إلى الدكتور سعدون حُمّادي

الانسان والمناضل والرئيس

شبكة البصرة

جهاد جورج كرم

أخاطبك في عليائك وأنت في دار الخلود مع الشهداء والأبرار والصدّيقين، حيث لا وجع ولا هلع ولا هموم، بل حياة زاهرة أبدية.

أنت في مكان يليق بك وتستأهله. ولعلّ ما حرمت منه في دنياك، رغم ما وصلت إليه من مناصب ومراتب، وما قاسيته مع أبناء جيلك وتحمّلتموه من جراح، لا يقاس بالراحة التي تنعم بها الآن.

انطلقت من كربلاء، مدينة الجهاد والملحمة التاريخية، للذود عن الحق، حاملاً معك عبق معانيها وروح رسالتها، ممزوجة بآهات الحرمان والفقر وشظف العيش وجفاف الصحراء التي تحمل رياحها، أثناء بعض فصول السنة، الغبار والتراب.

وبالرغم من هذه المصاعب كلّها، ظللت وفيّاً لها، فخوراً بها، كأجمل بقاع الأرض.

 

حللت في بغداد العاصمة العصيّة على الغزووالاحتلال، وتنشّقت فيها هواء العروبة النقيّ، وتمرّست بقواعد النضال السخيّة، وكنت بين الروّاد الأوائل للبعث في العراق.

في تلك الحقبة من تاريخ العراق التي شهدت حدّة الانقسام السياسي والتنافس العقائدي، وخروج مئات الآلاف من المتظاهرين العراقيين إلى الشوارع للتنديد بمعاهدة "بورتثموس"... وكنت في مقدمتهم. لم يمنع ذلك إدارة البعثات في وزارة التربية العراقية من إدراج إسمك للحصول على منحة الدراسة في الخارج، لتفوّقك في التحصيل وبالتالي الإلتحاق بالجامعة الأميركية في بيروت، وبعدها بجامعة "وسكنسون" في الولايات المتحدة الاميركية.

لم استطع مواكبتك في بيروت، محطتك الأولى، حيث كنت أتابع دراستي الثانوية في مدينة طرابلس-الفيحاء. وعندما دخلت الجامعة الأميركية في العام الدراسي 1952-1953 كنتَ قد غادرتها.

ولم يمنع بُعدُ المسافة بيننا من التعرّف اليك عبر البصمات الواضحة التي تركتها في محيط الشباب القومي العربي في العروة الوثقى وخارجها، كمثال على الجرأة والصراحة والجدّية والنضال الحثيث.

وقد روى عنك معاصروك من البعثيين، في تلك الفترة، حكايات وطرائف ونوادر، وعن نضالك في أحياء بيروت وطرابلس وبعلبك والجنوب.

ويُشْهَدُ لك في هذا المجال أنك بين أبرز مؤسسي البعث في لبنان...

 

الدكتور سعدون،

إسمح لي أن أتجاوز كبرياءك وشدّة حيائك مع إصراري أن لا أُخْجِل تواضعك، بالحديث عن بعض إنجازاتك العلمية، ومنها انفتاحك على الثقافة الأجنبية أثناء توجّهك للدراسات العليا في لبنان وأميركا، وتمسّكك بالأساليب العلمية للوصول إلى الحقيقة، واعتماد الحوار والمنطق، يوم كانت الجامعات داخل الولايات المتحدة الامريكية تطبّق مثل هذه الأساليب، دون أن يؤثّر ذلك على ثوابتك الوطنية والقومية.

لم تطل إقامتك في الولايات المتحدة الاميركية، فحملتَ شهادة الدكتوراه وعُدتَ لتضع خبرتك الجديدة في خدمة الدولة العراقية، ولتتابع مسيرة النضال مع رفاقك في صفوف حزب البعث.

من ينسى دورك البارز والمميّز في جريدة الجمهورية والحياة السياسية عامة في العراق، بعد ثورة 14 تموز عام 1958. وكم آلمكَ وأشقاكَ، الصراع الدامي والمرفوض بين القوى القومية الوحدوية من جهة، والوطنية من جهة أخرى... هذه الأحداث دفعتك إلى الخروج من العراق باتجاه ليبيا ثم إلى بيروت.

أتذكرُ انضمامك إلينا في ذلك البيت الذي أشرفت عليه السيدة "ملكة" في العمارة الواقعة بين تقاطع المقدسي والصيداني في رأس بيروت. مثّلتْ هذه المرأة المتقدمة في السنّ، رحمها الله، قمة التناقض بين اللين والشدّة، الكرم والبخل، الطيبة والخبث. وكنتَ تردّد في التعليق على تصرفاتها "تركنا بغداد لنقعَ في قَمعٍ أسوأ".

في هذه الحقبة الجميلة من "رأس بيروت"، استطعتُ أن اكتشف الجانب الانساني في شخصيتك، فظهرتَ يومها على حقيقتك، وبان، دون أي لبس، عنصر المرح في تكوينك النفسي. وإن ما هوجدّي في مظهرك لا يمنع تدفق الخزين من العواطف والمشاعر والأحاسيس لديك...

وكم أردت أن تطرد شعورك بالتوحد والوحشة اللذين واجهتهما أحياناً في حياتك بالتفتيش عن العاطفة التي تقود إلى الاستقرار بالزواج، وتكوين عائلة نموذجية، التي وفّرها الله لك فيما بعد بأولادك، حماهم الله.

 

مرّت أحداث على نطاق الوطن العربي وفي العراق، فلم تتغيّر أوتتبدّل. ولا يتّسع المجال للحديث عن دورك وما قمتَ به في رئاستك لشركة النفط الوطنية، ولا مسؤوليتك الأولى كوزير للنفط.

سأكتفي بالتذكير ببعض ما قمت به خلال تسّلمك وزارة الخارجية في خريف عام 1974.

كنا، آنذاك بالدورة التاسعة والعشرين للأمم المتحدة. وفرح جميع أعضاء الوفد بقدومك رغم فاجعة الموت المفاجئ بالأزمة القلبية الحادة للوزير الذي سبقك الأستاذ "شازل طاقة"، وهوفي طريق العودة من نيويورك إلى بغداد عبر الدار البيضاء.

ولكن أحد أعضاء الوفد من أصدقائك ومحبّيك، وهومن الظرفاء الذين غادروا هذه الدنيا قبلك، بادر معلّقاً بأن شعار الوزارة الجديد سيصبح "العبوس" عوضاً عن "الابتسامة"... إنه يعرفك تمام المعرفة وقد طرح الأمر من باب الدعابة.

كانت ثقتك بنفسك كبيرة، وأنت أعلم الناس بما حققته على أكمل وجه من مهام. أبديت رأيك بصراحة وجاهرت بالموقف الصحيح عندما كانت تسمح الظروف.

أشهد أنه، خلال ممارستي مسؤولياتي كسفير للجمهورية العراقية في الهند بين 13 شباط عام 1978 و18 أيار 1980، حصلت قضايا مهمة في نطاق العلاقات الثنائية بين البلدين، أدّت إلى تباين في وجهات النظر بين السفارة وإحدى الجهات الرسمية العراقية التي كانت معنيّة بمتابعة بعض القضايا الخارجية في الهند وفي محيط شبه القارة الهندية.

لقد انتصرت لوجهة نظر السفارة في أكثر من مناسبة، ليس من منطلق التضامن معها لكونها ضمن دائرة صلاحياتك، بل لقناعتك بصواب تحليلها وصحة اجتهادها.

لقد فعلت ذلك بكل جرأة ولم يكن الأمر بالسهل عليك.

 

تحضرني أيها الدكتور العزيز في هذه المناسبة، زيارتك إلى "ليما" عاصمة "بيرو" في آب عام 1975 يوم ترأست وفد العراق إلى مؤتمر وزراء خارجية دول عدم الانحياز. كان هذا البلد الأمريكي اللاتيني وما يزال معروفاً أنه سوق للفضة والنحاسيات. وكنتَ تدرك مدى معرفتي به لأنه سبق لي أن زرته بمناسبة المؤتمرات الدولية التي شاركت فيها. كانت رغبتي أن أعرّفك على المدينة ولا سيّما سوق الفضة. ذهبنا إلى إحدى الأمكنة المعروفة، فأعجبتك صينيّة، وكان سعرها 2500 دولاراً أميركياً، ورفضت شراءها. والجميل في الأمر أنك لم تكتم السبب، بل أبديت بكل صراحة وشفافية رفضك للسعر. أُعجِبتْ البائعة بردّك المغرق في اللطف وقبلت عذرك برحابة صدر، رغم حزنها على ضياع عملية البيع. ولما أبديتُ تعجّبي من موقفك، كان ردّك: (أتريدني أن أجاريكم يا لبنانيين بالبطر).

لن أحدثك عن الحزن الذي خلّفه غيابك، ولكني أكيد بأنه شامل وواسع، ولم استطع مشاهدة الأصدقاء والمحبين والمقدّرين بعد، ولم أقم بواجب العزاء إلى رفيقيّ عمرك والأقرب إليك: "الدكتور خير الدين حسيب" و"الدكتور بشير الداعوق"، زملائك في مركز دراسات الوحدة العربية. فقد كنتُ بعيداً عن بيروت، والأنباء المؤلمة تتأرجح بين الشك واليقين، فقد كنا نريد أن لا نصدّق.

لن أنسى لهفتك إلى بيروت والى رفاقك القدامى، وحرصك على متابعة أخبارهم فرداً فرداً، خصوصاً في السنوات الأخيرة التي تولّيت فيها رئاسة مجلس الوزراء ورئاسة المجلس الوطني.

أعتذر إليك أيها الغالي، فقد قصّرتُ معك في زيارتك الأخيرة مع السيدة الفاضلة عقيلتك، وإقامتك القصيرة في لبنان، حيث أخفقت ممارسة "القيام بالواجب". ولم يكن مردّ ذلك قصوراً في العاطفة.

نَمْ قرير العين... فأنتَ ستظّل نموذجاً فريداً بين رفاقك وأصدقائك ومعارفك الذين سيظلّون يحملون اليك الوفاء والحب.

بيروت في 19/3/2007

شبكة البصرة

الاربعاء 2 ربيع الاول 1428 / 21 آذار 2007

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس