مجزرة حديثة : خطأ فردي؟ ام نهج رسمي؟
الجزء الثالث والاخير

شبكة البصرة
صلاح المختار

خطتا السلفادور وفيونكس

من بين اهم المميزات الفريدة للغزو الامريكي للعراق هو ان امريكا قد جمعت كل الاساليب الاستخبارية والعسكرية والسايكولوجية، التي سبق ان استخدمتها في بلدان اخرى من اجل تسهيل استعمارها بتصفية كل مقاومة تظهر في مسار الاحتلال الامريكي، وسخرتها لقهر المقاومة العراقية التي كانت المفاجئة الاكثر خطورة في كل التاريخ الاستعماري الامريكي. ولئن تناولنا اساليب الاغتصاب والقتل كاداة من ادوات القهر السايكولوجي فان هناك اساليب اخرى خطرة اتبعتها امريكا في بلدان اخرى منها فيتنام والسلفادور، ابرزها شهرة ما سمي ب (خطة فينيكس) في فيتنام و(خيار السلفادور) في السلفادور. والخطة الثانية كان من نفذها هو نيغروبونتي الذي عين سفيرا للعراق ووضع اسس خطة اخرى تجمع ما بين خطة فينيكس وخيار السلفادور للسيطرة على العراق الثائر، وهو الان مديرا لكل اجهزة المخابرات الامريكية، وتقع مشكلة المقاومة العراقية في قلب اهتماماته الاساسية بل هي اهتمامه الاساس .

أن المفاجئة الستراتيجية الاكبر والمزلزلة لامريكا في ما اسمته (القرن الامريكي) هي انطلاق مقاومة مسلحة خرجت عن القواعد النمطية لحرب العصابات الاساسية، من حيث سرعة انطلاقها وسعة عملياتها ووصولها لمراحل حسم حرب تحرير العراق خلال اقل من سنة، مع ان حرب فيتنام تطلبت عشر سنوات للوصول الى مرحلة الحسم رغم وجود دعم سوفيتي وصيني ومن كل دول العالم تقريبا عسكري وبشري ومالي واعلامي . لقد  وصل الاحتلال الامريكي للعراق الى مأزقه الستراتيجي القاتل، المتمثل في ادراكه انه من المستحيل الاستمرار في غزو العراق او دحر المقاومة المسلحة، منذ معركة الفلوجة الاولى في نيسان ابريل عام 2004، لذلك كان طبيعيا ان تتعامل امريكا مع الثورة العراقية المسلحة باساليب مختلفة عن تلك التي استعملتها في فيتنام وغيرها، من حيث القسوة وروح التدمير، مقترنة بنزعة انتقامية بالغة الشراسة .

في فيتنام استخدم الاحتلال الامريكي خطة فينيكس والتي قامت على قتل مئات الالاف من المدنيين الفيتناميين العاديين خصوصا الفلاحين ومن يشك بتأييده للثورة الفيتنامية، من اجل عزل المقاومة عن محيطها البشري الداعم وتصفيتها تدريجيا، لكنها فشلت في ذلك تماما . اما في السلفادور فقد نفذ نيغروبونتي خيار السلفادور، عندما كان سفيرا لامريكا هناك، وهو تصفية مؤيدي المقاومة المسلحة هناك بواسطة عصابات متخصصة بالقتل شكلتها امريكا، وكانت نتيجة تنفيذ تلك الخطة قتل اكثر من 40 الف مدني سلفادوري تبين فيما بعد انهم كانوا ابرياء ولم تكن لهم صلة بدعم بالمقاومة !

اما في العراق فقد اعترفت مصادر امريكية واوربية بان هناك عددا من المرتزقة في العراق تراوح بين 20 الف مرتزق و120 الف مرتزق تبعا لتطور الاوضاع في العراق منذ الغزو . بتعبير اخر اكثر دقة ووضوحا ان امريكا منذ غزت العراق جلبت معها عصابات المرتزقة رسميا، واعلن عن استخدام شركات مقاولات للحماية وكلفت بمهام عسكرية واستخبارية، وهؤلاء اغلبهم من امريكا، وبلغ راتب الواحد منهم الف دولار يوميا ! وكان بول بريمير الحاكم الاستعماري الامريكي السابق في العراق قد اصدر امرا باستخدام تلك العصابات رسميا ووجدت وثيقة تؤكد ذلك .

وكشفت مجلة ماريان الفرنسية نقلا عن مصادر صحفية فرنسية (بأن فضيحة جديدة أشد سوء من فظائع وفضائح أبو غريب تتربص ببوش وبطانته.( وقالت مجلة (ماريان) الأسبوعية الفرنسية (ان تلك الفضيحة الجديدة تتعلق بميليشيات غير نظامية مدعومة ماليا وعسكريا من قبل البنتاغون، مهمتها زرع الموت والدمار والقتل في العراق   . (

 

وأضافت (ماريان) الفرنسية في مقال كتبه الصحفي رافائيل ميريكي: (أن الأمريكان في العراق يعاودون التجارب المرة للحروب الاستعمارية.. وبالنسبة لواشنطن فان الجيش الذي لا يكسب الحرب فانه خاسرها ونظرا لحالة اليأس التي يعيشها منظروا البنتاغون إزاء إخفاقاتهم المتكررة وخيبة أملهم بما يتعلق وقابليات الجيش العراقي الجديد والذي بلغت تكاليف تدريبه الخمسة مليار دولار.. فأن هؤلاء بدأوا يقامرون بمغامرات خطيرة جديدة وهي إقامة ودعم وتشجيع عصابات غير نظامية إضافة إلى ميليشيات بارزاني - طالباني، أو تلك الموالية لايران والتي يستخدمها المحتل في ضرب المقاومة. وقد قال رامسفيلد عن هذه العصابات بأنها الوحيدة القادرة على إنهاء الإرهاب)  .وتابعت الصحيفة الفرنسية تقول( انه في خريف 2004 وقد يكون ذلك بسبب انتخابات كانون الثاني 2005 بدأت هذه العصابات بالانتشار والاتساع بشكل رهيب والتي قال عنها المحتل الأمريكي إنها تتكاثر كالفطريات فيما استطاع مراسل (وول ستريت جورنال) كريك جاف، تعداد ما لا يقل عن 12 عصابة مسلحة بتسليح جيد وذي بنية لا بأس بها).(للمزيد من التفاصيل انظر شبكة البصرة مقال (البنتاغون يمول عصابات الموت والقتل على الهوية في العراق) المنشور بتاريخ 3 6 2006 ).

وقبل خطة فينيكس وخيار السلفادور نفذت امريكا خطة ابادة للسكان الالمان في الحرب العالمية الثانية بوحشية فاقت بها وحشية بريطانيا، فلقد كانت وحدات من الجيش الامريكي تقف في مخارج المدن الالمانية التي تقصف بقنابل حارقة تشعل النار في كل المدينة، وعندما يهرب الاهالي الى خارجها تقابلهم القوات الامريكية بنيران الرشاشات الثقيلة، التي ابادت عشرات الالاف من المدنيين الهاربين من جحيم المدن المحترقة ! وكما ان امريكا قد خططت لنهب المتحف العراقي وتدميره كليا فانها فعلت شيئا مشابها في مدينة درسدن الالمانية حينما هاجمت المتاحف بالطائرات واحرقتها !

أذن عمليات القتل والابادة هي مقوم اساس من مقومات الاحتلال الامريكي، وهو خطة مقررة سلفا وتنفذ باوامر وحماية امريكية، وما جرى في بغداد وغيرها من هجمات شنتها عصابات ترتدي الزي الاسود كان باوامر امريكية، كما ان الخطف والقتل وقطع الرؤوس وتشويه اجساد المخطوفين ما هي الا جزء اساس من الخطة الامريكية في العراق، تنفذه عصابات متعددة منها تلك التابعة لايران ومنها التابعة لامريكا لكنها كلها تنسق عملها لنشر الرعب في العراق وتدمير روابطه الاجتماعية والوطنية واشعال حرب اهلية . واذا كانت امريكا تنكر ذلك وهو انكار طبيعي فانها قانونا مسئولة عما يجري في العراق لانها تحتله والقانون الدولي يلزمها بضمان امن الناس وحياتهم وممتلكاتهم،اما اذا ادعت انها غير قادرة على السيطرة على العصابات فهذا كذب فاضح لانها بالتها الحربية ومخابراتها قادرة على سحق العصابات بسهولة، بل يكفي ان تتركهم للشعب العراقي كي يقوم بالتخلص من شرورهم . من هنا فان جريمة حديثة  ليست سوى خطوة من خطوات الحرب على العراق واداة من ادواتها لتفتيت العراق والانتقام من شعبه الذي افشل خطط استعمار العراق وحولها الى اكبر مأزق يواجه امريكا .

نظرية تسويق الذعر

أذا وضعنا جانبا ما شرحناه حول اصول الوحشية الامريكية يبقى ضروريا تحديد الاهداف المباشرة للمجازر التي ترتكبها امريكا في العراق، سواء مباشرة بقواتها او بصورة غير مباشرة بواسطة عصاباتها وعصابات ايران . هناك نظرية امريكية شرحها هنري كيسنجر بدقة اسمها (نظرية تسويق الذعر)، وطبقا لها فان الانتصار على العدو (المقاومة المسلحة) يتطلب خلخلته نفسيا وتنظيميا وعزله عن محيطه الشعبي، وهذا يتطلب الاقدام على تنفيذ عدة خطط تضمن نشر الرعب في المجتمع تقوم على ارهاب الناس، كقصف المدن بالطائرات وتعمد قتل المدنيين، وهذا الاسلوب يؤدي اول ما يؤدي، حسب كيسنجر، الى اضعاف معنويات الجيش الوطني المقاتل في الجبهة، او المقاومين في الداخل، لانه حين يسمع المدافع عن الوطن عن قتل المدنيين في المدن، ومن ضمنها مدينته، يبدأ بالقلق على اسرته واقاربه واصدقاءه، وتلك بداية خلخلة معنوياته . كما ان الحاق اذى بالمدنيين يؤدي طبقا للنظرية الامريكية الى تجفيف الدعم الشعبي للمقاومة التي تعتمد اساسا على دعم الشعب في انتصاراتها وتقدمها واستمراريتها، وبدون هذا الدعم الشعبي تنحسر الثورة المسلحة تدريجيا الى ان يتم القضاء

عليها، لذلك فان القسوة المفرطة والقوة المفرطة ضد السكان المدنيين وظيفتها عزل المقاومة عن محيطها الشعبي بالقوة بوضع الناس امام خيارين : اما ان توقفوا دعمكم للمقاومة فنوقف هجماتنا عليكم او تستمروا في دعمها وعند ذاك يجب ان تتوقعوا منا ان نقوم بكل ما نريد ويضمن الانتصار .

اذن الاهداف الاساسية من وراء الابادة الجماعية للسكان المدنيين وممارسة كافة اشكال التعذيب يراد منه ما يلي :

1 يجب كسر شوكة المقاومة بتحطيم البيئة الشعبية التي توفر لها الحياة والاستمرارية وتغيير مناخات حياة الناس وجعلهم مضطرين لتغليب مطلب العثور على الطعام والامن على التفكير بدعم الثوار او مناهضة الاحتلال .

2 ايقاف او تقليل دفق المتطوعين للقتال من الشباب والشابات نتيجة تصفيتهم بصورة منهجية، باعتقالهم او قتلهم او تعويقهم جسديا او نفسيا (بالاغتصاب الجنسي)، حتى لو لم تكن هناك أي مؤشرات على تعاونهم مع المقاومة، ما دام الشباب هم عماد أي ثورة مسلحة .

3 تصفية عقل الشعب ومصدر ابداعه، وهو مثقفيه وخبراءه وعلماءه، لجعله مضطرا للعمل بطرق غير صحيحة  او تنقصها الدقة والعمل الاحترافي المتقدم، وبذلك تتعدد الاجتهادات وتظهر الامية ونصف الامية في الخيارات الاجتماعية والسياسية والتنموية المتخلفة . وتلك ضربة مؤلمة لاي مقاومة شعبية تعتمد على الوعي الشعبي والمثقف القادر على القاء الضوء على الطريق حينما يحل الظلام وتتعدد الطرق امام الشعب والتي يجب ان يختار منها واحدا او اكثر .

4 اجبار الناس على الولوج في ازقة صراعات خانقة لم يكونوا يفكرون فيها حتى في الكوابيس، ومنها القتال مع ابناء وطنهم بدل الاستمرار في مقاتلة الاحتلال، لان استخدام مرتزقة محليين وتسميتهم باسم طائفة او عرق يخلق رد فعل مضاد ويجر جرا فئات غير واعية او متألمة من هول جرائم العصابات الى خوض صراع مع جزء من ابناء وطنه، وتلك خطوة حاسمة على طريق نجاح الاحتلال في شق الشعب ومقاومته والتغلب عليهما .

5 -  قي حالة العراق فان هدف تقسيمه هو جوهر الخطة الامريكية الاسرائيلية الايرانية، لذا فان التعذيب والقتل الجماعي وانتهاك الحرمات لفئة من العراقيين بايدي فئة اخرى منهم، يزرع بذور التقسيم وقيام 3 دول في العراق على انقاض الكيان الوطني العراقي . لقد اعتقد الامريكيون ان ما طبقوه في يوغوسلافيا، وهو تقسيمها بعد اشعلت امريكا وبمساعدة اوربية جوهرية الحرب داخل يوغسلافيا وحرضت على التقسيم ووضعت اسسه عبر المجازر البشعة التي تمت بتخطيط امريكي اوربي مباشر، يمكن ان يطبق في العراق، لكن ما لم يعرفوه او عرفوه لكنهم قاسوا على تجارب عربية اخرى، وهو ان العراق ورغم الوانه المتعددة كان عبر اكثر من ثمانية الاف عام وحدة واحدة لم تتجزأ ولم تقسم وفشلت كل محالات الفرس وغيرهم في محو هويته العراقية . ان السبب في ذلك هو ان  نسيجه الاجتماعي والثقافي متداخل ومعقد التركيب بحيث يستحيل فصل جزء منه دون ان يكون ذلك انتحارا حقيقيا لكل الاجزاء بما فيها الجزء الذي فصل او انفصل .ان استخدام البيشمركة الكردية في اعمال الابادة والاغتصاب التي تمت في تلعفر والفلوجة، وغيرهما، قصد به تحريض العرب ضد الاكراد وزرع نزعة انتقام منهم .  كما استخدام فيلق بدر وجيش المهدي في اعمال قتل السنة اريد به زرع نزعة ثأر ضد الشيعة، وان اعمال التهجير القسري للشيعة والسنة والتي قامت بها عصابات تابعة لامريكا وايران واسرائيل اريد به ان تقوم موجة شاملة من التطهير الطائفي والعرقي لاجل اعداد العراق للتقسيم الواقعي . لكن ذلك كله فشل وبقي الشعب العراقي بكافة الوانه نسيجا واحدا ومتماسكا وعصيا على التمزق، وما المظاهرات التي قامت ضد ايران في جنوب العراق وهو مركز عملاء ايران ومخابرات ايران الا دليل على ان العراقي مهما اختلف لونه يبقى عراقيا وتعجز أي قوة واي مؤثر عن تفكيك وحدته .

حتى لا نجلس في حضن الشيطان

هكذا نصل الى كلمة الوداع وهي ان مجزرة حديثة لم تكن الا خطوة على طريق تنفيذ المخطط الامريكي الايراني الاسرائيلي في العراق، باعادته الى عصر ما قبل الامة والوطن واحياء او تعزيز جذور الطائفة والعراق والعشيرة، على حساب الوطن الواحد والشعب الواحد الذي عاش متأخيا اكثر من 10 الاف عام، وفشلت كل الغزوات السابقة في تقسيمه . ربما يسأل البعض لم هذا التحليل الطويل لمسالة معروفة ؟ والجواب هو ببساطة لان المهم ليس معرفة الحقيقة بشكل عام بل معرفة كل ما تتضمنه من تفاصيل قد لا ينتبه اليها من يكتفي بمعرفة الحقيقة العامة، وهذا هو بالضبط ما يجعلنا نكرر المثل الغربي الذي يقول (ان الشيطان يكمن في التفاصيل )، ومن دون معرفة التفاصيل الكامنة في حقيقة نعرفها قد نجد انفسنا نجلس في حضن الشيطان مع اننا من اشد اعداءه ومن اشد المؤمنين بالله . ان الحصانة تنتجها التفاصيل وليس الحقائق العامة ما دام العقل الانساني لا يكتفي برؤية الشيء بل يريد فهمه ومعرفة ما في داخله .

salah_almukhtar@yahoo.com

صلاح المختار : مجزرة حديثة : خطأ فردي؟ ام نهج رسمي؟ الجزء الثاني
صلاح المختار : مجزرة حديثة : خطأ فردي؟ ام نهج رسمي؟ الجزء الاول

شبكة البصرة

الثلاثاء 17 جماد الاول 1427 / 13 حزيران 2006

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس