الزنا الذي يسود في الثقافة العربية الاسلامية . ويترتب على هذه الحقيقية ان الابناء غير الشرعيين في الغرب لا يطلق عليهم وصف (ابناء الزنا ) ، بل يعاملون بصورة طبيعية كأبناء الحلال وتحفظ القوانين حقوقهم . وهذه الحالة هي جزء من حالة اعم تتمثل في ان ثقافة الغرب السائدة  لا تميز بين الحلال والحرام في الممارسات السياسية والتجارية والحياة العامة ، لان ما يحكمه هو المنفعة والحصول على الربح والراحة الشخصية ، وبغض النظر عن الحق والعدالة والاخلاق ! ويقوم القانون الوضعي بتنظيم العلاقات الاجتماعية ، في اطار  تقديس النزعة الفردية ، لمنع الفوضى . وهذه الحقيقة الاجتماعية - السايكولوجية هي التي تفسر اسباب ظهور الاستعمار بمفهومه الكلاسيكي في اوربا اولا ثم في امريكا الشمالية ، بصفته حركة نهب وابادة للامم الاخرى هي الاكثر قسوة ووحشية في التاريخ البشري .

أن الذي تحدث عنه السيد التكريتي ، بتحديد دقيق ، هو العلاقة المحرمة بين الاحتلال وبعض الاشخاص والتي انجبت ابنة زنا هي المحكمة . لذلك فان ما قاله هو كلام مؤدب تماما اراد به وصف حالة

زنا حقيقة تميز طبيعة واصل المحكمة وطبيعة واصل والدها : الاحتلال الامريكي . وهنا يجب ان اثبت بان الله قد الهم السيد التكريتي وصفا بلاغيا رائعا ودقيقا لخص به حالة المحكمة وحالة الاحتلال ، فالمحكمة ، بما انها من صنع الاحتلال ، فهي ابنة زنا ، لان الاحتلال غير شرعي بحد ذاته ، لذلك فان الاحتلال زان ، ومن زنا  به او بها  ( كل رموز وعناصر وترتيبات الاحتلال) زانية ، وما ولد عن ذلك الزنا هو (ابناء زنا) و(بنات زنا )، سواء كانوا  مؤسسات او افراد متعاملين مع الاحتلال .

 

جدول اعمال الزاني

نأتي الان الى جوهر الموضوع : ما الذي اراد الزاني ، أي الاحتلال الامريكي ، الوصول اليه من وراء مشهد الزنا المسمى محكمة ؟ ثمة اهداف عديدة وضعها الاحتلال الامريكي واراد تحقيقها عبر مشهد الزنا هذا ، وسنتناول اهم تلك الاهداف .

 

اغتيال الرئيس معنويا

ان اول هدف اراد الاحتلال الوصول اليه ، كعادته مع الثوار والمناضلين من اجل الحرية في العالم ، هو قتل صورة البطل الكبير التي تميز السيد الرئيس صدام حسين ( فك الله اسره ) ، فهذا القائد العظيم دوخ امريكا وابنة الزنا اسرائيل  لعقود طويلة ، وبالتحديد منذ امم نفط العراق وحرم نهبه من قبل امريكا وبقية زناة الغرب الراسمالي . فلقد دوخ الرئيس زناة الغرب ولصوصه لانه امم النفط العراقي ووضع حدا لنهبه لعدة عقود افقرت شعب العراق وارضه ثرية ، ثم سخره لتحقيق مجتمع الرفاهية وانعدام الفقر والامية ، الذي قام في العراق لاول مرة في تأريخه منذ النصف الثاني من السبعينيات وحتى فرض الحصار في عام 1990. وتطبيقا لشعار ( نفط العرب للعرب ) اصبح نفط العراق اداة تقارب عربي من خلال تخصيص جزء من دخله للعرب الفقراء ، ففتحت كل تلك الخطوات  باب تحرير النفط العربي خارج العراق من سيطرة الغرب الاستعماري ، الامر الذي جعل صدام حسين  الهدف رقم واحد للاحتكارات الغربية .

كما ان صدام حسين  دوخ اسرائيل وزناة الصهيونية العالمية ، الذين سرقوا فلسطين وبدؤوا بسرقة المنطقة التي لن تقوم اسرائيل الكبرى بدونها ، وهي ارض الماء والخير والنفط  والموارد الهائلة ، الواقعة بين الفرات والنيل ، فجاء بناء المشروع النهضوي القومي في العراق من قبل البعث وصدام حسين احياء للكابوس الذي خيم على عقل الصهيونية منذ اخذ المرحوم القائد جمال عبدالناصر يبني مشروع النهضة العربية ، خصوصا في مجالات تحرير الثروات العربية وبناء الصناعة الثقيلة والقوة العسكرية والوحدة العربية ، فقتلوا عبدالناصر لمحو المشروع النهضوي العربي . لكن صدام حسين  بنا المشروع بصورة أرقى بعد ان اكتشف نواقص تجربة المرحوم عبدالناصر وتعلم منها  ، فعاد الكابوس الكبير الذي ارعب الصهاينة وهو ان يستغل العرب ارضهم الخيرة الواقعة بين الفرات والنيل وان يقيموا دولتهم الواحدة ، مع ان هذه المنطقة  خططت الصهيونية لتكون مورد الحياة الاساس لاسرائيل الكبرى ومكان اقامتها ، فحصل التصادم العدائي والعنيف بين (مشروع اسرائيل الكبرى) ومشروع النهضة العربية ، لان كلا المشروعين لا يمكن  اقامة أيا منهما الا انطلاقا من هذه البقعة من الارض . وظهر صدام حسين ، في المنظور الصهيوني ، بهيئة بطل ( بابل الجديد ) الذي يشكل وجوده في السلطة اسقاطا لهدف الاستيلاء اسرائيل على الشرط المسبق والاهم لوجودها وتوسعها وهو منطقة الخير بين الفرات والنيل ، وتهديدا لوجودها .

لقد جرب الغرب الاستعماري وسائل الترغيب والترهيب مع صدام حسين لاجل اقناعه بالعدول عن خياره القومي النهضوي ، خصوصا التلويح بامكانية بناء دولة عراقية متقدمة بشرط ان تنهي القيادة العراقية الزواج الكاثوليكي مع العروبة . وكان من مؤشرات المستقبل العراقي المشرق هو ان الامم المتحدة قد اعترفت في تقرير لها في نهاية السبعينيات بان العراق اذا واصل تنفيذ خطط التنمية التي بدأها في السبعينيات ، سيصل في نهاية القرن العشرين الى مستوى دول الخط الاول في التقدم . ولمنع الوصول الى عراق متقدم وقوي  وضع الغرب الاستعماري العراق الناهض بين خيارين ، فاما ان يتعرقن ، أي ان يفبرك هوية عراقية مستقلة عن الامة العربية ويعد نفسه امة جديدة ، واما ان يتعرض للخراب والدمار اذا اصر على انتماءه العربي . وبالطبع فان عرقنة العراق لا تعني بناء مجتمع مرفه يصبح فيه الشعب العراقي ثريا بل ان يصبح امتدادا مشوها وخدميا للرأسمالية لا هوية وشخصية له كما هو حال هونك كونج ، وقطع جذور العراق العربية وعزله عن محيطه القومي ، من اجل ان يتلاشى مصدر قوته التاريخية ويجف نبع حيويته ، وهو الامة العربية ، ويصبح مجرد بلد صغير تسهل السيطرة عليه ويستخدم كأداة لخدمة المشروع الصهيوني من جهة ، وكبقرة حلوب اقتصاديا يحتكر حلبها الغرب من جهة ثانية . وحينما رفض البعث العرقنة  واصر على مواصلة بناء مشروعه النهضوي القومي العربي ، فجروا له الازمات والحروب

 

والحصار وتكلل ذلك بغزو العراق .

وبدلا من القضاء على العراق العربي القوي وبانيه ، حزبا وقائدا ، جاء انطلاق المقاومة المسلحة ليقلب خطط امريكا راسا على عقب ، ولتعظم صورة صدام حسين وتحوله الى اسطورة وطنية وقومية ، فكان لابد من قتل صدام حسين معنويا  ، عن طريق تشويه واقعه واظهاره بصورة مناقضة لصورة البطل الوطني والقومي . ان فيلم الحفرة الذي اخرج بشكل ردئ ، وثبت فيما بعد انه كان مزيج من فبركة ومونتاج وخداع ، لم ينجح في قتل الرئيس معنويا . واعلن بول بريمير الحاكم الاستعماري الامريكي وقتها انه ستجري للرئيس محكمة شفافة وعلنية وتنقل من شاشات التلفزيون حية بلا تقطيع او تسجيل ، وكرر هذا الكلام بعده نغول الاحتلال (الكبار ) ، وتفاخروا بان الرئيس سيقدم  قريبا لمحاكمة عادلة وشفافة ! ماذا كان الهدف من هذا الاعلان ؟ كانت امريكا تخطط لمواصلة تدمير صورة صدام حسين البطل باظهاره ، بعد تخديره وابتزازه وتعذيبه ، بمظهر مناقض لصورته ، أي شخص ضعيف واناني ويسعى للحياة .

لكن ما ان بدأ التحقيق وبثت لقطات منه اختيرت بعناية حتى اكتشف الأمريكيون انهم وقعوا في فخ اخر نصبه لهم صدام حسين ، اذ حول رائد الجوحي ، وهو احد ابناء زنى الاحتلال ، الى مضحكة امام العالم ، وجعل من اللقطات التي بثت دليلا على ان فيلم الحفرة كان محض فبركة، لقد انقلب السحر على الساحر. وبعد اعداد وتحضير طويلين عقدت محكمة الزناة جلساتها فاكمل صدام حسين تحويل المحكمة الى مشهد زنا كامل ، فثارت ثائرة امريكا وابناء الزنا الذين انجبتهم ، وجاءوا بقاض حاقد ومرتزق ، ويحمل اسوأ احقاد صهاينة الشمال ، ظنا من امريكا بان ذلك سيمنع الرئيس من كشف مشاهد الزنا ، واحدا اثر اخر  . لكن ابناء الزنا ومهما بلغت وقاحتهم يبقون ابناء زنا لا كرامة ولا شرف لهم ، فوقف البطل وفضح الزناة بجرأة اشد وعمق اكبر ، فاختلت محكمة الزناة وصارت فوضى كاملة دفعت وزير عدل حكومة ابناء الزنا في بغداد الى الصراخ : لقد تصرف القاضي على نحو ساعد على تحويل المحكمة الى فوضى !

اذن محاولة قتل صدام حسين معنويا فشلت تماما ونجح القائد في تحويل المحكمة الى عملية فضح لاعمال الزناة الامريكيين في العراق وجرائمهم ، هم وابناء الزنا الذين جلبوهم معهم من الخارج ، وزادت من شعبية الرئيس داخل وخارج العراق ، وانضم الى مؤيديه الكثير ممن كانوا ضده قبل الغزو . انها ورطة مركبة وعظيمة تلك التي وجدت امريكا نفسها تقع فيها في العراق ، فهي ورطة مركبة لان الاحتلال تحول من نزهة مريحة ، كما وعد المحافظون الجدد ، الى كارثة ستراتيجية هي الاخطر في تاريخ امريكا ، كما اعترف قادة امريكيون ، بفضل اعظم مقاومة في التاريخ الانساني كله ، من حيث الاعداد والانطلاق والصعود الذي لا تراجع فيه ، اولا ، كما ان الاحتلال خطط لعدم قتل الرئيس عند اسره بل تخديره ، لان القتل سيحوله شهيدا هو الاعظم في تاريخ العرب والمسلمين منذ ما بعد استشهاد الحسين عليه السلام ، ويترتب على ذلك تحول الشهيد صدام حسين الى مركز جذب وتوحيد للعرب والمسلمين وباعث انتقام سيستمر اجيالا عديدة ، لذلك قرر الاحتلال اغتياله معنويا ، ولكن فشل الاغتيال المعنوي كما حصل في مشهد الزنا وضع امريكا امام خيارات كلها قاتلة وليس مرة فقط .

 

الانتقاص من تأهيل القادة

كان من بين اهداف امريكا الكامنة وراء المجيء بقاض جامد الدماغ وحاقد هو قيامه باستفزاز ومحاولة اهانة السيد الرئيس ورفاقه لاجل دفعهم للتصرف على نحو لا يليق بقادة ، وعند ذاك يمكن استغلال ذلك للطعن بمؤهلاتهم للحكم . ويمكن الافتراض بقدر كبير من التاكيد بان من وصف كلام السيد برزان ابراهيم على انه كلام  بذيء كان قد استلم تعليمات مسبقة بذلك ظنا من الامريكيين بان وقاحة القاضي الجديد ستنتج رد فعل غير لائق ، لكن الذي حصل هو ان السيد الرئيس رد بحزم وشدة ولكن دون التفريط بقيمه العليا وخلقه الرفيع ، وموقعه كرئيس وقائد ثورة . وكان وصف السيد برزان للمحكمة بانها ابنة زنا قمة التمسك بالقيم الاخلاقية من جهة ، وتحديدا دقيقا لطبيعة المحكمة من جهة اخرى . وبدلا من اعطاء انطباع بان القيادة العراقية غير مؤهلة ترسخ انطباع بانها اكثر تأهيلا مما كانت قبل الغزو .

 

تعميق جراح العراقيين

ان اختيار امريكا لقاضيين كرديين متتابعين، واسقاطها لترشيح قاض عربي خلفا للذي استقال ، يؤكد بدليل اضافي ان امريكا لا تترك فرصة الا وتحاول استغلالها لتعميق جراح العراقيين . لقد لعبت الاحزاب الكردية العميلة ، خصوصا عبر البيش مركة الصهيونية ، دورا خطيرا في غزو العراق وتدميره ونهبه وقت الالاف من ابناءه ، والتهيئة لتقسيمه ، مما خلق انطباعات غاية في السوء حول مواقف جزء من اكراد العراق ، ساعدت على اثارة مشاعر انتقامية تجاه اكراد محددين ، لذلك كان مطلوبا ، امريكيا واسرائيليا، ان تكون المشاعر الانتقامية العراقية موجهة الى الاكراد كلهم وليس الى جزء خائن منهم . وعندما تشكلت المحكمة لوحظ ان رئيسها كردي ، ولكن هذه الملاحظة ورغم ما اثارته من حساسيات ، مرت بسلام ، خصوصا وان  القاضي رزكار محمد امين كان مؤدبا ، وبغض النظر عن ارتباطاته بالاحتلال ، فامتصت هذه الصفة بعض الاحقاد ، لكن اجباره على الاستقالة وتعيين قاض كردي اخر يتميز بالحقد على العرب والعروبة والرئيس صدام حسين ، وتطاوله على القيادة العراقية عزز مشاعر الغضب لدى شرائح عراقية تتحرك بعواطفها وليس بعقلها ، وهذا هو رد الفعل العاطفي المطلوب .

لقد انتبه الراي العام العراقي الى ان امريكا رفضت تعيين قاض عربي بديل للقاضي الكردي الذي استقال ، وهذه الحقيقة خففت من غضب العراقيين على سلوك بعض  اكراد العراق ، لانهم تيقنوا ان امريكا هي التي تحرض هذه الاطراف الكردية ضد العرب والتركمان وتخلق الاجواء المسممة للعلاقات بينهم ، لذلك ومن منطلق قطع الطريق على خطط امريكا تحمل العرب والتركمان اساءات عناصر كردية وميزوا بين الشعب الكردي العراقي وبين الصهاينة من الاكراد . وما فعله القاضي الكردي الجديد ما هو الا جزء من متطلبات الدور الذي رسمته امريكا واسرائيل لاكراد عراقيين في خطة تقسيم العراق وبذر عوامل الاحتراب بين العرب والتركمان من جهة والاكراد من جهة ثانية ، اضافة للشطر الاخر من الخطة وهو اشعال حرب طائفية بين الشيعة والسنة في العراق .

من هنا يجب ان لاننسى ابدا ان تعيين قاض كردي لمحاكمة الرئيس والاصرار على تعيين قاض كردي اخر تميز بجمود العقل والحقد الاعمى على العراق ورئيسه ليس سوى تنفيذ لخطة امريكية ، وليس لاكراد العراق كشعب صلة بها ، من اهم اهدافها زرع احقاد عربية وتركمانية ضد الاكراد وليس ضد العناصر الكردية العميلة فقط . واذا اضفنا جرائم البيش مركة منذ الغزو ، خصوصا في كركوك والموصل وتلعفر والفلوجة وغيرها ، ضد العرب والتركمان وتصرفها على نحو عنصري واجرامي ،وخطف الزعامات الكردية لمناسب مهمة بنسبة اكبر من حجمهم السكاني بكثير،  كغزو وزارة الخارجية بتشجيع اميركي صريح ، يبدو لنا واضحا وبلا لبس او غموض ان ما جاء به الاحتلال من خطط  كان ومازال يقوم على تقسيم العراق على اسس عرقية وطائفية ، على ان تقوم البيش مركة بدور حاسم في تنفيذ هذا المخطط ، وتعيين قاض كردي يقع في قلب هذه الخطة .

 

أبتزازالمقاومة واجبارها على التراجع

كانت جلسات مشهد الزنا تقترن زمنيا بتصاعد عمليات المقاومة المسلحة وتزايد عجز الاحتلال عن تنفيذ أي خطة ناجحة لتنفيذ وعود بوش بالقضاء عليها . فكلما انتقلت المقاومة الى حالة جديدة من تصعيد وتوسيع عملياتها راينا امريكا تأمر اولاد زناها بعقد جلسة محاكمة وتسريب معلومات عن اقتراب وقت اعدام الرئيس ، في محاولة ابتزازية واضحة تماما ! والان وقد اقترب الاحتلال من الهزيمة الحاسمة ، وفشلت خططه القائمة على شق المقاومة التي ازدادت تلاحما ومتانة ، وحافظ الحزب على دوره الطليعي عسكريا وشعبيا ، لم يبق للاحتلال سوى استخدام خطفه للسيد الرئيس والتصرف على اساس انه رهينة بيده يلوح باعدامها متى ضاقت به السبل .

وما يريده الاحتلال هو الوصول الى مساومة مع الحزب والمقاومة ، فبعد ان تأكد من ان القوى التي راهن عليها قبل الاحتلال لتحكم العراق ومن خلالها يفرض استعماره على العراق لا تملك في العراق الا الاحتقار الشعبي لها ، ادرك انه في ورطة قاتلة وفخ مميت لم يسقط في مثيل له في كل تاريخ امريكا الاستعماري ، وتيقن من ان البعث خرج،  مرة اخرى،  من هذا الصراع الرهيب بصفته التنظيم الأقوى والأوسع والأكثر رسوخا وثباتا في العراق، وان أي حل لمشاكل العراق ، وفي مقدمتها الاحتلال ، دون البعث عبث لا طائل من تحته . أن ابرز حقائق زمننا الحالي هي ان الصراع الستراتيجي الاخطر والاهم في العالم ، بعد انتهاء الاتحاد السوفيتي وانفراد امريكا بصفة القوة العظمى الوحيدة ، هو صراع أمريكا مع المقاومة الوطنية المسلحة في العراق ، ومن ثم فان الفخ ، الذي اوقعت امريكا نفسها فيه ويهدد باسقاط مشروعها الامبراطوري الكوني ، لايمكنها الخروج منه الا بالتفاوض مع المقاومة  وقبول شروطها المعلنة ، وتلك هي الحقيقة الثانية المترتبة على الاولى والتي تتجسد في ان كل الدروب المتاحة امام امريكا تقود الى حتمية التفاوض مع المقاومة والتي تتمسك بشروطها .

لكن امريكا بوضعها العالمي المهيمن ، وبما اعلنته من خطط امبراطورية واحتقار للقوى الكبرى الاخرى ، وبما نشرته عن نفسها من انطباعات صورتها قوة عظمى وحيدة لا تقهر ولا تنهر ، تجد ان شروط المقاومة تسقط هذه الصورة وتمزقها الى الابد وتحولها الى قرقوز يمكن لشخص اوحكومة او امة ان تتحداه وتسخر منه . لذلك فانها بحاجة لخروج مشرف من العراق لا يمزق صورتها باظهارها بمظهر المهزوم في العراق ، وبما ان كل السيناريوهات التي وضعت لضمان هذا الخروج المشرف قد فشلت لذا فان الابتزاز واستخدام القيادة العراقية كرهينة يعد السيناريو العملي ، من وجهة نظرها هي بالطبع ، الذي يوفر لها مفاوضات بلا شروط مسبقة ، وربما حل تساومي يسمح لامريكا بان تقنع شعبها والعالم بانها لم تهزم وانما انهت واجبها في العراق . لكن الرئيس صدام حسين اغلق باب المساومات امام امريكا بتاكيده وبحزم ووضوح بان اسره والتهديد باعدامه لن يجعله يقبل باي مساومة حول مستقبل العراق ، وان المقاومة يجب ان تتمسك ببرنامجها وشروطها مهما كانت النتائج على المستوى الفردي .

 

اشعال حرب اهلية

لقد غزت امريكا العراق وهي تستبطن ، في ذاكرتها الستراتيجية ،اهدافا ستراتيجية عظمى ، اهمها هدفين : اولهما  اقتصادي وثانيها  سياسي  . فاذا بدانا بالثاني لانه  معروف على نطاق واسع ويقوم على ضمان امن اسرائيل بضرب وتدمير العراق القوي الذي تجاوز الخطوط الحمر، فاننا لانحتاج للمزيد من التفاصيل . اما الثاني فانه  يتمثل في انهاء السياسة التحررية العراقية خصوصا في مجالي النفط ، أي الغاء التأميم ونهب النفط العراقي من جهة ، ومن جهة ثانية ضرب السياسة المالية العراقية والتي شرعت بالتحول من الدولار الى اليورو ، مع ما ينطوي عليه ذلك من تهديد خطير ليس لمستقبل الدولار فحسب بل لمستقبل امريكا كدولة ، لان الدولار هو العملة الوحيدة المعتمدة عالميا في التجارة العالمية دون ان يكون لها غطاء معدني يسندها ، بعد ان فك ريتشارد نيكسون الرئيس الامريكي هذا الارتباط في السبعينيات بالغاء اتفاقية بريتون وودز .

ان الانتباه لهذه الحقيقة الخطيرة والتعامل الصحيح مع متطلباتها يسمح بفهم وادراك الاسباب الحقيقية الكاملة لغزو العراق ، فالدولار لا يساوي في الواقع الا قيمته الورقية لكن قوة امريكا منحته قيمة اعتبارية جعلت العالم كله يقبل بالدولار بصفته عملة التعامل الدولية الاساسية ، مما ادى الى السيطرة المالية الامريكية على العالم ! ولكن الوجه الاخر لهذه الحقيقة المناقض هو ان امريكا اصبحت مدينة للعالم ولشعبها بمبلغ وصل العام الماضي الى ثمانية تريليون ومائتي مليون دولار ، وهذا الدين يساوي اكثر من 85 % من قيمة الناتج القومي الامريكي . بتعبير اخر  ان امريكا تأكل بالدين وتشتري بالدين وتتسلح بالدين ...الخ ، فاذا تخلت دول العالم عن الدولار واستخدمت اليورو او غيره فان معنى ذلك ان على امريكا ان تدفع لشعبها ولتلك الدول قيمة ديونها الحقيقية ، وهذا مستحيل عمليا ، الامر الذي سيقود لافلاس امريكا وانهيارها تماما . من هنا فان مبادرة العراق لاستبدال الدولار باليورو كانت خطوة بالغة الخطورة ، تظاهرت امريكا بانها غير مهمة ، لتتجنب تشجيع الدول الاخرى على اتباع منهج العراق المالي ، لكنها   ( امريكا ) ضاعفت عمليا من اصرارها على غزو العراق لانهاء سياسته المالية ومنع الاقتداء بخطوته المالية تلك .

ما صلة ذلك بمشهد الزنا  وما يجري فيه ؟ ان فشل امريكا في استعمار العراق اوصلها لوضع اشد خطورة وتعقيدا من وضع العراق قبل الاحتلال ، لان الثورة المسلحة ادت الى كشف عيوب امريكا البنيوية امام العالم فخلق ذلك وضعا خطيرا اكبر واوسع من خطورة عراق ما قبل الغزو ، خصوصا تشجيع الدول الاخرى التي كانت قبل الغزو لا تجرأ على تحدي امريكا فاصبحت الان تتحداها علنا، وما يجري في امريكا اللاتينية من تحولات ضد امريكا مثال على ذلك  . كما ان الفشل الذريع في السيطرة على نفط العراق واستغلاله ، وجعل السوق العراقي احتكارا جديدا للشركات الامريكية توسع عبره نطاق تصدير سلعها ، ضاعف من مخاطر الانهيار المالي الامريكي وتفكك امريكا كدولة ، لان تمويل الغزو تحملته الميزانية الامريكية ولم يمول من موارد النفط العراقي كما خطط اصلا ، وستصل تكلفة الغزو الى تريليوني دولار ، وهو رقم لم تصله خسائر امريكا في فيتنام رغم ان تلك الحرب استمرت عشر سنوات في حين ان الثورة العراقية لم تكمل بعد الثلاث سنوات .

اذن امريكا لا تريد ان تخرج من العراق مهزومة ومستنزفة ، كما انها لا تستطيع البقاء في العراق وهي تستنزف على نحو هائل وقاتل ، فما العمل ؟ كيف تخرج من هذا المأزق القاتل ؟ ببساطة ان اشعال حرب اهلية عراقية هو المدخل الطبيعي لامتلاك امريكا المبادرة في العراق ودفع المقاومة الى الخلف وتحجيمها ، عبر تحويل الصراع في العراق من صراع ضد الاستعمار الامريكي الى صراع عراقي عراقي . ومشهد الزنا ، اذا انتهى باعدام الرئيس، سيكون احد اهم الشرارات التي تريد امريكا استخدامها لاشعار حرب اهلية عراقية .ومن اهم مظاهر هذا التخطيط الامريكي الاصرار على جعل رئيس المحكمة كرديا والمدعي العام صفويا ، لاعطاء دفعة قوية للمشاعر الاثنية والطائفية . وفي هذا الاطار تريد امريكا ان يعدم الرئيس على يد اكراد وصفويين وليس بيدها مباشرة لاجل تعميق الاحقاد بين العراقيين ، ولكي تتملص ولو شكليا من مسؤولية اعدام رئيس شرعي اختطف اثناء غزو مسلح .

مد حبل انقاذ من فخ العراق

في ضوء ما تقدم يتضح تماما ان مشهد الزنا ليس مجرد استعراض قانوني شكلي بل هو جزء اساسي في سياق محاولات امريكا انقاذ نفسها من المقتل العراقي ، على اساس ان خطتها الاستعمارية اذا فشلت نهائيا فان احراق ما تبقى من العراق وتقسيمه هو الخيار الامريكي الوحيد . والسؤال الاخير في هذا الصدد هو : هل ستنجح امريكا في ذلك المسعى الاجرامي ؟ الجواب القاطع هو كلا، فالعراق الثائر الذي نجح في افشال خطط امريكا وايران ، وهما شريكان في احتلال وتدمير العراق ، سيفشل السيناريو الجديد واي سيناريو اخر قد تعتمده امريكا ، لسبب بسيط وواضح وهو ان فصائل المقاومة المختلفة تزداد وحدة وتماسكا ، بعد ان افشلت كل محاولات اختراقها وشقها ، سواء بصرف مليارات الدولارات ، او بالاغتيالات والدسائس . لقد تحول مشهد الزنا من اداة للاساءة للعراق والسيد الرئيس الى اداة كشف لمعاني الزنا وتعبيراته ، فساعد ذلك المقاومة على تعزيز دورها وتنمية قوتها وتعميق خبراتها التكتيكية ، وازالة عقبات اخرى من طريق تحرير العراق وطرد الاحتلال نهائيا دون تفريط باستقلال العراق وسيادته ووحدته الوطنية والجغرافية . نعم كما كانت اعدامات البعثيين وغيرهم من القوميين العرب في محكمة المهداوي، في ظل ديكتاتورية قاسم الدموية ، احد اهم اسباب نمو البعث تنظيميا وعلى نحو جعله اكبر الاحزاب العراقية ، منذ نهاية الخمسينيات، فان مشهد الزنا المسمى محكمة قد ادى الى زيادة شعبية القائد وتدفق الاف العراقيين للانضمام الى صفوف البعث ، وهو يقاوم الاحتلال بالسلاح جنبا الى جنب مع كافة فصائل المقاومة العراقية ، الامر الذي يقرب النصر على الاحتلال ويرسخ قاعدة التنظيم الوطني الام : البعث.  

        salahalmukhtar@hotmail.com

شبكة البصرة

 االخميس 10 محرم 1426 / 9 شباط 2006

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس