صبرنا انتهى : الاستقطاب الامريكي الايراني لماذا؟

شبكة البصرة
صلاح المختار

ألامل المحبط

كنا نظن في البداية انه سوء فهم لدور ايران ناجم عن قلة المعلومات حول دورها الحقيقي في العراق ومخططها القومي التوسعي بشكل عام وعلاقتها التحالفية مع امريكا بشكل خاص، لذلك كنا نقول : لندع الحوار مع مثقفين وكتل عربية يحل مشكلة اختلاف الفهم للدور الايراني. ومارسنا الحوار وانتظرنا، منذ عام 1979 وحتى غزو العراق، ان يفهم هؤلاء حقيقة الدور الايراني وما قدمه التاريخ والسياسات العملية لنظام خميني وخليفته خامنئي من دروس ونتائج. ولكن بقي هؤلاء اما مع ايران ضد العراق، او انهم يضعون رجلا مع العراق واخرى مع ايران رغم ان الحرب بينهما كانت اطول الحروب واقساها حتى غزو العراق! وكان اسوا ما قام به البعض هو تصوير ان العراق هو الذي ابتدأ الحرب مع ايران (رغم انها انتقلت من حكم الشاه الموالي لاسرائيل والغرب الى حكم يؤيد قضية فلسطين)! هذا التصوير لم يكن كذبة عادية بل كانت، كما ثبت الان، جزء اساسيا من مخطط تدمير العراق الذي دفع نظام خميني الى السلطة لاجل تنفيذه! ولاتنكشف خطورة هؤلاء الذين روجوا هذه الكذبة الا اذا عرفنا بان ايران خميني وليس عراق صدام حسين هي التي فرضت الحرب فرضا على العراق وليس العكس وهناك مئات الادلة الدامغة التي تؤكد ذلك. لكن هذا البعض، ولاسباب عرفناها الان وكنا حائرين في تفسيرها قبل الان، روج الاكذوبة لتحشيد كل محبي فلسطين خلف ايران خميني وتلبيسها قميصا ليس قميصها الحقيقي من اجل تدمير العراق وتقسيمه وتذويب هويته العربية، كمقدمة لانهاء الامة العربية!

وجاء غزو العراق وما سبقه من اتصالات ايرانية علنية وسرية مع امريكا للتنسيق لغزو العراق وافغانستان، واعلنت ايران موقفا تفوح منه رائحة التواطؤ مع امريكا، وتاكدت تلك المؤشرات بمشاركة الاحزاب التابعة لايران في غزو العراق وخدمة امريكا وقواتها وبرز الموقف الايراني بصفته داعما للحكومة التي انشاها الاحتلال. وتطور الامر الى درجة ان ايران اعلنت رسميا ومرارا عن موقفها المعادي للمقاومة الوطنية العراقية وعدتها (ارهابا صداميا وتكفيريا)، وهو ما رددته قناة المنار اللبنانية وحسن نصر الله مرارا في خطبه.

وجاء اعتراف خاتمي ونائبه ابطحي ورفسنجاني وغيرهم بانه (لولا دعم ايران لما تمكنت امريكا من غزو العراق وافغانستان)، فكان ذلك تتويجا لحقيقة ان ايران الداعم الاهم لامريكا في غزو العراق. وانعكس ذلك على موقف حزب الله الذي تبنى اشد المواقف عدائية للمقاومة العراقية ولدينا الوثائق محفوظة وتؤكد ذلك! ومع ذلك، ورغم كل ذلك، فان مثقفين وكتل عربية تدعي دعم المقاومة العراقية وتناهض الاحتلال الامريكي للعراق ما زالت تدعم ايران واقصى ما تقوم به هو نقد خفيف وخجول لموقف ايران من غزو العراق ودورها فيه!

فهل الخلل في فهمنا لهذا الموقف؟ ام ان هؤلاء منغمسين في لعبة خطيرة؟ بتعبير اخر : هل يمكن لاي وطني عربي ان يدعم او يمتدح من يتعاون مع الاحتلال الامريكي ويدعمه، سواء بالصمت عليه او بالتعاون معه او بدعم من يتعاون معه؟ وهل يمكن لمن يدعم المقاومة الفلسطينية ان يدعم من يحارب المقاومة العراقية علنا ورسميا، مثل الحكيم والسيستاني ومقتدى الصدر، ويبقى موقفه الايجابي من المقاومة الفلسطينية وتحرير فلسطين ممكنا؟ ورغم اننا نشاهد الساحر الايراني يخرج من قبعته الارانب واحدا تلو الاخر، ارنب شتم امريكا، وارنب الدعوة لازالة اسرائيل، وارنب تكذيب المحرقة اليهودية، وارنب المفاعلات النووية، وارنب حرب لبنان، والان ارنب اشعال ازمة جديدة في لبنان لا مبرر لها موضوعيا وعربيا ولبنانيا، لان ما هو قائم من مشاكل في لبنان يمكن حله بالطريقة اللبنانية التقليدية والتي لايمكن للبنان ان يستمر من دونها، وهي التوافق بين مكوناته، رغم ذلك كله فان مثقفين عرب صمتوا ولم ينبسوا بحرف لكشف العاب الساحر الايراني مع ان العابه اصبحت مكشوفة ولم يعد بالامكان تجاهلها مع بدء تدفق الدم العراقي بغزارة بسببه وبيديه.

كل العاب الساحر الايراني، والكومبارس التابع له، قدمت على المسارح خصوصا المسرح اللبناني لاجل ابقاء الاطفال السذج، الذين يملكون جسد رجال لديهم شوارب ويحملون شهادات عليا وبعضهم صار وزيرا، مشدودين الى لعبته خصوصا عزف مزماره السحري! وكنا نتوقع من الناضجين والمنظرين والمخضرمين ان يكتشفوا اللعبة الايرانية ويقولوا للاطفال السذج، بدرجة رجال مشوربين، كفى انتهى وقت المتعة وحان وقت الدروس. لكننا مع الاسف وجدنا بعض كبار العقل والسن والتجربة لا يختلفون عن طفل غر في انبهارهم بالعاب الساحر الايراني خصوصا في لبنان، والتي وضعت اساسا لالهاء العرب عن رؤية مأساة العراق ودور ايران الحقيقي الاجرامي والخطير فيها، اضافة لاعداد لبنان للتقسيم، في دورة عنف جديدة لن تخدم الا اسرائيل وامريكا! لقد صمتنا نزولا عند رغبة اصدقاء، وثم، عندما راينا الطرف الاخر ايران يزداد هستيريا وهو يقتل يوميا مئات العراقيين ويحاول بكل طاقاته تقسيم العراق، لمحنا ولكننا لم نقل كل ما لدينا حول حقيقة الساحر الايراني وصبيانه المدربين على نحو مبهر يستحق الاحترام.

لكننا الان قررنا ان نخوض معركة رفع القناع عن كل الوجوه البشعة التي تسهم في زيادة معاناة شعب العراق، لان الصمت صار تواطئا وايران تذبح العراق من الوريد الى الوريد بسكين امريكية! ثم تتجه هي وامريكا وغلمان امريكا في لبنان الى تقسيم لبنان هذه المرة الى كيانات اصغر، مثل تقسيم المسيحيين الى معسكرات والسنة الى معسكرات مع ملاحظة ان الشيعة في لبنان مخطط لهم امريكيا وايرانيا ان يبقوا موحدين في هذه المرحلة فقط ثم سيأتيهم مقص التقسيم بعد ان يقسم الاخرون بقوة دعمهم لغلمان ايران!

لن نصمت بعد الان وسنخوض معركة الهوية والوجود العربي حتى نهاياتها الظافرة بعون الله والشعب العربي، وسنكشف كل الخفايا وكل ما تجنبنا الحديث عنه، بعد ان يأسنا من قدرة هذا البعض على اقناع ايران واذرعها العربية بالتوقف عن ذبح العراق وعروبة الخليج العربي، وعن نشر الفوضى والفتن الطائفية في الوطن العربي، وهو ما كان هذا البعض يعدنا به مقابل صمتنا وصبرنا. لن نصبر ونصمت اكثر مما صمتنا وصبرنا لان ذلك سيؤدي الى حصول اكثر من فلسطين في الوطن العربي واولها واخطرها فلسطين العراقية، وهذه المرة ستذبح فلسطيناتنا الجديدة بسكين احفاد من حرر اليهود من الاسر البابلي. ان زمام المبادرة في يد المقاومة الوطنية العراقية وهي قادرة على الحاق الهزيمة بايران كما الحقت الهزيمة بامريكا الاقوى والاعظم من ايران، وعلينا ان لا ننتظر بعد الان، فالزمن سيف قاطع كساكين فيالق ايران في العراق، لذلك يجب استخدام الزمن الان وليس غدا لقبر مؤامرة التعاون الستراتيجي الامريكي - الايراني - الاسرائيلي ضد الامة العربية.

لذا سنبدأ بحديث لا صمت فيه ولا مجاملات ولا لف او دوران وسنصعد تدريجيا لغتنا ونشر معلوماتنا وفضح المستور من الحقائق، فبعد ان فضحنا اغلب الدور الايراني حان الوقت لفضح لعبة اذرع ايران وغلمانها العرب، والتي اخذت تشق الشارع الوطني العربي وتزرع الفتن بين المثقفين العرب وتبلبل موقفهم من المقاومة العراقية، رغم انه كان هناك اجماع عربي شامل على دعمها واعتبارها الامل الاكبر للعرب في التحرر من الاستعمار الغربي والصهيونية واعادة حقوق العرب. نعم صمتنا انتهى، وعلى من وعدنا بنقد، بل بمحاربة، ايران (اذا تجاوزت الخط الاحمر) وهو تدمير العراق ان يعلم بانها تجاوزته منذ الغزو على نحو فاضح لا يراه الا الاعمى البصيرة والبصر! والبعض الذي وعدنا لم يرى ذلك لانه كان اما منوما او يتظاهر بذلك، وحان الوقت ليستيقظ ويقول كلمته في الدور الايراني، والا فما الحاجة للعلاقة مع هذا البعض اذا كان الان، في زمن اقسى محنة يمر بها العراق وشعبه، لا يعبر عن تضامنه ودعمه؟ نريد ان نعرف لم هذا الاصرار على تعصيم (من عصمة) أيران وجعلها فوق النقد والتشكيك؟

 

التحالف الامريكي الايراني رائحة الدم العربي

منذ توصلت الادارة الامريكية الى الاستنتاج النهائي والحاسم وهو ان مخططها في العراق لم يهزم فقط وانما اصبح من غير الممكن ترقيعه وانقاذه، لجأت الى بدائل كثيرة اصاب البحث فيها امريكا كلها بالدوار والحيرة نتيجة استحالة تحقيق الهدف المركزي، وهو دحر او على الاقل احتواء المقاومة العراقية التي بقيت تتقدم بلا تراجع وتفرض سيطرتها على المزيد من مناطق العراق. لقد اقتنعت امريكا بعد معركة الفلوجة الاولى (نيسان ابريل 2004) بانها مهزومة، ومع ذلك بقيت تتكتك للخروج من قفص الهزيمة الى ما قبل تفجيرات مرقد الامام علي الهادي (ر) في بداية عام 2006، حيث انتهت من تجربة خطط عديدة فشلت كلها فقررت تغيير قواعد اللعبة في العراق.

اما ايران فانها، وبعد ان استخدمت القوة الامريكية لتدمير العراق أثر غزوه، شرعت  بتنفيذ الخطوة التالية في (بروتوكولات حكماء الفرس)، وهي محاولة استخدام قوتها في العراق التي ما كان يمكن ان تتكون لولا امريكا، كاداة ضغط عليها (امريكا) للموافقة على الاعتراف بمصالح اقليمية لايران في المنطقة، خصوصا في الخليج العربي. وما تريده ايران هو ضم اجزاء من الخليج العربي خصوصا البحرين والكويت وامارات في الامارات والغاء سيادة السعودية على الاماكن المقدسة وتد ويلها، والحصول على اعتراف امريكي بان لها نفوذا دينيا في العراق وبالاخص على المراقد المقدسة. اما المشروع النووي الايراني فكان وما زال اداة ضغط ومساومة تستخدمه ايران لتعزيز قدرتها التفاوضية مع الغرب واسرائيل لاحقا. لقد اصبح ضروريا من وجهة نظر امريكية ايرانية الانتقال الى مرحلة جديدة من الصراع التنافسي بينهما حول العراق والمنطقة، واعد كل منهما كافة ادواته وامكاناته للتحرك والعمل. والسؤال هنا هو : ما هي اهم المنطلقات الجدية المشتركة لعمل كل من امريكا وايران؟

 

فرض الاستقطاب الثنائي

هناك ملاحظة جوهرية يجب ان لا تغيب على بال اي مراقب او مناضل، وهي ان امريكا وايران متفقتان وتصران على منع بروز استقطاب ثالث في الوطن العربي يضاف الى الاستقطاب الثنائي الحالي الذي صنعته لعبة عض الاصابع الامريكية الايرانية خصوصا في العراق ولبنان وحول المشروع النووي. وفكرة الاستقطاب هذه ستراتيجية وليست تكتيكية كما قد يظن البعض، فامريكا تريد ان تحافظ على دورها بصفتها مركز الاستقطاب الاول في الوطن العربي ومحيطه الاقليمي وتعززه بضم اوربا والامم المتحدة اليه. ومقابل ذلك تريد ايران ان تحتوي القوى السياسية المناهضة لامريكا واسرائيل داخل معسكرها واحتكار موقف مناهضة امريكا، لفظيا طبعا، من خلال توليها المبادرة في فتح معارك كلامية ساخنة مع امريكا تكون من شدة ارتفاع النبرة بحيث تطغى على كل الاصوات بما في ذلك صوت المقاومة العراقية التي تخوض لوحدها، نكرر لوحدها، معركة حقيقية ذات طبيعة ستراتيجة وحاسمة مع امريكا.

والهدف من الاصرار الامريكي الايراني على منع تحول الاستقطاب الاقليمي الى استقطاب ثلاثي ببروز مركز جذب اخر يمثل المقاومة العراقية ومن يلتف حولها من القوى العربية وهي تمثل الاغلبية الساحقة، هو ان الاستقطاب الثالث سيهدم المعبد على رؤوس المتأمرين على الامة العربية ويدخل الصراع الاقليمي في مجراه الطبيعي بكشف ان حروب ايران المظهرية مع امريكا ما هي الا غطاء مقبول من الطرفين، كما اثبتت تجربة غزو العراق، لتمويه حروبهما الحقيقية، اي ايران وامريكا، ضد الامة العربية وهويتها ومستقبل مشروعها الحضاري القومي التحرري.

وبالنظر لاهمية هذه النقطة علينا ان نوضح ما المقصود بها. من بين اهم انجازات المقاومة العراقية المسلحة الكشف المزدوج، اولا، لهوية ايران الحقيقية بصفتها دولة امبريالية، اي توسعية على حساب العرب، وثانيا، لهشاشة الامبراطورية الامريكية وامكانية هزيمتها اذا حوربت بستراتيجية حرب عصابات طويلة، وانها ايضا تحمل بذور فنائها بصفتها تمثل نظاما راسماليا دخل في طور الشيخوخة.

ان الدور الايراني المناهض لامريكا منذ اسقاط الشاه بدعم امريكي واوربي مباشر، ما هو الا ضرورة من الضرورات الستراتيجية الامريكية والصهيوينة ما دام المطلوب، في المرحلة الاولى من صعود الخمينية، هو دحر اليسار والحركات القومية في الوطن العربي وتهشيم الاتحاد السوفيتي باستخدام شعارات الدين كحادلة قوية تمهد الطريق لتغيير نمط الصراعات في العالم والمنطقة، وهذه حقيقة اصبحت معروفة ومقبولة. وفي المرحلة الثانية توفير المناخ المناسب لنشوب حروب حضارات، فمن دون وجود اصولية دينية متطرفة في كل المعسكرات (الاسلامية الهندوسية اليهودية والمسيحية...الخ) لا يمكن لصراع الحضارات ان يحدث، طبقا للمثل العراقي الشهير الذي يقول (اليد الواحدة لا تصفق).

كان يجب ان يحدث اضطهاد فاضح للمسلمين كي تظهر وتتعاظم الاصولية الاسلامية المتطرفة، وهذا الهدف كان يوجب تصنيع اصولية مسيحية متطرفة تضغط لاضطهاد المسلمين، لذلك راينا امريكا في المرحلة الاولى تدعم من اسمتهم (المجاهدين الافغان) ضد الاتحاد السوفيتي، وترى في الخمينية، رغم رفضها سياسيا واعلاميا، تيارا يسهم في اضعاف الاتحاد السوفيتي ويحاصر ثم يسقط النظام الوطني في العراق. وفي المرحلة الثانية بعد انهيار الكتلة الشيوعية راينا امريكا تفرض على العراق بيئة حصار وحرب مستمرة وتقيم تحالفا شبه علني مع ايران خامنئي ضد العراق المحاصر والمجوع والمستنزف، لانه رفض المساومة مع امريكا حول اهم قضيتين بالنسبة لامريكا وهما النفط واسرائيل. في هذه المرحلة لم تعد ايران تهتم كثيرا بالتعتيم على تعاونها مع امريكا ضد اليسار القومي العربي في العراق فقدمت الدعم الكامل للعدوان الثلاثيني على العراق واشعلت بالتعاون مع امريكا التمرد المسلح في جنوب العراق عقب وقف اطلاق النار مباشرة في عام 1991، والذي خسر فيه العراق بشرا قتلتهم عصابات ايران اكثر من البشر الذين قتلتهم امريكا اثناء عدوان عام 1991 اضافة لتدمير اغلب جنوب العراق وحرقه.

وحينما قررت امريكا غزو العراق واسقاط نظامه الوطني طبقا لقانون رسمي تبناه الكونغرس الامريكي في عام 1998 اسمه (قانون تحرير العراق) قررت ادارة كلنتون التعاون المباشر مع ايران فحصلت اجتماعات في اوربا بين الطرفين انتهت بالموافقة الايرانية على اشراك التنظيمات التابعة لها في غزو العراق، فاعلن عن انضمام ما يسمى ب (المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق) وهو تنظيم اسسته ايران من ايرانيين او عراقيين من اصل ايراني او عراقيين مرتدين، الى اجتماعات ما كان يسمى ب (المعارضة العراقية) وحضر الحكيم اجتماعات لندن وصلاح الدين وقدم معلومات استخبارية عن الجيش العراقي للمخابرات الامريكية، وانتهت هذه العلاقة الامريكية الايرانية بترتيب غزو العراق بمشاركة ايرانية رسمية وفعلية اعترف بها خاتمي حينما كان رئيسا لايران بقوله لولا مساعدة ايران لما نجحت امريكا في غزو العراق وافغانستان. هذه حقائق وليس تحليلات او استنتاجات كي تقبل او ترفض.

اذن الدور الايراني الرئيسي في الاقليم مطلوب امريكيا لعدة اسباب واهداف بعضها يتعلق بغزو العراق والاخر يتعلق باعادة رسم خارطة الوطن العربي والثالث يتعلق باشعال حروب حضارات لا يمكن ان تشتعل الا بوجود انظمة تحكم باسم الدين. من هذا المنطلق الستراتيجي برزت ضرورة ستراتيجية أمريكية وهي ان يحصل استقطاب ثنائي في الاقليم، تكون ايران طرفا فيه وامريكا هي الطرف الاخر. فاذا اقتصر الاستقطاب على الطرفين المذكورين فان امريكا تستفيد بجعل الانظمة العربية تستمر في الاحتماء بالخيمة الامريكية و تقدم لها ما تريد لحمايتها من الخطر الايراني المشجع والمدعوم امريكيا. كما ان وجود ايران قطبا اوحدا في مواجهة امريكا سيجبر الكثير من الوطنيين العرب على الاصطفاف مع ايران وبذلك تحرم الحركة الوطنية العربية، خصوصا يسارها القومي، من الاصوات المثقفة التي تفضح الدور  الايراني والمطامع الايرانية في الوطن العربي، وسيسمح بفتح ابواب جهنم الطائفية فيتحول مثقف كان يساريا ماركسيا في السبعينيات الى معمم ملتح يسبح بحمد طائفته ويعدها مرجعيته الاعلى!

هناك حقيقة معروفة في الوطن العربي وهي ان من يواجه امريكا سيكسب دعما شعبيا عربيا بغض النظر عن الانتماء الطائفي، وهذه البيئة النفسية تمكن ايران من العمل على شق العالم الاسلامي انطلاقا من تفتيت الامة العربية. لذلك كان يجب على امريكا المساعدة في اضفاء طابع مناهضتها (مناهضة امريكا) على ايران لاجل تمكينها، تحت غطاء محاربة امريكا، من نشر التشيع الصفوي في الوطن العربي، بوجود دعم اوساط وطنية عربية لايران، واثارة فتنة الاقتتال الطائفي عند تنفيذا مخطط نشر ما يسمى ب (الثورة الاسلامية). وهذان الهدفان (تفتيت الامة العربية واشعال فتنة طائفية) جوهريان بالنسبة لاسرائيل وامريكا، يمكن تنفيذهما تحت غطاء محكم هو حروب كلامية فارغة مع امريكا لا يطلق فيها الا الرصاص الخلب!

لذلك فان ايران، وهي تشتم امريكا وامريكا تبتسم مسرورة، تقوم بتغيير طبيعة الصراع في الوطن العربي من صراع تحرري وطني وقومي ضد اسرائيل وامريكا الى صراع طائفي بين احزاب وكتل طائفية متعددة. ومن الامور التي تركت في نفسي اثرا عميقا ومؤلما انني رايت شخصا كان في السبعينيات ماركسيا متطرفا عمل مع كارلوس لكنه الان ينظر لغزوات ايران الامبريالية من منطلق طائفي واضح! كما رايت معمما ينظر طائفيا الان وكان يساريا منحازا ليسار فتح في السبعينيات! فهل توجد خدمة لامريكا واسرائيل اكبر من تحويل وطنيين ويساريين متحدين، مهما اختلفوا، في مواجهة امريكا واسرائيل الى طائفيين ينظرون لولاية الفقيه بدل التنظير الذي كانوا يقومون به لماركسية ماو او لماركسية كاسترو او لماركسية غرامشي!

هذا التشويه لذات وعقل المثقف العربي من اعظم انجازات امريكا التي تحققت عن طريق دعم الاصولية الدينية المتطرفة في ايران وفي غيرها، لانها وضعت الوطنيين العرب واليساريين العرب وفي مقدمتهم البعث، امام تحديات جديدة غير مسبوقة منها ان هناك خصوم جدد للحركة الوطنية العربية، كانوا محسوبين على الحركة الوطنية، وايديولوجيات جديدة كانت محسوبة على الايديولوجيات غير المعادية، تواجهها الحركة الوطنية العربية في ساحة الصراع لاتقل قسوة عليها من العدو الخارجي! لذلك تحرك مسار الصراع باتجاه اخر يتسم بتشرذم الحركة الوطنية العربية على اسس طائفية وعرقية حتى لو تموهت بازياء مختلفة الالوان.

في هذه البيئة المزيفة والاصطناعية ولدت الحرب العراقية الايرانية فراينا الانحراف عن المواقف القومية والوطنية يتخذ اشكالا خطيرة جدا، لان البعض من الذين استيقظت ثقافاتهم السابقة لثقافة الامة ارتدوا اليها وشرعوا يخدمون اهدافا تلحق ضررا بالغا بالامة. وكان اسوأ ما واجهه العراقي وهو يقاتل ايران، التي كانت تريد غزو العراق علنا باسم نشر الثورة الاسلامية، هو مشاهدته لعرب يقاتلونه في الجانب الايراني ويشتمونه باللغة العربية وبلهجات عربية معروفة! لكنه عد ذلك انحرافا طفيفا لان المتطوعين العرب الذين قاتلوا التوسعية الايرانية في صفوف العراق المقاوم كانوا كثيرين فاطمأن الوجدان القومي العربي على متانة الهوية العربية.

هل هذا كل ما تحققه امريكا واسرائيل من وراء جعل ايران القطب الاقليمي الاوحد في مواجهتها؟ طبعا لا، فالاصل في هذه الخطة هو حرمان القطب الوطني العربي المناهض لامريكا من حرية العمل ووضعه امام تحد غير سهل، وهو انه نتيجة للسياسات الايرانية المعادية للامة العربية يضطر لكشفها دفاعا عن النفس والهوية القومية العربية فيتهم بخلق مشاكل مع ايران لا مبرر لها لانها (تخوض معركة مع امريكا) او انها تدعم حماس في فلسطين وحزب الله في لبنان!

ان مثال المقاومة العراقية هو الافضل، فبالرغم من الاعتراف العربي العام بان المقاومة العراقية هي الظاهرة الاعظم والاهم في تاريخ حركة التحرر الوطني العربية لانها تقاتل، لاول مرة في الوطن العربي، العدو الاصلي مباشرة، الذي كان وما زال يتخفى خلف اسرائيل وايران وانظمة عربية في مقاتلته للحركة الوطنية العربية، وهو امريكا، وهي حالة لم تحصل الا مع العراق سواء تحت قيادة الرئيس صدام حسين او المقاومة العراقية المسلحة التي نظمها وفجرها صدام حسين، نقول بالرغم من ذلك فان هناك من يتخذ موقفا سلبيا منها. كل الصراعات الاخرى كانت تخاض وفقا لسياسة (الحرب بالنيابة) الا مع التحدي القومي الاتي من العراق، حيث اجبرت امريكا على خوض الحرب مباشرة فاسقطت ستراتيجية الحرب بالنيابة وتبنت ستراتيجة (الحرب بالاصالة) ولكن مع العراق فقط. وكانت البداية هي العدوان الثلاثيني على العراق عام 1991 وما اعقبه. هل لذلك معنى ستراتيجي بارز جدا؟ نعم انه يعني ان دحر العدو الرئيسي وهو امريكا سيعقبه دحر العدو الثانوي وهو اسرائيل ما دامت امريكا هي مصدر حياة وبقاء وحماية اسرائيل ماديا وعسكريا وسياسيا وامنيا.

اذا هزمت الاصل يندحر الفرع واذا حطمت الدرع تحطم من يحتمي به. وهنا في هذه الحقيقة البسيطة والواضحة تكمن خطورة واهمية المقاومة العراقية وتميزها عن المقاومة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية، اللتان تقاتلان الفرع، وهو اسرائيل، الذي يستطيع البقاء والتجدد حتى لو هزم مادام الاصل يمده بكل اسباب معالجة تراجعاته وهزائمه امام العرب عبر مد جسور جوية تنقذه(اسرائيل) من هزيمة مدمرة، وما جرى اثناء حرب اكتوبر تشرين عام 1973 مثال كامل المعاني على هذه الحقيقة الستراتيجة التي يحرص القطبان المتناقران كالديوك (امريكا وايرا ن) على اخفائها لانها تؤثر بشدة في التوازنات الستراتيجية الاقليمية والعالمية.

ان المقاومة العراقية اذا اخذت مدياتها الجماهيرية والسياسية سوف تحدث انقلابا جذريا في العالم، يصبح التغيير السلبي الذي تركه انهيار الاتحاد السوفيتي امرا سهلا مقارنة به، لان المهزوم هو امريكا اقوى امبراطورية في التاريخ، أضافة لكونها تنفرد بصفة القوة العظمى الوحيدة، وهزيمتها ستحدث تفاعلا متسلسلا يهز كل العالم ويغير كل قواعد الصراع فيه، ويدفع بقوى جديدة في مقدمتها حركة التحرر الوطني العربية لتصدر المشهد العالمي، بعد ان تنهار اسوار منع قيام الوحدة العربية قابلة النظام العالمي الجديد والعادل.

بهزيمة امريكا في العراق لن تجد اسرائيل درعا يحميها ويقيم لها جسورا جوية وارضية ترجح كفتها وتمنع هزيمتها كما كان يحصل في الماضي، وافضل مثال هو ثغرة الدفرسوار، بل ستواجه قدرها المحتوم وحدها لانها في ان واحد ستنكشف ستراتيجيا من جهة وستعاني من عوق ستراتيجي قاتل في مواجهتها مع العرب من جهة ثانية، وبذلك يعود للتفوق العربي دوره الحاسم. من هنا فان هناك مصلحة مشتركة امريكية ايرانية في قمع الثورة العراقية المسلحة وتصنيع عدو كاذب لامريكا في الاقليم يسحب الدعم العربي والاسلامي من المقاومة العراقية، ويحتوي الانتلجنسيا العربية، او على الاقل جزء منها، في اطار صفوي ايراني بعيد عن المقاومة العراقية وضدها، فيصبح جعل ايران القطب الاقليمي الاوحد في مواجهة امريكا ضرورة ستراتيجية امريكية وايرانية مشتركة لا غنى عنها لكلا الطرفين.

ربما سيتصدى لنا متفلسف من غلمان طهران ليقول : كيف تسمح امريكا ببروز ايران قطبا اوحدا في المنطقة وهي تعاديها؟ ان الجواب سهل وحاسم، فنحن لم نر الله بعيوننا بل بعقولنا، وحرب ايران مع امريكا اصبحت فيلما هنديا مبتذلا لا تزيد تكلفته عن مائة دولار، فهذه الحرب الكلامية مضى على التبشير بها، والتحذير منها، اكثر من ربع قرن ومع ذلك لم تقع، بل وقع العكس وهو تحالف ايراني امريكي لغزو العراق وافغانستان! والان وبعد كل الشتائم والتهديدات المتبادلة ماذا حصل؟ ايران تتقدم ببرنامجها النووي وتبني جيشا عظيما في ظل تهاون اسرائيلي تام وسكوت امريكي اتم!

ليسأل كل منصف نفسه : لم سكتت امريكا واسرئيل على تسلح ايران والذي كانت صحف كثيرة تكتب عنه؟ قارنوا ذلك بما حصل للعراق ستجدون انه دمر رغم انه لم يمتلك مشروعا نوويا متقدما كالمشروع الايراني، بل ان العراق قد اضعف ستراتيجيا عبر حرب عام 1991 والحصار، ومنع ليس فقط من شراء رصاصة واحدة، بل أيضا منع حتى من شراء الدواء والغذاء، من اجل ان تحقق امريكا هدفا خطيرا حذرنا منه منذ مطلع التسعينيات، وهو تعمد امريكا خلق فراغ ستراتيجي في العراق. لقد فرض الحصار على العراق وحرم من شراء رصاصة واحدة في حين كانت ايران تشتري ترسانات اسلحة الاتحاد السوفيتي السابق ودول اوربا الشرقية بما في ذلك مواد نووية خطيرة، دون اي تدخل امريكي جدي لمنع ذلك! بين العمل الامريكي الجاد على خلق فراغ ستراتيجي في العراق وبين السماح لايران بشراء كافة انواع الاسلحة بما في ذلك المواد النووية وجدنا هدفا امريكيا صريحا وهو اغراء كل الاطراف الاقليمية للتدخل في العراق واولهم ايران.

لماذا؟ ان السبب في ذلك واضح الان وهو القرار الامريكي الصريح جدا الان، كما نرى في العراق المحتل الان، بخلق فراغ ستراتيجي في العراق يؤدي الى عواصف اقليمية تعيد رسم خارطة المنطقة كلها على اسس جديدة. فتحويل العراق الى منطقة فراغ ستراتيجي، بتدمير دولته الوطنية وليس اسقاط حكومته الوطنية فقط، وهو امر بدأ مع الحصار واكتمل بالغزو، لن يخدم اسرائيل مباشرة فقط، بالتخلص من القوة الاولى والوحيدة حتى الان التي قصفت اسرائيل في العمق وليس في الاطراف الشمالية، فاسقط اي العراق نظرية الامن الاسرائيلي، بل ايضا سيسمح تحويل العراق الى فراغ ستراتيجي بتعاظم قوة ايران ودخولها العراق لاعادة رسم خارطته مع ما يترتب على ذلك من مخاطر تطال كل الدول العربية، وهكذا يفتح غطاء بندورا لتخرج منه كل الشرور لتجتمع على ارض العراق، ويتحول الى ساحة تصفيات خصومات وصراعات ستراتيجية بين اطراف اقليمية ودولية، وتلك حالة نموذجية لتبرير التدخل الشامل للغرب، وليس امريكا فقط، يوفر له فرصة تاريخية نادرة لاعادة رسم خريطة المنطقة كلها بما في ذلك خريطة ايران بعد ان تكمل دورها التقسيمي في العراق والخليج.

هل كانت امريكا تجهل ان اضعاف العراق ستراتيجيا وتحويله الى فراغ ستراتيجي سيشجع الكل على ملأ الفراغ؟ بالطبع كلا كانت امريكا تعرف تماما ان تفريغ العراق ستراتيجيا سيجعله ثقبا اسودا يجتذب اليه بقوة لا تقاوم القوى الاقليمية والدولية الطامعة والتطرف الديني وشبكات التجسس ونزعات الانفصال وسيحيي نزعات ما قبل الامة والوطن كالعشائرية والطائفية...الخ. ان من يظن ان امريكا لم تكن تعرف ما تفعل في العراق وانها اخطأت بحل الجيش وتدمير الدولة جاهل احمق او متواطئ مع امريكا، فكل ما حصل ويحصل من تدمير هو تدمير منظم قامت به امريكا، او تم باشرافها على يد ايران وغيرها، من اجل اعداد المسرح لحروب الحضارات وتغيير خرائط المنطقة وفرض عصر جديد لن يكون فيه مصير ملوك وامراء ورؤوساء العرب سوى لاجئين يتسولون في الهند وباكستان بعد ان ترفضهم السويد واوربا، او مدفونين في مقابر جماعية مجهولة العنوان بعد قتلهم على يد مقتدى صدرهم الذي ستصنعه امريكا وايران في كل قطر عربي كما صنعته في العراق!

ان هدف أمريكا ابراز ايران كقطب اقليمي اوحد (اضافة لاسرائيل) كان هو السبب في تغييب العراق القوي، والذي نجح في دحر ايران وعطل دورها الاقليمي حوالي عقد من الزمن، وكان الهدف وما زال هو الحصول على الغنيمة الاعظم في تاريخ الامبريالية وهي النفط. ومرة اخرى ربما سينبري احمق بصفة خبير نفطي ليقول ان النفط لا يتمتع بهذه القيمة المبالغ فيها، لذلك نقول ان القيمة الاخطر للنفط هي ليست قيمته الاستهلاكية كطاقة فتلك قيمة ثانوية بل هي قيمته كاداة ابتزاز ستراتيجية لا تقهر، في عصر لا يمكن لامة ما ان تعيش اكثر من ستة اشهر بلا نفط. لذلك فان هناك معادلة ستراتيجية من يجهلها سوف يغيب في قبر مجهول، وتقول من يسيطر على منابع النفط الرئيسية يضمن تركيع العالم واقامة ديكتاتوريته العالمية الخاصة بلا حروب عسكرية يستحيل فيها النصر امريكيا. فهل منح ايران، وربما منح الهند وباكستان ايضا، فتات من الوليمة، (من وجهة نظر امريكا طبعا وليس نحن) كالبحرين والكويت وامارات خليجية امر كثير مقابل انجاز المهمة الامريكية؟

لقد اثبتت التجربة العيانية المعاشة، وليس الحروب الكلامية لايران مع امريكا، ان الهدف الامريكي الاوربي الصهيوني الايراني الاول والاهم في منطقتنا هو الغاء الامة العربية من الخارطة وليس الامة الفارسية، واستخدام النخب الشوفينية في الامة الفارسية كاداة قتل لتحقيق هذا الهدف. اذا تذكرنا ان المشروع النهضوي القومي الايراني لا يعتمد على نفس الرقعة الجغرافية للمشروع الصهيوني، وهي المنطقة الواقعة بين الفرات والنيل، لان خارطة عوديد ينون، في دراسته (ستراتيجية لاسرائيل في الثمانينيات)، تؤكد ان حدود اسرائيل الكبرى تنتهي عند الضفة الغربية لنهر الفرات والنهر هو حد فاصل بين اسرائيل الكبرى والامبراطورية الصفوية، واذا تذكرنا ان ا لامبراطورية الصفوية لاتهدد المصالح الاساسية للامبرياليات الغربية بل تطمح بجزء منها يقرره الغرب مقابل المساعدة على نجاح الخطط الغربية، ادركنا ان التناقض بين ايران والغرب تناقض ثانوي يمكن بوجوده اقامة تعاون وتنسيق ستراتيجيين وتكتيكيين، وهو ما تؤكده تجربة غزو العراق من قبل امريكا وايران.

ان حصر الاستقطاب الاقليمي في طرفين فقط هما ايران وامريكا سيسمح باضعاف المقاومة العراقية ويجردها من الدعم الحقيقي من قبل الكثير من العرب مثقفين وعاديين، وما يحدث منذ اشتعال الحرب بين لبنان واسرائيل بجهد امريكي ايراني واضحين انموذج لما تريده ايران وامريكا. ان خنق الخيار الستراتيجي الوطني العراقي الذي تمثله المقاومة الوطنية العراقية يتطلب ابقاء الاستقطاب الاقليمي ثنائيا ومنع تحول المقاومة العراقية الى مركز استقطاب، وهذا الهدف هو البند الاول في جدول اعمال امريكا للتغلب على التحديات الستراتيجية العظمى التي تشكلها المقاومة العراقية.

هذه الحقيقة تفسر لنا احد اكبر الالغاز المحيطة بالمقاومة العراقية وهو لغز وقوف انظمة عربية ضدها مع انها حبل الانقاذ الوحيد لها ولنظمها من الهجمة الصفوية التفتيتية، كما توضح اسباب اصرار الاعلام العربي عموما على التعتيم على المقاومة العراقية ومحاولة تصويرها كحرب اهلية مع انها اعظم حرب تحرير وطنية. ان اصابع امريكا واضحة تماما في تشكيل عجينة هذا الموقف السلبي من المقاومة العراقية.

 

التصعيد الايراني وانتصارات المقاومة العراقية

ربما يتجاهل البعض واقعة متحركة ومتنامية وبالغة الوضوح وهي ان التصعيد الايراني للتوتر مع امريكا رافق انتقال المقاومة العراقية من مرحلة انهاك الاحتلال الامريكي الى مرحلة تطهير المناطق المحررة وتحويلها الى مناطق امنة منها تنطلق الخطوات التالية في عمليات التحرير. وذلك تطور ادى الى اجبار ايران على الدخول في معركة العراق بثقل اضافي جديد يمثل اعلى ما عندها من قدرات وامكانات لاجل منع تقدم المقاومة العراقية نحو النصر الحاسم. فماذا حصل؟ ان اضطرار ايران لزج كل طاقاتها في المعركة الضارية ضد المقاومة الوطنية العراقية عزز تحالفها مع امريكا وقدم للعراقيين والعالم اجمع صورة متكاملة عن الدور الايراني في تدمير المدن العراقية كاداة من ادوات امريكا، لدرجة ان عملاء ايران لم يكونوا وحدهم من يبيدون البشر والحجر بل ان حرس خميني والمخابرات الايرانية كانا في مقدمة القوى التي تهاجم المقاومة والمدن العراقية وترتكب المجازر البشعة ضد الشعب العراق او تخطط لها.

هذه حقيقة يعرفها كل عراقي ودخلت في ذاكرته الى الابد ولا يهم ما يقال من الان وحتى بعد مائة عام من نفي او تخفيف للدور الاجرامي الايراني، الامر الذي يعني ان ايران قد دخلت في معركتها في العراق مرحلة كسر العظم مع العراقيين التي لارجعة فيها، لان معركة العراق هي التي ستقرر مصير ايران ومستقبلها. ان العنف والعنف في اكثر اشكاله وحشية كان خيار ايران لمنع هزيمة الاحتلال، لان الهزيمة تقود الى قيام العراق المحرر بتشكيل مركز استقطاب أقليمي يسلب من ايران من خدعته بصورتها كقوة تقاتل امريكا ويصبح هو الطرف الاخر في المعادلة الستراتيجية مقابل امريكا، فينحط دور ايران.

كما ان العراق المحررسيقوم بكشف كافة اوراق ايران امام العالم اضافة لشن حملة كبرى تقوم على توثيق الدور الايراني في تدمير وغزو العراق، وبذلك تغلق الابواب امام المشروع الامبراطوري الصفوي الذي قام على اساس التستر بالاسلام لخداع السذج من المسلمين. فاذا عرف العالم الاسلامي ان ايران كانت الشريكة الاساسية لامريكا في غزو وتدمير العراق وانتهاك حرمات مسلمي العراق فان كل جهود ايران منذ 1400 عام لاعادة بناء الامبراطورية الفارسية ستنهار.

ان الحلقة المفرغة التي وجدت ايران نفسها فيها اجبرتها على محاولة كسرها للخروج منها، والترجمة الوحيدة لذلك هي ان ايران اخذت تتسابق مع امريكا على ابادة العراقيين، مثلا ما يقوم به مقتدى الصدر، والعمل على تقسيم العراق، مثلا تمسك الحكيم الايراني الاصل والولاء بتطبيق الكونفدرالية في حنوب العراق! وبطبيعة الحال فان هذه الخطوات احرقت اغلب اوراق ايران عربيا واسلاميا واصابت حتى اشد انصار ايران العرب بالصدمة لتجسد التناقض بين شعارات ايران الاسلامية وممارساتها المعادية للاسلام والمسلمين في ارض العراق الجريح،ولكونها تعمل طبقا لمبدأ المعايير المزدوجة فهي في العراق مع امريكا كليا، لكنها في لبنان ضد امريكا!

وهنا فرض سؤال جوهري نفسه على ايران : ما العمل للتخلص من الاثار البشعة على سمعة ايران، وهي اهم سلاح تستخدمه لاختراق العرب، والتي انتجها الدور الايراني في العراق؟ الجواب السريع كان يجب تحسين صورة ايران امام العالم الاسلامي وبالاخص امام العرب. ولكن سؤال اهم فرض نفسه : كيف تحسن ايران صورتها وقد غطست حتى شعر الراس بدم العراقيين وصار وجهها يحمل نفس ملامح اسرائيل الفاشية؟

جوابا على هذه التساؤلات قررت ايران ان تلجأ لتنفيذ خطة تقوم على خلط الاوراق الاقليمية والعالمية لاجل ارباك المواطن العادي وتوفير منطق، ولو شكلي، لغلمان طهران من المثقفين والساسة العرب ليقوموا بالدفاع عن ايران. وكانت الخطة هي تفجير صراع عالي الصوت خصوصا في الاعلام مع امريكا واسرائيل، من منطلق معروف وهو ان الصراع مع امريكا واسرائيل هو اسهل واقصر الطرق لكسب دعم الراي العام العربي والاسلامي.

 

خميني يقود من قبره

وبدأ تنفيذ الخطة باسقاط هاشمي رفسنجاني في انتخابات عام 2005 وايصال محمود احمدي نجاد رئيسا لايران، وهو شخص كان مغمورا، واصدار خامنئي الاوامر له بالعودة لشعارات خميني الاصلية واهمها (الموت لاسرائيل) و (الموت لامريكا). فماذا حصل؟ رأينا نجاد يدعوا لزوال اسرائيل ويتحدى امريكا! وكان موضوع المفاعلات النووية الايرانية هو مسمار جحا ليس لايران فقط بل ايضا لامريكا ومعها اسرائيل واوساط اوربية طبعا. وبدأت لعبة صراع الديوك وتعالى صراخ اللاعبين حتى طغى على رصاص المقاومة العراقية، طبعا خارج العراق، وتصور كثيرون ان ايران ستهاجم غدا او بعد ساعة، نتيجة التهديدات الاسرائيلية والامريكية والاروبية لايران، واخذت اسعار البورصة تتراقص بسسب ذلك.

هل كانت اللعبة الايرانية كلها تتركز حول مباراة الشتائم والتهديدات المتبادلة؟ كلا، فلقد اكتشفت ايران ان العرب لم يعودوا يكتفون بشتم امريكا واسرائيل لمنح ثقتهم لمن يشتم، بل هم يريدون عملا كبيرا وفعالا ضد امريكا اواسرائيل. وبالمقابل ولنفس السبب كانت امريكا تزداد غرقا في البئر الذي حفرته في العراق، وكان اخطر ما في هذه الحالة هو ان الراي العام الامريكي قد اخذ يعد الدولارات التي تصرف على العراق من جيوب دافعي الضرائب ويشعر بانه بدلا من تضخم جيوب افراده نتيجة استعمار العراق اخذت هذه الجيوب تتقلص. كما ان التوابيت اخذت تزداد واصبح في كل منطقة او مدينة او قرية قتيل او جريح. وهكذا نجحت المقاومة العراقية في الوصول الى البوابة الاعظم للنصر على امريكا وهي جعل قضية العراق قضية امريكية داخلية تضغط بشدة على اعضاء الكونغرس وعلى غيرهم. من هنا كانت امريكا ايضا بحاجة لعمل ما كبير ومزلزل يستطيع ابعاد انظار العالم عن العراق واشغاله جبرا بموضوع اخر. فماذا حدث؟

اندلعت الحرب في جبهة لبنان في تموز يوليو الماضي بقرار امريكي ايراني متوافق كليا، لان حربا مع اسرائيل هي وحدها التي ستنقل الانظار من جبهة العراق البالغة السخونة الى لبنان، مع ان لبنان ساحة صراعات ثانوية وملحقة بالصراع الاساس في العراق. كانت امريكا تريد من اسرائيل ان تضرب ايران في الساحة اللبنانية لدفعها الى عدم الضغط عليها في العراق بواسطة الفرق الصفوية. كما كانت تريد ان تعتم على الهزيمة المرة في العراق باشغال مواطنيها بموضوع الحرب في لبنان وتحريك ثقافة دعم اسرائيل في المجتمع الامريكي الى ابعد مدى ممكن. واخيرا وليس اخرا كانت امريكا تريد ان تبعث برسالة للمقاومة العراقية بانها لن تتراجع عن غزوها للعراق مهما واجهت من تحديات فيه.

اما ايران فقد ارادت ان تستخدم حرب لبنان لازالة الدم العراقي وبقايا اشلاء اطفال العراق من وجهها البشع بتجميله بانامل لبنانية، اشتهرت باتقانها فن التجميل بالجراحة البلاستيكية، ثم التضحية بتلك (الانامل) اللبنانية. لقد وصلت بشاعة وجه ايران في العراق لدرجة ان بعض العراقيين الذين وضعتهم عصابات الصدر وبدر امام الموت المحقق، كلما خرجوا من بيوتهم، اخذوا يتمنون الموت على يد امريكا وليس على يد عصابات ايران لان هذه العصابات تعد التعذيب، غير المسبوق في العراق حتى في ابو غريب، هدفا بحد ذاته يعبر عن احقاد صفوية مريضة وانتقامية عمرها 1400 عام سببها الحقيقي اسقاط العرب لامبراطورية فارس، بينما القتل والتعذيب الامريكيين غائيين، اي ان لهما غاية فاذا تحققت توقف التعذيب والقتل.

ونتيجة لهذا الفرق السايكولوجي المهم بين القتل على الطريقة الايرانية والقتل على الطريقة الامريكية بنت امريكا موقفا يدعو العرب العراقيين ضحايا بروتوكولات الفرس الى التعاون مع امريكا لتقليم اظافر ايران بضرب عصاباتها. ومع الاسف فقد طغت الام التعذيب الايراني على التفكير الوطني السليم لدى بعض العراقيين فوقعوا في فخ امريكا واخذوا يصرخون بوعي الغريزة الانسانية التي تريد المحافظة على البقاء : نعم للتعاون مع امريكا للقضاء على عصابان ايران! هذا الموقف الخطير المفهوم انسانيا لو صار راي الاغلبية فسيكون اكبر انتكاسة للثورة العراقية المسلحة ولهدف طرد الاحتلال، لان من ادخل ايران الى العراق ومن جعلها مخلبه الاشد ايذاء لشعب العراق هو امريكا، فايران ودورها عبارة عن امتداد للاحتلال وفرع من فروعه والفرع يزول مع زوال الاصل وليس العكس.

وبالاضافة لاستبطان حرب لبنان هدف تجميل وجه ايران الشديد البشاعة كانت الطليعة الشوفينية الفارسية تعرف ان كشف حقيقتها في العراق يهدد بتوقف عجلة مشروعها الامبراطوري عن الدوران، لذلك فان تعميم انطباع ان من وقف وراء الحرب مع اسرائيل في لبنان هو ايران وانها من زود حزب الله بكل اسلحته ومعداته وخططه الهسكرية والامنية، كان ضروريا جدا لخروج ايران من بالوعة العراق وتنظيف وجهها من الدم العراقي بقمصان حرير شهداء لبنان، ثم تقديم نفسها على اساس انها صانعة السلام والحرب في الاقليم وانها هي وليس غيرها من يستطيع كبح اندفاعات امريكا واسرائيل!

من راي وزير خارجية ايران وهو يبدو ديكا منفوش الريش اثناء تنقله بين العواصم اثناء الحرب على لبنان يتحدث باسمه وباسم من يقاتل في لبنان لم يدهش ابدا، لان الواقع يقول ان من هندس لكل تفاصيل الحرب على لبنان هو المخابرات الامريكية والايرانية. لهذا فان من اهم اسباب التصعيد والحرب على لبنان هدف منح ايران زخما جديدا يمكنها من مواصلة تنفيذ خطة اقامة امبراطورية صفوية على انقاض الامة العربية وبالتنسيق مع امريكا والتوافق مع اسرائيل. ومن ينظر الى المشهد العربي اثناء الحرب على لبنان وبعدها يدرك ان تلك الحرب لم تخدم احدا سوى ايران اولا وثانيا وعاشرا بعد المئة ثم امريكا.

 

تقليم اظافر ايران لمصلحة من؟

بوقوع الحرب الامريكية الاسرائيلية الايرانية ضد لبنان وخروج ايران منها بصفتها المستفيد الاكبر اصبح بامكان ايران ان تصعد جرائم فرق الموت التابعة لها في العراق لتوسع حملات التصفية الطائفية، التي تستبطن الهدف الحقيقي وهو التصفية العرقية للعرب السنة والشيعة خصوصا في بغداد. واحد اهم اسباب اختيار بغداد هو ان حسم الحرب لصالح المقاومة سوف يتم في بغداد وليس في غيرها لذلك فان من مصلحة امريكا وايران ان تبقى بغداد بعيدة عن الحسم بعد تحويلها الى ساحة حرب طائفية. كما ان ايران دفعت فيالقها في الاقطار العربية للخروج ا لى الشوارع وتهديد الاوضاع القائمة واجبار العالم على تركيز عيونه على ايران. ثم قامت ايران باستغلال ساحة العراق التي صارت فخا مميتا لامريكا لاجبار الاخيرة على تقديم تنازلات جوهرية وليس ثانوية لان امريكا قبلت اصلا بتقديم مكافئة لايران لكنها ثانوية وليس جوهرية.

بوقوع كل ذلك وصل التحالف الامريكي الايراني في العراق الى منعطف حاسم، فاما ان تستسلم امريكا لما تريده منها ايران وهو الاعتراف بانها قوة اقليمية عظمى لها دور مهم في المساهمة برسم سياسات الاقليم، وان مصالحها و(حقوقها) الجغرافية والسكانية في الخليج العربي مثلا، والايديولوجية، مثل حماية الصفويين في الوطن العربي والعالم الاسلامي وجعل العتبات المقدسة في العراق والسعودية مناطق دولية، يجب ان يعترف بها، او ان ترفض امريكا تقديم هذه التنازلات الجوهرية لايران وتنفذ خطة لتقليم اظافرها انطلاقا من العراق.      

أذن هناك تحالف ستراتيجي ومصلحي بين امريكا وايران محوره تذويب الهوية العربية للوطن العربي، وذلك هدف جوهري امريكي اسرائيلي، انطلاقا من تذويب عروبة العراق، ووصل التحالف حد تقاسم الحصص فارادت ايران اكثر مما تستطيع امريكا تقديمه لها فاندلع صراع عض اصابع بينهما، وهو صراع غير جوهري لان هدفه توزيع الحصص، بدليل ان التحالف بقي قائما بينهما رغم ان كل منهما يعض اصبع الاخر بقوة احيانا وبرفق عشاق احيانا اخرى. واخر دليل على استمرار التحالف المصلحي هذا هو الغزل العلني والرسمي بين الرئيس الايراني نجاد والرئيس الامريكي بوش، واللذان اتفقا على ان ايران يجب ان تلعب دورا (بناء) في العراق! كما ان تقرير بيكر- هاملتون كرس ضرورة الدور الايراني في الوصول الى حل لقضية احتلال العراق. هل هذا الاطار يحدد اتجاهات الخلاف بين البلدين؟ نعم فان حرب ايران وامريكا هي حرب جودو، والتي ينتظرها السذج والخدج منذ اكثر من ربع قرن ومع ذلك لم تصل بعد عرباتها الملكية الى محطة الواقع!

ان حدود التنافس بين الطرفين يحددها عامل حاسم وهو قوة المقاومة العراقية، فالعدو المشترك للطرفين هو المقاومة العراقية، ومادامت المقاومة هي سيدة المشهد العراقي فان التحالف الامريكي الايراني سيبقى قويا ومستمرا حتى لو سكب نجاد قدح شايه في وجه بوش في حركة صبيانية، او قام بوش بضرب الغلام الايراني الولاء مقتدى الصدر على مؤخرته امام الناس لتاديبه على تجاوزه حدود التخويل الامريكي الايراني له بالعبث بارواح العراقيين.

ان المقاومة كانت وستيبقى الهاجس الاول والكابوس الاكثر تخويفا لكل من امريكا وايران، لانها هي، هي وحدها، من تستطيع ان تضع المشروعين الاستعماريين الامريكي والايراني في خانة الفشل. والاسوأ من ذلك (امريكيا وايرانيا) هو ان المقاومة بانتصارها في العراق سوف تدفع بامريكا الى حافة الانهيار الداخلي والدولي. اما ايران فان بشاعة جرائمها في العراق والتي اصبحت مكشوفة للعراقيين جميعا خصوصا لشيعة العراق، الذين سرق اسمهم واستخدم للقيام بكل مامن شانه الحاق الخراب بالعراق كوطن والمأسي بالعراقيين كشعب، والتي بزت جرائم هولاكو وجنكيزخان، بشاعة جرائم ايران هذه تدفعها للقيام بكل عمل يائس يمنع المقاومة من الوصول الى السلطة لانها ستفضح هذه الجرائم امام الملأ بتقديم الاف الشواهد والادلة الدامغة على معاداة ايران الصفوية للعرب بشكل خاص وللمسلمين بشكل عام.

من لا ينتبه لهذه الحقائق لا يستطيع فهم : 1 - الغاز الاقتراب الشديد والبعد الشديد الامريكي الايراني و2 - الغاز العض باسنان حيوانات نباتية والشتائم المتبادلة بمفردات التقية اليهودية في الموضوع النووي، و3 - الغاز غزل المراهقين العصي على الاخفاء في موضوع تذويب هوية العراق عن طريق فرق الموت وتهجير عرب العراق، والذين وصل عددهم الى اكثر من اربعة ملايين عربي هجروا بقوة فرق الموت! والان المطلوب امريكيا هو تقليم اظافر ايران في العراق لا غير وعدم تدمير نفوذها فيه من الجذور، لان لايران دورا اقليميا يجب ان تلعبه وفقا للمخطط الامريكي الاسرائيلي، سواء بقي هذا النظام البراغماتي الصرف في طهران او استبدل بنظام اخر اكثر مقبولية ايرانيا وعالميا من نظام اقترن اسمه بابشع حقبة في تاريخ ايران والمنطقة والعالم.

اما ايران فان زعامتها تعرف حدودها وهي لذلك تناور بذكاء هو ليس ذكاء نجاد شخصيا بل ذكاء النخب الشوفينية الفارسية التي تخطط لبناء امبراطورية فارسية منذ الفتح العربي لبلاد فارس وتحطيم الامبراطورية الفارسية. هذه النخبة وضعت بروتوكولات لا تختلف من حيث الجوهر عن بروتوكولات حكماء صهيون، لانهما تشتركان في هدف بناء امبراطورية من خلال خطط مئوية (قرن من الزمن) او خمسينية (نصف قرن)، يتم من خلالها تغيير الاوضاع ببطء شديد ينسجم مع ثقافة طول البال والبطء القاتل (لغير الفرس) في نسج الزوالي (السجاد) الايرانية يموه بدقة الاهداف الحقيقية ويسقط لدى ذوي الحس التاريخي المتبلد القدرة على اكتشاف ان حسقيل اليهودي ليس مجرد تاجر او صائغ مسالم، وان مرزا الفارسي ليس مجرد جائع هاجر من بلاد فارس بحثا عن لقمة العيش فاشتغل خبازا او عاملا في الشورجة في بغداد او في اسواق الخليج، لانهما، حسقيل ومرزا، بعلمهما او بدونه، يعملان وفق خطط بعيدة المدى للصهينة والتفريس للمكان الذي يهاجران اليه.  

 

فضائيات تغييب الخيار الثالث

حينما تريد اجبار بعض الناس على اختيار ما تريده انت، لا ما يرغبون هم فيه، ضعهم امام خيارات اخرى قد تشبه خياراتهم المرغوبة بالشكل لكنها مناقضة لها في الجوهر او النتائج. هذا بالضبط ما تفعله امريكا وايران في العراق بشكل خاص وفي الوطن العربي بشكل عام. فالصراخ وعض الاصابع والشتائم والركلات المتبادلة بين نجاد وبوش وبينهما خامنئي، وامتدادها الى المارينز العرب (جيش المهدي الامريكي)، والى فيلق بدر وتوأمه فيلق الصدر، (المارينز الايراني)، هو احد اهم اساليب وضع المواطن العربي امام نفقين لاغير، احدهما اشد ظلمة من الاخر، للهروب من يوم المحشر الذي اقامه جلادون من البشر : اما ان تدخل النفق الامريكي او تدخل النفق الايراني! لقد تعمد الطرفان تغييب الطرف الثالث الذي يتعرض لاجتثاثهما الجسدي والفكري والتنظيمي وهو المقاومة العراقية!

من ينظر الى ساحة الوطن العربي ماذا سيرى منذ تموز الماضي؟ سيرى عربدة امريكا وايران تطغى في الاعلام والتحركات الدبلوماسية. أما على صعيد شعبي فانه سيرى لبنان من شدة عزف نشيد المقاومة ورد الطرف الاخر عليه، وكأنه يخوض معركة تحرير القدس وحيفا ويافا! اما المقاومة العراقية والتي كانت بالنسبة للمثقفين العرب خارج العراق حتى مطلع عام 2006 هي الامل العربي في التحرير واعظم ظاهرة اعجازية في تاريخ المقاومة، كما وصفت من الجميع، فانها غيبت عمدا من الاعلام، اولا، ثم من ذاكرة الحالمين بتحرر العرب ووحدتهم، ثانيا، عبر اسقاط كل اوصاف المقاومة العراقية على حزب الله، واطلاق اوصاف جديدة عليها اهمها انها اصبحت حربا طائفية!

كيف حصل ذلك؟ ان التغطية الاعلامية للاحداث في لبنان والعراق بدت مسيرة واكدت مرة اخرى، واخرى، وجود تحالف امريكي - ايراني، لان فضائيات (اصدقاء) امريكا وبالاخص الجزيرة والعربية، تحولت بقدرة قادر الى منبر لحزب الله وفاقت قناة المنار في تمجيدها له! وسبق ذلك قيام اطراف كثيرة نتيجة للجهل او التجاهل باستغلال تفجير مرقد الامام علي الهادي (ر) وما اعقبه من هجمات شرسة وذات اهداف طائفية قادها الغلام الصفوي مقتدى الصدر، لنزع كل الصفات التي اطلقت على المقاومة العراقية والتركيز على وصفها بانها اصبحت (حربا طائفية)! ياسبحان الله! كيف يمكن لاعظم مقاومة في التاريخ ان تصبح بحدث واحد حربا طائفية رغم انها مازالت حرب تحرير وطني عظمى؟ انها الدعاية الايرانية الامريكية المشتركة، والتي كان وجهها الابرز اعلامي من اصل تونسي وهوى ايراني عتيق، هي التي عتمت وغيرت انتباه الناس عن حقيقة الوضع العراقي لخلق بيئة نفسية تسمح بابراز بطل ساحة ثانوية (حسن نصر الله) ليصبح البطل الظاهري للساحة الاعظم، في حين عتم على بطل الساحة الرئيسية (المقاومة العراقية) وحول في الاعلام الالكتروني الى مقاتل في حرب طائفية!

والان هل عرفتم حجم المؤامرة على العرب؟ وهل اكتشفتم كيف يشارك فيها من يعد مخالفا لايران ومرعوبا منها و(صديق) لامريكا من خلال تلميع اهم واخطر الاذرع الايرانية؟ هل يوجد مؤشر اوضح من ذلك لقرار امريكا تلميع وجوه ايرانية، او ايرانية الهوى، لان ذلك يغطس وجوه اسود العراق في عتمة شبه كاملة مع انهم يمرغون انف امريكا سيدة اسرائيل في الوحل؟

ان المكسب الامريكي الاكبر الذي تحقق بفضل هذا التونسي الايراني الهوى وامثاله هو تنزيل مرتبة المقاومة العراقية باعين ملايين الناس، خارج العراق طبعا، بوصمها بانها حرب طائفية ورفع ايران ووضعها فوق رؤوس البعض من خلال وصفها بانها (حاضنة وداعمة المقاومة اللبنانية)، مع انها تقطع رؤوس العراقيين يوميا بسكاكين عمياء امام مرأى الاف العراقيين المذهولين! لماذا هذا التطور مكسب امريكي؟ لانه جرد المقاومة العراقية من بعض الدعم المعنوي الذي كانت تتمتع به خارج العراق قبل حرب لبنان ونقله الى جهة اخرى هي المقاومة اللبنانية لن تحسم، ومهما فعلت، الا موضوع مزارع شبعا، في حين ان مقاومة العراق حين تنتصر ستحسم اوضاع العرب كلها بل ستدفع نحو حسم الدور الامريكي العالمي! هل توجد خدمة اكبر من هذه لامريكا قدمتها ايران لها بفضل حرب الديوك التي يخوضها خامنئي ونجاد مع بوش؟

 لقد منعت تأثيرات الفضائيات الموجهة امريكيا، خصوصا بواسطة تكتيك نقل تركيز النظر من مركز وبؤرة الحدث الرئيسي الى حدث اخر ثانوي لكنه بفضل تقنيات هولي وود والمؤثرات السمعية والبصرية يكبر وينفخ ليصبح الحدث الاكبر، وتكتيكات ايران السياسية القائمة على جلب الانتباه بواسطة رصاص خلب، اي ازمات مفتعلة، نقول منعت هذه الاساليب بروز الاستقطاب الثالث، اي استقطاب المقاومة العراقية، والذي تبلور بقوة منذ غزو العراق ونما وكبر حتى اصبح هو الاستقطاب الاول عراقيا واقليميا وعالميا، فجرى تغييبه عن المشهد العربي والعالمي رغم انه مازال هو الاستقطاب الاول في العراق الثائر.

ان قرع الطبول الامريكية الايرانية في واقع الامر ما هو الا محاولة لتغييب الاستقطاب الثالث استقطاب المقاومة العراقية للجماهير العربية وقوى التحرر العربية والعالمية، لانه استقطاب تحرري يسمح بفرز الخنادق وتحديد قوى التحرر في خندقها وقوى الاستعمار في موقعها، وهذا الترتيب يعحل بحسم التناقضات الجوهرية، عراقيا وعربيا وعالما، دون مداخلات والتباسات الخلط المتعمد بين ما هو ثانوي وما هو رئيسي. أما حين نحصر الاستقطاب في ثنائية امريكا ايران فانه سيفضي الى اشعال صراع الحضارات، وما يقترن به من تفجير الغام حروب الاثنيات والطوائف على امتداد العالم، لان المشروع الايراني يتبرقع باسم الاسلام. وتلك هي البيئة التي تتمناها الاحتكارات الامريكية، لان المطلوب هو تغييب الاسباب الحقيقية لبؤس الاغلبية الساحقة من البشر وهو ظلم الراسمالية وكافة تجلياتها الثقافية والسياسية. ان الاستقطاب الثنائي الامريكي - الايراني، او الاصولي المسيحي والاصولي الاسلامي، هو الوصفة الاكثر خدمة للراسمالية العالمية وللصهيونية، لانها تغيب حقوق الطبقات المستغلة والشعوب المستعمرة وتضعنا امام اشخاص ورموز مبرمجة على القتل والابادة مثل الصفوي مقتدى الصدر والصليبي ريتشارد بيرل، والممسوسين بوهم انهم يحملون رسالة ربانية مثل بوش وخامنئي.

 

وتبقى المقاومة العراقية هي الامل

ولكن هل استقرت وطغت لعبة الاستقطابات التي تصنعها الفضائيات العربية المبرمجة وتكتيكات المخابرات الامريكية والايرانية؟ بالتاكيد كلا لان الحسم في النهاية يجري على الارض وليس من خلال شاشات الفضائيات او وفق قرارات المخابرات. ومهما فعلت فيالق الاعلام الامريكية والايرانية فان الحسم سيجري في العراق، لان مناخ الحسم الطبيعي هو في ارض الصراع بين القوتين الحاسمتين، امريكا والمقاومة العراقية، وليس في غيره، رغم ان نقله بالتركيز على حدث ثانوي يؤخر الانتصار الحاسم في ام المعارك قليلا ويزيد تضحياتنا ومعاناة شعبنا. وهذا التاكيد، على ان الاستقطاب الوحيد القادر على الحسم هو استقطاب المقاومة العراقية، لا يقصد به استصغار احد بل وضع كل طرف فوق مقعده الذي يناسبه، ومقعد لبنان، مع تاكيد دعمنا لمقاومتها واحترامنا لها، لا يحتمل ان يجلس عليه من يريد دحر اسرائيل لانه اضيق واقل متانة من تحمل الواجب، فكيف اذا اراد دحر امريكا سيدة اسرائيل ودرعها الواقي؟

واخيرا، ولكي لا يستغل الصورة التي قدمناها احد، يجب ان نذكر بان تاكيدنا على ان المقاومة العراقية، وليس غيرها، هي من سيحسم الصراع الاعظم، ما هو الا تاكيد اضطراري منا لاننا اردنا توحيد المقاومات العربية ودعونا حزب الله علنا لذلك وحصل اتصال، لان هذه الوحدة تختصر طريق التضحيات وتقرب يوم التحرير الشامل في العراق وفلسطين والجولان ولبنان والاحواز والاسكندرون والجزر العربية الثلاث وتمنع تقسيم السودان، لكنه لم يستجب واستمر يعمل منفردا، ومصرا على اعتبار المقاومة العراقية طرفا بعيدا عنه وعن ارتباطاته. لذلك اصبح امرا واقعا وجود تشتتت في عمل المقاومات العربية، وهو بالتاكيد ليس صدفة وانما يقع في صلب متطلبات انتصار امريكا واسرائيل.

من هنا لم يبق امام المقاومة العراقية سوى ان تحمل صليب التضحيات الاعظم وحدها وتسير على درب الجلجثة وحدها متحملة سهام ايران وفيالق ايران من جهة ورصاص امريكا وفيالقها من جهة ثانية. ومع ذلك سنبقي باب بناء الجبهة مفتوحا مع المقاومات العربية في فلسطين ولبنان لان ذلك هو الطريق السليم والاقل تكلفة للعرب. فهل تتغلب المصلحة العربية لبنانية وفلسطينية وعراقية وسودانية على الارتباطات الاخرى؟

salah_almukhtar@yahoo.com

شبكة البصرة

الثلاثاء 23 ذو القعدة 1427 / 12 كانون الاول 2006

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس