|
الرئيس الشهيد وعدالة توزيع الثروة في الوطن العربي |
|
|
|
شبكة البصرة |
| محسن خليل |
|
في أربعينية الرئيس الشهيد صدام حسين، نستذكر أن وقفته البطولية امام قوى الاحتلال والهمجية المقيتة، مثلت قمة مميزة بين قمم الذين سبقوه من شهداء الامة ومجاهديها الخالدين، وتركت لمن بعده، ان يركب الصعب ويتحدى الذات ليرتقي الى معايير البطولة المتالقة، فهوالذي قاوم وصمد وتحدى، والذي وعد وصدق، وقال وفعل..واجه أعداء الامة من موقعه في الحكم، وقاد المقاومة بعد الاحتلال، وتحداهم وهووراء قضبان الاسر وامام محكمتهم المهزلة.. ظل ثابتا كالطود.. شامخا كفحل النخل.. خافوه رغم أنه مكبل بأصفادهم وتحت فوهات بنادقهم.. كانوا يرتعدون خوفا من مجرد بقائه على قيد الحياة،لأدراكهم ان صموده يلهم الاحرار والمجاهدين على مواصلة القتال حتى يتم طرد المحتل وينظف الوطن من دنس عملائه الدخلاء.. ومثلما أهتم الرئيس الشهيد بشؤون شعبه في العراق، من أبسطها الى اعظمها،وانشغل بالصغير والكبير، وأهتم بتعليم الاطفال كيف ينظفون اسنانهم ويحافظون على نظافة ملابسهم، أهتم كذلك بأمته، وبأمنها، وتامين متطلبات نهضتها ووحدتها، وبذل جهدا كبيرا في العلاقات الثنائية وفي مؤاتمرات القمة لحث الحكام العرب على أتخاذ خطوات جادة على طريق التكامل والتكافل بين الاقطار العربية، وحذر ونصح، من ان العرب بدون التضامن الحقيقي والتكافل الحقيقي والوحدة الحقيقية، سيظلون مطمعا للقوى الاستعمارية ونهبا لكل طامع في ثرواتهم. وانصب جزء كبير من جهده لأقناع حكام دول الفائض المالي،بمد العون لأشقائهم في دول العجز المالي،بما يحول الثروة الى مصدر قوة لكل أبناء الامة غنيهم وفقيرهم.. ولذلك حظيت مسالة توزيع الثروة في الوطن العربي باهتمام بارز لديه، لصلتها الوثيقة بالمشروع العربي الوحدوي وأرتباطها بقضايا الامن القومي للأمة والامن المجتمعي داخل كل قطر.فهذه المسالة هي الوجه الاخر للعدالة الاجتماعية التي يجب أن تسود بين أبناء الامة العربية،امتثالا للعدل الذي امر الله سبحانه وتعالى به،وتطبيقا لمقولات المشروع الحضاري العربي المعبرة عن وحدة انتماء العرب الى أمة واحدة.
لقد أقترن هذا الاهتمام الفكري والسياسي لدى الرئيس الشهيد صدام حسين بتبني العراق سياسات ومواقف عملية دعت الى اعادة توزيع الثروة وتحقيق التكامل والتكافل القومي والاجتماعي بين الاقطار العربية، مثل دعوته لأنشاء صندوق قومي لتمويل عقد التنمية القومية خلال مؤتمر قمة عمان الاقتصادي (1980)، ودعوته الثانية بأنشاء صندوق قومي يمول من دول (اليسر اوالفائض) المالي وتوزع موارده على دول العوز اوالعجز المالي خلال مؤتمر قمة بغداد (مايس /ايار 1990).وفتح أبواب العراق امام العمالة العربية من غير قيود كمية اونوعية، وبنى خطط التنمية في العراق على قاعدة التكامل الاقتصادي العربي. تسلط مقولات الشهيد صدام حسين بشان توزيع الثروة في الوطن العربي، الضوء على عوامل الاختلال الداخلية والخارجية في توزيع الثروة، وانعكاساتها السلبية على الامن القومي العربي والامن المجتمعي. وتشير بوضوح الى أن انحراف التوزيع عن العدالة منشأه الدور الاستعماري في الوطن العربي، والطبيعة الاستغلالية للنظم العربية وضيق أفق حكامها وانانيتهم.... وهذه العوامل مع عوامل اخرى، تشكل بمجموعها العوامل الضاغطة على النظام العربي لتعطيل وعرقلة أي مشروع يتجه نحوالتوحيد القومي اويتبنى تحقيق التكامل والتكافل القومي والاجتماعي بين الاقطار العربية. ان اهم الدلالات التي تقدمها مقولات الرئيس الشهيد حول توزيع الثروة، هي انها صادرة من قائد عربي ينتمي الى قطر يتسم بالثراء النسبي، ولديه الايمان والاستعداد لتحمل مسؤوليته والمشاركة العملية في أعادة توزيع الثروة... فهي أذن مقولات ليست نابعة من الحاجة والعوز أومن الاحساس بالحرمان والحقد الطبقي، كما يحلولبعض الحكام أن يصفوا دعوات التكامل والتكافل بين ابناء الامة الواحدة، وأنما صادرة من الايمان بالفكرة القومية ومن انتماء العرب الى أمة واحدة، ومن ان هذا الايمان والانتماء يرتب على الجميع تحمل مسؤولية تحقيق الائتلاف والوحدة بين كل العرب أبتداء من تحقيق التكامل والتكافل وانتهاء بتحقيق الوحدة العربية. وللتعرف على هذه المقولات نشير الى عدد منها وكآتي : (ادت السيطرة الاستعمارية على الوطن العربي الى أن تكون مكامن النفط بوجه عام، على أجزاء من الوطن العربي قليلة السكان، ضعبفة القدرة على مقاومة اطماعه... فأصبحت الثروة (النفط) في جانب، وثقل الشعب العربي الاساس وعمقه الحضاري والثقافي وقدرة التطور في جانب آخر).(1) (وكما هوحال السراق.. بقي شبح سرقة ثروة الامة يطارد حكام الاجزاء الصغيرة، فاصبحوا خدما للأجنبي، وعقدوا أتفاقيات الحماية معه، واقاموا قواعد له في أراضيهم، ووضعوا انفسهم تحت حمايته، فاتاحوا له فرصة التدخل في شؤون الامة، وتمزيق وحدتها وضرب مصالحها وتهديد أمنها). (2) (ولأن هذه الاجزاء قد لعب المقص الاستعماري في رسم حدودها،وان القائمين عليها هم ترتيب الاجنبي، فقد أشاعوا العزلة بينهم وبين الاقطار العربية الاخرى، ونمّوا عند الشعب الموجود في دويلاتهم الشعور بانه لكي يستطيع ان يحافظ على مصدر الثروة، عليه ان يبتعد عن الأمة وقضاياها).(3) 4- (وحاربوا الوحدة بين العرب، وحاربوا النضال المشترك، وأصبح الاجنبي حاميهم ورب نعمتهم).((4) 5- (أن قارون..... ومن هم عل شاكلته، كانوا وما زالوا جراثيم فتاكة تنهش كل ما هوشريف وعزيز في الامة.وعانى منهم العراق،وعانت منهم الامة، وكل من يعمل لأعلاء شان العروبة والاسلام ويحث الخطى لتحرير القدس). (5) 6- (وهكذا وضعوا هدف الاستئثار بالثروة العربية وتوظيفها لخدمة امن أنظمتهم بديلا عن الامن القومي... فجزأوا الامن القومي، والحقوا به الاذى والضرر).(6) 7- (كنا نقول لهم..أهتموا بالفلسطينيين والاردنيين فقط،وقد قمنا بما نستطيعه،ولكن ايديهم تجمد تجاه العربي والمؤمن الشريف. اما في سبيل الاعمال الدونية،وفي الصرف على الطاغوت والاستعمار فان اموالهم وذهبهم يسيلان.. وهي من اموال الشعب والامة.).(7) 8- (وبسبب ابعاد الثروة عن الكثرة من أبناء الامة،انتشر الفساد المالي والاجتماعي في تلك الدويلات،واستخدم حكامها اساليبهم الخبيثة، يعاونهم الاستعمار لتسهيل مهمتهم، فأفسدوا من اوساط الكثرة في الاقطار العربية الكثير، وأصبحوا ينخرون جسد الامة وينفثون فيه كل ما هوفاسد).(8) 9- (ان البترول تحول حتى في الاعتبارات الفنية الى نقمة بدلا من ان يكون نعمة.فالذين لا يملكون أي عمل،لا يمكن الأ ان يكونوا فاسدين،فحولوا (أي المستعمرين) عددا من الناس الاكثر تخلفا في المجتمع، وجاؤوا بهم ليكونوا حكاما مسيطرين على بترول العرب، ويحولوا حالة الفساد والسلوك الفاسد والتصرف الفاسد المريض الى نماذج اغراء في جانبها المادي امام العرب.وفي جانبها الاخر ليحولوها الى سبة على العرب،بسبب النموذج السيء الذي يظهرونه في المجتمعات الغربية، كدليل على أن العرب ضعفاء عقليا وليس سلوكيا فقط من خلال التصرفات الشوهاء التي يقدمونها الى المجتمع الغربي. فحولوا ثروة العرب التي يفترض ان تكون في خدمة العرب الى ما يسيء الى سمعتهم الاجتماعية والفكرية والسياسية وفي كل الميادين).(9) 10- (ان الذي يملك اكثر مما يجب يضعف، وان الذي لا يملك أي شيء مما يجعله في حالة اعتبارية معقولة،يضعف... فارادوا اضعاف ابناء الامة من الذين يملكون ومن الذين لا يملكون.فوضعوا البترول في أيدي القلة فأفسدوها وحرموا الكثرة من مصدر القوة فيها ليضعفوها).(10) 11- لماذا جاع بعض أبناء الامة الى حد الموت،وشبع آخرون الى حد الموت؟الجوع يميت الانسانية داخل الانسان.والشبع حد التخمة يميت الانسانية داخل الانسان.فأمتنا في واقع الامر كانت ميتة، بعضها مات بسبب الجوع، والآخر مات بسبب التخمة..وأم المعارك اتاحت للعرب ان يروا الحقائق كما هي).(11) 12- وحيثما وجد فارق في فرص الاختيار،نجم عنه فارق في الحرية والتحرر.والفارق في الحرية على حساب آخرين يبعد عن الله كلا من الذي يتمتع بالحرية من غير قيود، والذي يحرم من الحرية ومقتضياتها من غير امل قريب).(12) 13- (ان القدرة الشرائية للدول البترولية وحكامها، انعكست بآثار سلبية خطيرة على حياة امتنا، وأصبح العربي يقارن نفسه بأقرانه في هذه الدول... فيشعر بالحسرة والظلم... وهذا واحد من الاسباب في الانحراف الاجتماعي بين النساء والرجال).(13) 14- (بل أن مثل هذه الحسرة والشعور بتراجع الترتيب التاريخي لمكانة اقطار كانت لها درجة متقدمة،قد جعل الحسرة تتصاعد لتصل الى مستوى الحكام والقادة.وان بعض انحرافات الحكام في الدول غير النفطية،سببه حالة الحسرة لغير المتحصنين وانزلاقهم الى ما يقربهم الى مستوى ما يعتقدون انه الاقدر على حفظ قدر من اللياقة في مكانة الحاكم (.(14) 15- (وفي عالم يسوده الاغنياء الذين يلتهم أنسانيتهم الجشع، لا يمكن ان يفرز غنى اولئك الاغنياء،الا فقرا مدقعا لفقراء يفتك بهم وباطفالهم الجوع والمرض. وان الطفل الذي يستعبد أبواه بفقدان المساواة في الفرص وفي لقمة العيش،وعندما يدنس حليب امه بالرذيلة، لا يمكن الا أن يكون مستعبدا هوالاخر.وان شعوره بالعبودية سوف يبقى يحكم ذاته حتى لوأمكن له بعد الكبر ان يتحرر من قيود العبودية المادية).(16) 17- (لن نحافظ على شرف نساء... (العرب).. ولن يشبع الجياع... في... (الوطن العربي)، ولن ينفتح الباب أمام صعود التنمية الشاملة في الوطن العربي، مالم نعد التوازن الصحيح في درجة المسؤولية والتأثر، وفي الاقتراب قبل ذلك من الله وقيمه وطريقة التصرف بثروة العرب).(17) 18- (سينكشف مع الزمن، حتى لبعض العقلاء الذين لم تحز ضمائرهم بعض الانسانية، ان مصلحتهم ان لا يشبعوا الى حد التخمة، بل انهم سيكتشفون انه حتى أمن كراسيهم يتطلب ذلك.فمن الناحية الفنية، مطلوب كيف نجمع بين الامن القومي وأمن الانظمة... الآن غضب الجائعين في السودان يهز السعودية... وموقف جياع (العرب) يهز كراسي أي حاكم يتصرف بالثروة حد الموت).(18) 19- (هذه الشعارات قيل أنها زرعت عدم الاستقرار والتضامن العربي في المنطقة.... لكنهم ينسون ان الاستقرار والتضامن الذي يتحدثون عنه،انما هواستقرار وتضامن مزعوم،فهولم يستطع في قمة بغداد (مايو–ايار 1990) وبرغم كل الحوار والجدل ومحاولات الاقناع،ان يسفر عن موافقة دول الخليج لتقديم مبلغ يتراوح بين 300 – 600 مليون دولار لدعم الانتفاضة (المقصود انتفاضة 1987 – 1993)، مع ان هذا المبلغ لا يمثل كل الفائض مما يملكون.ولواستمر التضامن بالصيغة السابقة....، فأنه سيكون بهذه الصيغة، تآمر على الارادة العربية). (19)
هذه المقولات تقابلها أخرى، تدعواصحاب الثروة في الوطن العربي، الى ان يدركوا اهمية انتمائهم للأمة، وان لا يسمحوا للنزعات الانانية ان تسيطر على تفكيرهم وسلوكهم وتبعدهم عن الامة،لأن الامن الحقيقي والحماية الحقيقية لما لديهم من ثروة،انما يتحقق فقط عندما يكونوا في التفكير والتصرف جزءا من أمتهم، وعندما يوقفوا تخريبهم المستمر وتعطيلهم لأجراءآت ومشروعات التكامل والتكافل القومي... ومما قاله الرئيس الشهيد في هذا الاطار مايلي : (20) (اصبح بعضهم (أي حكام دول الثروة النفطية) يجد أن الحديث عن الوحدة كأنه مدخل للأستحواذ والسيطرة على ثرواتهم بالاندماج. وهكذا الحديث عن الاشتراكية.. فكيف السبيل الى طريق مشترك لهم مع أمتهم، وكل أمتهم تجاه بعضها البعض). (عندما يكون أي قطر جزءا من عمق الامة، وتكون الامة عمقه...فأن هذا يشكل حصانة عظيمة وسياجا عاليا له.. وليس حالة ضعف). (سيجد العربي بأن الوحدة العربية حماية لوطنيته الصادقة). (الوحدة التي نؤمن بها ليست حالة اندماج سلبي وأنما هي أطار مجيد ورحب للتفاعل، وتعبير عن قدرات الامة وتطلعها نحوالافضل). (قد يتفق العرب في اطار وحدتهم،على أقامة انظمة متباينة في الاقتصاد، ولكنها غير متنافضة في الهدف والنتيجة،وانما يكمل كل منها الانظمة الاخرى في دولة الوحدة). (لودرست دول الخليج على سبيل المثال.. كم خسرت من تنازلات وفرص سواء في صلب مصالحها الوطنية اوفي ثروتها منذ أن ذرت بقرنها ثورة الخميني وحتى مخطط زجها بالعدوان على العراق (1991) لأدركت كم هوعظيم ان يكون القطر جزءا حيا من الوطن العربي، وان يكون الشعب في أي قطر جزءا من امته العربية). (في الوقت الذي تستلزم الوحدة لأطرافها، حماية كل تلك الاطراف، وتساوي الفرد والقطر في الامة مع غيره بغض النظر عن كبره وصغره، وتمتع الجميع بعمق وميزات الحجم الكبير والتاريخ العريق،فان الجميع، وكل من موقعه،وحسب خاصياته مطلوب منه، ان يقدم للوحدة ما يجب... فيقدم البعض المقاتلين لحماية دولة الوحدة.. ويقدم الاخر اموال التكافل بوصفها (أي المقاتلين والاموال)أستحقاق انتماء واحد ومصير مشترك).
رحم الله الرئيس الشهيد.فقد عشق امته العربية، وصدق في خدمتها، وكان هذا العشق والاخلاص احد أسباب اغتياله والغدر به ومحاصرته، لمنع أنتشار التجربة التي رعاها الى خارج العراق، وللأسف تضافرت ضده القوى الاجنبية، وتلك التي أرتضت حماية الاجنبي،فسهلوا على هذا الاخير أستباحة الجميع، والامل اليوم معقود بقوى المقاومة الحية الوطنية القومية المتسامية على النزعات الضيقة، المؤمنة بالامة ووحدتها،والمدركة ان العالم لا يحترم الذين لا يحترمون انفسهم ولا ينتصرون لشعوبهم واوطانهم.. ورحم الله الزعيم الخالد الذي قال (ما أخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة).
الهوامش : (1) صدام حسين – الملف – وكالة الانباء العراقية _ 1992 – بغداد – ص 89 (2) المصدر نفسه ص 90- 91 (3) = - ص90 (4)= 90 (5)=ص 90 (6) صدام حسين _ حديث مع السفراء العراقيين- فبراير 1992 (7)صدام حسين – الملف – مصدر سابق – ص 20-21 (8) = ص 97-98 (9)= ص 475 (10)مصدر سابق – حديث مع السفراء العراقيين – (11)صدام حسين – الملف – مصدر سابق –ص 336 (12) = - ص 95-96 (13)= -ص 96- 97 (14)= - ص 335 (15) = - ص 97- 98 (16) صدام حسين – مصدر سابق – حديث مع السفاء العرقيين (17) = (18) صدام حسين – حديث في أجتماع القيادة القومية _اوائل سيبتمبر – 1997 (19) = (20)=
مجلة الموقف العربي القاهرة 13\2\2007 |
|
شبكة البصرة |
|
الثلاثاء 26 محرم 1427 / 13 شباط 2007 |
|
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس |