ينابيع البعث : مم يتشكل الفكر البعثي؟

حقائق واوهام

شبكة البصرة
صلاح المختار

مقدمة

  منذ شرعنا بمقاومة الغزو الصهيو- امريكي - ايراني للعراق، ونحن نعلن هويتنا البعثية بصوت عال، مع اننا لم نفعل ذلك اثناء حكم البعث، ونتمسك بها حد الاستشهاد، بصفتها منار هدايتنا وصوابنا في عالم مظلم وظالم، اخذنا نتلقى رسائل كثيرة تسأل عن البعث وهويته وميزاته وحقيقته، لان البعث تعرض لمسلسل اكاذيب شوهت صورته لدى البعض، او لان بعض البعثيين قصروا في واجباتهم. وكانت اكثر الرسائل اثارة لاهتمامي تلك التي تلقيتها من اشخاص في المغرب العربي من الجزائر والمغرب بشكل خاص. احد الاشخاص يقول لي انه معجب بالبعث ومقاومته المسلحة للاحتلال، ولكنه يتسائل بصدق : لاجل تسهيل انضمام الملايين العربية والاسلامية الى البعث لانها تحترمكم وتحبكم وهي تشاهدكم تقاتلون الاحتلال الامريكي للعراق لم لا تبدلون اسمكم من حزب البعث العربي الاشتراكي الى حزب البعث العربي الاسلامي؟

واخر يسألني ان ازوده بكتب عن البعث، خصوصا عن مفهوم العلمانية لديه، لانه فوجئ بنهوض هذا الحزب المقاوم وشجاعة مناضليه وعدم ارتداد اي منهم رغم اغتيال الاف البعثيين والتصفيات الجسدية التي يتعرضون لها في ظل الاحتلال، وصفة البطولة البعثية هذه هي صفة لا يتمتع بها الا مؤمن بالله وبوطنه وقداسة قضيته. ورغم انني اجبت على هؤلاء برسائل شخصية الا انني قررت منذ اكثر من عامين ان اكتب عن البعث لاعرف اولئك العرب به، اضافة لتثقيف جيل جديد كامل انخرط في البعث بعد الغزو وهو يتالف من الاف المجاهدين المقاتلين في العراق، والذين يحتاجون لمعرفة فكر البعث الحقيقي وليس فقط معرفة انه حزب شجاع ومقاتل. لقد تعرضنا نحن البعثيون لاشرس حملة تصفيات جسدية لكن الحملة الاخطر كانت حملة تشويه هوية البعث والتي قامت بها اطراف عديدة في مقدمتها امريكا واسرائيل وايران، اضافة لجماعات مضللة او جاهلة لم تعرف البعث الا بالواسطة! سامح الله هذه الجماعات المضللة وهداها بنوره لرؤية الحق البعثي.

 

ظهور الحق : سقوط مؤامرة الشيطنة

   بعد 350 عاما من الحكم عليه بالاعدام نتيجة اتهامه بالهرطقة، وهي تهمة تكفيرية من الطراز الاول، اعترفت الكنيسة بان غاليلي غاليلو العالم الكبير كان محقا وان الكنيسة كانت مخطئة، وقدمت اعتذارا لعظام غليلو بعد 350 عاما على خلوها من اللحم! كان غاليلو قد اكد ان الارض ليست مركز الكون وانما تدور حول الشمس، وكان تابو (المقدس الذي لا يمس) الكنيسة انذاك هو القول بان الارض هي مركز الكون، وفسرت الكتاب المقدس على نحو يخدم هذه النظرية وكفرت غاليلو وحكمت عليه بالاعدام بسبب اصراره على نظريته العلمية، والان وبعد 350 عاما تعتذر الكنيسة وتعترف بانه كان على حق وكانت هي على باطل! والبعث تلك الحركة الانقلابية التاريخية التي هزت القرنين العشرين والحادي والعشرين بافكارها وحيويتها وتميزها باهداف تديم وجودها لقرون وربما لالاف السنين، تعرضت الى ما يشبه ما تعرض له غاليلو من سوء فهم او تعمد اساءة الفهم من (كنائس) العصر، السياسية والدينية والعلمانية، في الوطن العربي ثم في العالم والتي تعمدت شيطنته، بتلفيق سلسلة اكاذيب وسخة، كما شيطن غاليلو للتمهيد لاعدامه.

لكن كان هناك فرقا جوهريا بين غاليلو والبعث وهو ان غاليلو كان فردا حمل رسالة علمية لوحده فجاء الحكم بتكفيره من الاصولية الدينية المتطرف ليضع حدا لوجوده الشخصي، بينما البعث حركة تاريخية، قبل ان تصبح حزبا سياسيا، لها مؤمنون بها على امتداد الوطن العربي، حملوا رسالتها الانسانية الخالدة (خلود تطور المهام التاريخية وانجازها)، لذلك فان حركة البعث، التي انتجت حزب البعث والناصرية، استمرت بفضل توالي المؤمنين بها، فكلما افل جيل بعثي تقدم جيل اخر يحمل الراية البعثية لتستمر في العطاء الثر وتستمر في التحدي لاعداء الامة من الرجعيين والقوى الاستعمارية والصهيونية العالمية.

   لقد عاد البعث الى ساحة النضال علنا، بعد حوالي اربعة سنوات من النضال السري الشاق جدا، رغم ابادة الالاف من مناضليه على يد الاحتلال الامريكي وعصابات وفرق الموت الفاشية الايرانية، ورغم وجود الاف اخرين في سجون الاحتلال، عاد البعث يدق ابواب حرية العراق واستقلاله كبلدوزر يزيل الانقاض لاقامة عمارة المستقبل الوضاء بفضل مقاومته المسلحة للاحتلال، هو واشقاءه المجاهدين غير البعثيين، والتي مرغت انف امريكا في وحل الهزيمة. والسؤال الجوهري الذي اخذ يفرض نفسه بقوة بعد كل ما حصل هو : ماسر استمرارية البعث وجاذبيته رغم كل محاولات الشيطنة التي تعرض لها من قبل امريكا واوربا وانظمة عربية وايران؟ ان السر السهل الفهم والاكتشاف هو تجسيد البعث للاتحاد الخلاق بين اربعة مفاهيم هزت القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين وستهز بقية هذا القرن وهي : توليفة القومية العربية والحرية والاسلام والاشتراكية. بفضل هذه المفاهيم المترابطة صعد البعث الى قمة مجد النضال وحقق، عندما استولى على السلطة في العراق، ما لم يحققه اي نظام عربي او عالمي على الاطلاق من انجازات عظمى خلدتها الاجيال، من بينها أزالة الفقر تماما وتحقيق الرفاهية لكل العراقيين وليس لفئة منهم، وكان لها ابلغ الاثر في توفير حزام امن شعبي حول البعث، بعد اسقاط الاحتلال الامريكي لنظامه الوطني التقدمي، مما مكن الحزب من اشعال اعظم مقاومة مسلحة في التاريخ الانساني كله هي المقاومة الوطنية العراقية المسلحة.

   ما هي معاني ومضامين هذه الكلمات الاربعة؟ وهل هي تشابه نفس الكلمات من حيث المضمون لدى غيره البعث من الفئات السياسية؟ ما معنى القومية في البعث؟ وما هو تعريف الحرية في التراث البعثي؟ وماهي اسلامية البعث؟ وهل اشتراكية البعث تشابه الاشتراكية الماركسية اللينينية؟ اننا عندما سنجيب على هذه الاسئلة فاننا سنساهم في التذكير بمنطلقات البعث الاصيلة والاصلية من اجل توضيح مسار البعث في القرن الحادي والعشرين استنادا الى ما وضعه القائد المؤسس العبقري الكبير والمجاهد العظيم احمد ميشيل عفلق، وما اضافه قادة الحزب ومنظريه لفكر الحزب وممارساته، منطلقين من تكييف عصري لمنطلقات البعث، ليس بمعنى تغييرها، فهي اداة عمل ثابتة في مراحل تاريخية كاملة، بل بمعنى تفسير قوانين العصر الجديد في ضوء المنطلقات الاساسية للبعث والتي وضعت بالدرجة الاولى لتدوم قرونا، وليس سنوات كما هي حال الاغلبية الساحقة من الاحزاب العابرة.

وهنا لابد من لفت النظر الى ان فكرة (التكيف مع العصر) ما هي الا خداع وابتزاز سايكولوجيين هدفهما تحقيق انحراف عن المبادئ، لان التكيف مع ضرورات مرحلة من تطور الفساد العالمي والاقليمي فعل انتهازي وردة حقيقية لا تقع في فخها الا الاحزاب الطارئة، وتناس تام لحقيقة ان البعث حركة تغيير جذري وانقلابي شامل لواقع الامة الفاسد والشاذ، وتأسيس بديل له وليس التكيف مع متطلبات الواقع الفاسد مع ترقيعه. لذلك فان البعث لا يتكيف مع الانحراف عن المبادئ، ولا تجرفه موجات العصر، بل انه يتفاعل مع الانجازات العلمية والتكنولوجية ويعدل هوامش مساراته الكبرى، انسجاما مع سنة التطور، دون المس بجوهر مبادئه، كما تتجسد في ينابيع البعث وهي القومية والحرية والاسلام والاشتراكية.

اننا اذا راجعنا وتراجعنا عن الاشتراكية والحرية والقومية والاسلام، نزولا عند حاجات انية، او موضات تجتاح الهضاب، فان هويتنا العربية الاسلامية التقدمية تكون عرضة للضياع، كما اننا نمهد لتحولنا من حزب يحمل رسالة تاريخية عظمى يستغرق تحقيق اهدافها عقودا وربما قرون من الزمن، الى حزب اني قد يتوسع في ظرف ما لكنه يزول حتما بعد حين. والان نواجه حملة اجتثاث البعث، فكرا قبل التنظيم، لان تشويه الفكر يفقدنا البوصلة التي تحدد مسارنا التاريخي ويفضي الى قيام بعث بلا روح البعث ولا يختلف عن الاحزاب الرجعية والالحادية والقطرية والشخصية. وفي مرحلة اجتثاث الفكر البعثي، وهو اهم اهداف الاحتلال الصهيو- امريكي ايراني للعراق، نجد انفسنا كبعثيين امام نقطة البداية، اذ علينا ان نؤكد هويتنا القومية الاسلامية الاشتراكية ونحفر الخنادق الحصينة حولها لمقاومة ليس الجيوش المحتلة فقط بل لمقاومة الغزوات الايديولوجية قبل ذلك، التي تستبطنها تيارات مدمرة كالطائفية والعرقية والعصرانية المنفلتة من اي ضابط قيمي والتي تصدرها لنا امريكا واسرائيل وايران.

ان البعث حركة تاريخية انتجت حزبا جماهيريا، اصبح الاكبر والاوسع جماهيرية في الوطن العربي، والارسخ جذورا وقدرة على مقاومة عمليات التصفية الجسدية التي تعرض لها مرارا واخطرها بعد احتلال العراق من قبل الصهيونية الامريكية وايران، نتيجة الاندماج التام بين وجوده كحزب محدود بالتنظيم مهما كبر و كحركة تاريخية مفتوحة على المستقبل، مع احتفاظ الحركة البعثية بخصوصيتها الايديولوجية ونقاوتها المبدأية التي اصبحت مرجعا للبعث الحزبي الممارس يعود اليها كلما اربكته الممارسة في بيئة خطرة وتنطوي على التباسات قد تكون مدمرة للاصل. ولهذا فان البحث في البعث فكرا وسلوكا يتطلب التنبيه لاهم مميزاته التكوينية والتي اصبحت النبع الصافي لتجدده وشبابه الدائم وتجاوزه لمحن التصفيات الجسدية والفكرية والانشقاقات غير المبررة التي تعرض لها.

 وقبل ان نبحث في الفكر علينا ان نوضح مسالة مهمة وحيوية وهي ان اخطاء البعث سواء في السلطة او خارجها هي نتاج طبيعي للتكوين الاجتماعي للحزب كحركة بشرية تتشكل من بشر خطائين بالطبع، اضافة لقانون مطلق يتحكم بكل من تصدى لاحداث تغيير تاريخي كبير في مسار البشرية وهو الخبرة والتي لا تأتي من فراغ بل من التجربة الحية، وليس من بطون الكتب مهما كانت هذه الكتب عظيمة، وهي لذلك، اي الخبرة، تتشكل تدريجيا وتبدأ بالحد من الاخطاء البشرية وتشخصها كلما تراكمت وتعمقت. لهذا نقول بشجاعة الفرسان نعم كانت لنا اخطاء كثيرة لكنها اخطاء بشر وهي، اذا قورنت بالانجازات، فانها تبدو محدودة وثانوية وطبيعية. لقد كنا بنائين ومنجزين عظام لافضل تجربة حكم في الوطن العربي، لعدة اسباب منها ان البعث كان اول من ازال الفقر والامية وجعل الطب والتعليم مجانيين ووفر الامن والامان للمواطن، وحرره من الخوف المادي من الغد، وانشأ جيش العلماء والمهندسين، وامم النفط وجعله في خدمة الشعب العراقي وفقراء العرب...الخ، وقبل هذا وذاك اصبح البعث اول من بطح امريكا، وهي تنفرد بحكم العالم، واطلق رصاصة الموت على مشروعها الامبراطوري.

   وبهذا المعنى فان التجربة البعثية التي ابتدأت عام 1963 باستلام السلطة في العراق ثم في سوريا كانت فقيرة انذاك، وتضافرت هذه الحقيقة مع الاثر الذي تتركه التحديات الاتية من الخصوم والمنافسين والاعداء، فنتج عن ذلك مسلسل من العمل التجريبي الغريب عن الحزب بعضه صائب وبعضه الاخر خاطئ. ما نريد تاكيده هو ان الحركة التاريخية، ومهما كان للافراد دور عظيم في انشاءها وتطويرها، تبقى ملك الجماهير والتاريخ وتسير وفق اليات ذاتية مستقلة عن الافراد، وتنحو منحى العودة للينابيع الاصيلة والاصلية كلما اجبرتها تجارب الحكم على دخول مسارات غريبة عنها. لذلك فاننا لاننظر للبعث من زاوية انجازاته العظمى فقط او اخطاءه فقط بل أيضا من زاوية انه حركة تاريخية تقترن اليوم بطلائع مناضلة معينة لكنها غدا ستزول وستبرز من رحم الحزب والمجتمع طلائع اخرى تحمل الراية وتواصل السير في طريق البعث مهتدية باهدافه المقدسة نافضة عنه الخدر وغبار المعارك والبناء ومتمسكة بالفكر البعثي التأسيسي.

 

لماذا البعث كحركة تاريخية؟

  لقد شهد الوطن العربي ظهور الحركة القومية العربية على نحو بالغ الوضوح نتيجة عاملين حاسمين، العامل الاول مجاورة الامة العربية لاثنين من اكبر الامم الاسلامية واكثرها تفاعلا مع الامة العربية، سلبا وايجابا، وهما الامة الفارسية والامة التركية العظيمتين، والعامل الثاني هو حالة التجزئة التي تعرضت لها الامة العربية وحولتها الى اقطار متناثرة تتحكم فيها اقليات غريبة او دول مجاورة او استعمار. فالامة الفارسية من الامم العظيمة التي قدمت للبشرية انجازات حضارية كبيرة قبل الاسلام، والامة التركية عظيمة لانها ساهمت بنشر الاسلام بعد تدهور دور العرب فاوصلته الى اوربا. وكان لهذا التجاور الاثر الحاسم في تمييز الحركة القومية العربية في المشرق العربي عن جزءها الاخر في المغرب العربي، ففي حين كان التهديد الذي واجه المغرب العربي استعماري غربي يتبرقع بالمسيحية، فاصبح المضمون الاسلامي للنضال التحرري المغاربي طاغيا على المفهوم القومي، كان التهديد الذي واجه المشرق العربي يأتي من امتين اسلاميتين، احداهما، وهي الامة الفارسية دخلت في صراعات وحروب متكررة مع العرب قبل الاسلام واخذت بعد ادخالها الاسلام بحد السيف تتحين الفرص لتدمير الدور العربي والحضارة العربية، وسجل التاريخ بعد الاسلام ان هذه الامة المجاورة قد غزت العراق اكثر من مرة ودمرته وقتلت مئات الالاف من ابناءه. والثانية هي الامة التركية، التي اقامت امبراطورية اسلامية باسم الامبراطورية العثمانية وكان ذلك انجاز عظيما جدا، لكنها فتحت باب الصراع، مع العرب وغير العرب داخل الامبراطورية، من خلال سياسة التتريك ومحاولة تذويب الهويات القومية المكونة للامبراطورية.

 نتيجة لهذا الوضع الجغرافي نشأ نوع من الخصوصية في الصراع الاقليمي في المشرق العربي، ميزته الطاغية هي التمسك بالهوية القومية لتجنب تأثيرات الامة الفارسية او الامة التركية الاحتوائية! وهنا تغير دور الاسلام، ففي حين كان الاسلام عامل توحيد للمغاربة ضد الاستعمار الغربي فان الصراعات في المشرق استبعدت الاسلام لانه دين كل المتصارعين من عرب وفرس واتراك، ثم شهدنا الانقسامات الطائفية تضرب جسد المسلمين نتيجة الرغبة العارمة للشوفينية الفارسية في التحكم بمصائر كل شعوب المنطقة باسم التشيع الصفوي الذي صنعته هي لخدمة اغراضها الستراتيجية.

   حركة البعث انبثقت من رحم هذه السمات الواقعية وعبرت عن رد تاريخي ضد هذا الواقع، وتلك هي الخصوصية البعثية التي امسكت بطرفي المعادلة : ففي المشرق اتسمت الحركة الوطنية العربية بانها ذات طبيعة قومية طاغية لمواجهة التتريك والتفريس، فتنحى الاسلام الى الخلف واحتفظ بدوره التقليدي، وهو انه المعين الروحي للحركة القومية وروادها دون ان يزج في الصراع والتعبئة. اما في المغرب فان التحدي الاستعماري الفرنسي لم يكن فقط قائما على نهب الثروات بل ايضا على تذويب الهوية العربية عبر محاولة الطعن بالاسلام وتشويهه، مادام الاسلام هو مصدر تماسك وحيوية الهوية العربية. بين التخلص من التتريك والتفريس في المشرق، واشتعال النضال ضد تذويب الهوية العربية بالتخلص من حافظها وهو القران الكريم في المغرب العربي، برز البعث حركة توحيدية هدفها الحفاظ على الهوية العربية الاسلامية في ان واحد.

 

خصوصية البعث : تجسيدها الواقعي

  كيف رد الاصلاحيون العرب في احزابهم وحركاتهم السياسية والايديولوجية على هذا الواقع العربي المعقد جدا؟ ان الواقع العربي معقد ومركب وليس بسيطا في تكوينه السكاني والثقافي وفي مسارات تطوره الثقافي والاجتماعي وفي المؤثرات التي تعرض لها، لذلك كانت النتيجة نشوء حركات انعكاسية تختلف في اهدافها وتتناقض في مسارتها. وحينما نقول انعكاسية نعني بذلك انها نشأت كرد فعل على الاوضاع الفاسدة في الوطن العربي، سواء كان فسادها ناجما عن الاستعمار او العفن الداخلي. فما هي اهم التيارات والاحزاب التي ظهرت؟ ولماذا فشلت في التعبير عن حاجات الامة العربية الحقيقية؟ ببساطة ان فشل كل تلك الاحزاب منذ الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي والايطالي في المغرب وعن الاستعمار البريطاني في المشرق يعود الى ان تلك الاحزاب تعاملت مع الواقع العربي بنظرة ومنطلقات مناطقية تجزيئية وموضعية وعجزت عن التعامل مع الواقع العربي بنظرة ومنطلقات شاملة تغطي كل مشاكل العرب الرئيسة وتضع لها الحلول العملية.

   كان الواقع العربي يتميز اساسا بثلاثة ميزات جوهرية، الميزة الاولى هي التجزئة، فالعرب، بعد ان كانوا امة واحدة صنعت واحدة من اعظم حضارات العالم امتدت من اوربا الى الصين، تعرضوا لانهيارات متعاقبة وضعتهم فوق واقع انهم اصبحوا اقطارا متفرقة ومتخلفة، بينما الشعوب التي جاءت بعدهم الى مسرح العالم توحدت وتقدمت! فطرح اول هدف للوطنيين والقوميين العرب منذ مطلع القرن العشرين وهو تحقيق الوحدة العربية ليس فقط لاستعادة مجد مضى بل، قبل هذا واهم من هذا، لضمان مكان لائق للعرب في عالم ليس فيه قيم سوى قيم الربح المادي وقانون الغاب، ومن ثم فان الصغير والضعيف يتعرض حتما لطمع واعتداء الاقوى. اما الميزة الثانية للوضع العربي فكانت الفقر والتخلف وما يترتب عليهما من نتائج سيئة في المجتمع. ان الفقر وكما ثبتت تجارب الواقع منذ بدء الخليقة هو المصدر الاساس للشرور في المجتمع الانساني، من كذب وفساد وامية وتخلف وانحطاط قيمي وكفر وتحلل...الخ. وعرب ما بعد التحرر من السيطرة العثمانية كانوا بغالبيتهم فقراء وهو وضع انتج كافة ابناءه الشرعيين من التخلف الى الانحطاط والجريمة والفساد. ولذلك كانت هناك حاجة اساسية للقضاء على الفقر بصفته الشرط المسبق والحاسم لتحقيق التقدم عبر أزالة الامية وهي اخطر ابناء الفقر، ونشر العلم والتكنولوجيا. اما الميزة الثالثة فكانت الانحطاط الروحي وغربة الاسلام في وطنه الاصلي الوطن العربي، ففي ظل الفقر والتجزئة وما نجم عنهما من امراض ضاعت القيم الروحية او ضعفت مع انها تشكل عماد شخصية الانسان. وبالنسبة للعرب فان الاسلام قبل ان يكون دينا هو الطاقة الحيوية الروحية الاعظم التي تقرر ماهية الانسان وموقعه في الوجود. لذلك فان الفساد لا يعالج فقط بحل المشاكل المادية فلابد من هزة تربوية عظيمة واعادة بناء منظومة القيم الضابطة للانسان والحافظة له من شرور شياطين المجتمع الانساني.

   اذا عولجت هذه المشاكل الثلاثة يمكن بناء مجتمع عربي سليم وقوي ومعافى يستطيع ان يبرز قوة كبرى فاعلة في المجتمع الانساني الكبير. ماذا حصل؟ وكيف جاء الرد السياسي والحزبي على هذه المشاكل الرئيسية الثلاث؟ لقد نشات احزاب منذ مطلع القرن العشرين لتعالج مشاكل الامة، فراينا احزابا قومية تدعو للوحدة العربية، لكننا اذا بحثنا في مضامين فكر هذه الاحزاب القومية سنجد انها اخفقت في التعامل مع المشاكل الاجتماعية كالفقر واختارت ان تناى بنفسها عمليا عن التعامل مع المشاكل الاجتماعية المعقدة وتركز همها على تحقيق الوحدة العربية، لهذا بقي هناك نقص جوهري كان الفرد العربي حينما يفكر بمشاكل الامة يشعر بالحاجة لسده وهو فقر الاغلبية الساحقة من العرب، وجاء الرد من الشيوعية التي طرحت نفسها كحزب هدفه الاساس القضاءعلى الفقر والفوراق الطبقية في المجتمع، واستبشر من كان يريد للفقر ان يزول بذلك خيرا لكنه اكتشف ان الاحزاب الشيوعية، وان كانت تتحدث عن ازالة الفقر، الا انها غريبة عن المجتمع العربي وقيمه الروحية والدينية، فهذه الاحزاب ملحدة من جهة، وذلك انحراف خطير بالنسبة للشعب العربي المؤمن لا يمكن تقبله، وهي من جهة ثانية اممية ترفض الوحدة العربية وتقفز من فوقها في دعوتها للاممية البروليتارية، اي وحدة الجزء الرث من الطبقات العاملة في العالم من مختلف الامم، لذلك فان المناضل العربي، الذي كان يتطلع لحزب يزيل الفقر لكنه لا يزيل معه الدين والروح والرابطة القومية، اصيب بخيبة امل.

   وزاد رفض المناضل العربي لما يراه من احزاب وهو يتعامل مع احزاب قطرية حتى تلك التي تدعو للوحدة العربية، فالاحزاب العربية في مطلع القرن العشرين كانت قطرية التنظيم ولم يكن هناك تنظيم واحد يغطي الوطن العربي بل كانت هناك احزاب قومية لا يربط بينها رابط وان وجد فهو رابط تنسيقي لا يرقى لمستوى تشكيل اداة نضالية عربية واحدة وفعالة تشمل كل اقطار الوطن العربي. واخيرا انتبه المناضل العربي الى نشوء احزاب دينية التسمية والهوية لكنها تكفيرية، من جهة، لانها ترى في كل من لا ينتمي اليها كافرا، وهذا الموقف شكل صدمة انقسامية بين صفوف الوطنيين العرب ، كما انها كانت احزابا اممية تهاجم القومية العربية وتتجاوز عليها بالدعوة لوحدة اسلامية دون المرور قبل ذلك بالوحدة العربية، كما يفرض الواقع والمنطق من جهة ثانية. والاهم هو ان هذه الاحزاب الدينية لم تكن محصنة ضد الاختراق العربي الرسمي او الاجنبي، فبعضها نشأ بقرار من انظمة عربية ارادت مواجهة الشيوعية والحركات القومية، وبعضها الاخر انشاته مخابرات بريطانيا لنفس الغرض، وهو محاربة الشيوعية والحركات القومية، لذلك كان نشوء اكثر الاحزاب الدينية مقترنا بشنها حربا شاملة ضد كافة القوى الوطنية وتعاونها مع انظمة كانت احد اهم اسباب تخلف العرب ومأسيهم. ان النزعة المعادية للقومية العربية وللاشتراكية لدى الاحزاب الدينية ولدت فراغا كبيرا في مجال بروز حزب يجمع بين الاسلام والتسامح والاشتراكية والقومية.

   في هذا المناخ ولد البعث كرد شامل وغير جزئي على الوضع العربي الفاسد، فاراد ان يحل المشكلة الاكبر على المستويين الايديولوجي والتنظيمي، وهي مشكلة احادية تشكل كل الاحزاب التي كانت قائمة قبله وتمثيلها لجانب واحد فقط من الجوانب المركبة لازمة ومشاكل الامة العربية. فالبعث جمع الصفات الثلاثة الضرورية للامة فيه، فهو اولا حزب قومي يتميز بان له تنظيم يشمل كل الوطن العربي ويعد الوحدة العربية شرطا لا غنى عنه لصعود العرب وتقدمهم وحصانتهم في عالم لا يعيش فيه الا القوي، وهو ثانيا حزب يؤمن بالله والاسلام بصفته روح القومية العربية وبدونه لا توجد قومية تحررية، وهو ثالثا حزب اشتراكي يريد ازالة الفقر والامية والامراض المزمنة بصفتها مصدر الشرور الاساسية في المجتمع. بهذه الهوية الفريدة المركبة من عدة سمات عبر البعث عن هموم الامة اصدق تعبير ولخص هويتها، وبها تميز عن كل الحركات والاحزاب العربية. ولكن هناك سؤالين مهمين جدا وهو : كيف يفهم البعث القومية والحرية والاسلام والاشتراكية؟ وهل فهمه مشابه لفهم الاخرين لها؟

 

المفهوم البعثي للقومية

  في الاربعينيات من القرن العشرين تبلورت توليفة جديدة من الافكار والاتجاهات التي لم تعد القوالب القديمة تستوعبها، ومن بين اعظم مظاهر التوليفة الجديدة بلورة مفهوم تقدمي وانساني للقومية العربية، فبعد ان كانت هذه القومية، في نظر من كتب عنها، تمجيدا للجنس العربي وانغماس في مهاترات مع ابناء القوميات الاخرى وتركيز على الجنس والنسب الاصيل... الخ راينا نظرة قومية منفتحة وذات طابع انساني عمادها تجسيد الشخصية القومية للامة العربية على اسس ثقافية وسايكولوجية وتاريخية ومصلحية وليس عرقية. لقد اعلن البعث بولادته الرسمية في عام 1947 بانه حزب قومي لكن قوميته ليست عرقية بل ثقافية وتاريخية بمعنى انها ليست انتسابا عرقيا للعرب القدماء بل هي انتسابا اختياريا تقرره مقومات ثقافية واجتماعية وتاريخية.

   وكان تعريف العربي هو افضل تعبير عن هذه النظرة القومية غير العرقية، اذ ان دستور الحزب عرف العربي بان كل من تكلم العربية وقبل الانتماء الى الامة العربية واخلص لها فهو عربي بغض النظر عن اصله العرقي. وهذا التعريف للعربي مستمد مباشرة من التعريف المحمدي النبوي للعربي، حيث قال النبي العربي الكريم (ليست العربية في احدكم بامه وابيه بل بلسانه فمن تحدث العربية فهو عربي). وبطبيعة الحال فان التحدث بالعربية ليس وحده ما يمنح العروبة بل هناك متطلبات اخرى وهي حب العرب والاخلاص لهم وتركز الولاء للعروبة، والا فان المترجم اليهودي والانكليزي والروسي يتحدث العربية لكنه ليس عربيا لان ولاءه لاصله او لامته. وبهذا التعريف حسم البعث مسالة من هوالعربي وسمح ذلك بتاكيد ان الامة العربية من موريتانيا الى عمان هي ليست مفهوما عرقيا بل مفهوما ثقافيا تاريخيا، بمعنى ان العربي اكتسب عروبته بتثقفه بثقافة العرب واخلاقهم وسايكولوجيتهم وقطعه لصلة الولاء باصله واقتصاره على الامة العربية. ولكن هذه العروبة لا تختمر او تتبلور عند الانسان الذي اختارها لانها تحتاج لزمن طويل تجري فيه عمليات تفاعل خلاق بين مكونات هذا الانسان السايكولوجية والثقافية والاقتصادية تكون نتيجتها صهره في بوتقة العروبة وقطعه لصلاته القديمة كليا، او تعامله معها على اساس انها تاريخ انقضى واصبح مجرد ذكريات، او اصول يعتز بها لانها اصله.

   ان تفاعل التكون النفسي مع عملية الاندماج التاريخية ثقافيا ونفسيا واقتصاديا تستغرق زمنا ليس بالقصير، وهنا تظهر اهمية التاريخ في خلق الانسان العربي، فبدون التاريخ بصفته الرحم الذي تنمو فيه عروبة الانسان والقابلة التي تولده صحيحا وسليما لا يمكن تصور وجود عروبة سليمة. ان ما يوجد في المجتمع العربي من مكونات ثقافية ونفسية واقتصادية وبيئة جغرافية وارث ديني يشكل المصدر الاساس لبناء الشخصية العربية. من هنا نرى ان عربية الانسان تعني اول ما تعني انه تشرب بثقافة الامة بكافة مكوناتها خصوصا الاسلام بصفته الطاقة الروحية الجبارة التي تضع الانسان على الطريق الصحيح قيميا وانسانيا.

   وانطلاقا من هذا الفهم نستطيع ان نفهم حقيقة الدعوة القومية للوحدة العربية، فهي ليست نتاج ميل للاستقواء بالكم العربي على الاخرين بل هي حاجة تفرضها الهوية المشتركة لكل عربي من المحيط الاطلسي الى الخليج العربي، فالانسان بطبيعته الفطرية منجذب تلقائيا لمحيطة وابناء محيطه، وكل مجتمع يبنى على اساس القسمات المشتركة بين افراده والتي تتشكل منها جماعة متميزة عن غيرها ليس عرقيا بل ثقافيا وسايكولوجيا ولغويا. ان الانسان مخلوق اجتماعي وصفته هذه تجعله لا يستطيع العيش الا ضمن جماعة، ولذلك يختار تلقائيا الاقتران بعائلته النووية (اي الاصغر) ثم بعائلته الاوسع، ثم بعشيرته ثم بقبيلته واخيرا بوطنه الذي هو مجموع القبائل المتشكلة هرميا، لكنه مجموع وان كان يعبر عن مكوناته الا انه تطور نوعي ارقى من القبيلة او الاسرة او العشيرة او المنطقة، لانه حصيلة اندماج تطوري بطئ انتج مجتمعا صلته الاقوى هي الصلة الوطنية والقومية وليس العشائرية او الاسرية.

   في كل مجتمع انساني، بل حتى في الكثير من المجتمعات الحيوانية، توجد حلقات متدرجة من الصلات تبدا بالحلقة الاصغر وهي العائلة النووية وتكبر تدريجيا لتصل الى حلقة الامة، والتي يبدو ان اوضح رابط بين ابناءها هو اللغة المشتركة. ان اللغة تختزن ثقافة الامة وتشكل الاداة الرئيسية للتفاهم بين ابناءها ولهدا فهي الميسم الابرز في تشكل الامة وتميزها عن غيرها. وحينما يختار الانسان بصفته عضوا في جماعة متكونة ان يعبر عن ذاته فانه يدرك انه بحاجة للاتحاد مع بقية ابناء امته الناطقين بلغته والناشئين في مناخه السايكولوجي والثقافي منذ مئات السنين وربما الاف السنين كالعرب. وبهذا المعنى فان القومية بالنسبة للبعث هي وجود اجتماعي ثقافي لمجموعة من البشر تربطهم لغة مشتركة ومصالح مشتركة وتقاليد مشتركة وارض مشتركة، تعبر عن اندياح الصلات لانسانية كما تنداح موجات المياه حينما تلقي حجرا في بركة ماء فتتكون اولا حلقة صغيرة ثم اكبر فاكبر، والامة هي الحلقة الاكبر في درجات اندياح حركة المجتمع الانساني، وهي لذلك تحتوي الحلقات الاصغر والاقدم منها وتصهرها في بوتقتها وتحولها الى عنصر مندمج في ثقافة الامة وسايكولوجيتها المتبلورة.

   في عالم لا يمكن للانسان ان يعيش فيه الا اذا كانت له هوية مميزة تقررها لغته بصفها المظهر الاول الذي يتعامل معه الانسان، فانت حينما ترى انسانا لا تعرفه تبدا بالتعرف اليه من خلال لغته ثم تتعرف على ثقافته وتقاليده وسايكولوجيته. وهذه الحقيقة الواقعية تثبت ان الانسان منقسم سواء اردنا ذلك ام رفضناه الى امم وثقافات مختلفة، الرابط الاساس بينها هو انها جميعا تنتمي الى المخلوق الانساني وان الاختلافات في اللون او الثقافة لاتعبر عن تباين في قيمة الانسان المطلق لان اصله واحد وقدراته الكامنة واحدة من حيث الجوهر، ومن ثم فان كل انسان مساو للانسان الاخر من حيث القيمة والاحترام والذكاء، وما يظهر من اختلافات في الذكاء مثلا ليس نتيجة للاصول العرقية بل للوضع الاقتصادي والاجتماعي والفرص التي تتاح للانسان كي يفجر طاقاته الابداعية. لهذا فان البعث تعامل مع القومية على اساس انها الحلقة الاساسية في عالم توجد فيه امم وقوميات مختلفة، نشب بينها صراع او قامت بينها صداقة، لكنها كلها تنتمي لجنس واحد هو الجنس البشري، وهذا الانتماء يفرض على الانسان ان يقيم علاقات اممية مستندة على فكرة المساواة والتعاون الجاد من اجل الانسان كل انسان وحريته واحترام ادميته.

   اذن القومية بالنسبة للبعث تتشكل من عدة عناصر، العنصر الاول انها هوية وجودية تميز قوما ما عن غيرهم ثقافيا وليس عرقيا، والعنصر الثاني هو ان الجماعة ذات الهوية الواحدة من حقها ان تتوحد اذا كانت مجزءة، لان العالم يمر بمرحلة من تطور البشر تتميز ببروز وحشي للانانية والاعتداء نتيجة نظم الانتاج الاستغلالية كالنظام الراسمالي، والعنصر الثالث هو ان القومية العربية ليست مفهوما عرقيا بل تاريخيا وثقافيا، ولذلك تجد بين العرب من هو اسمر ومن هو ابيض ومن هو اسود، والعنصر الرابع هو ان القومية العربية ليست استثناء في عالمنا من حيث الحق في التوحد القومي، لان اغلب الامم توحدت وبقي العرب وحدهم من بين الامم الكبيرة مجزءين مع ان العالم الحالي هو عالم الكتل الكبيرة، كما وصفه التقرير العقائدي (او المنطلقات النظرية) الذي صدر عن المؤتمر القومي السادس للحزب عام 1963. وفي عالم الكتل الكبيرة تاكل الحيتان الكبيرة الاسماك الصغيرة لذلك لابد من الوحدة العربية لمواجهة محاولات الافتراس التي تتعرض لها الامة العربية من قبل اطراف عديدة اقليمية ودولية. ومااغتصاب فلسطين، من قبل الصهيوينة، والاحواز (تضم ثمانية ملايين عربي ومنطقة النفط والمياه)، من قبل ايران، والاسكندرون، من قبل تركيا، الا امثلة واضحة لاضرار التجزئة في الوطن العربي، فلو كان العرب امة موحدة تتالف من اكثر من مائة مليون عربي، عند اغتصاب فلسطين والاحواز والاسكندرون، لما استطاع الاستعمار والصهيوينة وايران وتركيا اغتصابها، ولولا تناثر العرب لما نجحت امريكا وايران في احتلال العراق وتدميره مع انهم الان اكثر من 300 مليون انسان.

   الوحدة العربية بهذا المعنى ليست مفهوما عرقيا ولا هي حركة عدوانية وتوسعية بل هي حركة دفاعية في عالم تسوده القوة ومنطقها الظالم، لذلك فان اول واهم ميكانيزم دفاعي قومي عربي هو اقامة الوحدة العربية. كما ان عالم اليوم هو عالم التكامل بين اجزاءه المكونة فاذا كانت الامم الكبيرة الموحدة تبحث عن الاندماج مع غيرها، كالامم الاوربية التي اتحدت رغم انها تتشكل من قوميات مختلفة وليس من قومية واحدة كالعرب، فهل يجوز ان لا يعمل العرب على تحقيق وحدتهم من اجل تامين متطلبات التنمية والسوق القومي الواسع والاستثمار الامثل للموارد العربية المتنوعة والمتكاملة، مع انهم شعب واحد وينتمون لقومية واحدة؟

   ما معنى هذا الشرح من زاوية خصوصية القومية العربية؟ ان ما قلناه عن القومية العربية يطرح امامنا حقيقة جوهرية يجب ان لا تنسى عند فهم القومية العربية وهي ان هناك نوعين من القوميات، النوع الاول قوميات وظيفية والنوع الثاني قوميات هوية، فالقوميات الاوربية هي التي تجسد القوميات الوظيفية، لانها تبلورت وظهرت للقيام بوظيفة اقتصادية اجتماعية وهي توفير اطار لغوي قومي للتوسع الراسالمي. ان الراسمالية التي نشات في احضان الاقطاع الاوربي، والذي قام على التشتت الاجتماعي على شكل اقطاعيات متنافسة متصارعة ومنعزلة، رغم وجود عامل التوحيد اللغوي، رات، اي الراسمالية، في رحمها الذي نشأت فيه وهو الاقطاع عائقا امام توسعها الراسمالي وامام الانتقال من الانتاج البضاعي الصغير ثم من راس المال التجاري المحدود النشاط، الى راس المال الصناعي الذي كان بحاجة لسوق اكبر من السوق التناثري المجزء الذي اوجده الاقطاع، فجاءت الدعوة القومية لتوحيد الاقطاعيات المتناثرة في اوربا في دولة واحدة في كل جماعة لغوية خاصة، اداة لضمان انطلاق التوسع الراسمالي ليشمل ارضا ومجتمعا كبيرين وواسعية يمكن فيهما ترويج السلع الصناعية، وطمر مرحلة الانتاج البضاعي الصغير في المشاغل البيتية والتخلص من ضيق راس المال التجاري.

   استنادا لهذه الحقيقة الاقتصادية كان ظهور القوميات الاوربية كالفرنسية والبريطانية والالمانية، عبارة عن استجابة قاهرة لاهم قوانين النظام الراسمالي الصاعد : السوق الكبير. لقد ولدت اللغات الاوربية الحالية اما من اللاتينية او الجرمانية او السلافية لتنهي مرحلة الغموض اللغوي وهو عامل مرافق للاقطاع، لان المطلوب كان تحديد هوية بدائية خاصة وظيفية مهمتها هي تحشيد الناس المنتمين للهجة ما خلف زعيم ما لاجل السيطرة على السوق في اكبر رقعة جغرافية ممكنة وهي الرقعة المتشابهة لغويا. ان اللغة التي سبقت نشوء الامة ومهدت له لم تكن تكفي وحدها لقيام الامة ما دام العامل التجميعي والانصهاري لم يظهر بعد وهو الحافز الاقتصادي. لذلك وبتوفر البيئة المناسبة لتجاوز الاقطاع ظهرت الحاجة للقومية في اوربا. لقد طغت الوظيفة الراسمالية على تلك القوميات وتنحت الهوية الثقافية وخضعت للهوية الوظيفية، وهذا ما يفسر فقر الفكر القومي الاوربي وضعف منطقه واعتماده اساسا على القوة لتحقيق اهدافه التوسعية، وما حروب اوربا الدموية بين ابناء القومية الواحدة وبين القوميات المختلفة الا تعبير عن افتقار الفكر الاوربي الى الهوية الثقافية المزدهرة والناضجة.

   اما قوميات الهوية فهي لم تكن نتاج نشوء النظام الراسمالي ولا اي نظام اقتصادي اخر بل كانت نتاج تطور تاريخي طويل انتج مياسم مشتركة بين كتل سكانية هائلة وميزها بلغة وثقافة خاصة كانت من القوة بحيث ولدت حروب تغيير الهوية في الجانب الاخر. ان العرب والفرس والصينيين هم امثلة حية لهذا النوع من قوميات الهوية، والتي تخضع فيها العوامل الاقتصادية وتطورها للعامل الثقافي القومي. ان قوميات الهوية نشات منذ الاف السنين وليس منذ مئات السنين كما كان حال اوربا، ففي حين كانت اوربا تشهد مرحلة الحياة السابقة للاقطاع كان العرب والفرس والصينيون اصحاب حضارات كبرى وابداعات ثقافية عظيمة. وكان العامل الطاغي في ذلك النشوء هو الثقافة المشتركة وليس التطور الاقتصادي، فلم تكن هناك راسمالية ولا اقطاع كلاسيكي وانما كانت هناك انظمة هي مزيج من الاستبداد الاقطاعي والعبودية وغيرها دون اقترانها بنمط انتاجي محدد، وهذه الحقيقة تنقض التنظيرات التي قدمها ماركس او انجلز عما يسمى ب(الاستبداد الشرقي) او (نمط الانتاج الاسيوي) والتي بنيت على قاعدة معلومات سطحية وعابرة، على العكس من قراءتهما لواقع اوربا والتي كانت عميقة وثرية جدا.

   في قوميات الهوية تمتزج قوانين مراحل تاريخية مختلفة وتتداخل حتى ان المحلل والمؤرخ يحير في تفسير الواقع وفق قاعدة تحليل متماسكة ويبقى اي تحليل ناقصا الا اذا عالج حالة محددة بذاتها وهو ما يؤدي الى الغرق في خيار تجزيئي لمشاكل شعوب قوميات الهوية. ولكن اهم ما في قوميات الهوية هي انها نتاج تطور طويل استغرق الاف السنين كانت نتيجته هوية قومية تتوسط الجوهر منها ثقافة وطنية خاص وقوية وراسخة الى حد انها توصل احيانا الى التعصب القومي واستهداف هوية الاخر سواء بالحروب او النزعة الاستعلائية. وفي هذه القوميات تتنحى العوامل الاقتصادية وتسود العوامل الثقافية المعبرة عن هوية خاصة. ان القومية الفارسية مثال ممتاز لهذه الحالة من التشبث بالهوية وتغليبها على رابطة طرات فيما بعد على الهوية القومية، وهي رابطة الاسلام، فبالرغم من اعتناق بلاد فارس للاسلام الا ان الهوية القومية الفارسية بقيت هي المحرك الاساس للنخب القومية الفارسية في تعاملها مع (اشقاءهم) في الاسلام العرب، وكانت نزعة الانتقام من العرب والتطرف في العمل لاقامة امبراطورية فارسية اقوى من رابطة الاسلام، لذلك شهدت العلاقات العراقية الفارسية حروبا بعد ظهور الاسلام اشرس من الحروب التي وقعت في المنطقة قبله.

   اما العرب فانهم، وبالاضافة لتشربهم برسالة الاسلام التي حدت من التعصب القومي وعدته من اثار الجاهلية، فانهم تبنوا مفهوما للقومية حدده النبي الكريم بتعريفه التطبعي للعربي، فازال عنصر الاستعلاء من الفكر القومي العربي وجعله فكرا يعبر عن انتماء ثقافي، سمح للعروبة ان تخرج من جزيرة العرب وتصل الى المغرب العربي وتدمج في بوتقتها اجناسا شتى دون تمييز او تعصب لعرق ما، بعكس القومية الفارسية التي كانت، وبسبب تعصبها القومي ونزعة الاستعلاء لديها، عاجزة عن التوسع بقبول هويتها من قبل الاقوام الاخرى والاندماج بها، فلجات الى الحروب والدسائس للتوسع، وفي مقدمة الدسائس فبركة هوية طائفية بين المسلمين استخدمتها وتستخدمها لاختراق حصون العرب وتمزيقهم، فصاغ مفكروها منظومة طائفية لا صلة لها بالاسلام بل هي نتاج فكر قومي فارسي، يتمثل في تمجيد تراث ما قبل الاسلام بما في ذلك القيم والتقاليد الزرادشتية. ان النزعة التامرية الفارسية بعد الاسلام ليست سوى تعبير اصيل عن تجذر الرابطة القومية الفارسية، وتحكمها في النخب الفارسية وكان ابرز مظاهرها التاريخية، اضافة لفركة الطائفية داخل الاسلام، عملها وفقا لخطط طويلة المدى لتدمير الهوية العربية واختراق الانسان العربي.

هذه الحقيقة التاريخية هي التي استخدمها بعض المنتمين لتيارات الاسلام السياسي لاتهام القومية العربية بتهمتين خاطئتين، التهمة الاولى وصفها بانها تعصب جاهلي، والثانية القول بانها متأثرة بالقوميات الاوربية، وفي كلا الاتهامين نجد الخطأ واضحا وفاضحا، فالتعصب القومي في القومية العربية غير موجود لان المكون الجوهري لها، وهو الاسلام كما سنوضح، يمنع التمييز بين البشر بشكل عام وبين المسلمين بشكل خاص على اسس العرق واللغة. صحيح ان هناك نزعات تعصب قومية عربية تظهر في فترات محددة تقف في مواجهة تعصب قومي اخر، لكنها رد فعل اني وليست فعلا اصليا ودائما. والمثال هو الموقف من الدولة العثمانية حيث ساهم العرب في بناءها على اساس انها دولة اسلامية لكنهم انقلبوا عليها حينما بدأت تمارس سياسة التتريك وتذويب هوية العرب. كما ان العرب وقفوا ضد النخب الشوفينية الفارسية اثناء قيام الدولة العباسية لانها تعمدت شتم العرب، بل انها كانت تسيطر على البيئة الثقافية والسياسية في بغداد العباسية بعد ان وصلت الى مركز الخلافة بالزواج والاموال وغيرها، فاضطر الكتاب العرب للرد على شتائم الكتاب الفرس ومعاداتهم للعرب مثلما فعل الجاحظ .

   في هذين المثالين فان حالات التعصب القومي العربي ضد الاتراك والفرس كانت نتيجة طبيعية، وان كانت خاطئة، لعمل مسبق وسابق ولم يصدر من مبادرة عربية ابدا. لذلك فان من يصف القومية بالجاهلية عليه ان يدرس تاريخ الاسلام وما جرى فيه لانه سيكتشف ان العرب تمسكوا بقوميتهم ولكن مع التمسك التام بثقافة الاسلام المتجاوزة لثقافة الجاهلية، وان من خرق ثقافة الاسلام هي النخب الفارسية والتركية. اما اتهام القومية العربية بانها متأثرة بالقوميات الاوربية، او انها نشات بعد بروز القوميات الاوربية، فهو اتهام يدل على الجهل بالتاريخ وهو جهل محزن تماما، لان القومية العربية كما وضحنا نشات قبل الاف السنين في جزيرة العرب واليمن ومنهما توسعت مع الهجرات التي فرضتها ظاهرة التصحر التي اجتاحت الجزيرة العربية بعد انقضاء العصر الجليدي الاخير. وفي فترة نشوء القومية العربية كظاهرة لغوية وثقافة صحراوية جمعت القبائل العربية كان الاوربيون عبارة عن مخلوقات تعيش فوق اغصان الاشجار، وتقتصر لغتها على كلمات قليلة وهمهمات كثيرة، مصحوبة باشارات يدوية وجسدية اكثر.

وفي ضوء ما تقدم فان القومية الوظيفية، كما في اوربا، اخذت تضمر وتضعف ثقافتها وتحل محلها ثقافة الضياع والعولمة وتبديل الهوية بسهولة، والسبب هو ان الوظيفة التي من اجلها نفخت القوميات الاوربية قد تراجعت بعد تحول الراسمالية الى ظاهرة كونية وتجاوزها لحدود الامة، خضوعا لقوانين النظام الراسمالي ايضا. فالذي انتج القوميات الاوربية هو نفسه الذي قرر سحبها من التداول في السوق واحل محلها العولمة، بصفتها الغطاء الجديد لتوسع السوق وممارسة عبادة الدولار. ولكن قوميات الهوية ذات الاعمار الالفية ما زالت ارسخ من اي نظام اقتصادي او ظاهرة اجتماعية، فالصين مثلا ورغم اعتناقها للشيوعية ذات الجوهر الاممي تغلبت فيها الرابطة القومية على الرابطة الاممية، ولم تستطع كل قوانين الشيوعية والاممية وكل الحملات الثقافية ان تمحو الهوية القومية الصينية، وهذا الحال نجده كذلك في الاجزاء المقتطعة من الصين (تايوان مثلا)، فبالبرغم من مرور اكثر من مائة عام على فصل بعضها وخمسون عام على بعضها الاخر نجدها محافظة على هويتها القومية الصينية وتتطلع للعودة الى الوطن الام رغم وجود التناقض الجذري بين النظام الاقتصادي الاجتماعي الصيني والاخر الموجود في الاجزاء المقتطعة.

وهذا الحال ينطبق على ايران، فهي بالرغم من دخولها الاسلام فانها ما زالت متمسكة بهويتها القومية وعلى نحو متطرف جعلها تبتكر طرقا مموهة لفرض المصلحة القومية الفارسية على العرب المجاورين، من خلال اكبر فتنة صنعتها وهي التشيع الصفوي الذي حول الخلاف السياسي حول الخلافة في بلاد العرب الى مذهب جديد ثم دين جديد. كما ان الدستور الايراني لما يسمى (جمهورية ايران الاسلامية) هو من حيث الجوهر دستور قومي دون ادنى شك لانه يؤكد مرارا وتكرار على مصالح ايران بصفتها هي المقرر للسياسات الايرانية. اما الامة العربية فانها ورغم المؤامرت التي نفذت وتنفذ ضدها كسلب فلسطين ومحاولة تهويدها فانها لم تضعف ولم تتراجع ونجد الشعب العربي بشكل عام والشعب الفلسطيني بشكل خاص يتمسك بقوة بحقوقه وهويته لدرجة ان المشروع الصهيوني وبعد نصف قرن على تاسيسه في فلسطين يواجه اكبر تحد الان، لان العرب متمسكون بهويتهم التي افشلت كل محاولات التهويد والصهينة. ولو ان هذا الذي يواجهه العرب من تحديات ونكبات تعرض له شعب اوربي لما صمد ولتمزقت هويته لانها هوية سطحية. ان على من يتعاملون مع القومية العربية ان يدرسوا التاريخ اولا لا ان يسمعوا قصصا اسطورية نسجتها السن تمتهن حرفة ترديد ما يسمع من الاخرين دون التدقيق والتمحيص مباشرة.

 

المفهوم البعثي للحرية

بخلاف ما سيدته حملة شيطنة البعث، التي تشنها الاجهزة الغربية والصهيوينة والايرانية وتوابعها العرب، فان البعث قد حدد للحرية مسارا رئيسيا داخل صفوفه وفي المجتمع حول الحرية. يقول دستور الحزب في (المبدإ الثاني) ما يلي : (ولهذا فان حزب البعث العربي الاشتراكي يعتبر : 1 حرية الكلام والاجتماع والاعتقاد والفن مقدسة لا يمكن لاي سلطة ان تنتقصها). وفي فصل (مبادئ عامة)، في الفقرة 5 يرد ما يلي : (حزب (البعث العربي الاشتراكي) شعبي يؤمن بان السيادة هي ملك الشعب وانه وحده مصدر كل سلطة وقيادة، وان قيمة الدولة ناجمة عن انبثاقها عن ارادة الجماهير، كما ان قدسيتها متوقفة على مدى حريتهم في اختيارها). وفي فصل (المنهاج سياسة الحزب الداخلية) نقرأ ما يلي : (المادة 14 نظام الحكم في الدولة العربية هو نظام نيابي دستوري والسلطة التنفيذية مسؤولة امام السلطة التشريعية التي ينتخبها الشعب مباشرة.).

وفي المادة 17 من نفس الفصل نقرأ ما يلي : (يعمل الحزب على تعميم الروح الشعبية (حكم الشعب) وجعلها حقيقة حية في الحياة الفردية، ويسعى الى وضع دستور للدولة يكفل للمواطنين العرب المساواة المطلقة امام القانون والتعبير بملء الحرية عن ارادتهم واختيار ممثليهم اختيارا صادقا ويهيئ لهم بذلك حياة حرة ضمن نطاق القوانين.) وفي فصل (سياسة الحزب الاجتماعية) نقرأ في البند الخامس ما يلي : (تاليف نقابات حرة للعمال والفلاحين وتشجيعها لتصبح أداة صالحة للدفاع عن حقوقهم ورفع مستواهم وتعهد كفاءاتهم وزيادة الفرص الممنوحة لهم، وخلق روح التضامن بينهم وتمثيلهم في محاكم العمل العليا).

وفي المادة 42 من نفس الفصل، نقرأ في البند الثاني ما يلي : (الدولة مسؤولة عن صيانة حرية القول والنشر والاجتماع والاحتجاج والصحافة، في حدود المصلحة العربية العليا، وتقديم كل الوسائل والامكانيات التي تحقق هذه الحرية.). وفي البند الثالث نقرأ ما يلي : (العمل الفكري من اقدس انواع العمل وعلى الدولة ان تحمي المفكرين والعلماء وتشجيعهم.). وفي البند الرابع نقرأ ما يلي : (فسح المجال، في حدود الفكرة القومية العربية، لتأسيس النوادي وتأليف الجمعيات والاحزاب ومنظمات الشباب ومؤسسات السياحة والاستفادة من السينما والاذاعة والتلفزة وكل وسائل المدنية الحديثة في تعميم الثقافة القومية وترقية الشعب.).

ما معنى هذا؟ اولا يجب ان نلفت الانتباه الى مؤشر مهم جدا وهو ان دستور الحزب لم يستخدم عمدا كلمة (ديمقراطية) ابدا واستعاض عنها بتعبير اوسع واعمق وهو (الشعبية)، لان الشعبية تتجاوز حدود الديمقراطية بكثير. اما بخصوص ما اوردناه من نصوص فلا حاجة لشرح ما عرضناه لانه واضح، وكل ما يجب فعله هو تثبيت حقيقة اساسية وهي البعث، في اصوله التكوينية، حركة انسانية تقدس حرية الانسان بل ان موقف البعث يصل حد الليبرالية كما راينا. وهذا التقديس لحرية الانسان لا يقتصر كما في الليبرالية على حرية التعبير والحريات الفردية بل هو يشمل الاهم وهو حق الحياة الحرة الكريمة المتحررة من العوز المادي والروحي. من هنا فان المفهوم البعثي للحرية والديمقراطية عتيق وتضرب جذوره في اصول البعث التكوينية، وهو لذلك مقوم ثابت لا يمكن تغييره، حتى لو شهدت التجارب العملية ابتعادا عنه، جزئيا او كليا، احيانا لاسباب قاهرة، في مقدمتها ان خصوم ومنافسي واعداء البعث في الداخل والخارج قد فرضوا فرضا حالة الطوارئ والاحتراب والازمة مما سمح ببروز رد فعل طوارئ ايضا. ان حالة الطوارئ الناجمة عن التحدي الخطير لا تمحي الهوية الجوهرية للحركة التاريخية بل تؤخرها وتحجمها وتعطلها ولكن الى حين، بعدها يفرض الاصل نفسه وتتجدد الحياة الحرة والتفكير الحر وتقديس حرية التعبير داخل الحزب وخارجه، لان الحرية قضية واحدة وتفسد حينما تجزء الى حرية داخلية وخارجية.

  

المفهوم البعثي للاسلام : اسلام بلا طوائف

  لئن كنا نواجه منذ الاربعينيات جدلا مع التيارات الدينية السياسية حول الاسلام ودوره في المجتمع، وادى ذلك الى مشاحنات وصراعات غير مبررة بين التيار القومي والتيارات الاسلامية السياسية، فان مرحلة ما بعد غزو العراق قد اثبتت، واقعيا وعمليا، ان مفهوم البعث للاسلام كان هو الصحيح وان الاخرين لديهم مفاهيم اما ملتبسة او ضارة ومدمرة. كيف فهم البعث الاسلام؟ وما معنى العلمانية في الفكر البعثي؟ هل هي نفس العلمانية الغربية؟ ام انها الية احترازية لمنع استغلال الدين في السياسة لان في ذلك اضرار فادحة كما اثبتت تجربة العراق في ظل الاحتلال؟

   بداية البعث كانت الموقف الخالد للبعث : (كان محمدا كل العرب فليكن اليوم كل العرب محمدا). من قال هذا الكلام البليغ والدقيق دقة لا مثيل لها في التعبير عن فكرة في كل الكتب الارضية؟ من قاله لم يكن منظر اسلاموي ولا فقيه ولا صانع فتاوى دينية بل قاله مناضل عربي مسيحي هو المرحوم القائد المؤسس للبعث احمد ميشيل عفلق. كيف نجح مسيحي عربي في تحديد الصلة الاعمق والادوم بين الشعب العربي ونبيه الكريم؟ ولماذا لم يلهم الله وهو قادر على ذلك مفكرا ومفتيا مسلما لطرح هذه المعادلة التي لا تلخيص لصلة العربي بنبيه او بالاسلام ادق واعظم وافصح منها؟ لقد طرحت في دراستي (الصليبية الجديدة) الجواب على هذه الاسئلة وغيرها، ولاهمية ودقة الموضوع ساعيد طرح الاجوبة لان لها مساسا مباشرا وجوهريا باوضاعنا الحالية.

   ان الاسلام هو مزيج خلاق وطبيعي من الجانب الايجابي من ثقافة وتقاليد العرب قبل الجاهلية وبين تعاليم ربانية مقدسة، فالدين اي دين لا يمكن ان ينشأ ويتوسع الا اذا فهمته طلائع من هذه البيئة وتبنته مرشدا لها. لذلك فان النبي والصحابة كانوا هم الطليعة التي استوعبت الاسلام وحملته رسالة لها دون ان تشعر بالغربة او انها تدخل بيئة غريبة عنها. نعم كانت في الجاهلية تقاليد وثقافة سلبية جاء الاسلام للقضاء عليها، ولكن بنفس الوقت كانت هناك ايجابيات في مجتمع الجزيرة، وفي مقدمتها ثقافة التوحيد والقيم التضامنية في القبيلة وهي قيم انسانية راقية تتمثل في الكرامة والكرم والتسامح واحترام الاخر والشورى القبلية، واللغة العربية التي كانت وما زالت التي تشكل عالما كبيرا قائما بذاته، سحريا بموسيقاه ومضامينه الثرية ومعانيه الشاملة الخالدة وفنونه كالشعر، ديوان العرب وحافظ تاريخهم وجهاز اعلامهم الاول...الخ. لقد جاءت الرسالة السماوية لتغليب هذه القيم وهذه الثقافة واكمالها ودمجها باخر وارقى صور ثقافة التوحيد وهي الاسلام. من هنا فان الاسلام لم يكن دينا فحسب بل كان قبل ذلك ثقافة وقيم منتشرة في جزيرة العرب واطرافها في بلاد ما بين النهرين وبلاد الشام ومصر. وكان من مفاخر العرب ان العربي المسيحي كان يقف مع العربي الاخر غير المسيحي ضد غزوات الاجانب كالفرس والرومان قبل الاسلام، وبعد الاسلام وقف المسيحي العربي ضد الصليبيين وغيرهم، منطلقا من انتماء الجميع، مسلمين ومسيحيين، لثقافة قومية سائدة بين القبائل العربية المختلفة الديانة. ومن الحقائق ذات الدلالات العميقة ان بعض المسلمين، كالعلقمي، قد تعاونوا مع الصليبيين والتتار لتدمير الدولة العربية الاسلامية خدمة لبلاد فارس! فما الذي يجعل المسيحي العربي ينتخي للمسلم العربي، في حين ان المسلم الصفوي يغدر بالمسلم الاخر ويتعاون مع اعداء الاسلام؟ أنه الثقافة القومية العربية والوعي القومي العربي هو الذي جعل المسيحي العربي يقف مع المسلم العربي ضد غزوات تبرقعت باسم المسيحية. كما ان الثقافة القومية الفارسية الطائفية للصفويين العرب، او ذوي الاصول الفارسية، هي التي جعلتهم ينحازون لاعداء المسلمين من اجل تدمير ملك العرب وخلافتهم للتمهيد لامبراطورية بني فارس! هذه ما حصل بالامس حينما تعاون الصفويون مع التتار والصليبيين ضد العرب المسلمين، وهو ما يحصل اليوم حيث نجد الصفويين العرب والفرس يقفون مع امريكا ضد الامة العربية في العراق وغيره لتدمير حصون العرب وتذويب الهوية القومية للامة العربية.

   لقد جاء الاسلام تعبيرا شرعيا ومطلوبا عن ثقافة العرب في جانبها الايجابي على صعيد الحياة الدنيوية، و(هزة حيوية)، القت بعيدا بثقافة الشرك والظلام واحلت محلها ثقافة التوحيد، التي عبرت عن ارتقاء هذه الرسالة بعد تجارب الديانتين التوحيدتين اليهودية والمسيحية وتهيئتهما للبشر لدخول عالم الاسلام، في فترات استغرقت اكثر من الفي عام، انتقل فيها البشر من الديانات الوثنية البدائية، التي كانت نتاج الخوف من الطبيعة والكون اكثر من الايمان بالله الى ديانات التوحيدي ابراهيم الخليل العراقي المولد والثقافة . بهذا التدرج التربوي نجح الاسلام في هضم وتجاوز كل الثقافات التي كانت سائدة قبله وصار دينا متبلورا بعد ان كان ثقافة قومية سائدة فقط. في هذه البيئة القومية عاش عفلق، وملايين العرب المسيحيين، مؤمنا بالله وابنا شرعيا للثقافة العربية ومواطنا عربيا بارا، خصوصا لجزئها المقوم وهو الاسلام. ان الاسلام ليس دينا فقط، كما راينا، بل هو ايضا ثقافة قومية للعرب تشكل روح الامة، والامم بدون الروح محض (لحظات) عابرة وضائعة في كون لا نهائي وبالغ التعقيد.

   البعث التقط هذه اللحظة التاريخية (اللحظة بمعناها الفلسفي وليس الزمني اي القوة التي تنقلنا من حالة الى حالة اخرى بزخم انقلابي شامل) واختار ان يكون حزبا قوميا عربيا، لانه يعيش في بيئة عربية ويمثل تطلعات امة عربية، لكنه دمج الاسلام عضويا بالقومية العربية بتاكيده ان العروبة جسد روحه الاسلام. بهذه التوليفة العبقرية اعاد عفلق تحديد صلة الاسلام بالعروبة على نحو مدهش في دقته المبدأية واللغوية. فاولئك الذين حاولوا وضع تعارض بين العروبة والاسلام باسم الاسلام وقعوا في فخ الجمود وعدم القدرة على فهم روح الاسلام، فاوجدوا منظومة فكرية ساذجة، لان التخلف في الفهم لا يجد مخرجا له سوى السذاجة التكفيرية التي تحل الاشكالات المعقدة بطريقة كاريكيتيرية مدمرة للفكر الخلاق وللحلول الصحية. البعث اكتشف ما انقطع المسلمون عن الايمان به والتعامل به منذ انحطت الخلافة الاسلامية واصبح الاسلام غريبا في داره، وهو ان القومية العربية بلا الاسلام ما هي الا جسد مادي سياتي يوم يموت فيه كما يموت اي جسد، لذلك وللحفاظ على ديمومة القومية العربية كان لابد ان تكون لها روح تميزها عن موجة القوميات الوظيفية التي ظهرت في اوربا، فكانت عملية اعادة البعث اكتشاف جوهر كل من العروبة والاسلام بالدمج العضوي بينهما. لقد عادت الروح الى جسد الامة بعد ان فارقتها بانحراف الخلافة وتدهورها، وحطت روح الامة (الاسلام) في جسد مادي هو القومية العربية، كي تستطيع ان تتعامل مع عالم مادي بفعالية تامة ونجاح محسوب من خلال طليعة مقاتلة هي الحركة البعثية.

   اننا نحن البعثيون، المسلمون في ثقافتنا القومية مهما كانت ديانتنا، فتحنا طريق البعث الاسلامي الحقيقي من خلال فتحنا الاول وهو فتح البعث العربي، فلن يكون هناك بعث اسلامي من دون ان يسبقه البعث العربي. هذا ماحصل عند ظهور الاسلام والذي اقترن ببعث عربي شامل وحد العرب، اولا وقبل كل شيء ووضع القبلية في الخلف، ثم قام العرب ببناء عالم اسلامي وحضارة عربية توجت بقيم الاسلام امتدت من الصين الى اوربا، وما كان بالامكان قيام هذه الدولة الاعظم في وقتها لولا الايمان العميق بان للعرب رسالة خالدة انسانية الطبيعة توحيدية الجوهر. ان الصحابة والفاتحين الاوائل كانوا رجال مهمات تاريخية وحملة رسالة خالدة ولم يكونوا دعاة سياسة او فتوحات امبراطورية هدفها النهب او السيطرة، كما فعلت امبراطوريات سادت ثم بادت كالامبراطورية الفارسية، لانها بلا رسالة روحية وانسانية وانما كانت محض توسع لصوصي لا محرك له سوى الناسوت وبغياب تام للاهوت.

   اذن البعث حزب ايماني في اصله وجذوره، وهو المؤهل اكثر من غيره للبعث الاسلامي ولكن بعد تحقيق البعث العربي وليس قبل ذلك ابدا. وهذا الكلام ليس دعاية حزبية بل هو واقع عاشه العراقيون عندما استلم البعث السلطة، وكان دستوره متوجا ببند غالب وهو (الاسلام هو المصدر الاساسي للتشريع) وليس مصدرا من مصادر التشريع، وهذا المفهوم مهم وجوهري. كما ان الممارسة العملية قد شهدت اعظم رعاية للدين والعلماء، تمثلت في تحمل كل اعباء رعاية دور العبادة، الاسلامية والمسيحية والصابئية وغيرها، وتخصيص رواتب تساوي راتب الوزير للمراجع الدينية اضافة لكافة الامتيازات المالية والاعتبارية في المجتمع. وشهد العراق لاول مرة في تاريخه حملة ايمانية منظمة وطويلة الامد شملت كوادر الحزب والدولة وصار بموجبها التثقف بالفقه الاسلامي وختام القران شرطا للترقية الحزبية والوظيفية، فانخرط ملايين البعثيين في الحملة الايمانية الفريدة في التاريخ العربي والاسلامي الحديثين.

   في ضوء ما تقدم نجد ان البعث حزب مؤمن بطبيعة بنيانه العقائدي ولا صلة تربطه باي شكل مع العلمانية الغربية والتي سجنت الدين ورجاله في الكنيسة ومنعتهم من التدخل في السياسة، لكنه ونظرا للتعددية في المذاهب الاسلامية، من جهة وتعددية الديانات للمواطنين العرب من جهة ثانية، فان حكم رجل الدين بالنسبة للبعث امرا خطيرا ومدمرا للوطن ووحدته وللاسلام ووحدته وللمواطنة ودورها. ان الاسلام يعاني من تعددية المذاهب سنية وشيعية، ولو كانت هذه التعددية مجرد اجتهادات ومدراس فقهية يكمل بعضها البعض الاخر لامكن تقبل الامر، لكن الامر المعقد هو اننا لا نتعامل مع طوائف وجودها طبيعي بل مع طائفية انعزالية وتكفيرية واقصائية في كلا طرفي الاسلام، ومن المستحيل ان تتفاهم فيما بينها على مستوى الواقع وليس على مستوى ظواهر الامور. ولكي نتجنب السرد والتنظير لدينا مشهد حاسم وواضح بما يكفي لادراك مخاطر التعدد الطائفي وانتاجه الحتمي للطائفية كلما ضعفت الرابطة القومية او الوطنية.

   لقد قدمت لنا تجربة العراق المحتل صورة حقيقية لمخاطر الطائفية نرى انها حسمت الى الابد الجدل حول حكم رجال الدين والمرجعيات الدينية، فلقد حصل الاحتلال بفضل تعاون الطائفية الصفوية، ممثلة بالحوزة الصفوية الايرانية في النجف والتنظيمات التابعة لايران، والاحزاب الطائفية السنية ممثلة بالحزب الاسلامي، وكانت تلك اول خطيئة لا يمكن غفرانها لكلا الطرفين لان التعاون مع الاستعمار الامريكي المدفوع بتاثير صهيوني واضح وثابت اضافة للدافع الراسمالي اللصوصي، انما هو خروج فاضح على كل قواعد الدين والوطنية. دافع الصفويين كان خدمة المصالح الايرانية التي حددتها الزعامة الايرانية بوضوح وهي تدمير العراق العربي المستقل وتقاسمه مع امريكا واسرائيل، في حين ان دافع التنظيمات السنية الطائفية كان تدمير البعث والقضاء على نظامه الوطني! هذا الخروج على الدين لم يكن الخطيئة الوحيدة بل انه انتج الخطئة الثانية وهي التعامل مع الوضع العراقي على اساس طائفي، فكلا التيارين الصفوي والطائفي السني اراد ان يفرض مفهومه للاسلام، فحصل الصدام بينهما وكفر احدهما الاخر واصبح من المستحيل توافقهما.

   ان كل حزب ينشأ على اساس طائفي في الاسلام لابد وان يواجه حتمية لا مفر منها وهي تكفير الطرف الاخر علنا او سرا، وهكذا راينا الطائفية الصفوية تعد السنة بصفة عامة نواصب سرقوا الاسلام من اهله ولابد من القضاء عليهم لاجل اعادته الى اهله! اما الطرف الطائفي السني فقد عد الشيعة العراقيون روافض خارجين على الاسلام ولابد من تصفيتهم بهذه الطريقة او تلك! لقد شهد العراق في ظل الاحتلال محاولات متعمدة لاحداث فتنة طائفية كبرى من خلال الاعداد والدعوة لتصفيات دموية طائفية اساسها التكفير، وكان يمكن ان تكون كارثة لا نظير لها لولا المقاومة الوطنية العراقية التي حددت هدفها في تحرير العراق كله، وضمت في صفوفها كل الاطياف العراقية مما ادى الى تحجيم مشروع تمزيق العراق على اسس طائفية. لقد جرت الطائفية المتقابلة العراق الى كوارث انسانية لم تحصل في كل تاريخه واستنزفت قسما كبيرا من طاقات العراقيين في القتال بين هذه الجماعات التكفيرية في الطرفين بينما كان ممكنا ان تضاف هذه الطاقات للحملة الوطنية العظمى لتحرير العراق التي تقوم بها المقاومة.

   ماذا كانت النتيجة؟ حفر خندقان طائفيان لا يلتقيان ابدا حولا الصراع من صراع تحرري الى صراع بين عراقيين! وهذه اعظم خدمة قدمت للاحتلال بعد تسهيل غزوه! ومن الملاحظات الخطيرة التي تؤكد ان الطائفية تنتج الخيانة اشهار الطائفيين من الطرفين لمواقفهما الحقيقية، وممارسة كافة اشكال التحقير والشتائم فيما بينهما لدرجة ان الصفويين تعاونوا ويتعاونون مع الاحتلال لنصرة مذهبهم ومقابل ذلك تعاون الطائفيون السنة مع الاحتلال اولا لتدمير العراق وثانيا للقضاء على الشيعة! هذا هو بؤس الفكر والتفكير الديني الطائفي، وتلك نتائجه الحتمية وقانونه المطلق.

   ما جرى اعاد طرح السؤال المنطقي التالي : اذا افترضنا ان الاحزاب الدينية السنية والشيعية وصلت للحكم فماذا سيحدث؟ هل ستتمكن من الاتفاق على الحكم بشكل مشترك؟ الجواب الذي اكدته التجربة العراقية هو ان افضل ما تتمناه اسرائيل والغرب هو وصول احزاب اسلامية للحكم، لان الطريق الوحيد الذي ستسلكه هو تطبيق مفاهيمها الطائفية وهو موقف سيخلق رد فعل طائفي من الطرف الاخر وهكذا ينغمس المسلمون في صراع حول من يمثل الاسلام حقا. ان من المستحل تصور امكانية تخلي حزب او جماعة طائفية عن مسلكها او اهدافها والا لم نشأت اصلا الطوائف؟ اننا بازاء مشكلة عملية وفقهية وهي انه لا يوجد تفسير للاسلام متفق عليه بين الطوائف الاسلامية ومن ثم فان سعي هذه الاحزاب لاستلام السلطة هو سير مفتوح نحو الاصطراع الاسلامي الاسلامي. ربما يقول البعض ان هذا المنطق ان انطبق على العراق لانه منقسم الى شيعة وسنة وبنسبة متقاربة، فانه لا يصلح لاقطار اخرى يشكل السنة فيها الاغلبية. وهذا المنطق دحضته الاحداث الاخيرة، فاولا لا يجوز في الاسلام الحديث عن الاغلبية والاقلية لان الجميع متساوين بمعاييره وبمعايير الوطنية والمواطنة، وثانيا ان الحركة الصفوية تقابلها التيارات الطائفية السنية تتنافس على تبشيرها الطائفي وتصرف مليارات الدولارات لشراء الناس او لاقناعهم بالتخلي عن طائفتهم. انظروا الى التحرك الايراني في سوريا مثلا، حيث الاغلبية سنية ماذا يحدث؟ ايران تصرف الملايين شهريا لشراء فقراء السوريين بالمال لتغيير طائفتهم! انظروا لمصر السنية والتي زجت زجا في حربين تتصاعدان منذ رحيل المرحوم جمال عبدالناصر، فهناك حرب كلامية تتخللها صدامات بين المسلمين والاقباط، وهناك محاولات نشطة لخلق طائفة شيعية في مصر!

   وفي المغرب العربي هناك نشاط ايراني واضح جدا لنشر التشيع الصفوي، يقابله نشاط محموم للطائفية السنية للحفاظ على التسنن وعدم السماح بالتبشير الصفوي! لقد جرت الطائفية الامة العربية لظروف هي الاسوأ والاخطر في كل التاريخ الاسلامي، لدرجة ان التامر الصهيوني الغربي وتنفيذ مخططات تقسيم واحتلال اقطار عربية والاعداد لاحتلال اخرى لم يردع الطائفيين ويدفعهم لتوحيد الصفوف لمواجهة اعداء الاسلام، والذي حصل هو العكس تماما، فالطائفية الصفوية تعاونت وتتعاون مع امريكا ضد العراق والسنة، والطائفية السنية تتعاون مع نفس الطرف وهو امريكا للقضاء على التوسعية الصفوية الايرانية! فاي غباء هذا الذي يجعل الطائفيين من مختلف الجهات يرى انه يتعاون مع اعداء الاسلام ضد مسلمين ومع ذلك لا يتراجع! وفي خضم الصراع مع امريكا والصهيونية تتوغل الطائفية السنية والشيعية في مجاهيل اللاعقلانية فتكفر البعثيين رغم انهم يخوضون صراع الحسم مع امريكا والصهيونية! وهذا يعني ان الطائفية حالما تبدأ الياتها الذاتية بالعمل تجد نفسها عاجزة عن ايقاف دوران عجلة التكفير حتى للسلفيين والطائفيين من نفس الجماعة! انها لعنة التفتيت والشرذمة التي اصابت تنظيمات لاترى ابعد من انفها.

   وفي ضوء ما تقدم يطرح السؤال التالي : ما الحل؟ هل نتخلى عن الاسلام بسبب هذا الخلل البنيوي في التنظيمات الاسلامية؟ الجواب هو كلا، فالامة لا تستطيع التخلي عن روحها وهو الاسلام، وما يجب فعله هو تحرير الاسلام من السرطان الطائفي عبر العمل من اجل اسلام بلا طوائف، اسلام عام مصدره الاساس القران، وما يتقف عليه المسلمون من السنة النبوية في ضوء ما ورد في القران. كيف ذلك؟ وماهو الطريق العملي للوصول اليه؟ هنا نصل الى الفهم البعثي للاسلام. نعم لقد دعا البعث للعلمانية ولكن اي علمانية؟ انها علمانية عزل الطائفية عن تطبيق الاسلام سياسيا من خلال اعتماد دستور الدولة على الاسلام العام المجرد من الطوائف بصفته المصدر الرئيس للتشريع، لان هذا الاعتماد يفرض حتمية لا يمكن التملص منها وهي نزع المفاهيم الطائفية من الاسلام ليكون قاعدة التشريع الاساسية وتجنب كل ما من شانه اثارة الفتن بين المسلمين. ويمكن تطبيق ذلك بجعل الانتماء لطائفة امرا شخصيا او خاصا لا يدخل في اطار الاسلام المعتمد قاعدة للتشريع في الدولة، وهذا ينطبق على غير المسلمين، فالدولة هي لكل الشعب وليس لطائفة منه مهما كانت صغيرة او كبيرة، والواجب الديني والوطني والقومي يفرض على الدولة ان تمثل الجميع مواطنيها، وان تتجنب كل ما من شانه التمييز بين المواطنين على اي اساس غير المواطنة والمساواة امام القانون.

   وهنا يجب ان نوضح بان رجال الدين وبسبب انتماءهم الى طائفة ما لا يصلحون لتولي الحكم مباشرة لانهم سيواجهون مشكلة فقه وموقف اي طائفة يعتمدون؟ لكن ذلك لا يحرمهم من حق ممارسة السياسة بصفتهم مواطنين وتوليهم المسؤوليات العامة في الدولة. بهذه الطريقة فقط يمكن التخلص من سرطان الطائفية ونحافظ على وحدة الاسلام والوطن ونمنع اقتتال المسلمين. هذا هو الفهم البعثي للاسلام وهذا هو المعنى الدقيق للعلمانية البعثية، والتي بخلاف علمانية اوربا لا تتجه لعزل الدين عن الدولة ما دامت الدولة طبقا للبعث عمادها الاساس في التشريع هو الاسلام، بل لعزل الطائفية وحصرهافي مناطق خاصة وشخصية، وليس تصفيتها، لتجنب الانقسامات والصراعات الطائفية.

 

بماذا تتميز اشتراكية البعث؟

  نأتي الان الى اخر مصادر وينابيع البعث وهو الاشتراكية، والتي لفقت الرجعية الدينية ضدها القصص والاقاويل الباطلة خدمة لانظمة فاسدة ومفسدة. كيف يفهم البعث الاشتراكية؟ وهل هي تختلف عن الاشتراكية الشيوعية؟ واذا كان الجواب نعم يطرح سؤال اخر : كيف تختلف واين؟ قبل الاجابة على هذه الاسئلة من الضروري تحديد معنى الاشتراكية لانها ظلمت من قبل التيارات الدينية بشكل عام. الاشتراكية من حيث الجوهر هي الحل المطروح للمشاكل الاجتماعية التي تفسد المجتمع، وفي مقدمتها الفقر الناجم عن فوارق الطبقات الحاد، وما يترتب على الفقر من امراض خطيرة كالامية والفساد والتخلف والصراعات الاجتماعية...الخ. فالاشتراكية بهذا التحديد هي النظام الذي يزيل الفقر من اساسه بتحطيم نظام الفوارق الطبقية الكافرة، وتوفير الحاجات الاساسية للانسان مثل الخبز والتعليم والطب والخدمات الاخرى التي تحرر الانسان من العوز المادي فتتهاوى بقية الامراض الاجتماعية.

   الاشتراكية اذن نظام اجتماعي يحمل الدولة مسؤولية توفير احتياجات الانسان الاساسية لاجل تحريره من عوائق الابداع والعمل الاجتماعي المنتج وازالة الشرور التي ينتجها الحرمان والفوراق الطبقية. لذلك فانها نظام انساني واخلاقي في نفس الوقت يعيد للانسان انسانيته ويحفظ كرامته ويوفر له المناخ الملائم للتحرر من الفساد وكل الامراض التي تتولد تلقائيا من الفقر مباشرة او بصورة غير مباشرة. والسؤال الجوهري هنا هو هل يوجد دين سماوي يرفض الاشتراكية مع انها تريد اقامة العدالة الاجتماعية وازالة الظلم؟ الجواب يعتمد على الصورة النمطية التي رسمتها الدوائر الغربية للاشتراكية مقتبسة النموذج الشيوعي على اساس انه النموذج الشائع للاشتراكية. فما هي هذه الصورة النمطية للاشتراكية التي تقبلتها احزاب دينية بلا تمحيص؟ اول مظاهر الصورة النمطية هي صورة اشتراكية الحادية اقترنت بالمادية الجدلية وهي الفلسفة الكونية للشيوعية، والتي اطلقت المقولة الشهيرة : (ان الكون لم يخلقه اله او انسان وانما هو نتاج التطور والصدفة)! ثم اكملت صورة الاشتراكية الظالمة بنشر مقولة الشيوعية ايضا وهي (الدين افيون الشعوب)! بهاذان الموقفان وضعت الاشتراكية في سياق مناقض للدين والايمان الديني دون نظرة موضوعية تمييزية بين الانواع المختلفة للاشتراكية، كما سنرى. اما المظهر الاخر للصورة النمطية للاشتراكية فهي وصفها بانها نظام يلغي الملكية الفردية ويحرم الانسان من التملك. واخيرا وليس اخرا قدم المظهر الثالث للصورة النمطية للاشتراكية بوصفها انها اممية تتجاوز الحدود القومية وتتعامل مع البشر كلهم على قدم المساواة. هل هذه الصورة النمطية للاشتراكية صحيحة؟ دعونا نتناول الاشتراكية البعث لنرى كم ان تلك الصورة ظالمة وغير صحيحة.

   هناك ثلاثة اختلافات جوهرية بين اشتراكية البعث والاشتراكية الماركسية اللينينية، وهي الاختلاف الفلسفي الديني والاختلاف حول الملكية، والاختلاف حول القومية. فالبعث يرفض الربط القسري المصطنع وغير المبرر بين النظرة الفلسفية للماركسية اللينينية ، وهي المادية الجدلية التي انكرت وجود الله وعدت الدين افيون الشعوب، ويرى اي البعث، ان الاشتراكية مفهوم اجتماعي يعالج الفقر والفوارق الطبقية واثارهما وليس له صلة بالفلسفة الجدلية ولا باي مفهوم فلسفي اخر يتناول الكون والطبيعة. لقد تناولت المادية التاريخية، وهي الفلسفة الاجتماعية للماركسية اللينينية، الاشتراكية من زاوية اجتماعية تاريخية، وهذا صحيح، لكنها حينما اعتبرت ان الماركسية - اللينينية هي فلسفة شمولية تفسر المجتمع والطبيعة بنفس الوقت افسدت على نفسها البيئة الاجتماعية للناس الميالين بالطبع للايمان بالله. لذلك فان البعث يرفض المادية الجدلية ويعدها موقفا فلسفيا اقحم على نحو مصطنع على الاشتراكية والتي تقول بان اصل الشرور الاجتماعية هوالحرمان المادي الناجم عن فوارق الطبقات، وهو موقف صحيح، ويرى البعث ان الايمان بالله هو الجزء المقوم في الوعي الاجتماعي السليم والذي يدعم الاشتراكية من زاوية ان العدالة الاجتماعية هي مطلب ديني، لان الله خلق البشر ولم يخلق الفوارق الطبقية بينهم وساوى بينهم في القيمة الانسانية.

   ومن مظاهر احتواء الاسلام للاشتراكية التجربة الغنية لعهد الخلفاء الراشدين حيث كانت الثروة تقسم بالتساوي بين المسلمين ولا فرق بين خليفة ومواطن عادي وقصة الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع ابنه عبدالله حول قطعة القماش مشهورة، كما ان الامام علي كرم الله وجهه قال (لو كان الفقر انسانا لقتلته) في اشارة الى ان مصدر الشرور الاساسي في المجتمع هو الفقر. في هذا الاطار راينا البعث يرفض الفكر الالحادي الشيوعي منذ نشوءه ويؤكد على ان الاشتراكية البعثية ايمانية وليست الحادية وانها تتوافق مع تعاليم الاسلام وتخدم هذه التعاليم.

   واذا تناولنا الميزة الاخرى لاشتراكية البعث وهي انها لا تحرم الملكية على وجه الاطلاق وانما تحرم الملكية الاستغلالية وتسمح بالمكية الفردية على ان تخضع لشرط حاسم وهو انها يجب ان تقع ضمن سيادة الملكية العامة لوسائل الانتاج الكبرى. وبهذا المعنى فان الاشتراكية البعثية توفق ما بين الملكية العامة المسؤولة عن تامين عدالة المجتمع وانتاجه وخدماته، وبين الملكية الفردية التي تلبي الحاجات الطبيعية للانسان في التملك بصفته احد اهم حوافز العمل والانتاج والابداع لدى الانسان. ان منع الملكية الفردية يفضي الى خمول الانسان وتدهور ملكته الابداعية لان الحافز الشخصي للعمل يعطل او يضعف وهذا هو احد اهم اسباب فشل الشيوعية وتدهورها.

   واخيرا وليس اخرا فان البعث رفض الاممية الشيوعية لانها كاي اممية اخرى تقفز من فوق القومية مع ان الاممية، سواء كانت دينية او شيوعية، يجب ان تمر اولا بالرابطة القومية، وتعترف بها بصفتها وضعا انسانيا طبيعيا لا يمكن القفز من فوقه. اذ كيف يمكن ان تقام الاممية اذا كانت الرابطة القومية غير مبنية او مقامة؟ يجب اولا اكمال الوحدة القومية قبل التفكير بوحدة اوسع، تماما كالبناء العالي فانك لا يمكنك من الوصول الى اعلاه الا اذا بنيت ادناه.

   أذن الاشتراكية البعثية هي نظام اجتماعي يوفر بقواعده البيئة المناسبة لتفرغ الانسان للنشاطات الروحية بلا قلق او ضغط الحاجة المادية او تهديدها للانسان يوميا بعد توفير احتياجات الانسان، وهو نظام يفتح المجال امام النشاط الفردي اقتصاديا لانه عامل ابداع وحافز انتاج، ويكمل دور الدولة في تامين السلع والخدمات لافراد المجتمع الانساني، وبقدرة الاشتراكية على تحرير الانسان من الخوف من غده يتفرغ للعمل المنتج وللقضايا الروحية والثقافية ويلج عالم تفجير طاقاته الانسانية الكامنة ممهدا لرقي الانسان خلقيا وماديا. والسؤال هنا هو : ما الذي يجعل الدين ضد الاشتراكية البعثية؟ بالتاكيد ان الاسلام هو المصدر الاساس لاشتراكية البعث وكل من فهم الاسلام على نحو صحيح توصل الى استنتاج صحيح اخر وهو ان الاسلام بذاته يتضمن الاشتراكية الايمانية.

 

خلاصات واسنتتاجات ختامية

  اولا : ماهي اهم ميزات البعث عن غيره من الاحزاب والحركات الدينية والعلمانية والقومية والماركسية؟ هناك ظاهرة تكوينية ولادية مشوهة او ناقصة في التنظيمات العربية، فهي اما احزاب اسلاموية ترفض القومية والاشتراكية مع انهما ظاهرتان لا يمكن اقصائهما من جسد الامة السليم، او هي احزاب قومية تتنصل عمليا من الاسلام مع انه روح العروبة، واغلبها يهمل الاشتراكية او يتبنى اشتراكية هي في الواقع تخريج بورجوازي او اقطاعي للاستغلال مع ان ازالة الفقر والفوارق الطبقية شرط مسبق لنهضة الامة وتقدمها. وهناك احزاب اشتراكية كالاحزاب الشيوعية ترفض الاسلام والقومية لذلك تبقى الامة تعاني من مشاكل التجزئة في عصر الكتل الكبيرة وزمن الفقر الروحي الذي لن يزول الا بالاسلام. البعث نجح في دمج كل هذه الضرورات الحياتية فبرز حزبا قوميا اشتراكيا روحه الاسلام. واذا نظرنا الى الساحة العربية لن نجد حزبا اخرا يجمع هذه السمات الثلاثة. يضاف الى ذلك ان البعث هو التنظيم العربي الوحيد الذي انتشر في الوطن العربي ويعمل تحت قيادة واحدة وتنظيم واحد ليعبر عن وحدة الامة العربية على المستوى الشعبي تمهيدا لقيام الدولة العربية الواحدة من المحيط الى الخليج العربي. لذلك لا يمكن للمرء الا ان يرى في ظل الاوضاع الحالية ان البعثي هو وحده من يحمل في يمينه القران وفي يساره الاشتراكية وفي عقله القومية وفي قلبه الحرية. وتلك اسلحة جبارة وبالغة الحسم يقاتل البعثي بها وهي متعددة ولا يملكها غيره.

   ثانيا : بدمج هذه العناصر الجوهرية الاربعة وتجسيدها فكرا وتنظيما في البعث اكتسب هذا الحزب صفته التاريخية، وهي صفة لا تسبغ الا على الاحزاب والحركات التي تستمر عقودا وقرونا من الزمن لانها تحمل رسالة عظمى يحتاج تطبيق مضامينها الى مراحل زمنية طويلة. ان الحزب التاريخي هو الذي لا ينشأ تلبية لرغبة فردية او طارئة بل هو ذلك التنظيم الذي يحدد امراض الامة ويقرر العلاجات الجذرية لها ثم يبدأ عملا ستراتيجيا طويل المدى لتنفيذ اهدافه ، بمعزل عن قياداته التاريخية او التي تليها بحكم تقدم الزمن. فالحزب التاريخي حركة تخضع لاليات موضوعية تستقل حتى عن مؤسسيها ومن يتولى القيادة فيها. ولعل افضل تجسيد لتاريخية البعث هو انه يعمل على تحقيق اهداف عظمى وجوهرية لا تتحقق بسهولة بل تحتاج لنضال قاس وتضحيات لا حدود لها وزمن طويل وخدمة اجيال متعددة، فتتكون سايكولوجيا تاريخية لدى مناضلي الحزب تنقلهم من كونهم افرادا عاديين الى نوع خاص من البشر سمته الابرز انه صاحب رسالة يهب نفسه للامة وقضاياها ويتقبل الموت من اجلها كضرورة من ضرورات الحياة النضالية. وهذه الصفة غابت عن حياة العرب منذ انتهاء عصر الصحابة ووجدها العرب في البعثيين الذين جسدوا مفهوم البطولة الاسطورية ورفض الخنوع والاستسلام للعدو الخارجي وللديكتاتوريات داخل الوطن العربي. ان البعث في العراق قد فتح ابواب تجذره واكتسابه الصفة التاريخية اعتبارا من محاكمات المهداوي (1959) التي شهدت بطولة نادرة عبر عنها من كانوا في قفص الاتهام يواجهون احكام الاعدام دون اي خوف او تراجع، وكان ابطال البعث يردون على المهداوي شتائمه بكلام قاس ويتحدونه ويتحدون الديكتاتور قاسم رحمه الله. وبعد حوالي نصف القرن من تلك المحاكمات شهد العالم مجددا دليلا اخرا على تاريخية البعث حينما اسر قائده الرفيق صدام حسين امام المجاهدين فك الله اسره، وقسم كبير من قيادته نتيجة احتلال العراق، ووقفوا يتحدون الاستعمار واعوانه ويحولون المحاكمة الى منبر لتعبئة الملايين من الناس ولتجنيد الاف البعثيين الجدد وكشف الاحتلال، وهكذا بدل الاستمرار في شيطنة البعث عبر تلفيق الاكاذيب برز البعث حزبا لافضل المناضلين واشدهم ايمانا بالله وبالمبادئ السامية للبعث.

   ثالثا : لقد سبقت البعث حركات ورافقته اخرى على طريق النضال، واعقبت نشوءه احزاب كثيرة، وبعض هذه التنظيمات نشات تلبية لحاجة حقيقية لكنها نكصت وتراجعت وتلاشت او اصبحت هامشية لانها لم تكن تمثل الامة بكامل احتياجاتها القومية والاسلامية والاشتراكية بل اختارت التعبير عن جانب من مشاكلها، فكتب على تلك التنظيمات الزوال وبقي البعث متألقا يضيء سماء الامة العربية بافكاره ومبادئه السامية. وهذه الحقيقة تفرض على كل منصف وموضوعي ان يبحث فيها ويتامل في دلالاتها، من خلال السؤال التالي : لم بقي البعث رغم اعدام واغتيال الالاف من مناضليه وشن حملات شيطنة له هي الاكبر والاذكى في كل التاريخ الانساني، فيما زالت احزاب اخرى لم تتعرض لجزء بسيط مما تعرض له البعث؟

   رابعا : لقد طور البعث مفهوما جديدا عصريا وعمليا للاسلام، من حيث التطبيق والممارسة، وهو انه طرح مفهوم الاسلام العام المجرد من الطائفية والطوائف بصفته المصدر الاساسي للتشريع في الدولة البعثية وطبق ذلك فعلا، فنجح في تجاوز مخاطر الشرذمة داخل الاسلام الناجمة عن الطائفية التكفيرية بكافة اشكالها. فالاسلام البعثي هو الاسلام العام المجرد من الطوائف والمعتمد على القران الكريم بصفته المرجع الحاسم في تقرير صواب او خطأ كل ما ورد في التراث الاسلامي من اتجاهات في المجتمع والحكم على الفتاوى والنظريات الاجتهادية الدينية. ان الاسلام العام هو وحده الذي يسمح بانطلاقة عربية وحدوية وتقدمية واسلامية ناجحة وبلا عقد وتحديات التشرذم الطائفي الذي لا يحقق الا اهداف اعداء العرب والمسلمين.

   خامسا : الاسلام كدين لا يكفي لوحده للبقاء والانتشار وتطبيق مبادئه لانه بحاجة لبيئة صحية تسمح بفعله الخلاق، وهذه البيئة هي الجسد المادي له الذي يسنده في حركته الاجتماعية والنضالية، ويستخدمه كقوة روحية لا تقهر عندما تجتمع بجسد مادي. فما هو الجسد المادي للاسلام؟ انه القومية العربية التي كانت قاعدة الفتوحات الاسلامية عند بدء الرسالة الاسلامية، والتي كان ضعفها السبب الرئيسي في تدهور الخلافة الاسلامية. ان قوة الدولة لا تكون مستمرة ومتطورة باستمرار الا اذا اعتمدت على عنصرين عنصر الروح، وهو الاسلام، وعنصر المادة والجسد لتلك الروح وهو القومية العربية. وبتكامل هذين العنصرين تحدث النهضة القومية والاسلامية. اما اذا اعتمدنا على نظريات خيالية تقول بان ابناء الامة الاسلامية دون تمييز يمكنهم بناء الدولة الموحدة لكافة العرب والمسلمين فاننا لن نصل الى الاهداف المرسومة بل سنصطدم بجدار العصبيات القومية العنصرية الفاعلة داخل شعوب اسلامية مصالحها القومية اقوى وارسخ من اسلامها. وتجربة العرب مع الفرس اثناء حياة الدولة العباسية مثال على هذه الحقيقة، كما ان دور ايران الان القائم على التعاون مع امريكا لتسهيل غزو العراق وافغانستان وتدميرهما وتنفيذ مخطط اسرائيل لتقسيم الوطن العربي طائفيا وعرقيا، كما اعترف خاتمي وغيره رسميا، هو تأكيد على اسبقية الانتماء القومي على الانتماء الديني لدى الفرس. من هنا فان نشر مبادئ الاسلام هي بالاصل مهمة العرب ورسالة العرب، وبترسيخ دور العرب هذا في قيادة النهضة العربية والاسلامية يمكن دمج دور الشعوب الاسلامية الاخرى في دائرة محكمة التحديد وبعد خلق توازن ردع يمنع طغيان النزعات والمصالح القومية داخل الحركة الاسلامية العالمية كما يحلم البعض.

   سادسا : لماذا فشلت كل محاولات اجتثاث البعث منذ الهجمة الشيوعية والقاسمية والبارزانية الدموية في عامي 1958 و1959 وحتى الغزو الامريكي، الذي تبنى لاول مرة في تاريخ العالم شعارا جسده في قانون اسمه (قانون اجتثاث البعث)؟ لقد فشلت محاولات اجتثاث البعث، رغم اعدام الالاف من مناضليه وتعذيب الاف اخرى منهم حتى الموت، لسبب بسيط وهو ان البعث حركة تاريخية لها اهداف حبيبة على قلوب الجماهير وتجد فيها انقاذا لها من واقع التخلف والظلم والفساد والضعف، ولذلك وما دامت هذه الاهداف (الوحدة العربية والحرية والاشتراكية) غير متحققة فان البعث سيبقى خالدا تتبدل قياداته وتتغير بيئته لكنه يبقى جبلا راسخ الصمود يتحدى الاعاصير ويدفع بالامة العربية نحو فجر التحرر من الاستعمار والجوع والتخلف والفساد الاجتماعي والروحي.

   سابعا : واخيرا وليس اخرا من الضروري الانتباه الى حقيقة بارزة ومهمة جدا وهي ان البعث ينفرد من دون كل القوى السياسية ودون استثناء، اسلاموية وعلمانية، بكونه حزبا يجمع بين اهم اشتراطات الاسلام بشكل خاص والديانات السماوية الاخرى بشكل عام، وهو انه حزب انقلابي يشترط على البعثي ان ينقلب على ذاته اولا كي يستطيع قلب المجتمع الفاسد. بمعنى انه حزب يعيد تشكيل قيم واخلاق ومنطلقات مناضليه الاجتماعية، بتحريرهم من سيئات وموبقات المجتمع الفاسد، ليتمكنوا من التحول الى قدوة محترمة، وهذا هو منطلق الاحزاب الدينية، ولكن البعث لا يكتفي بالوعظ التربوي والاخلاقي بل انه يخوض تجربة تغيير المجتمع ماديا وجذريا بالقوة او بغيرها لاجل القضاء على ينابيع الفساد الاساسية، وهي الفقر الذي ينجب اولاده الشرعيين : الامية والتخلف والانحطاط الاخلاقي بكافة اشكاله، وتلك هي مهمة الاحزاب الاشتراكية والدنيوية. من هنا فان البعث يحتوي ويجمع في روحه، وعلى نحو عبقري وخلاق، بين متطلبات الدنيا والدين، ويدمج بين قوانين الحياة الواقعية، وفي مقدمتها ان الانسان الحر لا يمكن ان ينشأ الا في مجتمع حر ومتحرر من الجوع والامية والتمييز، وبين قوانين الاسلام وفي مقدمتها ان المسلم كي يكون مسلما عليه ان ينقلب على ذاته اولا وقبل ان يتولى مسؤولية تغيير المجتمع.

أيها البعثيون: هل عرفتم الان سر خلودكم وخلود رسالة البعث وقدرته على التغلب على كل التحديات والعودة اقوى واصح وارسخ مما كان بعد كل جولة اضطهاد يتعرض لها؟

 

salah_almukhtar@yahoo.com
 

شبكة البصرة

الاحد 28 شوال 1427 / 19 تشرين الثاني 2006

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس