أرجوحة الابطال

شبكة البصرة

بقلم: محمد أبو عالية - بغداد

قالوا : ان عاشقاً راح يسأل عن حبيبته التي رحل أهلها .. فقال الشاعر :

لما أناخو قبيل الصبح عيسهم

وحملوها وسارت بالهوى الابل

شبكت عشري على رأسي

وقلت: يا راهب الدير هل مرت الابل

فحن لي وبكى

وان لي وشكا

وقال: يا فتى ان البدور التي جئت تطلبها

بالامس كانوا هنا....

واليوم قد رحلوا ....

فيا قرية (شويش) وليدك صدام عاد بعد سني الهجر محمولاً الى (العوجة).. اذهبي اليه تراباً وبقايا خيطان واشجار توت وباب عتيق لمسجد.. شيوخ، شيب، ورضع.. ستجدين رمساً مغطى بالعلم الموسوم بنداء (الله أكبر) التي كتبها مطلع كانون الثاني عام 1991...

رشي عليه الحناء والمسك والكافور والآس.. ودثريه بعبق الماضي وذكريات الطفولة وزحمة السنين والايام... فقد مشاها خطئ ومن كتبت عليه خطى مشاها...

يا تراب الله عطر ذلك الجسد...

أكاد أسمع نحيب حجارة ثانوية الكرخ في بغداد التي تباركت بذلك الفتى القادم من ريف تكريت... والذي نفذ أوامر الحزب في التصدي للطاغية عبد الكريم قاسم عام 1959 .. وصدر عليه اول حكم بالاعدام غيابياً.. لينفذ به بعد نصف قرن من الزمان... فيا قمر بغداد... ويا شمس العرب... عبرت وحدك نهر دجلة سباحة والجرح مزروع.. ينزف من قدمك التي نالت منها رصاصات عسس الحاكم الشعوبي ذاك... يوم غادرت الوكر في منطقة المسبح لحدسك ان الشرطة السرية سيأتون فدلفت باباً لمدرسة في قرية (عومينات) القريبة من (العوجة) للاتصال بأخيك (إدهام) الذي كان يعمل حارساً فيها.. ومنها قطعت الصحراء مع دليل نحو الشام ومنها الى القاهرة... لتدرس القانون وتكون واحداً من قيادة المنظمة الحزبية هناك... اليوم لا شمسي ولا قمري...

فكيف يغني عود بلا وتر...

سنينك الـ (69) لم تتبعها الاحداث والمعارك ولا ارهاصات الحصار والسهر...

ونعلم انك قد رحلت...

وفي صمت تلومنا ...

صبور انت يا فارساً في الحياة وفي الممات...

تركناك وحدك.. مع ابناء العاهرات والعلوج والعجم في ليل الكاظمية...

أنقول: سامحنا....

أنلطم الخدود كما »هم« يفعلون...

فهم أحفاد من ورط جدك (الحسين ع)

فموتك غدر....

وما أصعب الموت حين تبتعد النائحات في المنافي وفي المدن المحاصرة...

أنقول : (فوت بيها وعلى الزلم خليها...).

فلقد اطلقت رقبتك سيفاً لها..

وجسدت مقولة : البعثي مشروع استشهاد .. فعلاً وقولاً.. فأنت ابن مدرسة البعث التي رفعت هتاف :

لما سلكنا الدرب كنا نعلم      ان المشانق للعقيدة سلم

فقوافل الشهداء محطات في العصر الحديث... مذ علق جمال باشا السفاح المشانق في ساحة المرجة بدمشق وساحة الشهداء (البرج) في بيروت عام 1916 تلى ذلك استشهاد وزير الدفاع السوري يوسف العظمة في معركة ميسلون مطلع العشرينات من القرن الماضي، في معركة غير متكافئة مع الغزاة الفرنسيين. وتنفيذ قوات الاحتلال الانكليزي مجزرة دنشواي في ريف مصر عام 1919 واعدام المجاهد العربي الليبي عمر المختار من قبل الغزاة الايطاليين عام 1939 تلا ذلك قيام الانكليز واعوانهم باعدام العقداء الاربعة ويونس السبعاوي ابطال ثورة مايس في العراق عام 1941 التي قادها رشيد عالي الكيلاني... وتم تعليق جثثهم على بوابة وزارة الدفاع في منطقة الباب المعظم... واستشهاد العقيد الركن جميل جمال من القطر العراقي والمنسب الى جيش اليمن على يد قاطعي الرؤوس التابعين لطاغية اليمن الامام يحيى عام 1949. وأخيراً لا آخراً اعدام كوكبة من الضباط بلغوا (44) ضابطاً شهداء ثورة الشواف عام 1959 في ام الطبول ببغداد...

ومنهم الزعيم ناظم الطبقيحلي والعقيد رفعت الحاجة سري والرفيق فاضل كشمولة.. وبعد ردة 18 تشرين السوداء 1963 تم اعدام ممتاز قصيرة الطالب في الكلية الطبية - جامعة الموصل - رئيس الاتحاد الوطني لطلبة العراق في الجامعة المذكورة.. وتنفيذ حكم الاعدام في العديد من شباب البعث في زنازين مديرية الامن العامة...

ومع استمرار عدوان الفرس على المخافر الحدودية العراقية، وتعزيز ذلك بالسيطرة على محفري خضرة وهيلة وغيرهما يوم (4) ايلول 1980 جاء الرد على عدوان حرس خميني وعصاباته يوم (22) ايلول 1980 لتستمر الحرب (8) سنوات حسام وعجاف..

نفذ العدو خلالها عدة مجازر بحق الاسرى من القوات المسلحة العراقية والجيش الشعبي ومن ذلك اعدام الاسرى العراقيين في البستيني عام 1982 وفي اقفاص الاسر وغيرها...

وكان يوم الايام في 8/8/1988 وعداً مقضياً.. عندها رفع خميني الراية البيضاء بعد ان تجرع سم العدوان...

ومنذ ذلك اليوم تصاعدت وتيرة التآمر الامريكي ضد الثورة في العراق... فقد اتصلوا مباشرة بعد انقضاء الحرب لغرض (ترتيب الاوضاع) ووضع رقبة العراق في (أنشوطة) الكابوي الامريكي... وفي ليلة من ليالي آب عام النصر اجتمعت القيادة لتتخذ قراراً : لا.. للمساومات والضغوط... وضعوا اليد على الاموال المرصودة لشراء القمح...

وتابعوا موضوعة انابيب المدفع العملاق وغيرها... ووجهوا الاذناب لزيادة ضخ النفط من اجل استمرار هبوط اسعاره بهدف ايذاء العراق...

وشنق انك ما كنت تبالي في نفط الكويت ولا لافعالهم الصبيانية.. وكنت القائد والمعلم.. اكدت مقولتك في مؤتمر القمة : (قطع الاعناق ولا قطع الارزاق) .. رسالة لم يستوعبها من حجبت كوفيات عقلهم ادمغتهم.. فتحولت الى مانعة ذكاء لهم.. وما حيلة المضطر الا ركوبها.. فمن يركب البحر لا يخشى الغرق .. ولم تغب عنك حالة وقوة الولايات المتحدة الامريكية.. فقد أشرت في قمة مجلس التعاون العربي في عمان، ان العصر الحالي ولسنوات اخر هو عصر الثور الامريكي...

وسبق ان قرأت مبدأ بريجنيسكي مستشار الامن القومي الامريكي عام 1980: (المساس بنفط الخليج... مساس بالامن القومي الامريكي).. ترى لو ان القوات العراقية قد دخلت موريتانيا او الصومال هل سيتحرك العربان والغرب والامريكان كما تحركوا تجاه ما جرى للكويت؟!.

فيا سيفاً لم تثلمه الملمات يكفيك فخراً انك:

تصديت للدكتاتور قاسم وانت فتى، وبعد قيام عروس الثورات في 8 شباط 1963 عدت من القاهرة الى بغداد، واشرت ونبهت في المؤتمر القومي الخامس الذي عقد في دمشق، ان مركب الحزب والثورة يكاد يغرق نتيجة الخلافات الشخصية بين اعضاء القيادة، وحدثت بالفعل الردة.. وفي المؤتمر القومي السادس تم انتخابك عضواً في القيادة القومية وانت معتقل في سجن رقم (1) في معسكر الرشيد ببغداد...

انك اول من مد جسراً بين الجبل والسهل والهور عبر اتفاقية (11) اذار 1970 لحل القضية الكردية ومنح الاكراد حكماً ذاتياً..

نعلم انك قد تجاوزت الخطوط الحمراء، يوم صرت مهندساً لتأميم النفط العراقي في 1 حزيران 1972...

ومع قيام حرب تشرين عام 1973 وسماعها من المذياع، انطلقت جحافل القوات العراقية نحو الشام، حتى ان الدبابات قد سارت على السرف بدون ناقلات جنود، وهي ترفع راية (أمة عربية واحدة... ذات رسالة خالدة).. وان هضاب الجولان والقدس لم تغب عن عينيك...

وقلت للسافلين بوش الاول والثاني (لا) ولم تساوم....

وانك في سنوات الحصار قد كفيت شعبك ولم تدعه يتحول الى شعب من الجياع، ومن خلال (البطاقة التموينية) التي وصلت الى كل دار في العراق سواء كان عراقياً او عربياً او اجنبياً.

ويكفيك فخراً ما قاله الراحل الحسن ملك المغرب للوزير والسفير العراقي السابق حامد الجبوري: عندما يحضر الرئيس صدام حسين الى مؤتمر (القمة، نصبح كأن على رؤوسنا الطير..) ، والصقر دوماً في علو وهيبة وعز...

ولن ينسى أهل بغداد انك اعدت الكهرباء اليهم بعد العدوان الثلاثيني عام 1991 بعد (40) يوماً فقط.. واليوم بغداد لا تصلها الكهرباء الا ساعة واحدة، كل (12) ساعة...

ويكفيك فخراً انك قدت اول معركة للمقاومة العراقية بعد سقوط بغداد واحتلاله، كان ذلك مساء يوم 9/10 نيسان الاسود 2003 من خلال معركة المساء في الاعظمية، قرب وخلف مسجد الامام ابي حنيفة وفي الازقة الخلفية القديمة المؤدية الى منطقة السفينة وقرب المغتسل.. قاتلت بالآر بي جي والبندقية انت ورجال الحماية، الذين كانوا معك وبعض الرفاق من تنظيمات الاعظمية وبعض المتطوعين العرب وخاصة السوريين....

قاتلت قتال الصحابة.. واسفرت العملية ما شاهدناه في الصباح، كانت هناك عربات وآليات محترقة في ازقة الاعظمية وقذائف طالت ساعة وقباب وجدران مسجد النعمان، ورصاص وشم قبري الشاعرين معروف الرصافي وجميل صدقي الزهاوي.. واحتراق سيارتين من سيارات الحماية الشخصية.. وخير أثر على فعل المتطوعين العرب في ذلك اليوم، هي المقبرة الخاصة بشهداء معركة الاعظمية، الواقعة عند أسوار الامام ابي حنيفة الخلفية، التي تطل على نهر دجلة، وقد كتب على بابها : (روضة شهداء معركة الاعظمية 2003). وكانت هنالك محاولات فردية في شهر نيسان ضد الغزاة قرب ساحة اللقاء ونفق الشرطة، نفذها المتطوعون العرب الذين توزعوا في اروقة المساجد وبعض البيوت، وقسم منهم ذبحوا على ايدي الصفويين منذ الايام الاولى او سلموا الى الامريكان.. ولن ننسى معركة جسر الطارمية العائم يوم 13 نيسان 2003 التي سقط فيها (13) شهيداً قدموا من سامراء مع بعض الرفاق من اعضاء القيادة.. وتحولت تل البدايات وبفعل توجيهات وحركة القائد الى حالة نضوج لبداية مشروع المقاومة العراقية التي انطلقت في مدن الفخر والجهاد مثل : الفلوجة، والانبار، والقائم، حديثة، راوه، هيت، ابو غريب، الطارمية، المشاهدة، الضلوعية، سامراء، بيجي، الموصل، تلعفر، اليوسفية، المحمودية، اللطيفية، البصرة، كركوك، الديوانية، بهرز، ديالى، الخالص، المقدادية، الاعظمية، الكرخ، الصليخ، الفضل، الغزالية، العدل، الجهاد، الدورة، الحويجة، الكرمة، بلد، البوحشمة، شارع فلسطين وحيف، الصينية، والعامرية وغيرها من مدن العراق...

اليوم وبعد ان دمر الغزاة كل شيء في الوطن ابتداءاً من ارصفة الشوارع والذكريات واسيجة المقابر، تكاثرت الجثث مجهولة الهوية، فهي الضريبة التي ندفعها مهراً لصمود المقاومة العراقية...

وكانت الكارثة يوم أسرك في نفس عام الاحتلال 13/11/2003 لقد قلتها في خطابك في الاعظمية يوم 9 نيسان وانت تحيي الجمهور الذي احببته واحبك، وانت فوق سطح العربة: (لقد خانتني حتى أصابع يدي...).

وما زالت رسائلك المذيلة بتوقيعك، والموجهة الى الرفاق في الحزب والمقاومة، لاعادة (ترتيب) الحزب والعودة الى العمل السري، وترصين فعل المقاومة...

يكفيك فخراً يا سيد الشهداء، ووالد الشهيدين عدي وقصي وجد الحفيد مصطفى قصي، ان الحكم قد صدر عليك من محكمة انت غير معترف به، لانها احدى ادوات الاحتلال، وان سجانيك هم الخصم والحكم، وهم يتبجحون بالمقاييس والمعايير الدولية للعدالة، ويتمنطقون بالشفافية، وانت لم تقدم دفاعك امام المحكمة المصطنعة المفصلة امريكياً وصهيونياً وفارسي، وكذلك لم يقدم فريق الدفاع لائحة الدفاع عنك، بل كتبوا قرار الحكم كما اراد المجرم بوش، والشعب يذكر جيداً ان اول سؤال قد وجهه اليك القاضي طيب الذكر (رزكار) هل انت متهم ام بريء؟! فكانت ابتسامتك الساخرة: من يحاكم من... وكتب القاضي عبارة (بريء) .. وكان ما كان ... فانك تريد.. والله يريد... والله يفعل ما يريد....

يا أيها الرجل البطل... يكفيك فخراً ان حديثاً صحيحاً لسيدنا الرسول الاعظم محمد (ص) يشير الى ان المؤمن اذا نطق الشهادتين قبل ان يسلم الروح.. يكون طريقه الى الجنة وانت منهم بأذن الله...

يا أيها الجبل العملاق الذي لم تهزه الريح... عرفناك لم تحن هام الا لله... نقول: شكراً لكامرة الفيديو الصامتة التي صورتك وانت بطلعتك البهية والنور يشع من جبينك الوضاح... تسير نحو ارجوحة الابطال بصمود وثبات اسطوري وهدوء عجز عن تحمل ذلك الموقف القاسي اشجع الفرسان والقادة.. وكأني بك تقول: رضعنا الشجاعة فتياناً.. ونحتمها وقد داهمنا الشيب ونحن على اعتاب السبعين.. لذلك رفضت الكيس الاسود.. وهم يختبئون خلف الاقنعة السوداء.. كانوا حفنة جلادين سواء كانوا ميليشياً او ممن تدربوا على يد حثالة جيش الاحتلال... فهم بالنتيجة قتلة ومجرمون وابناء زنى.. الا تباً لمن وقع ذلك الخرنقع...

ولمن نفذ ولمن تطاول ولمن رقص.. وشكراً لكامرة الموبايل التي وثقت أقسى مشهد لقائد الأمة، وهو يقاتل بالكلمة وحده، وبالتحدي وبالاباء، كان صوت الامة وسيفها وجيشها ورجولتها وهو يخرسهم حتى الرمق الأخير...

صعدت الى مشنقة الغزاة وحولك جوقة كلاب ترطن بلكنة اعجمية...

في وحشة الليل سرقوك..

في زحمة الأيام.. ضيعوك...

كانوا هناك

عند جبل عرفات

ولم يفتدوك.. .

وكان لزاماً عليهم.. من ماء زمزم ان يغسلوك...

كانت بغايا فارس وصهيون

في البيت الاسود تسلمك ..

لميليشيات الغدر

كي يكفنوك على طريقتهم وينحروك..

كان الغياب والتخدير كاملاً

للشعب والرفاق والمقاومة...

وبعد الشنق هم مثلوا بالجسد...

وادموك...

لكنهم عجزوا على ان يسكتوك

او يبكوك .. او يذلوك...

 

كان ما يسمى بالقاضي في غرفة جانبية يقرأ عليك قرار الحكم الجائر... كان صوتك اعلى منه وانت تهتف للوطن وفلسطين والأمة... سرت الى درب المشنقة.. كما سار المسيح الى خشبة صلبة.. رددت على الصغار الذين كانوا تحت قدميك من زمر الاحزاب الدينية الايرانية وممثلو الاحتلال والاذناب. سخرت منهم باسماً وقلت قولتك المدوية:

(هي... هاي المرجلة...)...

وما ان نطقت بالشهادتين حتى صمتوا صمت القبور... ولحظة اسلامك الروح، بدت عيناك شبه متفحتين كأنك امير حالم يرنو الى الشط والنوارس والمدى...

كان يرقصون (منتصرين) عند جسدك الطاهر الشريف... وكأن الشاعر عندما كتب قصيدته ما ابتعد بوصفهم:

لا تأسفن على غدر الزمان فطالما     رقصت على جثث الاسود كلاب

لا تحسبن برقصها تعلو على أسيادها  تبقى الاسود اسوداً والكلاب كلاب

 

فكنت عالياً في الحياة وعالياً في الممات:

علو في الحياة وفي الممات    لحق انت احدى المعجزات

ولم ار قبل جذعك قط جذعاً   تمكن من عناق المكرمات

عليك تحية الرحمن تترى    برحمات غواد رائحات

 

أبا عدي ...

ان غبت عنا جسداً.. فانت في القلب والذاكرة وهم الوطن تعيش معنا... اما الطريق الذي نهجته .. فهو طريقنا.. ونعلم ان المشانق و(الدريل) تنتظر العديد منا...

وعزاؤنا ان قدميك الشريفيتين كانت، وستبقيان فوق رؤوسهم..

وصوتك يأتي من بعيد اليها:

يا رغد...

ذاك السلاح الغادر القاتلي

في ليلة العيد..

هو نفسه في ام المعارك...

عب دمائياً...

وحرك الغوغاء من قم وطهران

وجاء كل ابن ام زانيا

ليدنسوا بروثهم...

بتخريفاتهم....

بباطنيتهم ..

طهر المساجد..

والحرائر والمعاليا..

أبنيتي

لا تجزعي..

وثقي بفضل الله في

زين الرفاق وابو الرفاق...

أبا عدي...

لم ينكس راية في التراب...

 

يا سيد الشهداء.. ما من نبي او ولي او امير او فقير قد سلم.. ان وعد الله حق.. يا سيد الاباء والشمم...

يا رافعاً راية الحق فوق القمم

وعد منا وعهد علينا أننا بعد التحرير سننفذ الآتي:

أبا عدي .. سنبني مسجداً فوق الارض التي اعدموك فيه، في الكاظمية قرب نهر دجلة وجسر الأئمة.. وستكون منارة المسجد أعلى من منارة إمام او ولي او جامع في العالم، كما بنينا المسجد في ام الطبول موقع اعدام شهداء عام 1959.

سننقل رفاتك الى عاصمة الوطن بغداد، ليكون رمسك تحت قبة نصب الشهيد الذي شيدته.. فالعوجة اضطرار. وستدفن على بعد امتار من قبر رفيق دربك المقاتل الفريق الركن الطيار الشهيد عدنان خير الله.. وستسمع هناك هديل الحمام الذي يرتل نشيد العشق والخلود...

سيصبح قبرك قبلة للشعراء والعشاق من فرسان المقاومة ومتصوفي البعث....

سيزورك كل من فقد عزيزاً او اكثر على ايدي فرق الموت او غدرت به زنزانات المعتقلات الامريكية.. وعهداً سنمشي حفاة الاقدام من كل المحافظات لزيارة قبرك الشريف... لنقدم اليك الولاء والطاعة والعهد... ونطلب منك السماح.. فقد قصرنا معك... عسى ان نسد جزءاً من الدين الذي في اعناقنا اليك...

يا من رحلت .. يا أعز الناس بعد الله والوطن... قسماً سنطارد اليوم وغداً وفي المستقبل كل من رقص على جسدك متشفياً.. سنطاردهم احزاباً دينية ايرانية، صغاراً وكباراً.. ولن نعفو كما ورد في وصيتك ما قبل الأخيرة التي خاطبت بها الشعب والأمة... سنبحث عن كل الغرباء والتبعيات والقتلة في البيوت والبساتين والجحور، من كهوف الشمال الى زوايا القصب في الاهوار والمنافي.. وكما حرم سيدنا الرسول على اليهود وغيرهم من دخول مكة والمدينة، ستكون مدن العراق محرمة عليهم جيلاً بعد جيل...

وكما اخذت بغداد مسمى (عاصمة الرشيد) سنسمي العراق: (جمهورية صدام العراقية).

سنقرأ الفاتحة وقوفاً في اي اجتماع حزبي قبل ترديد شعار الحزب.. وستعود العملة العراقية حاملة صورتك التي تغيظ العدى.. وستسمى المدن والشوارع وفروع الحزب باسمك.. وستعود الاخوة والمشاركة في الوطن كما عهدته، بلا محاصصات حزبية او طائفية او اثنية..

وسيبقى العراق مضافة للعرب والاصدقاء في العالم...

فالوطن مسروق ومغيب، هو اليوم..

دنسه الغرباء من فرس وامريكان وصهاينة ومن والاهم من أمعات الزواريب..

سنلعن كل من تغنى بالاجندة الفارسية الصهيونية عن الطائفية.. وسيعود الازهار الى سلته »ارض العراق« ذات العنوان الواحد الموحد»المواطنة«...

وغداً سيعانق الصليب هلال الله، وسيتحد الشروال الكردي مع عقال العز العربي.. وستحرس الوطن بعد الله، نبال القصب وحجارة الجبل وسعفات النخيل ورصاصات البنادق.. ولن ترى بغداد بعد ذلك اليوم الكلاب المسعورة لمغاوير الداخلية وفرق الموت، ولن تبقى للغزاة قاعدة جوية، او اي هياكل مصطنعة تغنت بالشفافية...

 

يا غائباً وحاضراً...

نقول بأسمك:

شكراً لشعبنا العربي الذي اقام مواكب العزاء والسرادقات...

شكراً للقائد العربي الشهم (معمر القذافي) الذي عوض عن (زملائه) في الاقطار الاخرى ممن (صمتوا).. فموقفه الرجولي لن ينساه شعب العراق وابناء العروبة في كل مكان ولن ينساه رفاق صدام.. ففي الليلة الظلماء يفتقد البدر...

أتدري يا سيد الحكماء والعظماء والانقياء.. ان اطفال الحجارة الذين كبروا في فلسطين، قد حملوا نعشك الرمزي، واطلقوا الرصاص والدموع والهتاف.. كانت بيوت وشوارع واشجار الزيتون في فلسطين حزينة في أيام عيد الاضحى، وكان يهطل عليها دمع السماء.. ودعك هناك حملة البنادق والبيارق من كل الفصائل، كنت حاضراً في قبة الصخرة والقدس وغزة وبيت لحم ورام الله ومقبرة الشهداء العراقيين في جنين وغيرها...

 

أنقول: أنت مت!؟.

نعلم ان الاشجار المثمرة تموت وهي واقفة..

لقد بكتك العصافير التي كنت تطعمها من خبزك المقنن،، قرب زنزانتك الاخيرة قرب المطار.. وبكتك النباتات التي كنت ترش عليها المياه بيديك..

بكاك النهر الثالث ودجلة والفرات والنيل وبقايا بردى وشط العرب...

تذكرك أبا عدي قباب الاعظمية وكربلاء واجراس كنيسة دير (مار متي) في الموصل.. وتذكرك الاوكار الحزبية قبل الثورة، وبعد الاحتلال، وصواريخ الحسين والعباس الـ (39) التي سرت نحو الارض المحتلة، فمن يطلق الصاروخ الـ (40) فما فوق.. يا أبا العراق الحديث...

كم جامعة في العراق بنيت بعد ان كانت في العراق جامعتان فقط... وكم معمل شيدت ودمره الغزاة، كم عالم كونت، وكم قتل منهم برصاص فيلق غدر، ورصاص الصهاينة المتسترين بغطاء الشركات الأمنية الخاصة بالحراسات وغيرها...

ذكرك وسيذكرك الملايين من العمال والموظفين والخبراء العرب ممن عملوا في العراق، سواء من مصر العروبة والسودان وغيرها.. ومنهم شيخ الازهر (محمد سيد طنطاوي) الذي كان أماماً لجامع الحاج زيدان في حي السلام ببغداد،، وكان اغلب المصلين خلفه من ابناء فلسطين الذين الجأتهم الغربة للقدوم الى العراق وغيره منذ النكبة عام 1948 ومعهم من المصلين، احبتهم من ابناء الرافدين ولم يعرفوا يوماً عبارة (شيعي) او (سني)...

 

يا سيدي يا أبا العراق...

بموتك صارت قامتك اطول...

صرت أعلى من الباسقات اشجار النخيل...

واعلى من مأذنة الحدباء في الموصل..

وحذاؤك اطهر من وجوه حكام البيت الابيض والمذعورين في المنطقة الخضراء والحمراء والصفراء...

صرت مناراً للأمة.. يؤشر نحو سارية المجد والسمو والخلود...

ومن عبث الاقدار.. ان (يعين) ما يسمى (مام جلال) رئيساً للدولة التي شيدتها.. وهل يتذكر موقفك منه عام 1983 يوم قدومه سراً من سورية مع الوفد الذي صاحبه، مبدياً استعداده القاء السلاح مقابل ضم كركوك الى منطقة الحكم الذاتي، وكان يقول: ان كركوك مثل القدس للمسلمين!.

ولم يحصل الاتفاق حينذاك.. وقلت له في آخر لقاء:(جلال.. الطريق الذي اوصلك.. يرجعك..) وعاد الى دمشق ولم يغدر به أحد.. وكان قتله أهون من ذبح دجاجة..

وعاد ثانية بصحبة مسعود ف&