متى تصبح الديمقراطية صندوق باندورا؟

تجربة هولوكوست العراق

شبكة البصرة
صلاح المختار

                                         مدخل : افكار اولية

لم استخدم عبارة متى تفتح الديمقراطية صندوق باندورا بل استخدمت عبارة متى تصبح الديمقراطية صندوق باندورا، لاننا، وفي ضوء تجارب عديدة عشناها او تابعناها خصوصا التجربة الكارثية لمحاولة الاستعمار الامريكي فرض ديمقراطيته الدموية على شعب العراق، راينا ان الديمقراطية بذاتها يمكن ان تصبح صندوق باندورا، وليس مجرد اداة لفتحه . والفرق كبير جدا بين ان تفتح الشيء وان تكون ذلك الشيء، فان تفتح شيئا جيدا ويخرج منه شيء سيء فهذا امر مألوف لا يلوث دائما الشيء الجيد، الذي قد يعبر من خلاله السوء دون ان يكون جزء مكونا منه . لكن ان يأتيك شيء ويبدأ بنشر الشرور في اخطر تجلياتها، وهي صادرة عن جوهره وعن مفاعله النووي الاساس، فذلك امر مختلف وخطير يشير الى ان ذلك الشيء فاسد بطبعه .

ان تجربة العراق في ظل الاحتلال الاستعماري الامريكي تثبت بادلة قاطعة وثابتة بان الديمقراطية يمكن ان تصبح مصدرا للمآسي والكوارث والابادة الجماعية واداة لتذويب الهوية الوطنية ولاشعال الحروب الاهلية وجلب الاستعمار او تدعيم وجوده اذا احتل بلدا، واضفاء الشرعية على الاحتلال وزرع بذور الحروب الاقليمية ونهب الثروات ونشر كافة انواع الفساد الخ .

هل ما حصل في العراق مجرد تطبيق سيء للديمقراطية؟ ام ان البيئة الاجتماعية السايكولوجية  للديمقراطية الغربية، وبالاخص الامريكية منها، عندما تفرض قواعدها على بيئة اخرى مختلفة تماما، تنتج وتعيد انتاج كافة الشرور الكارثية وبمعزل عن الاشخاص الحاكمين؟ لقد كنا منذ بدأ الوعي القومي العربي ينمو ويتطور ننظر الى الديمقراطية الغربية بعين الشك ليس من منطلق الميل للديكتاتورية والاستبداد بل من منطلق الادراك الحدسي اولا، وفي بداية التعامل مع الديمقراطية الغربية، ثم اليقين التجريبي ثانيا، بعد ان شاهدنا تجليات الديمقراطية الغربية ليس في اقطار العالم الثالث فقط وبالاخص في العراق المحتل، بل أيضا في عقر دارها : امريكا، عندها تذكرنا بعقل منتبه ما قراناه طلابا في جامعاتنا عن تعريفات الديمقراطية ونقدها من قبل فلاسفة الغرب ذاتهم، حينما اتفقوا على انها اقل النظم شرورا وليس افضلها .

لقد مرت تلك النقدات الغربية للديمقراطية دون ان نتوقف كثيرا عندها، واكتفينا بان نستخدمها لاثبات ان الديمقراطية الشعبية افضل من الديمقراطية الليبرالية . لكننا الان ننظر الى تلك النقدات بعين اخرى ووعي اخر، بعين رأت في الديمقراطية الامريكية ما لم تكن تراه في الكوابيس، وبوعي اكتشف ما لم يكن يتربع حتى على عرش النوايا والافكار المضطربة من مفاهيم وضعت اصلا للخداع والنهب والاستغلال باسم ارادة الاغلبية!

اننا اليوم وبعد تجربة غزو العراق، والانتاج التلقائي والطبيعي لابو غريب وغوانتانامو وبحتمية لا مفر منها، نجد انفسنا بأزاء طروحات جديدة ولم تكن مألوفة من قبل مثل تبني قطاعات واسعة جدا في العراق لدعوة قد تبدو غريبة، وهي العمل الجاد من اجل اقامة نظام وطني على انقاض الغزو الاستعماري وعبر المقاومة المسلحة لكنه استبدادي وشمولي، بل وديكتاتوري، صريح ورسمي ليضمن للشعب الامن والعدالة والهوية الوطنية المهددة . وانصار هذه الدعوة يبدون اشد العداء لكل انواع الديمقراطية ويطلقون على ذلك البديل تسمية (حكم المستبد العادل) . ولعل من اهم حججهم قولهم ان امريكا، ومعها اتحاد اوربا، تتصرف بعقلية المستبد غير العادل وتقيد الحريات داخلها وتركل بالحذاء كل القوانين والانظمة وحقوق الانسان، فهل نحن اكثر ديمقراطية من امريكا كي نتمسك بنظام سيكون حتما الثغرة التي سنخترق منها بعد التحرير؟

لذلك فان الضرورة تقتضي دراسة موضوع الديمقراطية برمتها وبغض النظر عن اختلاف مفاهيمها، وان نعيد دراسة موضوع  الاستبداد وعلاقته بالحرية، في ضوء رؤيتنا للعراق وهو يذبح ويحرق، ومنه تتهيأ النيران والسكاكين للانتقال الى اجزاء اخرى من وطننا العربي الكبير، وان نعيد اكتشاف الفروقات الطبيعية بين المجتمعات وما تحمله تلك الفروقات من اختلافات جذرية في مفاهيم الحكم، والانظمة الاجتماعية الاقتصادية متحررين من ابتزاز الموضة السائدة، والتي سوقت عبر الاعلام واصبحت تابو لا يمكن المس به رغم ان ادياننا تمس وتهان! هل يجوز ان نتحدث عن الديمقراطية وكأنها الحل السحري لكل امراضنا بعد ان راينا كيف ان الزكام الذي اصاب الامة عولج بضرب راسها بطلقة مدفع قذيفته صنعت من اليورانيوم المنضب؟ ان زكام الامة العربية، وهو فساد انظمتها وما ترتب عليه، ليس محض افراز داخلي لجراثيم داخلية بل هو ايضا نتاج نشر متعمد للجراثيم عبر ظاهرة الاستعمار، وقبله عمليات النهب مثل الحروب الصليبية .

لذلك علينا ان نتسائل : هل يمكن للفاسد ان ينتج الصالح؟ بتعبير اخر : هل يمكن للاستعمار والغزو ان ينتجا غير اللصوصية؟ وهل يمكن للصوصية ان تتخذ شكلا متحضرا او ديمقراطيا؟ اننا تعلمنا منذ الصغر ان الفاسد لا ينتج الا الفاسد فكيف يمكن للاستعمار ان ينتج الصالح؟ هناك من قال في تبرير عصر الاستعمار في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، ويقول الان في تسويق وتبرير الظاهرة الاستعمارية بان الاستعمار جلب التقدم الصناعي معه لشعوب متخلفة، وهذه الاطروحة وان بدت صحيحة الا انها تنطوي على لغم مدمر، فالتقدم الذي احدثه الاستعمار كان ضرورة من ضرورات النهب لانه بدون اعداد الات بشرية للعمل العبودي والخدمي لن ينجح في النهب، من جهة، كما ان التقدم المذكور اقترن بظاهرة خطيرة وهي اقتلاع الامم المستعمرة من جذورها ومحاولة محو هويتها وتحويلها الى مخزن احتياطي للثروة التابعة للاستعمار من جهة اخرى .

ان اوضاع البلدان النامية التي تحررت من الاستعمار واكتسبت بعض التقدم التقطت رغما عنها امراضا قاتلة لم تكن موجودة فيها، ومنها تذويب الهوية الوطنية او تشويهها او ربطها بسلسلة من المؤثرات السلبية التي احرقت اجيالا اعدتها الامم الناهضة لتقودها نحو التقدم . ان ماحصل في كوريا الجنوبية من ضياع للهوية مثال واضح للكيفية التي يحصل فيها التقدم وما يقترن به من ثمن باهض اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا . الغرب قدم للعالم الخراب والحروب والموت منذ بزغت شمس اوربا وانتشرت الى القارة الجديدة المسماة امريكا . فحتى شعوب الغرب التي تعيش في ظل الانجازات المدنية العظمى لم تتمتع باغلب ثمرات التقدم بل احتكرته نخب قليلة، وتركت الاغلبية تعاني من الجوع والفقر والامية لعدة عقود من الزمن . وحينما اوجدت انظمة المساعدة الاجتماعية في اوربا الغربية فلان الراسمالية كانت تريد ان توفر جوا انتاجيا مستقرا يضمن الربح الاعلى باقل المشاكل . والديمقراطية في هذا السياق ليست سوى الية احتواء للغضب الشعبي وتنفيس له، دون ان يقترن ذلك بسيادة مفهوم انها تعبير عن احترام لادمية الانسان اصلا، رغم كل ادعاءات الغرب بذلك . ان حروب اوربا الداخلية وحروب الاستعمار بين القوى الاستعمارية الكبرى مثل الحربين العالميتين، وغزوات اوربا وامريكا للقارات الثلاث تؤكد بما لا يقبل الشك ان الغرب لا يحترم حياة البشر بما في ذلك حيوات مواطنيه لانهم يموتون في تلك الحروب التي كانت وما زالت الصناعة الغربية الاولى والاهم التي يتم من خلالها نهب الفقراء وزيادة فقرهم وبؤسهم .

في غزو العراق رأينا امريكا الحقيقية ورأينا اوربا الحقيقية ليس عبر شاشات التلفزيون، كما كنا نرى حرب فيتنام، بل اخترقت امريكا عيوننا بمخزر ابو غريب وغوانتانامو! لقد اعدنا اكتشاف امريكا واوربا، وعرفنا عبر معاناة، هي الاقسى في كل تأريخنا العربي والاسلامي، ما معنى امريكا، وما هي حقيقة اوربا . نعم كنا ضحايا الاستعمار الاوربي خصوصا ضحايا سايكس بيكو ووعد بلفور، ولكننا نسينا الطبع الحقيقي للاستعمار بسبب ما ادخله على وجهه المكياج نتيجة وجود الخطر الشيوعي، فحد ذلك من وحشية امريكا واوربا، ونسينا بعضا من معاناتنا في مطلع القرن العشرين ومنتصفه . لكننا الان ونحن نعيش في بيئة ثقافة ابو غريب وغوانتانامو نعيد اكتشاف الغرب ونتعامل مع جوهر الديمقراطية، التي ابتدعها لتكون حصان طروادة للغزو والاحتلال، ليس العسكري فقط بل الثقافي والسايكولوجي ايضا، بعد ان يتحول حصان طروادة تلقائيا، وبتأثير جينات الاستعمار، ويصبح صندوق باندورا، الذي تخرج من مكوناته الطبيعية التهديدات الاخطر وينشر الموت والعذاب ويبني قصور وقلاع ابو غريب وغوانتانامو ومعسكرات التعذيب السرية في اوربا وبعلم الاتحاد الاوربي!

الان حان الوقت لنبحث عن الشكل المناسب لنظامنا السياسي بعيدا عن ابتزاز الديمقراطية الغربية، والتي اكتشفنا، بعد ما رايناه في العراق، بانها مجرد ورق تواليت تمسح به امريكا واوربا قاذوراتهما . فالديكتاتورية  مرض خطير لايقل خطره عن الديمقراطية الليبرالية، بل ان الليبرالية الغربية تتسلل بنعومة كنعومة تسلل الايدز عبر اللذة الجنسية في حين ان الديكتاتورية تأتينا بالم لا يطاق لانها تسحقنا بجنازير الدبابات، فنصبح محصنين ضد ها (الديكتاتورية) تلقائيا وبدون تثقيف مبرمج . والفرق بين الديكتاتورية والليبرالية هو كالفرق بين اسرائيل وايران، فاسرائيل احتلتنا بالدبابات لذا فرزت عقولنا حصانة تلقائية ضدها وضد نفوذها، اما ايران فانها تتسلل الى داخل حصوننا  كما يتسلل الايدز الى الجسم عبر اللذة الجنسية  باسم الطائفية، ولاننا نتكون من طوائف مختلفة فاننا لم نتحصن كما يجب قبل الغزو كثيرا ضد ايران كما تحصنا ضد اسرائيل، فكانت كارثة غزو العراق، التي لعبت ايران فيها دور المنفذ الاول والاهم للخطة الامريكية والاسرائيلية في العراق . هذه الحقيقة واضحة ومعترف بها ايرانيا ، الم يقل محمد خاتمي حينما كان رئيسا علنا بانه لولا ايران لما نجحت امريكا في غزوالعراق؟ ورغم ذلك نجد من يريد اقناعنا بان ايران حليف او يمكن ان تكون حليفا في مواجهتنا للتوسع الغربي والصهيوني! ويبذل جهدا مثيرا للاستغراب لاقناعنا بان ايران مظلومة وليست ظالمة، مع انها تسبح بالدم العراقي وتقطع بسكين غير حادة الجسد العراقي لزيادة الام الاحتضار عند القتل المتعمد للعراقيين والعرب، ورغم اننا لا نطلب للتطبيع معها سوى ان تكف عن ذبحنا وعن التدخل في شؤوننا وان تعيد اراضينا وجزرنا المحتلة!

بعد ان عشنا عصر العذاب الامريكي الايراني وراينا كم يمكن للديمقراطية ان تزور بسهولة وان تخدع بسهولة السذج والخدج وذوي المطامع الحيوانية، وبعد ان عرفنا ان الكلمة السحرية لتفتيت العراق وتقسيمه هي الديمقراطية، التي تتخذ شكل الفدرالية احيانا، علينا ان نعيد النظر في كل ما تعلمناه في المدارس والاحزاب والكتب والمناظرات، وان نفكر في كيفية انقاذ العراق اولا، وان نختار الوسائل الكفيلة بانقاذه من الاستعمارين الامريكي والايراني، الان وبعد الانقاذ، فالمهمة لن تنتهي بطرد امريكا وايران بل ستبدأ مهمة اصعب . لذلك نحن بحاجة لامر اخر وبديل اخر غير الديمقراطية الليبرالية . واول ما يجب الانتباه اليه هو ان الديمقراطية الليبرالية هي صندوق باندورا بالذات، وليس اداة لفتحه، والذي خرجت منه الشرور التي نعاني منها الان . ان قسما كبيرا من العالم يعتقد ان العراق يعاني الان مما يسمى الارهاب، ويقصد بذلك المقاومة الوطنية، لكنه لا يرى ما نراه، وهو ان معاناة العراق الشديدة يخفيها برقع اسمه الديمقراطية، لدرجة ان رئيس وزراء الدنمارك يزور العراق مباركا ديمقراطية الابادة والقتل بالمثقاب ورمي اكثر من مائة جثة يوميا في مجاري المياه، وديمقراطية تهديم مدن كاملة فوق رؤوس سكانها! هذا هو الغرب، وهذه هي بضاعته الديمقراطية!

على الانتلجنسيا العراقية ان تبحث بجدية تامة وبعقل متفتح عن نظام بديل للديمقراطية الغربية يجمع بين ضرورتين لا غنى عنهما ابدا : ضرورة توفير مركزية عالية في دولتنا توفر لنا الحد الاقصى من استخدام طاقات العراق للدفاع عنه وبصفته البوابة الشرقية للوطن العربي والتي يجلس خلفها غيلان مفترسة ومستعدة دوما لقتلنا، والرفض التام لاي نظام سياسي يشتت  طاقات العراق سواء باسم الديمقراطية او الفدرالية، وان نقدم على ذلك ونحن ننظر بازدراء تام للديمقراطية الليبرالية دون خشية من اي نوع من انواع الابتزاز . والضرورة الثانية ان يكون الحكم الوطني بعد التحرير شعبيا شورويا، يعتمد على الارادة الحرة للشعب وان يمثل تطلعاته ومصالحه اساسه القانون الذي يساوي بين الجميع دون تمييز على اي اساس، لكي نتجنب الديكتاتورية وما تولده من لا مبالاة قطاعات من الناس .

لا خلاص للعراق بعد التحرير من الكوارث المدمرة الا بقيام نظام وطني ائتلافي مركزي وقوي جدا تدور الاطراف حول مركزه بحتمية لا مفر منها، فالبناء وتعويض الشعب عن معاناته الطويلة من الحصار والغزو تتطلب حزما شديدا ومركزية قادرة على تحريك طاقات العراق بسهولة ومرونة لمواجهة مهام  التصدي للايدز القادم من الشرق وللايدز الاخر القادم من الغرب .

salah_almukhtar@yahoo.com

شبكة البصرة

الاربعاء 2 جماد الثاني 1427 / 28 حزيران 2006

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس