انها لحظة الحقيقة : هل ستقام وحدة المقاومات العربية؟

شبكة البصرة
صلاح المختار

اثناء الحرب على لبنان امتنعنا عن التعليق على الجوانب الستراتيجية فيها حرصا منا على ان ينصب كل الجهد العربي على دعم المقاومة الوطنية اللبنانية، والان بعد ايقاف العمليات العسكرية  يجب ان تناقش قضايا المقاومة والتحرير بصراحة تستوجبها مصلحة الامة العربية من اجل تجنب الفخاخ القاتلة التي قد تكون مبثوثة في زوايا الحدث، ومنها النزعات القطرية القاصرة والمقصرة والاخرى المذهبية المفرقة للجهد المقاوم. ان اول سؤال يفرض نفسه هو التالي : هل يمكن ان تتحقق وحدة حركات المقاومة العربية في العراق، مركز ام المقاومات، ولبنان وفلسطين بصفتها الشرط الاساس والمسبق للانتصار على الاعداء المشتركين؟ لم يعد ممكنا السكوت على هذه النزعة القطرية التي تتسم بها المقاومة العربية، ففي فلسطين تبدو حركات المقاومة الفلسطينية وكأنها تتجنب العمل المشترك مع المقاومة العراقية وتعرب عن تأييدها بخجل واضح! وفي لبنان وقف حزب الله ضد المقاومة العراقية منذ البدء، لدرجة ان الحرب على لبنان قد اقترنت بظاهرة تجاهل هذا الحزب للعراق ومقاومته والتركيز على لبنان وفلسطين فقط  وكأنه لا توجد في العراق اعظم حرب تحرير  تنفذ فيها يوميا اكثر من 300 عملية عسكرية ضد الاحتلال الامريكي تقوم بها الفصائل الجهادية المختلفة، وهذا امر مثير للقلق! ورغم اننا نعرف تعقيدات الوضعين  العربي والاقليمي وطبيعة الارتباطات السياسية او المذهبية فان معيار الفرز والتقويم الحاسم هو الموقف النهائي من معركة الحسم وكسر العظم مع الاستعمار الامريكي وشقيقته الصهيونية والتي تجري الان في العراق اساسا، وهذا الموقف النهائي لا يتجلى الا في  الوقوف متحدين ضد هذا العدو المشبع بالحقد العنصري اضافة لمشاريعه الاستعمارية التوسعية على حساب الامة العربية. ان كسب الحرب في المعركة الرئيسية سيكسر حلقات العدو في المعارك الاخرى، كما تقول الف باء الستراتيجية، لذلك لا مفر من تحديد المعركة الرئيسية واليات ارتباطها بالمعارك القومية الاخرى.

ان من يظن ان معركة لبنان قد انتهت واهم فنحن الان ندخل مراحل الحسم النهائي للصراع التاريخي بين الامة العربية وتحالف الصهيونية والغرب الاستعماري والحسم قادم لامحالة، وما اعلنته كونداليزا رايس عند بدء العدوان على لبنان، حينما قالت ان شرق اوسط جديد يولد الان، كان جرسا يدق للفت الانظار الى ما سيجري وليس الى ما يجري. وما يجب الانتباه اليه بعمق واهتمام كبيرين هو حقيقة ان توقيت امريكا لفتح معركة لبنان اختير بدقة وعناية تامتين لانه تزامن مع وصول مأزق امريكا في العراق قمة خطيرة تهدد بانهيار مفاجئ للقوات الامريكية فيه، بعد ان سقطت كل الخيارات الامريكية التي استخدمت لاشعال فتنة طائفية، اريد بها حرف الانظار عما يقوم به الاحتلال وادواته المحلية من قتل جماعي كي يستبدل الصراع التحرري ضده بصراع طائفي يحرق الاخضر واليابس، وبعد ان احكمت المقاومة المسلحة قبضتها على كل العراق. لكن وعي المقاومة العراقية المسلحة وتمسك كل العراقيين بعراقيتهم ووضعهم للانتساب الطائفي في الخلف احبط هذه الحلقة الخطيرة من مخططات الاستعمار. كما فشلت خطة المصالحة في توريط أي فصيل وطني عراقي حقيقي في هذه اللعبة الاستعمارية وبقيت المقاومة موحدة ولم يقع في الفخ أي فصيل، فما العمل لانقاذ امريكا في العراق والحفاظ على مشروع امبراطوريتها الكونية؟ الجواب كان خلط الاوراق بفتح جبهة اخرى وتحويل الجهد الاعلامي، بشكل خاص، اليها لتحقيق هدف اعادة امريكا الامساك بزمام المبادرة، وطرح اولويات جديدة مصطنعة، ثم العمل على تحييد اطراف معينة واغراء اخرى داخل وخارج العراق بالانخراط في اللعبة الامريكية، لقاء ثمن ما هو التفريط بمصالح العرب في العراق والخليج العربي، من اجل الانفراد بالمقاومة العراقية رافعة التحرير وبوابة الامل العربي، وتشكيل قوات عربية واسلامية وارسالها للعراق لتقاتل المقاومة بدل امريكا المنهارة.

لقد لاحظنا ولاحظ كثيرون، ان الفضائيات العربية  قد تجاهلت تقريبا عمليات المقاومة العراقية وركزت على لبنان وقدمت متعمدة انطباعا خاطئا وهو ان ضرب اسرائيل قد دشنه حزب الله في انكار متعمد لحقائق تاريخية ما زالت طرية في الذاكرة، ومنها ان اول من قصف شمال اسرائيل كان المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية قبل انشاء حزب الله، كما ان اول واخر من ضرب العمق الاسرائيلي، وتل ابيب بالذات كان الرئيس الاسير صدام حسين فك الله اسره باطلاق 43 صاروخا ستراتيجيا وليس صواريخ كاتيوشا. لقد اوحت التغطية المشبوهة هذه بان كل شيء هادئ وتمام في العراق، وهذا جزء مهم من المخطط الامريكي! وحينما  تتطرق الفضائيات لاوضاع العراق تركز على اعمال قتل المدنيين للايحاء بان المقاومة الحقيقية غير موجودة وان هناك حربا اهلية ومن ثم اجبار المواطن العربي على التقليل من شان ما يجري في العراق ومن احترامه وتعليق اماله على المقاومة العراقية، وجعله يعلق الامال في تحرير الوطن العربي على اطراف اخرى لا تملك القدرة على الحسم النهائي ليس لانها ليست وطنية بل لان ساحتها لا تسمح جيوبولوتيكيا او ديموغرافيا بذلك مثل لبنان وفلسطين.

ولتجنب الوقوع في متاهة عدم الدقة في تحديد المعركة الرئيسية، لابد من التذكير بوجود فرق كبير بين المعركة الرئيسية والقضية المركزية، اذ من الممكن ان تدور المعركة الرئيسية في خارج ارض القضية المركزية دون تغيير طبيعة القضية المركزية، ومعارك العرب مع اسرائيل دارت اغلبها خارج فلسطين. ففي مرحلة ما صارت ارض المعركة الرئيسية هي مصر عبدالناصر رحمه الله. ان صورة الوضع الستراتيجي واضحة لا لبس فيها ولا غموض ومن ينظر فيها يجد ان المعركة الرئيسية والحاسمة هي في العراق وليس لبنان او فلسطين، لان الدرع الذي يحمي ويغذي ويديم اسرائيل هو امريكا والاستعمار الغربي عموما، وبدون هذا الدرع ستنكشف اسرائيل ستراتيجيا وتقف منتظرة موتها البطيء حتى بدون حرب عسكرية. والتجربة الحالية في حرب لبنان، وهي ليست التجربة الاولى، تؤكد ان اسرائيل ليست نمرا من الورق المقوى فقط بل هي شريحة رقيقة وشفافة من ورق الكلينكس.

نعم يجب ان نفكر ونعمل ستراتيجيا وليس عاطفيا او تكتيكيا، فالمعركة الحاسمة والرئيسية، من منظور ستراتيجي، تجري في العراق وليس في غيره ابدا، والمعارك الاخرى مهما كبرت ستتقرر  نتائجها في ضوء نتيجة الحرب التحررية الدائرة في العراق. وهذا لا يعني ان القضية الاساسية لم تعد القضية الفلسطينية وحلت محلها القضية العراقية، لان القضية المركزية، من منظور قومي، ما زالت هي تحرير فلسطين وقضية العراق من هذا المنظور ملحقة بالقضية الفلسطينية ونتيجة لها. كما ان ذلك لا يعني التقليل من شان المعارك الاخرى لانها مهمة جدا، كمعركة لبنان، ما دامت كل حرب مع اسرائيل هدفا وطنيا وقوميا مطلوبا وكل ما عنيناه هو ضرورة ترتيب الأولويات الإستراتيجية. وهنا يجب ان نذكر بان الإستراتيجية الكونية الامريكية قد تغيرت في السبعينيات من اعتبار اوربا هي خط الدفاع الاول عما يسمى (العالم الحر) الى النظر الى الخليج العربي بصفته مسرح الصراع  الذي سيقرر مصير العالم وخط الدفاع الاول عن الغرب الاستعماري، فأنشئت قوات التدخل السريع ( RDF ) وبدأ التدرب على حروب الصحراء منذ السبعينيات، وبذلك اصبح الخليج العربي هو ساحة الصراع الرئيسية  طبقا لما يطلق عليه اسم  مبدأ كارتر.

وحصل تركيز اشد في الاهتمام الستراتيجي الامريكي في الخليج العربي عام 1988 وهو انتقال الصراع الرئيسي من كل الخليج العربي الى البؤرة  العراقية، وتحول قوى التحالف الغربي الاستعماري الصهيوني الاساسية الى هذه الساحة، خصوصا وان السبب الرئيس للتركيز على العراق هو انه تجاوز الخطوط الحمر الغربية الصهيونية في مجال السياسة النفطية، بتاميم النفط وتسخير موارده  لبناء مجتمع قوي ومتقدم علميا وتكنولوجيا وبناء انسان جديد وخلاق وليس لبناء مجتمع استهلاكي طفيلي، وبنفس الوقت بقي العراق متمسكا بواحد من اهم الثوابت الستراتيجية والمبدأية وهو حقوق الشعب الفلسطيني كاملة  ورفض المساومة عليها حتى مقابل رفع الحصار الذي قتل حوالي مليوني عراقي.

       

ومن يريد ان يتأكد من ان المعركة الحاسمة والرئيسية تجري في العراق عليه ان يتعامل مع الاسئلة التالية بدقة وموضوعية وبرودة عقل : ما الذي سيترتب على معركة لبنان الحالية من تغيير في موازين القوى اكثر من تغييرات غير جوهرية على الحدود وداخل لبنان نتيجة العامل الحديدي للجيوبولتك؟ وما الذي ستحققه المقاومة الفلسطينية اكثر من حكم مقزم مسيطر عليه اسرائيليا في افضل الاحوال نتيجة للعامل الحديدي للديموغرافيا والجيوبولتيك؟ ولكن بالمقابل ما الذي سيترتب على هزيمة امريكا في العراق؟ ان كل خبير ستراتيجي يعرف بوضوح تام بان هزيمة امريكا في العراق تعني اول ما تعني انهيار وتكسر الدرع الذي حمى ومازال يحمي اسرائيل، والتي لا تستطيع العيش بدونه ابدا. كما يعني انقلابا عالميا جذريا ستصعد على اثره قوى دولية واقليمية وتنزل اخرى، وسيكون الرابح الاكبر على الارجح هو حركة التحرر الوطني العربية التي ستتحول الى مركز جذب اقليمي وعالمي من خلال قاعدتها المحررة العراق. وعلى الصعيد الفلسطيني سيعود العرب الى عصر النهوض القومي واللاءات الثلاث ومن موقع قوة : لا صلح لا اعتراف لا مفاوضات مع اسرائيل.

اما اذا حصل أي انتصار جزئي او نسبي على اسرائيل من قبل أي طرف عربي فان وجود امريكا غير المهزومة سيعيد لاسرائيل قوتها ويحميها من الانهيار ويوجه ضربات مميتة للامة العربية، وتجربة حرب اكتوبر ماثلة اما نواظرنا حيث حولت امريكا النصر العربي الاولي على اسرائيل الى هزيمة فتحت الباب للصلح والمساومة والتخلي عن الحقوق. ان نظرة سريعة الى القرار 1701حول لبنان تؤكد ان امريكا،ومعها اوربا، تريدان  منح اسرائيل نصرا سياسيا كبيرا يفتح الباب امام انهيارات عربية جديدة تؤدي الى قيام شرق اوسط جديد واغتيال المقاومة العراقية!

من هنا فان من يظن ان معركة لبنان قد انتهت واهم لانها امتداد لمعركة العراق تماما كما ان معركة العراق امتداد طبيعي وشرعي لمعركة فلسطين، فالمعركة واحدة والمصير واحد وان تعددت الادوات تنظيميا وايديولوجيا. ومن السذاجة ان نرتكب خطئا تاريخيا قاتلا بالظن بان معركتي لبنان وفلسطين منفصلتين  عن معركة العراق، كما اراد البعض ان يوحي بتغييب المقاومة العراقية في مجال التحيات والبيانات والمظاهرات التي جرت مؤخرا. كما ان من قصر النظر الاعتقاد بان الروابط الجانبية، الاقليمية والايديولوجية تغير هذه الحقيقة الستراتيجية البسيطة. ان وحدة المصير العربي الان تتمثل في الدفاع عن العراق ومقاومته وفلسطين ومقاومتها ولبنان ومقاومته، والدفاع عن سوريا ضد المؤامرات الغربية الصهيونية التي تستهدف عروبتها، وهذا ينطبق على الموقف من المؤامرة على السودان باختلاق ازمة دارفور وغيرها، وفي المغرب العربي باختلاق نزعات انفصالية او تكفيرية متطرفة تريد تمزيق المغرب العربي. باختصار شديد يجب الاعتراف بان الامة العربية والعالم الاسلامي لن ينجيا من مخاطر التهديدات الصهيونية الغربية والتقسيمات الطائفية والعرقية الا بدعم المقاومة العراقية من قبل احزاب وحكومات عربية، وقيام تحالف معلن بين المقاومة العراقية  والمقاومة العربية في فلسطين ولبنان هدفه الاساس حماية الامة العربية والدفاع عن هويتها القومية والروحية.

اننا نحن البعثيون، الذين هندسوا وأطلقوا اعظم واخطر واكبر واسرع مقاومة مسلحة في التاريخ هي المقاومة العراقية المسلحة، نعلن بلا تردد ان على المقاومات العربية الطليعية في العراق وفلسطين ولبنان ان تتحد فورا وبلا ابطاء في جبهة المقاومة العربية من اجل التحرير والوحدة العربية، في ظرف تاريخي لن يتكرر وهو ظرف تعمق مأزق امريكا القاتل في العراق واستحالة خروجها منه نتيجة لاسقاط المقاومة لكل خياراتها، وبما ان امريكا  الدرع الاهم لاسرائيل فان وحدة المقاومة العربية لن تعجل في انتصار المقاومة العراقية وتحسم الوضع لصالحها فحسب بل ستبعث روح انطلاقة الثورة الفلسطينية، روح الميثاق الوطني الفلسطيني الاصيل، وستطلق مقاومات اخرى في كل قطر عربي يتعرض للتهديد الخارجي وسنشهد عصر نهوض عربي لا مثيل له سيغير وجه العالم برمته.

هذه هي لحظة الحقيقة، ولحظة امتحاننا جميعا دون استثناء، امتحان كيف نسمو فوق جراحنا والامنا وخلافاتنا وما يكمن تحت ماضينا كلنا لنقف متحدين متضامنين ضد العدو المشترك، لذلك يجب ان يكون الشعار الأساسي الان هو حتمية اقامة وحدة المقاومات العربية على ان تبدأ بمقاومات العراق وفلسطين ولبنان ثم تشمل الثوار العرب الاخرين القادمين حتما من رحم المقاومة الوطنية العربية الباسلة القائمة حاليا.

 

عاشت المقاومة العربية الباسلة في العراق وفلسطين ولبنان.

عاش المجاهدون العرب أينما قاتلوا وتحت أي راية استشهدوا.

المجد لشهداء العراق وفلسطين ولبنان.

عاشت الامة العربية المجيدة موحدة برايتها ورسالتها الخالدة.

النصر او النصر ولا شيء غير النصر

salah_almukhtar@yahoo.com

شبكة البصرة

الاثنين 20 رجب 1427 / 14 آب 2006

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس