السيدة نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب في الكونغرس الامريكي المحترمة

شبكة البصرة

من المؤكد انك قرات تقرير بيكر وهاملتون واكتشفت ان اهم ما فيه، ليس مقترحاته، بل اقراره الصريح بان مشروع الغزو الامريكي للعراق، المعتمد على اكثر اشكال الوحشية قسوة، قد فشل كليا، وان امكانية تغيير مجرى الحرب لصالحكم مستحيل. لقد اوقعكم الرئيس جورج بوش في بئر عميق هو بئر العراق، وبدلا من الخروج منه بتجنب الحفر فيه فانه اخذ يحفر في قاعه معتقدا بسذاجة انه يصنع سلما للخروج منه، فوجد ان امريكا، وبعد ان وصلت قمة العالم تغوص، في مستنقع العراق وتقف على حافة انهيار محتوم، يبدا عسكريا ثم يتحول الى انهيار مالي وسياسي داخل امريكا، يضع مستقبلكم في قبضة مجهول خطير من المؤكد انه الاخطر في تاريخكم كله. ومن المؤسف حقا ان فقدان بوصلة السير في الطريق الصحيح له الياته الانتحارية، فما ان تبدأ بالعمل حتى تصبح اقوى من الاشخاص فتحركهم رغما عنهم ليسيروا في طريق يعرفون انه سوف يوقودهم الى انتحار او كارثة، وهذا بالضبط ما لاحظناه في تقرير بيكر هاملتون، الذي كان مفروضا فيه ان يقدم بوصلة طريق تعمل بشكل صحيح وبلا خلل، لكنه وقع فريسة اليات الخطأ الاول الذي ارتكبه بوش، فقدم مقترحات تريد تعديل الخطأ وليس التخلي عنه، بتبني ستراتيجية خروج من العراق تقوم على اهم دروس الغزو وهو ان العراق لا يمكن غزوه بنجاح لا كلي ولا جزئي.

ان تقرير بيكر - هاملتون ليس سوى محاولة تعديل الخطأ مع الابقاء على جوهره وهو الاحتلال الامريكي وعدم ترك العراق لاهله ! لذلك فهو لن يحل المشكلة يقينا خصوصا لانه تجاهل اهم موضوع في ازمة العراق وهو المقاومة الوطنية المسلحة، من خلال تعامله معها على انها قوة من بين قوى متعددة يريد دمجها بالعملية السياسية وليس القوة المقررة لاحداث العراق بعد الغزو الاستعمار

 

سيدتي

لو كانت المقاومة العراقية قوة من بين القوى العراقية لما كنتم واجهتم كارثة الهزيمة والفشل لان المقاومة، هي وليس غيرها، من عطلت مشروعكم في العراق والشرق الاوسط، اولا، ثم بدات تدمره بنجاح مذهل، ثانيا، حتى اوصلتكم الى الاقرار بهزيمتكم في العراق وبان من الضروري تغيير سياسات المحافظون الجدد التي القت بكم في مستنقع العراق. هذه حقيقة تعرفونها كما نظن واذا كنتم لا تعرفونها فمعنى ذلك ان التضليل مازال يمارس عليكم انتم المشروعون في امريكا، وتلك كارثة اخرى، لان اي جهد او خيار سياسي او عسكري تلجأون اليه، وانتم تتجاهلون انه لا يوجد في العراق من يقرر مجرى الاحداث الا قوتين هما قوة المقاومة العراقية المسلحة وقوة الاحتلال الامريكي، سيكون عبارة عن حفر في البئر الذي وقعتم فيه وهو بئر العراق. فهل تريدون حقا الخروج من العراق بعد ان اكتشفتم ان احتلاله والبقاء فيه شكل اكبر كارثة في التاريخ الامريكي، كما قالت بصواب زميلتك مادلين اولبرايت؟ أم تريدون البقاء في العراق مع ان اليات الكارثة تعمل بنشاط للوصول الى النهاية الطبيعية لكل كارثة؟

 

سيدتي

هناك طريق واحد لمنع المصير الكارثي الذي ينتظر امريكا، اذا لم تتراجع عن مشروع احتلال العراق، وهو التفاوض مع المقاومة الوطنية المسلحة فورا وبلا ابطاء، والتخلي عن اوهام النصر في العراق نهائيا، لان مواصلة الغزو سينقل أثار الحرب الى ارضكم فيزداد استنزاف مواردكم المالية، والتي كان يمكن ان تحل مشاكل من يعيشون تحت خط الفقر او مساعدة اربعين مليون امريكي امي، ويصبح كل بيت امريكي لديه جندي في العراق يستلم جثة ابنه في كيس اسود. ومن البديهي انكم تعلمون في ضوء تجربة اكثر من ثلاثة اعوام من غزو العراق واشتعال حرب تحريره من احتلالكم ان المقاومة قد اجتازت كل اختبارات القوة والذكاء الستراتيجي والتكتيكي مع ادارتكم وجيشكم، وكانت دائما هي المتفوقة والمنتصرة، فماالذي يجعل بعضكم يتوقع تحقيق النجاح في العراق عن طريق تغيير الخطط العسكرية والامنية والسياسية؟

 

سيدتي

اود ان اقدم لك نصيحة مهمة جدا وهي ان اقل الطرق خسارة واكثرها ضمانا لانسحاب امريكي يحفظ ماء الوجه من العراق هي التفاوض مع المقاومة الوطنية العراقية والاعتراف بانها، هي وليس غيرها، الممثل الشرعي والوحيد لشعب العراق، لانها كما نجحت في افشال كل خططكم ستفشل اي خطة جديدة تعتمدها حكومتكم، سواء كانت سياسية او عسكرية او اقتصادية، خصوصا وان المقاومة الوطنية الان اكثر قوة بكثير من العام الماضي وستصبح في العام الجديد اكثر قوة من هذا العام، اضافة الى انها اصبحت اكثر معرفة وخبرة بخططكم واساليبكم كافة. ان هناك باب واحد لخروجكم من العراق دون اذلال او هزيمة صارخة وهو باب المقاومة الوطنية العراقية، ومفتاح هذا الباب بيد صدام حسين الرئيس الشرعي للعراق والقائد الوحيد القادر على حل مشاكله الامنية خلال ساعات بعد خروجكم من العراق. واذا سالتم انفسكم لم برز شبه اجماع وطني عراقي مؤخرا على ان عودة صدام حسين الى الحكم هي الحل الوحيد لمشكلة الاحتلال وما نتج عنه من فوضى وقتل ودمار؟ ستجدون ان الجواب هو العراق بكافة مكوناته قد تيقن انه لا يوجد قائد او جماعة تستطيع ضبط الامن فورا الا صدام حسين، لذلك فان ان الحل الوحيد الذي يوفر لكم انسحابا منظما وهادئا هو التفاوض مع الرئيس صدام حسين لاجل الخروج من العراق وعودة السيادة والاستقلال اليه.

 

سيدتي

مهما فعلتم انتم، ومهما فعلنا نحن، فان هناك حقيقة دخلت التاريخ بكل ادلتها ووثائقها وشهودها وهي انكم غزوتم العراق ودمرتموه كليا باعادته الى عصر ما قبل الصناعة، تنفيذا لتهديد جيمس بيكر حينما كان وزيرا للخارجية الامريكية عام 1991 الذي وجهه للقيادة العراقية، فاصبح عراق ما بعد الاحتلال بيئة لا تصلح لعيش البشر ابدا لانه بدون ماء صحي وبدون مستشفيات ودواء وبدون كهرباء وبدون امن وبدون طعام كاف، وانتشرت فيه المخدرات والجريمة المنظمة واصبح الخطف والقتل ظاهرة عامة...الخ! كما دخلت التاريخ حقيقة انكم قتلتم، في الحد الادنى، من العراقيين 30 الف عراقي حسب اعتراف رئيسكم بوش، وهو رقم يعادل اكثر من عشرة اضعاف ضحايا هجمات 11 سبتمبر التي جعلتكم تقررون الانتقام بقتل الابرياء وليس الفاعلين الحقيقيين ! اما اذا اخذنا الرقم الذي نشرته مجلة لانسيت الطبية البريطانية المحترمة، استنادا لدراسة قامت بها جامعة امريكية محترمة، فهو 655 الف عراقي قتلوا نتيجة للغزو ! ومع هذا فان رقم ضحايا غزوكم اكبر، طبقا لمصادر عراقية مستقلة، وهو اكثر من مليون عراقي قتلوا منذ الغزو . وامريكا مسؤولة عن قتلهم لانها، وفقا للقانون الدولي، مسؤولة عن حماية مواطني البلد المحتل. وربما لا تعلمين ياسيدتي بان الاحتلال الامريكي وبالتعاون مع ايران، مباشرة او من خلال الاحزاب التابعة لها في العراق، قد هجر اكثر من ستة ملايين عراقي من وطنهم وجعلهم لاجئين مشردين في مختلف انحاء العالم نتيجة الخوف من القتل المنظم، واذا كان لديك شك في هذا الامر نتيجة المعلومات المضللة التي تقدمها لكم المخابرات الامريكية فان الامم المتحدة اعترفت بهجرة مليون ونصف المليون عراقي، وهو رقم لا يمثل العدد الحقيقي للمهجرين. هذه الهجرة ليست عفوية بل هي مقصودة وهدفها تغيير التكوين السكاني للعراق ليصبح بلدا متعدد القوميات والاديان، كما ثبت الدستور الذي فرضه الاحتلال، مع ان الحقيقة الواقعية تقول بان 85 % من شعب العراق عرب ! ولاكمال مخطط تقسيم العراق سمحت حكومتكم بادخال اكثر من اربعة ملايين ايراني وكردي الى العراق من ايران وتركيا لاجل تغيير النسب السكانية وجعل العرب قومية من بين قوميات متقاربة العدد وهكذا يمكن تقسيمه كما قسمت يوغوسلافيا!

 

واذا قال لك البعض بان هذا الكلام مبالغ فيه فانني اقترح عليك تشكيل لجنة تحقيق دولية للتاكد من عدد من هجر بالقوة من العراق، وفي عدد من ادخل للعراق ومنح الجنسية العراقية وهو لم يكن عراقيا. وهناك اعتراف لرئيس الوزراء السابق ابراهيم الجعفري قال فيه انه تم منح الجنسية العراقية لمليونين ونصنف المليون بعد الغزو! اما اذا قال لك البعض بان ذلك من عمل ايران والاحزاب التابعة لها فيجب ان اذكرك بان تلك الاحزاب تتعاون مع امريكا ورئيسي الوزراء الاخيرين هما من حزب الدعوة الموالي لايران والمتعاون مع امريكا الان. لقد فتحت حكومة الولايات المتحدة الامريكية (صندوق باندورا) بغزوها للعراق وتدمير دولته، التي كانت تمثل جزيرة استقرار في محيط مضطرب، ومن هذا الصندوق خرجت شرور كثيرة من المستحيل ان تبقى محصورة في العراق او في محيطه، واذا استمر الغزو فان هذه الشرور ستصل امريكا حتما، فهل كنتم تقصدون نشر الشرور في العالم؟

 

سيدتي

هذه حقائق دخلت التاريخ، ودخلت معها ايضا حقيقة تصيب الضمير الانساني لاي انسان بصدمة عنيفة، وهي ان كل مبررات غزوكم للعراق كانت كاذبة كليا، فالعراق لم تكن لديه اسلحة دمار شامل كما اعترفتم انتم بعد الغزو، مع ان هذه التهمة كانت هي التي اقنعتكم في الكونغرس بالموافقة على غزو العراق ! والعراق لم تكن له صلة بالقاعدة كما اثبتت تحقيقاتكم بعد الغزو، مع ان هذه التهمة هي الثانية التي اقنعتكم في الكونغرس بتاييد قرار الغزو! هل توجد تهم اخرى للعراق استخدمت لتبرير الغزو؟ نعم هناك الاتهام بخرق حقؤق الانسان، وهي كانت تهمة هامشية. اذن غزو العراق وتدميره كليا واعادته الى عصر ما قبل الصناعة وقتل مليون عراقي وتعذيب شعب كامل وتحويل مدن كاملة الى مقابر جماعية، كما فعلتم في الفلوجة مثلا، كانت نتيجة حجج كاذبة لتبرير الغزو! فاي ضمير انساني يقبل بهذا ويسكت عليه؟ واي قيم اخلاقية تسمح للانسان بان يقوم بكل ذلك دون محاسبة او انتقاد؟ اذا ظننتم ان امتلاككم للقوة سيحميكم من المحاسبة فان الزمن دوار، وهناك مثل عالمي يقول (لو دامت لغيرك لما الت اليك). وغدا سياتي زمن تحاسب فيه امريكا على هذه الجرائم البشعة بحق شعب العراق البرئ الذي لم يسبب اي ضرر لامريكا ولا كان عدوا لها! واذا كنت لاتعلمين فيجب ان اعلمك، الان قبل ان تفوت الفرص، بان شعب العراق بكامله الان يحمّل امريكا مسؤولية مأساته التي تعد الاسوا في كل تاريخ العراق، البالغ اكثر من ثمانية الاف عام. وهذه القناعة موجودة لدى كل العرب وكل المسلمين، ولدى اغلبية شعوب العالم التي صدمت من رد فعلكم الغريب على الاعتراف بان العراق لم يكن يمتلك اسلحة دمارشامل!

تخيلي سيدتي ان ضابط شرطة امريكي قام بقتل شخص بحجة انه اراد اطلاق النار عليه ثم اكتشف المحققون انه كان كاذبا وان الضحية لم يكن معه سلاح ماذا سيكون رد فعلكم؟ بالتاكيد سوف تطالبون بمعاقبة ضابط الشرطة طبقا للقانون. هذا المثال لا يختلف، من حيث المسؤولية وليس حجم ونوع الجريمة، عن اكاذيب ادراتكم التي استخدمت لتبرير غزو بلدي العراق، فلماذا لم ترتفع اصواتكم لمحاسبة من قتل مليون عراقي ودمر بلدا بكامله؟ هل ان الانسان العراقي ممكن قتله لانه ليس امريكيا؟ وهل ان الانتقام لقتلى هجمات سبتمبر تبرر قتل عشرات الالاف من العراقيين؟ هذه اسئلة ربما لا تفكرون فيها في امريكا ولكن العالم كله يفكر فيها وستكون لها اثار قانوينة واخلاقية خطيرة على امريكا وشعبها اذا لم تسارعوا وتصححوا أخطاءكم الشنيعة في العراق وغيره.

ان اول خطوة في خروج امريكا من البئر الذي وقعت فيه هي خطوة الاعتراف بانها اقترفت اخطاء فادحة اولا بحق الامريكيين الذين قتلوا في العراق، وبالمناسبة فان عددهم الرسمي اصبح بقدر عدد ضحايا هجمات 11 سبتمبر، وان هذه الاخطاء الحقت اضرار من الصعب اصلاحها في سمعة امريكا العالمية، اضافة لما تحمله شعب العراق من الام لم يسبق له ان عانى من مثلها في كل تاريخه الطويل جدا. اما الخطوة الثانية فهي التفاوض بسرعة مع المقاومة ورمزها الاسير صدام حسين، لضمان بداية جديدة صحيحة لعلاقات امريكا بالعرب والمسلمين تقوم على الاحترام المتبادل والتعاون الانساني المبني على المصالح المشتركة والقيم الانسانية.

 

سيدتي

قد تقولين ان حكومتي اتصلت بالمقاومة ولم تصل الى نتيجة، فارد بالقول نعم لقد اتصلت ولكن ماذا ارادت؟ تصحيح الخطأ وضمان خروج يحفظ ماء الوجه من العراق؟ ام انها ارادت خداع المقاومة لجرها الى الاشتراك في العملية السياسية وهو خيار يعني ان امريكا تريد تحقيق نصر بالوسائل السياسية بعد ان هزمت عسكريا ! ليس المطلوب دمج المقاومة المسلحة بالعملية السياسية فذلك اعترف بالاحتلال وقبول ببقاءه بعد ان وصل الى مرحلة الاحتضار! المطلوب هو الانسحاب الكامل وغير المشروط لقوات الاحتلال وتسلم المقاومة للسلطة. ذلك هو الحل الوحيد الممكن وتلك هي اهم شروط المقاومة، والتي على امريكا ان تقبلها كي تساعدها المقاومة على الخروج من بئر العراق.

 

سيدتي

بالتفاوض مع صدام حسين ستجدون حلا لكارثة العراق وكارثة امريكا بسبب غزو العراق، كما ستجدون حلا لمشاكل المنطقة كلها، فهل انتم حقا تريدون استقرار العراق والمنطقة ام تريدون نشر الفوضى والتشرذم فيها؟ ان تفاوضكم مع صدام حسين للخروج من بئر العراق سيثبت انكم لا تريدون الفوضى، والفوضى في منطقتنا لم يعد بالامكان ان تكون خلاقة بالنسبة لكم ومدمرة بالنسبة لنا، فلقد جرتكم المقاومة العراقية الى قعر البئر والفوضى الاقليمية او العراقية ستصيبكم اضرارها ربما اكثر مما تصيب المنطقة، لان العنصر الحاسم لجعل الفوضى خلاقة، والتي دعت اليها كونداليزا رايس، هو ان تكون خيوطها بيد امريكا للتحكم فيها اما الان فان انفلات الوضع العراقي من يدكم يجعل الفوضى الاقليمية نارا تحرق بيوتكم كما تحرق بيوتنا.

 

سيدتي

في الختام اود ان اذكرك باننا نتحدث من موقع قوة معكم لان جيشكم مهزوم في العراق، وعلى اساس الندية نخاطبكم لنقدم النصح لكم قبل فوات الاوان، فاذا كان هناك اشخاص عراقيون مثلي يدعوكم الان للتفاوض مع المقاومة وممثلها الشرعي الرئيس صدام حسين، فغدا ربما لن يكون هناك من لديه الرغبة في التفاوض معكم. ولعل اهم مؤشرات وجود قرار امريكي بتدمير المنطقة هو اعدام الرئيس صدام حسين، فاذا اعدم فان تلك رسالة لا يخطئ معناها وهو انكم قررتم ان تنشروا الفوضى في المنطقة كلها، وعندها لن تكون هناك حدود تمنع انتقال الفوضى الخلاقة الى الاراضي الامريكية حتما. هل نسيت ان اننا نعيش في قرية الكترونية؟

 

صلاح المختار

شبكة البصرة

الاربعاء 7 ذو الحجة 1427 / 27 كانون الاول 2006

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس