مجزرة حديثة : خطأ فردي؟ ام نهج رسمي؟ الجزء الثاني

شبكة البصرة
صلاح المختار

تواتر (الاخطاء) : ماذا يعني؟

حينما كشفت فضيحة ابو غريب، لاسباب عديدة مقصودة، افترض بعض حسني النية، في امريكا بشكل خاص، انه خطأ فعلا ، ولكن في الكونغرس كان هناك من يعلم انه لم يكن خطئا بل كان عملا متعمدا جرى تسريبه عمدا لاجل ارهاب العراقيين وادخالهم نفق الرعب الذي لم يسمعوا به من  قبل، ولذلك كانوا يعرفون انه بعد ابو غريب سيأتي الف ابو غريب، كما كان قبل ابو غريب الف ابو غريب، اسوأ واكثر قذارة ووحشية! ومن رأي دفاع مرتزقة امريكا في محطات التلفاز العربية، بقولهم ان من كشف ابو غريب هو امريكا وليس غيرها ومن ثم فانه خطأ فردي لا يمثل امريكا ولا قيمها الحضارية والاخلاقية، أصيب بدهشة لان تزويق الجريمة صار الوظيفة  الرسمية لهؤلاء! أكثر من ذلك فقد  ذهب هؤلاء ابعد فمجدوا شجاعة امريكا بالاعتراف بوجود اخطاء ارتكبها جنودها، بعد ان احيلت الى المحكمة  المجرمة المتوحشة التي كانت تجر عراقيا عاريا من رقبته مثل جر الكلب، واشاروا الى ان النظم العربية لا تعترف بما يحصل داخل بلدانها من جرائم.

وهنا استبدلت عناصر اللعبة او غيرت عمدا من اجل جعل المسالة الاساسية هي النقد الذاتي وليس الجريمة ذاتها، وفق شعار اصبح مألوفا في سلوك الغرب الاستعماري ويمكن تلخيصه بعبارة  : أقتل واعتذر تعفى وأقتل  وانكر تدان! ولعل افضل تجسيد لظاهرة عهر الضمير هذه هو ان بعض الامريكيين اخذوا ينتقدون ابادتهم للهنود الحمر من منطلق اخلاقي، مع ان العقاب مستبعد تماما لان القتلة شبعوا موتا منذ زمن طويل. أضافة لذلك فان عهر ضمير نخب امريكا والغرب الان، التي تنتقد جرائم ماض بعيد، يظهر في ابشع مظاهر انحطاطه حينما تتجاهل هذه النخب  ان امريكا تقوم الان بأبادة كل (الهنود الحمر)  الجدد في العالم وعلى راسهم العراقيين والفلسطينيين، ومن المؤكد انه بعد قرن او اكثر او اقل سيظهر من يعد ابادة الفلسطينيين والعراقيين خطئا بشعا!

وهذا ينطبق على الديناصور الاستعماري جاك سترو، وزير خارجية بريطانيا السابق، الذي كان من بين اهم المحرضين على غزو العراق ومن المساهمين مباشرة في ابادة اكثر من ربع مليون عراقي هم ضحايا غزو العراق، الذي قامت حكومته وهو وزير خارجيتها بالتخطيط له وتنفيذه بحماس اشد من حماس الامريكي القبيح. ومع ان يديه ووجهه وملابسه تقطر دما عراقيا فانه حاول اخفاء عهر ضميره لحظة انتقد فيها جرائم الاستعمار البريطاني القديمة، ولكن ايضا دون دفع الثمن لان القاتل البريطاني التهمه دود القبر! ويبقى مرتكب جرائم الابادة الحالي (بوش وبلير وكويزومي اليابان وازنار اسبانيا وبرلسكوني ايطاليا) بعيدا عن النقد والانتفاد حتى وفق معايير العاهرات ما دام حيا. 

ان جريمة امريكا وبريطانيا اهملت تماما، وطغت عليها اخلاقيات عاهرة تمارس النقد والنقد الذاتي بالحديث عن ادانتها لممارسة العهر وهي تحت رجل نجس مثلها، لكنها تهاجم بعنف عاهرة اخرى لانها تمارس العهر دون نقد ذاتي، على طريقة انصار الاحتلال من الشيوعيين العراقيين! وبين هذه وتلك يقف قوادون عرب من الليبراليين الجدد بصلافة عاهرة تقاعدت ليحاضروا حول عظمة الاخلاق والديمقراطية في امريكا التي تعترف بالقتل وتنتقد من قام به! وهكذا صارت المسألة الاساسية  هي النقد وليس العهر.

ولكن كل هذا التمثيل البارع لم ينجح لان جرائم امريكا في العراق ليست محدودة كي يمكن التستر عليها او تبريرها ونسبها لتصرفات فردية، فبعد ابو غريب وقبل ابو غريب كان الشعب العراقي يعرف بحكم مأساته ما يجري حتى لو عتم الاعلام عليها، لان الضحايا في كل مكان شهود على الطبع الاجرامي للنخب الحاكمة في امريكا. فالعراقيون شاهدوا كل شيء وعرفوا كل شيء، فلقد شاهدوا وروعوا بما حدث في الفلوجة حينما دمرت عن بكرة ابيها، وهدمت الدور على رؤوس الاف البشر ودفنوا حتى الموت تحت الانقاض، او ماتوا من الجوع وصارت جثثهم طعاما للكلاب والقطط التي جاعت بسبب التدمير الشامل للمدينة، او رأوا الجنود الامريكيين يغتصبون النساء في بيوتهن او في الجوامع او الطرقات او المعسكرات، او شاهدوا القناصة الامريكيين يتسلون بقتل الاطفال وهم يهربون من الموت وبايديهم اعلام بيض للتعريف بانهم ليسوا مقاتلين، او بقطع الماء والكهرباء والطعام والدواء عن 300 الف مواطن في الفلوجة لاسابيع اكلوا خلالها جثث الحيوانات النافقة كالكلاب والقطط، او قتل الامريكيين للناس عند نقاط التفتيش، او بقر بطون الحوامل وقتل الاجنة او قتلهن مع الاجنة، او نهب كل ما لدى المواطن من مال واشياء ثمينة، او استخدام الاسلحة المحرمة مثل الفسفور الابيض، واخيرا وليس اخرا التهديد العلني وامام الملأ باغتصاب النساء اذا لم يسلم المقاتلون انفسهم واعتقالهن لضمان تسليم ازواجهن او اخوتهن لانفسهم لقوات الاحتلال!

ان قائمة جرائم امريكا في العراق لها بداية ولكنها بلا نهاية، ومن يقول ان امريكا شعبا وحكومة وكونغرس واعلام لا تعلم جاهل او متجاهل، ففي كل يوم هناك من ينشر عن جريمة امريكية في العراق، تكفي واحدة منها لهز ضمير  السادة الحمير لكن السادة اعضاء الكونغرس يتمتعون بالحديث عن تقسيم العراق الى 3 دويلات للتخلص من كارثة العراق بدل ان يقرروا ان تنسحب جيوشهم وتترك العراق لاهله! بين جريمتي الفلوجة وحديثة شممنا ونشم رائحة الموت والدم في القائم والرمادي وعنة وراوة والكرابلة والاعظمية والكاظمية والموصل والبصرة والدورة واللطيفية واليوسفية وديالى والنجف. ومع كل رائحة كنا نرى منجل الموت الامريكي كبيرا يقطر منه سائل لونه احمر اسمه الدم العراقي. ولعل أسوأ الروائح التي (عطرت) بها الحرية الامريكية اجواء العراق هي رائحة الاغتصاب النتنة التي ما زالت منتشرة في كل العراق، فلا تخلو منطقة او حارة من امرأة اغتصبها الاحتلال، تماما كما لا يخلو بيت من جريح او معوق ومن سرقة الامريكيين لاموالهم عند تفتيش البيوت!

اذن امريكا تنتج الجرائم وفقا لاسلوب الانتاج الراسمالي وطبقا لاليات منه، فما لم تكن دورة الانتاج الجديدة اكثر سلعا من سابقتها فان الراسمالية تنهار، وكذلك الجريمة المنظمة في العراق التي تنفذها القوات الامريكية مباشرة بنفسها او بواسطة ايران والكويت ومرتزقة كثيرين، اذ يجب ان تكون كل حملة اكثر قتلا من سابقتها، وابشع في التفنن في الحاق الاذى بالعراقيين. ان الثورة العراقية المسلحة ضد الاحتلال تتقدم وتتسع مما يعني ان ما جاءت امريكا من اجله الى العراق وهو النهب لم ولن يحصل، بالصورة التي  خططت لها، بل الذي يحصل هو العكس اذ ان امريكا اخذت تمول الغزو من ميزانيتها العاجزة، لهذا استسلمت الادارة الامريكية والكونغرس لعقلية المقامر في احد كازينوهات لاس فيجاس، وهي عقلية تستمر في المقامرة وتزداد اصرارا عليها كلما خسرت اكثر. لكن عقلية المقامر الخاسر  تتحول الى عقلية المغامر المتأمر وهي انتحارية غالبا، وغالبا جدا، خصوصا لمن تشبع بثقافة لاس فيجاس كبوش وتشيني ورامزفيلد، لهذا ينتهي المقامر هناك اما الى رميه وهو سكير الى الشارع او سوقه الى السجن او اقدامه على الانتحار، مثلما ينتهي المغامر برمي جثته في سلال الزبالة!

لقد دخلت امريكا (دورة انتاج) خاسرة في العراق، وهي تشبه ما يسمى ب (الحلقة المفرغة) فكلما قتلت امريكا المزيد من العراقيين وكلما تفننت في تنفيذ القتل والاغتصاب كلما ازداد نمو المقاومة المسلحة وتعززت امكانية دحر امريكا ورميها، وهي شبه فاقدة للوعي بسبب سكر الحرب، في زبالات التاريخ. ان العمل حينما يكون مخططا ومتعمدا ثم يوصف بانه غير متعمد، او حادث فردي عابر، يضع الاحتلال او من يقوم بذلك على سكة الانتحار البطيء والمؤلم للطرفين. فانكار امريكا للقصدية في ارتكاب الافعال بلسانها تنقضه بأعمالها  بجريمة اخرى واخرى، الى  ان تصبح عاجزة عن التبرير وممارسة الكذب، وهنا تبدا السفارة الامريكية بالاستعداد لاستقبال المروحيات على سطحها لتهريب السفير الامريكي زلماي خليل زادة  والنخبة الامريكية الحاكمة في العراق المحتل من المنطقة الخضراء، تماما كما حصل في سايجون في فيتنام رغم ان الرئيس الامريكي وقتها كان يقول لن ننسحب حتى النصر وعلى وجهه ترتسم ابتسامة بلهاء لا تختلف عن بلاهة ابتسامة بوش!

ان تواتر (الاخطاء) وتكرارها وعدم الجدية في معاقبة من يقوم بها يؤكد انها اعمال مقصودة ومقررة من قبل اعلى المستويات الحكومية، لان من طبيعة الخطأ ومن اهم مميزاته هي انه يجب ان لا يتكرر حتى يحسب خطئا، اما اذا تكرر فانه حتى لو كان بحسن نية يعد عملا يستحق العقاب، وتلك حقيقة يعرفها طالب في المدارس الابتدائية الامريكية وغيرها.

القوة المفرطة تفرخ الجريمة المنفلتة

ان الجندي حينما يؤمر باستخدام القوة المفرطة ضد العدو لا يفهم من ذلك الا انه يجب ان يستخدم كل ما لديه من سلاح وعقل وخبرة وفي اقصى مدياتها لاجل اخضاع العدو، فكيف يكون استخدام القوة المفرطة اذا اقترن ب(هوس الخوف المرضي) من العدو وهو هنا اهل البلد المحتل؟ ما معنى القوة المفرطة؟ وما معنى هوس الخوف المرضي؟ دعونا نشرح الامر الاول طبقا للعلم العسكري والثاني طبقا لعلم النفس. في كل حرب او توتر بين بلدين تستخدم القوة طبقا للحالة السائدة، وتعتمد درجة استخدام القوة على درجة التوتر او حالة الحرب. فحينما تبدا الحرب التقليدية، وفي حالة التوازن النسبي او المطلق بين قواهما في الصنوف المختلفة، تستبعد الضربة الصاعقة او المفاجئة،  وتتصاعد تدريجيا ويحرص طرفيها على عدم جعل كل منهما يعرف بما يخبئه الاخر له. ومن بين ذلك عدم استخدام ما لديه من عوامل قوة مخفية وزجها تدريجيا حتى تصل الحرب الى مراحل الحسم عندها يبدأ طرفيها باللجوء الى استخدام الاحتياطيات المخفية لتكون عناصر ردع او مفاجئة للطرف الاخر، ومن بين اساليب وصول الحرب ذروتها استخدام القوة المفرطة للتعجيل بانهاء العدو او انهاء الحرب وفق قاعدة لا غالب ولا مغلوب.

اذن القوة المفرطة هي من مظاهر وصول الحرب ذروتها واقتراب الحسم، ومن اهم مميزاتها انها شديدة التدمير وتتخطى قواعد الحرب غالبا، والتي وضعت اصلا لضبط استخدام القوة المفرطة بالذات، لانها تحمل في احشاءها بذور الوحشية وانفلات الوحش الكامن في الانسان من كل قيد فرضته عليه القوانين والتقدم الاجتماعي والحضاري. ولان القوة المفرطة تقترن دائما بوجود قدر كبير من سايكولوجيا المقامر، أي الانتحار بمواصلة الخسارة مع ان المقامر يعرف انه لن يربح، فانها تخرق القواعد والمنطق وتعتمد كليا على فكرة وجود احتمال ولو ضئيل جدا بتحقيق الانتصار مهما كان الثمن ومهما كانت اساليب تحقيقه خارجة عن المألوف والمطلوب قانونا وعرفا واخلاقا وانسانية. وفي حروب اوربا في القرون الثلاثة الماضية  كان موضوع القوة المفرطة من بين اهم دوافع بلورة قوانين الحرب الحديثة ووضع القانون الدولي والقانون الدولي الانساني. ان الجرائم التي ارتكبت اثناء تلك الحروب الدموية والتي فاقت بوحشيتها أي حرب اخرى سبقتها في التاريخ الانساني، حركت الساسة ورجال الفكر واصحاب راس المال الكبير لوضع قواعد تحد من الاستخدام المفرط للقوة، وهكذا صار لدى الانسانية قوانين وضعت ووضحت حدود استخدام القوة وتسمي ما يتجاوز على تلك الحدود خرقا لقوانين الحرب ومن بينها الاستخدام المفرط للقوة.

من هنا فان الاستخدام المفرط للقوة هو عمل وحشي تحرمه قوانين الحرب والقانون الدولي والقانون الانساني الدولي اضافة لتعاليم الاديان والقيم الاخلاقية المتعارف عليها. ان امريكا حينما تأمر عسكرييها باستخدام القوة المفرطة كما حصل في الفلوجة وغيرها تحرر العسكري من كل الضوابط التي وضعتها هي واوربا باسم (الدول المتحضرة) كما يقولون، وتخولهم صلاحية القتل او التعذيب وفقا لما يروه لحظة القتال، دون رقيب او ضابط، يكون من الطبيعي ان نرى جنودا امريكيين يقتلون جرحى عراقيين مدنيين التجأوا الى المساجد لحمايتهم من الاستخدام المفرط للقوة، لكن الجندي الامريكي الواقع تحت تأثير رعب حرب لم يألفها ولم يشهد مثيلا لها حتى في فيتنام، يضطر بحكم التخويل الرسمي وبحكم التركيب السايكولوجي للقتل بلا حدود، ولارتكاب كل ما من شأنه توفير احساس له بان القوة هذه قد تستطيع انقاذه من موت محقق، وهنا نتحول الى مفهوم (هوس الخوف المرضي).

  يجب اولا التذكير بحقائق تتعلق بالسايكولوحيا الامريكية لانها تختلف عن سايكولوجيا العراقيين واغلب شعوب الارض، لانها نشأت اصلا في اجواء غير سوية، وهي اجواء الجريمة بكافة اشكالها والاضطهاد. لقد نشأت امريكا من هجرة مهاجرين اغلبهم مجرمين ابعدتهم بريطانيا الى العالم الجديد تخلصا منهم نتيجة اكتضاض السجون وعدم القدرة على فتح المزيد منها، لذلك قررت نفيهم الى القارة الامريكية الشمالية واطلقت يدهم فيها يفعلون ما يشاءون. اما المصدر الثاني للمهاجرين فكان الفقر المدقع الذي اجبر الالاف على الهجرة من بريطانيا اولا ثم من باقي اوربا وغيرها الى العالم الجديد بحثا عن فرصة عمل، وهؤلاء كانوا يتميزون بسايكولوجيا الشعور بالظلم الاجتماعي وحرمانهم من فرص عادلة للعمل ومن ثم طغت على سلوكياتهم انانية النهب المنظم والفوضوي واستسهال قتل الاخر لخطف فرصة عمل او ربح غير مشروع منه في عالم تسوده شريعة الغاب. يبقى المصدر الثالث وهو المضطهدين دينيا والذين هربوا من اوربا الى العالم الجديد للعثور على ملاذ امن لهم. ما هي السمات المشتركة لكل هؤلاء؟

اول واخطر سمة في المجتمع الجديد (الامريكي) هي سمة غياب او ضعف الاحترام لحياة وحقوق الناس الاخرين مما ولد ظاهرة الانحراف الاجرامي، وما يقترن به من تجليات سلوكية مريضة لا تحترم قانونا او اخلاقا وليس لديها قيم عليا وروادع انسانية. ولذلك لم يكن غريبا ان تسجل امريكا دائما اعلى نسب الجريمة في العالم رغم ثرائها الفاحش، وميزة الكثير من تلك الجرائم انها لا ترتكب لسرقة ما يؤكل او يسد الرمق بل انسياقا وراء انحراف متوارث. وتشتهر امريكا بارتكاب نمط من الجرائم غير مألوف في غيرها وهو القتل لاجل القتل ومن لا يجد شخصا يكرهه ليقتله يذهب الى الشارع ويقتل اول من يشاهده! وسمة الانحراف الاجرامي بهذا المعنى هي نتاج سايكولوجيا منحرفة قبل ان تكون نتاج الحاجة المادية، وهذه السمة انتجتها عقلية المجرمين المنفيين من بريطانيا.

والسمة الثانية هي مزيج من الدارونية الاجتماعية، والتي تعني العيش في عالم متوحش البقاء فيه للاقوى والافضل هو الاقوى، ومن الفلسفة البراغماتية، والتي تعني ان الصحيح هو ما يوفر المكاسب والمنافع حتى لو تناقض مع القانون او الاخلاق. ولذلك تزاوجت الداروينية مع البراغماتية  بصورة خلاقة ومبدعة لتنتج لنا نوعا من البشر لا رادع معياري له سوى المال وقيم المال وثقافة المال!  وتلك المفاهيم يدرسها الامريكي منذ طفولته في المدرسة الابتدائية ويلقن عليها لتكون محركا تلقائيا لسلوكه اليومي. وهذه السمة انتجتها عقلية الفقراء حد الهرب من بريطانيا وعبور محيط مخيف وخطر وقتها بحثا عما يمنع الموت جوعا او مرضا. ولكن هؤلاء الهاربين من الظلم الاجتماعي لم يسلموا من اثاره المتوارثة جيلا بعد جيل، فتكونت لديهم طبيعة ثانية محركها الاساس الشعور الكامن والمتجذر في الوعي  وفي اللاوعي بان الانسان مهما اغتنى فانه مهدد بالافلاس خلال ساعة واحدة نتيجة غياب الضمانات، وذلك هو المصدر الاجتماعي السايكولوجي لنزعة الاستيلاء على ثروات واراضي الغير، بصفته حقا تفرضه طبيعة المجتمع البشري القائم على القانون الاساس للداروينية، وهو الصراع من اجل البقاء حتى لو تطلب ذلك ابادة الاخر للاستيلاء على ثرواته.

ويمكنني تلخيص هذه الحالة السايكولوجية بالقول تشبع البطن لكن العين لا تشبع، لان البطن حيز صغير لا يتحمل اكثر من قدر معين من الطعام والشراب يخلق التخمة والتوقف الاجباري عن الاكل، اما جوع العين، وهو كناية عن الطمع، فانه لا حدود له لان الانسان ينظر حوله وفوقه بلا حدود وبدون الام او مشاكل بصرية. ولشرح هذه النقطة اقدم المثال التالي، حينما كنت اعمل في الهند كان يحضر الى دعوات الاستقبال مئات الاشخاص وكنت في كل وليمة اشاهد اكثر من شخص يأتي بلا دعوة وهو يرتدي ملابس رثة لا تصلح الا لشحاذ ويهجم هؤلاء على الاكل كما الضبع الجائع جدا، يأكل بسرعة ونهم وكان احدا يطارده او كأن الاقل قليل مع لا احد يطارده ولا الاكل قليل. ثم لاحظت ان البعض من هؤلاء يدس في جيوبه اكلا غير سائل قبل ان يخرج مباشرة بعد انهاء الاكل! وقد استوقفتني تلك الظاهرة وسألت من يكون هؤلاء؟ وكيف دخلوا القاعة بدون بطاقة فأتاني الجواب الصاعق : ان هؤلاء مليونيرية معروفين!!! هذا الميونير المتشحذ الذي يأكل بنهم وياتي بلا دعوة يمثل ظاهرة توارث جوع العين اجيالا، قضاها في حرمان شديد علم اجداده ان يتعاملوا مع الاكل بطريقة من لا يضمن العشاء اذا حصل على غداء. وحينما اغتنت  عائلته لم يختفي جوع العين، لانه جوع عتيق، كما نطلق عليه نحن في العراق، وبقي يحرك بقوة اللاوعي هذا الذي ورث ثقافة جوع العين!

 ان امريكا بغزواتها ونزعة ابادة الاخر لديها هي نتاج جوع العين وليس البطن، لان امريكا ملآنة البطن ولديها فائض كبير وتستهلك 80 % من اغلب موارد العالم المهمة وباقي العالم يستهلك 20 %  فقط منها! لكنها، ورغم هذه الحقائق، تتصرف وكانها ستتعرض للمجاعة بعد ساعة، لذلك يجب ان تبقى تنهب وتقتل وتتوسع استجابة للشعور بعدم الاكتفاء والافساد النفسي والثقافي المنظمين، وما يحصل في العراق منذ الغزو الامريكي يقدم صورة انموذجية تثبت ذلك.

اما السمة الثالثة فهي سمة تحويل الدين الى مرقد مقدس، والغاء جوهره، وهو انه قوة روحية حية وجبارة، تطلب وساطته (المرقد)  للغفران عن الجرائم التي يرتكبها الامريكي، لانه في النهاية انسان مهما كيفت سايكولوجيته يبقى لديه احساس دفين او علني بان الاخر حتى لو كان (ادنى مرتبة) فان حياته يجب ان لا تمحى! وذلك نوع من انواع غسل الضمير، بالضبط كغسيل الاموال، كلما تراكمت عليه دماء الضحايا لتوفير الراحة ولكن دون التوبة. من هنا تصبح دورة ارتكاب الجريمة ثم الذهاب للكنيسة الية امريكية مميزة من اليات التوفيق بين ابادة الاخر والتكفير اللاحق شكليا عن ذلك، ودون دفع الثمن او تلقي العقاب او تصحيح الجريمة بالتوقف عنها، أنظروا الى جورج بوش كيف يقتل الالاف يوميا ثم يذهب للكنيسة وكيف يقول بخبال عالي الجودة ان ربه يزوره ويأمره! وهو أيضا ما يفعله بعض الامريكيين الان عند التطرق للهنود الحمر، الذين ابيدوا ولم يبق من مجموعهم الذي كان يبلغ 112 مليون انسان سوى بضعة الاف الان، مع ان اوربا في زمن ابادتهم كان عدد سكانها 55 مليون نسمة، أي ان من قتلهم المهاجرون في امريكا من السكان الاصليين لو بقوا احياء الى الان لبلغ عددهم وكحد ادنى 350 مليون انسان قياسا باوربا التي اصبح عدد سكانها الان اكثر من 300 مليون انسان!

ان زيارة المراقد، وهي هنا الكنيسة، للتنفيس عن مشاعر الاثم  دون تغيير السلوك، من جهة، ونتيجة للخوف من الاخر، أي الضحايا، الذي يهدد بتغيير الوضع  في كل لحظة والذي فرض بالابادة، فيلجأ الامريكي الى الغيبيات هربا من الواقع ورغبة في الحماية، وتصورا مرضيا ان الله الذي يعبدونه هو إلههم فقط وانه يغفر لهم خطاياهم مهما كانت حتى لو لم يتوبوا.  ووجود اله خاص بهم ولهم فقط جعلهم يفسرون الدين على انه اداة متعة ومنفعة بالدرجة الاولى. ويترتب على ذلك تبلور قناعة بنفي الديانات الاخرى واسقاطها من حسابات  الامريكي،  مستهدفا نهب اتباعها بافتراض انهم اعداء الله والمسيح  او انهم ليسوا بشرا كالمسيحيين بل هم مخلوقات دنيا وجدت لخدمة المسيحي، وهو ما فعله الانكلوسكسون في امريكا مع السكان الاصليين وكرره ابناء اعمامهم  في نيوزلندا واستراليا،كما ان ما يفعله الجيش  الامريكي في العراق يندرج ضمن هذه الحالة.

ولهذا نرى الامريكي يمارس ازدواجية مفضوحة، فحينما يتدين يفصل سلوكه التجاري والاجتماعي، وهو اساس حياته، وكيفية تحقيق المنفعة، يفصل كل ذلك عن الدين وقيمه وروادعه، ويحل محله نزعة براغماتية تنسف اصول كل دين بما في ذلك المسيحية، من خلال تسويغ وتبرير القتل والنهب وممارسة كل انواع الفحش الاجتماعي داخل امريكا واسوأ انواع الغزو الاستعماري خارجها. ولذلك لم يكن غريبا بروز البراغماتية في امريكا بصفتها التيار الفلسفي الاقوى تأثيرا في السلوك العادي للانسان وفي ممارسة العلاقات الدولية.

هذه البيئة السايكولوجية طبعت بمياسمها امريكا كلها، مجتمعا وبشرا ودولة، فالامريكي هو مخلوق يبحث قبل كل شيء  عن الثراء حتى لو كان مليونيرا، وحينما يعثر على مصادره يستولي عليها بالقوة ويقتل اصحابها الشرعيين اذا قاوموا دون شعور حقيقي بالذنب! والخطير في الامر ان الامريكي يستطيع خداع نفسه، باعادة تكييف قناعاته، بالاعتقاد بان كل ما يعمله صحيح في وقته حتى لو كان قد اقتنع بغير ذلك سابقا، وقصة تعاون  امريكا مع المجاهدين الافغان ضد السوفييت ثم ضربهم بعد اندحار السوفييت تمثل رمزا موحيا للنمط الذي تتصرف به الشخصية الامريكية.

وتنطوي هذه السايكولوجيا على ازدواجية خطرة، فالامريكي لاحدود لاستعداده لابادة الاخر اذا كان قادرا على ذلك، لكنه حينما يواجه مقاومة مؤذية من الضحية تنهار قوته ويظهر قاعه الاصلي وهو انه جاء الى امريكا لاجل التخلص من الموت او الاضطهاد وتحقيق الاستقرار والثراء وليس للموت، لذلك تبدأ عوامل الجبن والخوف تستولي على الامريكي في ساحات الحرب وهو يواجه عدو شجاع مستعد للموت، وكانت حرب فيتنام هي التجربة الاهم التي اكدت ذلك وثبتته باسم (عقدة فيتنام). وهذه العقدة تنطوي على امر خطير وهو ان العسكري الامريكي حينما يقتنع بان العدو موجود في كل مكان وانه سينال منه حتما ينهار نفسيا او يصل الى حافة الانهيار، وعندها تظهر الحالة النفسية المسماة هوس الخوف المرضي. ما هي اهم مظاهر هذا المرض النفسي؟

في معركتي الفلوجة الاولى والثانية  تحدث جنود وضباط أمريكيون عن رؤيتهم لاشباح تقاتلهم حتى اثناء التوقف المؤقت للقتال، ونشرت صحف ومجلات امريكية قصصا كثيرة نقلا عن هؤلاء، من بينها انهم كانوا يصابون بهستيريا نتيجة تصورهم ان العدو يهاجمهم فيطلقون النار عشوائيا ويصيبون الكثيرين نتيجة الوهم بوجود هجوم، بما في ذلك اصابة زملائهم الامريكيين مع انه لا يوجد هجوم وقتها وانما الذي يوجد هو تخيلات تفرضها حالة الفزع من المقاومين العراقيين. وهذا يسبب ما يوصف احيانا بالاصابة ب(نيران صديقة)، وهي لاتعني كلها ان خطئا قد حصل واصيب صديق بل تعني احيانا ان جنديا امريكيا يصاب بهوس الخوف المرضي الذي يجعله يطلق النار على من يقف قربه حتى لو كانوا جنودا امريكيين! انه الفزع وقد وصل اقصى مدياته عند انسان بني سايكولوجيا اصلا على التمسك المفرط بالحياة ولدرجة الانانية الكاملة، بعد ان هرب هو او جده من الخوف والحرمان والسجن مقررا ان يعيش بأمن وامان ورفاهية.

والسؤال المناسب هنا هو التالي : كيف تكون حالة هذا العسكري الامريكي وهو يواجه جند الله في     العراق وهم يقاتلون بطريقة لم تألفها الحروب الاستعمارية الامريكية كلها؟ من المؤكد ان الجيش الامريكي قد انهار معنويا، وهو ما اعترف به قادة امريكيون كثيرون، وان انهياره العسكري اصبح مسألة وقت لا غير. ولذلك وباندماج سايكولوجيا هوس الخوف المرضي مع الامر باستخدام القوة المفرطة، في اجواء الاقتناع العام في امريكا وجيشها بان الهزيمة الامريكية حتمية، نجد امامنا جيشا امريكيا يقتل لدفع الخوف المرضي، ويغتصب  ويدمر حتى ما لا يحتاج الى تدميره للانتقام وانتهازا للفرصة قبل الرحيل من العراق او من الدنيا، وينهب الناس للحصول على مكسب من منجم ذهب دخلوه لاجل السرقة فانهار واغلق طريق الخروج عليهم ولم تبقى الا  كوة صغيرة للهرب فقط. لقد اعلنت المصادر الطبية الامريكية ان حوالي 40 % من جنودها وضباطها الذين حاربوا في العراق أصيبوا بعوق نفسي او بدني اخرجهم نهائيا من الحياة الطبيعية وليس من الجيش فقط، وحولهم الى اشباه بشر واشباه احياء واشباه أسوياء، لكنهم في كل الاحوال خرجوا من جنس البشر الطبيعي الى الابد.

 ان ما حصل في حديثة وغيرها وما يحصل اليوم في العراق له صلة بهذه الحقائق السايكولوجية والعسكرية.

                               الضربة الاستباقية : المكون النفسي

وثمة مكون اخر في سايكولوجيا الحرب ضد العراق، وهو طبيعة ستراتيجية امريكا الرسمية التي يطلق عليها اسم (الضربة الاستباقية )، والتي تقوم على عناصر جوهرية تنمي نزعة القتل العشوائي ونزعة القتل الغائي. ما المقصود بهذين المصطلحين؟ ان الفكرة الاساسية في الضربة الاستباقية هي ان امريكا يجب ان تضرب العدو قبل ان يبادر بضربها، حتى لو كان العدو هو حاليا ليس عدوا بل ربما يكون محايدا او حليفا، او ان العدو ربما لم يولد بعد ومازال في رحم امه لذلك يجب قتل الام لمنع ولادة الابن الخطر! والسبب في ضربه هو ما يلي : هذا الطرف يتقوى وبعد عقد من الزمن او اكثر سيمتلك القدرة على ضربنا، وبما اننا قررنا ان يكون هذا القرن قرنا امريكيا اذن يجب ان نمنع هذا الطرف من التقدم وامتلاك عوامل القوة ليس العسكرية فقط بل التكنولوجية والاقتصادية.

لذلك فان احد اهم اسس هذه الستراتيجية هو ان امريكا ستحاول ان تمنع أي دولة من منافستها او التفوق عليها، حتى لو كانت حليفة مثل اليابان او اتحاد اوربا! وطبقا لهذه الستراتيجية فان امريكا اعلنت رسميا انها وجهت صواريخها الذرية لضرب اهداف كثيرة منها الصين وروسيا والعراق (قبل الغزو طبعا) وسوريا وكوريا الشمالية وغيرها!

والضربة الاستباقية ليست من اختراع ادارة بوش الابن بل هي متجذرة في السايكولوجيا الامريكية منذ نشأت امريكا، فما قامت به منذ بدء الهجرة من اوربا الى امريكا وحتى الان ما هو الا ضربات استباقية لمنع خطر متوهم او محتمل قادم. والحتمية في بروز الخطر ليست مطلوبة او ضرورية بل يكفي ان تقتنع النخب الامريكية بوجود خطر للقيام بتوجيه ضربة استباقية لطرف هو في حالة غفلة، لانه لا يتصور ان يهاجم مع انه لم يخطط ابدا للعدوان على من هاجمه، كما كان حال الهنود الحمر. بل احيانا، وهي كثيرة، تخترع النخب (الخبراء والمسؤولين) الخطر من لا شيء وتبدأ، مستخدمة الاعلام الجبار الذي تمتلكه، بخلق بيئة تساعد على توجيه الضربة، والمثال الابرز هو كيفية التخطيط لعدة سنوات  لضرب العراق وغزوه رغم انه لم يكن خطرا على امريكا باي شكل، كما اثبتت الحقائق التي كشفت المصادر الرسمية الامريكية نفسها عنها، ومنها ان العراق لم يكن يملك اسلحة دمار شامل ولم تكن له صلة بالقاعدة وهما السببان الرسميان لغزوه! لقد كان الهدف الحقيقي الذي عرفه العالم الان هو ان تدمير العراق كان لاجل نهبه واعادة بناءه بواسطة الشركات الامريكية واستعماره لعدة قرون، وتلك مصلحة ستراتيجية ومادية اساسية، اضافة لتحقيق اهم مطلب اسرائيلي وهو التخلص من أي قطر عربي يمتلك مصادر القوة والتقدم، رغم ان هذه المصلحة ادت الى قتل اكثر من ربع مليون عراقي بعد الغزو وتدمير شامل للعراق وتحويله الى مسلخ رهيب، اضافة لقتل امريكا مليوني عراقي بسبب الحصار.

ان ثقافة الضربة الاستباقية مكون اساس في نفسية الامريكي نتيجة هواجس ومطامع التوسع على حساب الغير، وحينما تعبر هذه السايكولوجيا عن نفسها على المستوى الفردي تتخذ شكل سلوك هجومي عدواني مبني على اوهام هوس الخوف المرضي او على طمع النهب. وافضل تعبير عن ذلك هو اصدار اوامر رسمية للجنود الامريكيين في العراق بفتح النار على أي شخص او جماعة لمجرد الاشتباه دون التأكد من وجود نية عدوانية ضدهم. ولذلك فان مئات المدنيين العراقيين قتلوا في الشوارع وعند نقاط التفتيش وفي بيوتهم لمجرد وجود خوف مرضي لدى الجيش الامريكي، ونتيجة لثقافة الضربة الاستباقية التي علمتهم انهم اذا شكوا، مجرد شك، فيجب ان يضربوا بلا تردد! وتبين في كل تلك الحالات ان من قتل كان عابر سبيل! بل ان القتل بتأثير ثقافة وسايكولوجيا الضربة الاستباقية وصل حد قتل نساء حوامل غير مسلحات كما حصل في نقطة تفتيش في سامراء، وفي كل الحالات كانت الادارة الامريكية تقول ان القتل تم لتجنب (هجمات انتحارية)!

اذن فان نزعة القتل العشوائي  هي ضربة استباقية  تتخذ شكل عمل يحركه خوف آني غير مسيطر عليه، يجعل المبادرة بالقتل حق مشروع لتجنب خطر موهوم او مفترض فبركته هستيريا الخوف الذاتي والياتها. اما نزعة القتل الغائي فهي نتاج وجود تصور مسبق بان الطرف او الشخص الفلاني هما مشروع عدو مستقبلي  لذلك يجب قتلهما الان قبل ان يكتمل عنصر العداء الافتراضي، لان هذا الاكتمال سيجعل من الخطر مميتا وقد تستحيل عملية تجنب ضرباته! في العراق نرى كلا النزعتين تعبران عن نفسيهما باعمال قتل العراقيين، الاولى  تنتج عن مبادرة العسكري الامريكي مدفوعا بمخاوف هستيرية من الشعب العراقي فيقتل تجنبا لقتله من قبل اشباح تحيط به وتؤرقه وتسلب منه امكانية النوم او ضبط النفس، والثانية تنتج عن اوامر صريحة بقتل اشخاص وجماعات تشك امريكا انها معادية او يمكن ان تصبح غدا او بعد غد معادية لذلك يجب التخلص منها قبل ان تبادر بالهجوم!

  واخيرا يجب ان نشير الى ان محاولات امريكا اضعاف مقاومة الشعب العراقي للغزو تتخذ صيغ ضربات استباقية جماعية تتمثل في اثارة الفتن الطائفية والاثنية  بمهاجمة الجوامع والحسينيات والكنائس والقاء المسؤولية على اطراف عراقية لا صلة لها بها، لكي تضمن امريكا تحييد مقاومة الشعب العراقي للاحتلال من خلال تحويل الحرب من حرب تحرير العراق من الغزو الى حرب طائفية وعرقية لا تبقي من قوة العراق ما يمكن به طرد امريكا. وفي ضوء ما تقدم يتبين لنا ان اعمال القتل العشوائية والغائي ما هي الا نتاج تربية سايكولوجيا اجتماعية، اوثمرة اعداد طويل ومبرمج .

كثرة الاخطاء ماذ تعني؟

اذا قبلنا بادعاء ان ما يرتكب من جرائم هو خطأ فردي فان تكرار هذه الاخطاء على نحو كبير وملفت للنظر يعني  ان هناك انفلاتا في الجيش الامريكي وغياب او ضعف الضبط العسكري، فهل هذا صحيح؟ من المعلوم ان الجيش الامريكي هو من بين اكثر جيوش العالم تركيزا على مطلب الضبط العسكري لانه جيش اعد اصلا للغزو والعدوان وتوجد في امريكا افضل الاكاديميات العسكرية في العالم والامريكيون يفتخرون بذلك ومنهم بوش الابن الذي كرر القول بانه يفخر بعظمة الجيش الامريكي. اذا فقد الجيش الامريكي الضبط وقام كل عسكري بما يريد فانه لا يفشل في تحقيق اهداف التوسعية الاستعمارية الامريكية فقط بل هو ايضا سيواجه التفكك الداخلي. وهذا امر غير وارد ولم يحصل لان الضبط العسكري الامريكي ممتاز كما هو معروف عالميا. لذلك فان الادعاء بان الاخطاء سببها تصرفات فردية، مع انها تعد بالالاف وليس بالمئات، انما هو اتهام مباشر للجيش الامريكي بانه جيش متخلف ولدولة متخلفة لا تعرف كيف تضبط جيشها مع ان الضبط العسكري هو من اهم متطلبات قيام جيش يعتد به ويعتمد عليه. فاذا استبعدنا فرضية ان الجيش الامريكي غير منضبط  واعترفنا بانه منضبط ، نتوصل الى الحقيقة الساطعة وهي ان اعمال القتل والاغتصاب كانت وما زالت تتم باوامر عسكرية صريحة ومباشرة وليس بالايحاء او نتيجة تصرف فردي.

يتبع ....

salah_almukhtar@yahoo.com

شبكة البصرة

الاحد 15 جماد الاول 1427 / 11 حزيران 2006

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس