كلمة الرفيق صلاح المختار
 في احتفالية اربعينية سيد الشهدا صدام حسين في البالتوك

شبكة البصرة

أيتها الاخوات، أيها الاخوة

في تاريخ الامم والشعوب لحظات حاسمة يبدأ منها تاريخ جديد، يمتد مئات السنين، وربما الاف السنين، وفي تلك اللحظات يومض بريق خاطف لكنه كاف لاشعال انوار تحدد طريق البشرية وتسفح عليه ضوءا وهاجا يساعد السائرين فيه على رؤيته بوضوح تام، يرسخ اقدامهم ويجعل منهم طليعة لملايين البشر. لقد قرأنا في التاريخ أسماء تلك اللحظات، وعرفنا منها لحظات ابراهيم الخليل وموسى وعيسى عليهم السلام، ومحمد (ص) والحسين رضي الله عنه، وعرفنا منها ايضا بوذا وانشتاين وصلاح الدين الايوبي وعمر المختار وجيفارا.

كانت كل لحظة من هذه اللحظات وميضا شديد القوة ويكفي لتسليط ضوء يجرد الاشياء من غموضها ويضعها امامنا واضحة بلا غموض او التباسات، فتسقط عوامل الشك والتشكيك لدينا، وينزرع اليقين بان اختيار دربنا كان صحيحا لانه يفضي الى العدالة وكرامة الانسان وحريته. ولم تكن صدفة كونية ابدا ان يقع الوميض كلما ازداد الظلام قتامة في العالم لدرجة ان العيون، وهي هنا الضمير البشري، تبدأ بالضمور، فالعين خلقت انعكاسا للنور، وبلا نور لا توجد عين ولا توجد رؤية.

والضمير وجد انعكاسا للعدالة، ولا ضمير عام بلا احساس بغلبة العدالة، لذلك حينما يغيب النور زمانا ممتدا يضعف البشر، وحينما تغيب العدالة زمانا مشتدا يتراجع الضمير. ولكن غياب النور والعدالة وان اضعفا البصر ودفعا الضمير للخلف الا انهما، هما بالذات، ما يقدح في دواخل افراد شرارة البصر والبصيرة فتشعل حريقا لا تطفئه كل محيطات العالم الا بعد ان يحرق الظلم وينير الدروب للبشرية جمعاء. هؤلاء الافراد يختارهم القدر، وهو هنا الله، ليحملوا مشاعل الحرية من اجل ايقاظ الضمير العام او تنبيهه من غفوة كائن هده التعب فاحتاج لقيلولة عابرة ومعبرة، ينهض بعدها وسيفه بيده ليقطع رؤوس الفساد والافساد.

 

أيها الاخوة والاخوات

في لحظات الظلم والقهر والاستغلال خصوصا الطبقي منه، تومض سماء الامم باسماء ابطال التغيير، ومن رحم مجتمع يسوده الظلم ينبري فتية منحهم الله قدرات استثنائية على ابصار الطريق نحو غد مشرق وعادل، وسط ظلام دامس لايرى فيه الانسان انفه، ودعم ابصارهم باصرارهم، الذي لا يفله فولاذ، على التغيير حتى لو تطلب ذلك استشهادهم، بل ان هؤلاء المحملين باحزمة ضوء خارقة في خلاياهم، يجعلون من استشهادهم لحظات اطلاق موجات وميض كوني يهز الجبال الرواسي ويهدم خرائب البؤس والعبودية، فيبدأ عشق الضمير وتطلق نغمات سحرية تحرك الوجدان وتضبط بدن الانسان.

هذا هو اهم دروس التاريخ التي تعلمناها من الكتب حتى عقدين مضت، لكننا شرعنا نتعلمها من تجربتنا الخاصة في العراق بشكل خاص والوطن العربي بشكل عام والعالم بشكل اعم. نعم نحن نذوب مسحورين حينما نقرأ في التاريخ عن ومضات نور باسماء قادحيها، ونتخيل وجوههم، وهي في مخيلتنا الشعبية وجوه بهية مضيئة بحتمية الطبع التخيلي للانسان، وتجبرنا مخيلتنا على رؤية سيوفهم البتارة وهي تقطع رؤوس وحوش لم تعد تعيش بيننا. لكن بعض من يشتركون في في لحظات قدح الوميض وايقاد نار الثورة لا يحس بانه يصنع التاريخ الانساني الا بعد ان يصعد ارجوحة الابطال : المشنقة! او بعد ان يقيم اعجوبة العالم الثامنة وهي الصمود حيث يستحيل الصمود، والارتقاء حيث يمنع الصعود، والانتصار حيث لا مصير الا الانتحار!

أربعون يوما مضت حينما شهدنا ومضة نور احالت ظلمة الكون الى حديقة غناء وفيحاء تشع ضوءا وبهاء، بعد ان دارت حوله واستقرت في عينين بقيتا مفتوحتين تحدقان في وجه الله، رغم ان الجسد الذي يحملهما غادر عالمنا! تلك كانت قدحة نار صدام حسين التي أشعلت حريقا لن ينطفأ الا بعد يكمل حرق كل الاعشاب الضارة والضواري القارة في أحشاء الظلم والظلام، وبعد ان تذوب ما تخبئه من عثرات وحشرات. قبل اربعين يوما وقف صدام حسين امام بوابة الخلود يحدق بوجه الله، مشتاقا، بكل ما عرف عن صدام من قوة ارادة، للجلوس تحت اقدام الله مباشرة، فرسمت على وجهه البهي تلك الابتسامة التي سيحار في طريقة رسمها مائة بيكاسو بعد الف عام من الان! وكانت الثوان التي تفصل صدام حسين عن اللقاء الابدي هي لحظات ابتسامة صدام الساحرة والمسحورة بنور الله ، ووصف (ابتسامة صدام) سيصبح عنوانا لاساطير (المليون ليلة وليلة) والتي ستنسي حفيدي وحفيدك بعد الف عام، بلذتها وسحرها قصص الف ليلة وليلة، وسوف لن ينام حفيدي وحفيدك، او حفيدتي وحفيدتك، الا بعد ان تقرأ عليه او عليها امه او امها قصة ابتسامة صدام!

ومهما اختلف العالم حول اسباب ابتسامة صدام الشهيد، وهو يجتاز بوابة الابدية فان ثمة حقيقة لا يمكن تجاهلها تفرض نفسها، وهي ان البشرية شهدت ولادة رمز عظيم جديد قدح ومضة تاريخية كونية انارت الدروب لمئات الملايين من ابناء البشر، واضافت اسم صدام حسين الى الاسماء التي خلدها التاريخ من انبياء وفلاسفة ومصلحين وقادة عظام غيروا مجرى العالم. نعم لقد ولد صدام الشهيد الذي ازاح عن وجه الانسان كل اقنعة الضعف والانانية والتردد والخوف من المجهول، ومن التداعي امام اغراء الدنيا وما فيها، وظهر امامنا صدام حسين الانسان الحقيقي كما خلقه الله وكما رسم له مساره ومآله وخصاله ونضاله. رأيناه طهريا، الضمير سيده، والعدالة الاجتماعية منهجه، وعين الله ضميره، وحب العروبة محركه ومبادئ الاسلام عشقه.

رأينا صدام وهو يتخطى بوابة الابدية أسطورة بطولة خارقة بكل المعايير لما عرفناه ولما قراناه ولما سمعنا به في الاساطير وفي الحوادث والاحداث، فنحن لم نسمع ببطل كامل المواصفات ابتداء بجلجامش وحتى الان مثل صدام، ففي كل بشر لحظات ضعف مهما كانت اسطورة بطولته، تتبدى ولو للحظات على وجهه وهو يواجه الابدية امامه، لكننا لم نجد على وجه صدام وهو يتوهج نورا لحظة الضعف الانساني هذه لحظة اغتياله، بل لاحظنا العكس تماما وهو انه كان مسرورا بهدوء وسكينة لن ينساهما من رأهما حتى مماته، سواء كان عدوا او محبا لصدام الشهيد.

هل قرأ احدكم في التاريخ، وهل وجد احدكم في تلافيف اساطير الاقدمين بطلا اسطوريا او حقيقيا، تنداح ابتسامة رقيقة وهادئة كهدوء طفل رضيع ينام بين ذراعي امه هانئا، مع انه يدخل بوابة الابدية، مقتحما اياها بصدامية لا يملكها الا من اشتقت هذه الصفة من اسمه وهو صدام! وهل وجدنا عظيما في التاريخ من اولئك الذين اطلقوا ومضات التغيير يبقى مبتسما 18 عاما وهو معلق في حبل الاعدام؟ هل نسيتم ان المشنقة نصبت لصدام الشهيد يوم دحر ايران في8 -8 - 1988 فقرر (مجلس حكماء) صهيون وفارس القابعين في واشنطن وتل ابيب وطهران اعدام صدام حسين لانه اجبر الحاخام خميني على تجرع سم الهزيمة على يد صدام حسين مع ان حاخامات هذه العواصم اعدوا خميني للقضاء على كل ما يمثله صدام!

كان الشهيد يعرف ان انشوطة الاعدام قد لفت على رقبته بدحر شرور امريكا واسرائيل وايران عند انتصاره على اداة هؤلاء : نظام خميني. وهذه الحقيقة تفسر ظاهرتين : ظاهرة ان صدام الشهيد كان يزداد اصرارا على القتال كلما ضيقوا حبل المشنقة حول رقبته، فدخل الكويت ردا وتحديا، واعاد الاعمار بعد العدوان الثلاثيني، أصرارا على التمسك بحياة كريمة يصنعها عرق شعب العراق، وكسر الحصار بارادة من يتمسك بحياة تسر الصديق ويسعى لموت يغيض العدى. كان صدام الشهيد يقاتل على كل الجبهات ليس لازالة حبل الاعدام من رقبته بل لوضعه في رقبة قادة مثلث الصاد المعادي للعرب : الصهيونية والصفوية والصليبية، بنحرهم عند بوابات واسوار بغداد.

وفي كل هذه المعارك الشرسة كان صدام الشهيد يصنع الحياة للعراقيين، ويقدح ومضات التاريخ المجيد، ويعيد ترميم حقائق اطلقتها ومضات رجال قبله، ومضات اللاهوت التي اطلقها ابراهيم الخليل وموسى وعيسى ومحمد والحسين، وومضات الناسوت التي اطلقها اجدادنا الفاتحين الاوائل طارق بن زياد وسعد بن ابي وقاص وصلاح الدين الايوبي وعمر المختار ورفيق دربنا الشهيد جيفارا.

ومضات اللاهوت، وتابعها ومضات الناسوت غطست في ظلام ثالوث الصاد الشرير، فكان لابد من ومضة عظيمة مركبة من اللاهوت والناسوت معا، فكان استشهاد صدام حسين هو تلك الومضة الفريدة والوحيدة في تاريخ الجنس البشري التي جمعت بين قدسية اللاهوت، ودليلها قران صدام، وعظمة عدالة الناسوت، ورمزها اشتراكية صدام، لذلك كان الوجه الحبيب لصدام يبتسم وهو يغادرنا الى ملكوت الله مباشرة.

انا ازعم ان صدام الشهيد هو الوحيد، من بين كل شهداء ومضات التاريخ، الذي جمع بين الاستشهاد اللاهوتي ككل ابطال الاسلام، وبين الاستشهاد الناسوتي ككل ابطال الاشتراكية والعدالة وفي مقدمتهم جيفارا.

فأي عظيم هذا الذي شهدنا ولادته قبل اربعين يوما حينما صعد الى منصة الشرف باسما مرددا اسم من جل وعلا، متحديا حكيما هادئا كطفل رضيع يحلم؟ واي طاقة عزم على مواصلة درب صدام تلك التي زرعها فينا سيد شهداء العصر، وبطل هذا الزمان وتاج اساطير كل الازمنة، التي تصرمت بعد ان ولد فيها ابطال عظام؟ وأي شرف منحنا أياه الله بان ولدنا في زمن صدام ولنكون حواري وصحابة صدام؟ سألني احدهم حينما نحت وصف (الشهيد الحي) واطلقته على القائد الاسير صدام بعد اسره، لم استخدمت هذا الوصف المتناقض أي شهيد وحي؟ فلم اجب وقتها لاسباب معنوية، ولكنني اقول الان لقد نحت هذا الوصف لانني عرفت في لحظة وقوع القائد في الاسر بانه سيغتال، لذلك دخل باسره عالم اللاهوت الخالد، وهو مازال بيننا. كنت أشير اليه وهو ناسوت يحرك الجماهير بقوة نزعة الاستشهاد وهو في اسره، اما حينما اغتيل ناسوته فانه بقي شهيدا حيا بلاهوته الذي صار طاقة لا نهاية لها تحرك فينا الضمير قبل الجسد، والوعي قبل العاطفة.

أيها الحزن بفقد صدام ابتعد عنا، فنحن سكارى نشوة رؤية أية من آيات الله باستشهاد صدام وهي ابتسامته. ويا أيها الفرح بولادة الرمز الخالد صدام، الذي انضم رسمه واسمه الى قائمة عدد محدود من البشر غيروا التاريخ والجغرافية، أيها الفرح حل بين ظهرانينا، وارمي بكل ثقلك اللطيف على كواهلنا، لاننا بفرحنا باستشهاد الحبيب صدام قفلنا خزانة القرارات على قرار لا رجعة عنه، ورمينا بمفتاحه في بحر لا قرار فيه، وهو ان يكون ثأر صدام هو تحرير العراق، بطرد علوج امريكا وايران.

 

سلام عليك يوم ولدت ناسوتا يا صدام.

وسلام عليك يوم ولدت مرة ثانية لا هوتا قبل اربعين يوما يا صدام.

سلام عليك يوم ابلغتنا بأخر اوامرك الحزبية والوطنية، عبر ابتسامتك الخالدة وانت تقول : أيها العراقيون لقد انرت لكم الدرب باستشهادي، فاكملوا مسيرة التحرير الكامل، وحدوا قلوبكم المكلومة بداء الفرقة، اقيموا جبهة وطنية عريضة باتساع شرف الاستشهاد، وراسخة رسوخ ابتسامتي التي كانت تحية لكم وفرحا بدخول الابدية، اترككم في حفظ الله ياشعب العجب، شعب العراق العظيم.

غرفة صداميوا العراق والعرب

شبكة البصرة

الجمعة 22 محرم 1427 / 9 شباط 2007

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس