بعد اطلاق سراح القلمجي : معركتنا في اوربا ابتدات ولم تنتهي

شبكة البصرة
صلاح المختار

   شكل اعتقال المناضل عوني القلمجي من قبل السلطات الالمانية، حين كان يريد القاء محاضرة حول الغزو الامريكي للعراق، مناسبة تاريخية كبيرة لاطلاق روح الرفض الشعبي الاوربي لسياسات الحكومات الاوربية، المتواطئة مع امريكا ضد حرية واستقلال الشعوب وفي مقدمتها الشعب العربي في العراق وفلسطين . فهذه الحكومات حاولت ان تلعب دور المبتعد عن السياسات الاستعمارية الامريكية، في العراق مثلا، بانتقادها وادعاءها انها تحترم القانون الدولي وحقوق الانسان وحرية التعبير ودور الامم المتحدة وغير ذلك، لكن ما جرى على ارض الواقع اثبت ان تلك الحكومات كانت دمية بيد امريكا لا اكثر ولا اقل .

   لقد استكثرت حكومة المانيا، وهي التي ادعت انها ضد غزو العراق وعدته غير شرعي، قيام وطني عراقي مثل عوني القلمجي بالقاء محاضرة في هامبورغ او برلين، وهددته  قبل الوصول بالاعتقال، لانها تعد المقاومة العراقية عملا ارهابيا ! هذا الموقف دون ادنى شك يفضح الازدواجية والتناقض في الموقف الالماني، فاذا كان الغزو غير شرعي كما اكدت المانيا وفرنسا اثناء الاعداد له وتنفيذه، فكيف لا تكون المقاومة الوطنية العراقية له شرعية؟ وكيف تعد ارهابا؟ واذا لم تكن جرائم امريكا في العراق، وانموذجها ابو غريب وابادة مدن كاملة كما حصل للفلوجة الشهيدة، تستحق الادانة والاستنكار والرفض التام والتعرية فما معنى احترام حقوق الانسان بالنسبة لالمانيا وغيرها؟ هل الانسان العربي معروض للقتل دون اعتبار لادميته لذلك تقوم حكومة المانيا بقمع ومنع من يريد كشف هذه الجرائم؟ ولماذا كانت حكومات اوربا ومنها المانيا تشن حملات كبرى ضد حكومات عربية بحجة منع مقال او اعتقال شخص واحد؟ هل كانت تلك الحملات الغربية تخدم هدف شيطنة العرب وليس حكومات العرب فقط، من اجل اعداد الراي العام الاوربي لتقبل الغزو الامريكي للاقطار العربية وقتل الملايين من العرب؟

   لقد وصل السيل الزبى بالشعب العربي من كثرة التجاوزات الاوربية وانتهاكات اوربا لحقوقنا، فتارة تقوم هي بالغزو وتهجير المواطنين العرب من وطنهم، كما حصا حينما اصدرت بريطانيا وعد بلفور ومنحت بموجبه ارض فلسطين لمواطنين اوربيين هم يهود اوربا، بدعم اوربي كامل، واستعمرت اوربا وطننا العربي ممثلة بفرنسا وبريطانيا وايطاليا، ونهبت وابادت مئات الالاف وخربت المدن وانتهكت الاعراض والمقدسات، وتارة اخرى، وحينما افل نجم الاستعمار الاوربي وصعد نجم الاستعمار الامريكي والغزو الصهيوني، نجد اوربا تصبح مجرد ذيل لامريكا ومجملة لوجه  اسرائيل ! وامامنا الان مشهدان مأساويان كانت اوربا مهندسهما، او المساهم في هندستهما، وهما ما يجري في العراق وفلسطين !

   ان اوربا الان تحشد قواها خلف امريكا، وترقص فوق اكتافها، وهي تهيء المسرح لضرب سوريا والسودان وتقسيمهما كما فعلت هي وامريكا بالعراق . والحجة المستخدمة فرضيات واكاذيب واتهامات لا يمكن اثباتها وحكومات اوربا تعرف كل ذلك . ومقابل ذلك تغمض عيونها وتغلق افواهها الشرهة وتعدم ضميرها حينما يتعلق الامر بالجرائم التي ترتكبها امريكا واسرائيل في العراق وفلسطين امام انظار العالم كله، والتي يشاهدها حكام ونخب اوربا في شاشات التفزيون موثقة بالصورة والصوت، ومدعمة باعترافات رسمية امريكية واسرائيلية بارتكابها . ورغم ذلك  فان اوربا الرسمية تمارس عهر الضمير وتتقيأ صديد الفاشية والتمييز العنصري بتاييدها لامريكا واسرائيل بشكل تام رغم انهما معتديتان !

   ما حصل في المانيا من اعتقال للرفيق عوني القلمجي فرصة تاريخية للمساهمة العربية في يقظة اوربا وتعزيز حركة السلام الاوربية ورافضي السياسات الفاشية لاوربا وامريكا تجاه العرب بشكل خاص وشعوب القارات الثلاث بشكل عام، واطلاق سراح القلمحي السريع هو نتاج الادراك الالماني الكامل لطبيعة الاحتقان الشعبي الاوربي واحتمالات انفجار الراي العام الاوربي ضد تبعية وتواطأ حكومات اوربا ضد شعوب القارات الثلاث . فهل نترك هذه الفرصة التاريخية تمر دون استثمارها لاقامة جبهة عالمية تتكون من حركة التحرر الوطني العربية بكافة تنظيماتها ومن التقدميين الاوربيين وانصار السلام وكل مناهضي سياسات العظمة الامبراطورية الاوربية والامريكية؟

   ان الظروف قد نضجت لتحالف عالمي عريض لكل محبي الحرية والمدافعين عن المساواة بين البشر في الحقوق كافة ودون أي تمييز على أي اساس وصورة، ويجب علينا كعرب مناضلين من اجل حريتنا المنتهكة وجماهيرنا التي تتعرض للابادة الجسدية، وهويتنا الوطنية والقومية والثقافية والدينية التي تشهد التذويب المنظم، واوطاننا المحتلة والمنهوبة الثروات من قبل امريكا واسرائيل وبدعم واضح من قبل حكومات اوربا، يجب علينا ان نرتقي فوق خلافاتنا الثانوية وان نستثمر هذه الفرصة التاريخية التي اتاحتها الحماقة الالمانية باعتقال القلمجي للعمل سوية كعرب اولا، وان نمد ايدينا للاصدقاء الاروبيين والامريكين المناهضين لسياسات القهر الاستعماري الامريكية الاوربية الاسرائيلية .

   واجبنا الاول الان هو ان نجعل قضية غزو العراق تحتل المرتبة الاولى في سلم اولاويات حركة التحرر العربية، فعلى ارض العراق ستقرر المقاومة الوطنية العراقية مصير كل الصراعات الاخرى في الوطن العربي والعالم، ومن ارض العراق سيبدأ فجر الحرية والتحرر للشعوب المظلومة، وبتاثير هزيمة امريكا في العراق ستبدأ اوربا تحررها من الهيمنة الامريكية . لذلك فان اجراس الوحدة بين كل المناضلين العرب تدق لنا جميعا وتدعونا للسمو فوق الماضي وخلافاتنا الثانوية، فلا امل لنا بكسب احترام احرار اوربا  وامريكا الشمالية وبقية احرار العالم مالم نثبت اننا نملك النضج المطلوب لطرح انفسنا موحدين لقوانا ومحررين لوطننا وداعمين لتحرر بقية العالم .

   ان الخطوة الاساسية في هذا الطريق هي رفض كل الشعارات وكل الطروحات وكل الخلافات ورفع شعار واحد وراية واحدة وهدف واحد هو تحرير العراق من الاستعمار الامريكي، فبتحرير العراق نحرر انفسنا جميعا من ارث الماضي ومن تحدي الامبريالية الغربية ومن التوسعية الصهيونية،وهذا الامر يتطلب الاعتراف الفوري وغير المنقوص بان المقاومة الوطنية العراقية، بكافة فصائلها،هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب العراقي، وهي طليعة حركة التحرر العربية . بعد انجاز هذه الخطوة التي تعد سلاحا جبارة معنويا وسياسيا سنجد العالم بكل قواه التحررية يقف احتراما لنا متقبلا لطروحاتنا واثقا من تأهيلنا لقيادة التحولات العظمى المطلوبة اقليميا وعالميا .

   اوروبا اليوم تقف على مقترق طرق فهي تدرك بعمق حجم مأزق تبعيتها لامريكا وما يحدثه من تدمير لفرص مستقبلها لانها تخوض معارك امريكا وتخسر فيها سمعتها ومصالحها دون ان تحصل حتى على كلمة اطراء من امريكا ! ويجب علينا ان لا نخطأ في فهم هذه اللحظة التاريخية في اوربا، فاذا نجحنا في تعزيز حركة السلم ومناهضة الحرب في اوربا فاننا لن نعجل بتحرير العراق فقط بل سنساهم بفعالية في انضاج الشروط الموضوعية لنهضة اوربا التحررية ولتمييز نفسها نظريا وعمليا عن امريكا . ان حيرة حكومات اوربا الان امام مأزق الخيارات المتاحة امامها، واعتقال القلمجي السريع واطلاق سراحه الاسرع مظهر واضح لها، توفر لنا فرصة عظيمة للتحرك بنشاط وردم الفجوة بيننا وبين اوربا ومنع تحول خلافاتنا معها الى حروب لها بداية لكنها بلا نهاية كما تريد امريكا واسرائيل .

   ان المطلوب منا الان ان نتعامل مع الاجواء النفسية والسياسية التي احدثها اعتقال القلمجي على انها نقطة انطلاق لكسب اوربا، وليس اطلاق سراح الرفيق عوني نهاية لها , الان تبدا معركة كسب اوربا، وهذا يتطلب ان نتحرك الان وليس غدا والظرف ساخن، لان الطرق على الحديد وهو ساخن يغير شكلة اما اذا برد فان الطرق سيولد رنينا فقط . المطلوب الان هو اقامة لجان تنسيق دائمية بين حركة التحرر العربية وكل القوى الاوربية التي ترفض توريط اوربا في سياسات العظمة والتوسع الامبراطوري الامريكية، على امتداد القارة وفي كل قطر من اقطارها .ونقطة البداية هي الاتصال الفوري مع القوى الاوربية للقيام بمظاهرات احتجاج غدا وفي الايام القادمة امام السفارات الالمانية في اوربا احتجاجا على منع القلمجي واصدار الحكومة الالمانية قرارا بمنعه من الكلام دفاعا عن المقاومة العراقية ! والمطلوب الان حث البرلمانيين الاوربيين المناهضين لتبعية اوربا لامريكا والمناهضين لحروبها للتحرك الفوري من اجل السماح للوطنيين العراقيين بالكلام بحرية في اوربا عن اوضاع العراق في ظل الاحتلال وتوعية الراي العام بحقيقة دور المقاومة العراقية وانها ليست حركة ارهابية كما تقول الحكومات الاوربية الان . المطلوب الان ان تضغط الجماهير الاوربية والبرلمانيين الاوربيين من اجل اطلاق سراح الاسرى العراقيين في سجون الاحتلال الامريكي في العراق . المطلوب الان هو توسيع الحملة العالمية لايقاف اغتيال العلماء والاكاديميين العراقيين على يد عصابات يستخدمها الاحتلال لتصفية النهضة العلمية في العراق واعادته الة القرون الوسطى . المطلوب الان تنظيم مظاهرات ملايينية استنكارا لعمليات الابادة المنظمة للشعب العراقي التي تقوم بها قوات الاحتلال والاحزاب التي جاء بها من الخارج . المطلوب الان هو انسحاب الاحتلال واعترافه بالمقاومة العراقية ممثلا وحيدا للشعب العراقي .

   ومن الناحية الاجرائية ان المطلوب منا جميعا كثير وفي المقدمة وضع برنامج التعاون مع القوى الاوربية التقدمية، بسرعة لانه سيضمن القيام بنشاطات وفعاليات متسلسلة ومستمرة حتى انجاز الاهداف الرئيسية للطرفين : حركة التحرر الوطنية العربية والقوى التقدمية الاوربية .

   لنبدأ الان وحديد اوربا ساخن الان بعد المعارك التي جرت في هامبورغ بين الشرطة الالمانية التي اعتقلت القلمجي وبين التقدميين الالمان وجرح فيها كثيرون .

   لنبدأ الان والبرلمان الالماني سيشهد نقاشا حول ما جرى في هامبورغ للمناضل القلمجي ودلالاته ونتائجه .

   لنبدأ بالخطوة العملية في برنامج التنسيق وهي قيام العرب في اوربا وفي مقدمتهم ابناء العراق بالتنسيق مع اصدقائهم الاوربيين للقيام بنشاطات  محددة اولها الاستغلال الامثل لما حصل في هامبورغ قبل ان تبرد الحديدة .

شبكة البصرة

الاثنين 12 صفر 1427 / 13 آذار 2006

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس