لماذا اغتيل الشهيد القائد صدام حسين...؟ (1)؛

شبكة البصرة

صلاح المختار

اغتيال الشهيد صدام حسين، خصوصاً بالطريقة والتوقيت اللذين تم بهما، ينطوي على دلالات ومعان كبيرة ورسائل واضحة لا تقبل التأويل اوالتبرير، وتتصل كلها بانتصار الثورة العراقية المسلحة وهزيمة المشروع الامريكي فيه، وما يترتب على ذلك من احتمال انهيار كافة غزوات امريكا الاقليمية وربما الدولية، فما هي اهم دلالات ومعاني اغتيال سيد الشهداء صدام حسين؟

الاطار العام للدوافع

اول ما يلفت الانتباه هوتعمد تبليغ رسالة صهيونية - صليبية - صفوية واضحة وصريحة تقول للعرب وكل المسلمين : (نحن نحتقر دينكم مثلما نحتقر هويتكم ولذلك نعدم رمزاً من رموزكم في اول ايام عيد الاضحى وليس قبله اوبعده)! ان رسالة مكعب الصاد (صهاينة - صليبيون - صفويون) هي تكرار تاريخي لرسائل سبق وان استلمها العرب والمسلمون من نفس حكام هذا الثالوث عبر التاريخ القديم والحديث، وهي تتسم الآن بأنها تأتي في سياق اصطناع مخطط مدروس ل(صراع حضارات) يقوم على العداوات الدينية. ان المطلوب في هذه الرسالة جعل اغبى العرب والمسلمين يفهم منها عدة وقائع تتحرك على الارض في العراق وغيره اهمها ان معاداة الاسلام الحنيف والهوية العربية هوحاضنة هذا التحالف ومعين ديمومته وقوته رغم وجود بعض الخلافات الثانوية بين اطرافه.

فالصليبية الجديدة، وهي ليست حركة دينية مسيحية في الجوهر، ترى ان مشروعها للسيطرة على العالم برمته تتطلب اعادة تشكيل ثقافة ووعي العالم بجلاديه وضحاياه ليكون الوعي الجمعي قوة اسناد لقرارات النخب الحاكمة المنخرطة في الصراع المطلوب اشعاله، وبما ان عالم ما بعد الحرب الباردة لا توجد فيه قوة أساسية تحرك حروباً دموية شاملة فان الضرورة اقتضت ان تخلق هذه القوة عبر اصطناع صراعات جديدة لا صلة بصراعات العالم، القائمة على استغلال الغرب الرأسمالي للقارات الثلاث، آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية، بل على العكس تكون وظيفة الصراعات الجديدة التعتيم على أصل الشر في عالمنا وهونهب واضطهاد الغرب لبقية العالم.

في عام 1998م كتب صموئيل هنتنغتون، منظر صراع الحضارات، يقول بان زوال الخطر الشيوعي يهدد بتفكك امريكا لانها لا تعيش وتستمر إلا اذا تعرضت لتهديد خارجي، ولذلك يجب اصطناع عدوجديد وليس ثمة انسب من الاسلام ليكون عدواً جديداً يوحد صفوفنا ويحفظ لامريكا دورها القيادي العالمي. لقد ولدت نظرية صراع الحضارات بمبادرة من الصليبية الجديدة وليس من المسلمين، وكان من بين اهم أسسها تحويل صراعات العالم من صراعات هدفها التحرر من الاستعمار الى صراعات بين الديانات والطوائف والاثنيات، وهكذا يمكن، عبر ذلك فقط، القضاء على حركات التحرر بتغليب تيارات التطرف الديني والأثني، من جهة، وجعل امريكا موحدة داخلياً لوجود خطر ما تسميه (الاصولية الاسلامية) عليها، وعلى ما تسميه الحضارة الغربية ونمط حياتها من جهة ثانية، والتمكن من دفع كل الديانات والقوميات والاثنيات الاخرى للانخراط في صراعات داخلية تدمرها كلها لتفسح المجال للسيطرة الامريكية من جهة ثالثة.

اذن هناك مصلحة امريكية اساسية في جعل الحساسيات والعقد الطائفية والدينية والاثنية تتفجر وتنتشر وتصبح هي سيدة ردود الفعل والمواقف في العالم الاسلامي، واغتيال الرئيس الشهيد صدام حسين في اول ايام عيد الاضحى لم يكن قراراً لحكومة المالكي بل كان امريكيا اساساً ووجدت فيه الصفوية داخل العراق وخارجه فرصة تاريخية للانتقام من بطل القادسية الثانية، الذي منع انتشار المد الصفوي. وهكذا تلاقت مرة اخرى، وأخرى، مصالح وخطط الصليبية الجديدة والصفوية الجديدة والصهيونية عند نقطة اغتيال صدام الشهيد. ولم يكن غريباً ابداً ان تكون حتى مصطلحات الاطراف الثلاثة متطابقة فحاخامات وساسة اسرائيل خصوصاً شيمون بيريز كان رد فعلهم هوان اعدام صدام حسين هوعقاب الهي له ودرس لكل من يتجرأ على معاداة اسرائيل، اما الصليبية الجديدة الحليف الكامل للصهيونية فقد قالت على لسان بوش رئيس امريكا ان اعدام صدام يوم تاريخي عظيم، اما الصفوية الجديدة فقد قالت على لسان اكثر من زعيم لها في مقدمتهم رفسنجاني ونجاد بان اعدام صدام عقاب إلهي له!

نتائج الاغتيال

ماذا حققت امريكا بتسليم الشهيد للصفويين واغتياله؟ لقد حققت امريكا هدفين: التخلص من رمز وحدة العراق الوطنية ومقاومته المسلحة، من جهة، ودفع الصفوية لإثارة الاغلبية الساحقة من المسلمين باغتيال رئيس عربي أسير في اول ايام عيد الاضحى واتخاذ هذه الإثارة شكلا طائفيا احياناً كرد فعل لطائفية من ردد هتافات طائفية اثناء الاغتيال. هذا التطور زاد من جراح العرب الناجمة عن اعتداءات وتدخلات وفتن الصفوية الاقليمية الايرانية، وعمق الاحساس بالثأر لدى العراقيين والعرب، خصوصاً وان الاغتيال كان جزءاً اساسياً من خطة تحويل بغداد الى مدينة صفوية بالكامل بعد تهجير سكانها بالملايين كما خططت ايران ودعمت وشجعت امريكا. ومن يظن ان ايران وقعت في الفخ الامريكي هذا واهم، لأن ايران حليف موضوعي وذاتي للصليبية الجديدة وللصهيونية، وهي لا تهتم بردود فعل العرب والمسلمين لانها تنطلق من ثقافة عنصرية فارسية قديمة، وليس الفكر الطائفي إلا ابتداع ثقافي فارسي صرف يغطي الدافع القومي. من هنا فان الاطار العام لاغتيال الشهيد صدام حسين كان الرغبة في تصعيد الخلافات الاقليمية بين العرب وايران، ودفع العراق الى حالة اكثر سوءاً وتعقيداً باتجاه اشعال فتنة طائفية.

 

الاهداف السياسية

مما لا شك فيه ان اغتيال الشهيد قد استبطن العديد من الاهداف الامريكية، ويأتي الانتقام الشخصي من صدام حسين في آخرها وليس في اولها، ولا يعني الانتقام الشخصي ان بوش وعائلته ارادت قتل صدام حسين لأنه اراد اغتيال بوش الاب اولأنه وضع صورته عند مدخل فندق الرشيد ليدوس عليها الخارج والداخل، فتلك قصة ساذجة في معايير السياسات الخارجية الامريكية. ان الانتقام من صدام حسين شخصياً يعني معاقبته على سياساته التحررية واصراره على التمسك بها ورفضه التنازل عنها مما أدى الى حروب ضارية تعرضت فيها امريكا لخسائر كثيرة بالمال، وهوالاله الأوحد لامريكا، وبالنفوس والسمعة. لذلك كان طبيعياً ان تغتال من كان سببا في اجبارها عن شن كل الحروب على العراق. واهم مجالين نجح صدام حسين في حرمان امريكا منهما هوابقاء النفط العراقي عراقياً في ملكيته وادارته ورفض الغاء تأميمه كي يمنح للشركات الامريكية، اما المجال الثاني فهورفض صدام حسين التراجع عن موقفه القومي تجاه فلسطين وحقوق شعبها رغم العروض العديدة التي قدمت له ويوجد الآن احياء نقلوا بعض تلك العروض ومنهم امين الجميل رئيس لبنان الاسبق. لذلك فان التخلص من صدام حسين بالغزوكان رداً مباشراً على موقفه من قضية فلسطين. ان الانتقام من صدام للسببين المذكورين أضيف اليه سبب ثالث بعد الغزووهوان المقاومة العراقية قد اذلت امريكا ووضعت كل مشاريعها الكونية امام فشل محقق اذا لم تتغلب عليها، وللوصول الى ذلك عرضت امريكا مراراً على الرئيس الاسير ان يصدر بياناً يدعوفيه المقاومة الى القاء السلاح مقابل اطلاق سراحه وعودته الى الحكم فرفض بإباء وشمم وردد امام من نقل له هذه العروض: (لن اكون صدام حسين اذا قبلت ذلك) هذه هي الدوافع الموضوعية للانتقام وليس اهانة لـبوش حتى لواعتقد الرئيس الامريكي انه ينتقم لوالده شخصياً لان ذكاءه المحدود يسمح له بهذا التفكير الساذج الذي استخدم لاخفاء الاسباب الحقيقية للانتقام.

 

عراق ما بعد التحرير

ومن بين اهم ما دفع امريكا لاغتيال الشهيد هوانها وصلت الى الاقتناع الكامل بان استعمارها للعراق مستحيل، وهوما اعترف به تقرير بيكر هاملتون، لذلك فان المصلحة الامريكية كانت تقتضي تحقيق هدفين هدف ارباك حركة التحرر الوطني العراقية، بمقاومتها المسلحة وقواها السياسية، عبر اغتيال اهم رموزها الشرعية، وهدف وضع عراق ما بعد التحرير امام اشكالية اختيار قائد تتفق عليه القوى الرئيسية.

من المؤكد ان امريكا كانت تعرف على وجه اليقين بان بقاء صدام حسين سيكون الضمانة الاساسية لعدم تمزق المقاومة المسلحة قبل التحرير، وذلك يتجلى في فشل كل محاولات اختراقها اواحتوائها أواغرائها، كما انها عرفت وعلى وجه اليقين ايضا بان مجرد اصدار بيان بصوت وصورة صدام حسين في يوم التحرير سيضمن استقرار الأمن خلال ساعات، وليس ايام. وهذا الوضع، اي وحدة المقاومة، قبل يوم التحرير وبعده لا يخدم امريكا لانه يحرمها من الاحتفاظ بأمل ان تستطيع اختراق العراق. لذلك فان اغتيال صدام حسين هوفي آن واحد محاولة لتفجير مشكلة طائفية أولاً، ولشق صفوف المقاومة المسلحة عبر محاولات ملأ فراغه، ثانياً، واخيراً وليس آخراً لجعل عراق ما بعد التحرير ضعيفاً ومنقسماً على نفسه نتيجة غياب عنصر التوحيد والجذب، وهوالقائد التاريخي المجرب والمعروف الامر الذي يسمح لامريكا بالعودة من شباك ضعف وتشرذم قيادة عراق ما بعد التحرير بعد ان طردت من باب وحدة وقوة المقاومة قبل التحرير.

 

معاقبة شعب العراق

ان اصرار امريكا على زيادة الفوضى والقتل في العراق ليس فقط ضرورة استراتيجية كما وضحنا بل هوايضا ثمرة نزعة انتقامية من شعب العراق،الذي كان السبب الرئيسي في قوة المقاومة المسلحة واستمراريتها، فلولا دعم العراقيين للمقاومة لما استمرت ولا توسعت، لذلك فان اغتيال الشهيد هوعمل قصد به إثارة المزيد من المشاكل بين العراقيين. وتحقيقاً لهذا الهدف تعمدت الادارة الأمريكية ان تسلم الشهيد لعصابة الصدر تحت غطاء حكومي، وهي تعلم انها عصابة من اللصوص والمجرمين العاديين الذين تستغلهم ايران لذبح عشرات العراقيين يومياً واسكان المستوطنين الصفويين المستوردين من ايران محل العراقيين. وفي ضوء ما تقدم فان الرسائل التي ارادت امريكا ان توصلها للعراقيين كثيرة، منها ما وجهته للبعث وللمقاومة وهي تقول لن نجعل مهمتكم

في العراق سهلة، بل ستكون ملغومة بقنابل الصراعات على القيادة، ورسالة الى شعب العراق تقول: خذ جزاءك على دعم المقاومة وهومزيد من القتل والخراب، ورسالة للزعماء العرب تقول هذا هومصير من يقاوم امريكا ورسالة للشعب العربي تقول امريكا فيها انني استطيع تسليط ايران عليكم كما سلطتها على العراق لتكرر ما فعلته فيه في اقطاركم، ورسالة للامريكيين تقول ها نحن قد انجزنا المهمة في العراق باسقاط ثم اعدام صدام حسين!

 

رسائل المقاومة المضادة

ان رسائل امريكا هذه التي دستها في اغتيال الشهيد صدام حسين تقابلها رسالة اساسية بعثتها المقاومة المسلحة والبعث وجماهير العراق، التي خرجت بكافة مكوناتها من عرب واكراد وسنة وشيعة ومسلمين ومسيحيين، تقول هذه الرسالة ان اغتيال صدام حسين قد عزز وحدتنا وخلق لنا رمزاً عظيماً يحرك خطواتنا نحوالنصر بثبات أكبر، ويمكننا بعد التحرير من فرض الامن بقوة وحدتنا وإقامة العدالة وإعادة الخدمات وبناء عراق جديد ديمقراطي عربي الهوية. إن من يظن ان اغتيال صدام حسين سيضعف مقاومة شعب العراق واهم، فلقد ولد في لحظة اغتياله ألف صدام تحركهم مبادئ وقيم وبطولة صدام حسين.

Salah_almukhtar@gawab.com

شبكة البصرة

الاحد 25 ذو الحجة 1427 / 14 كانون الثاني 2007

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس