|
رحيل عملاق من عمالقة الفكر القومي العربي |
|
|
|
شبكة البصرة |
| نصري حسين كساب |
|
في كربلاء العراق حاضرة الخلود، حاضرة الحواضر والحضارات، ولد المفكر الأنسان سعدون حمادي. عيناه مغمضتان نصف أغماضة.. الأطباء الألمان حوله يرقبون ما أدهشهم فيه من جبروت المقاومة – رغم تسعة وسبعين يحملها على منكبيه، حافلة بما يندر أن تحفل به حياة رجل رغم شدة المرض.. أفتقد غياب المغربين من الاهل والاصدقاء والرفاق الذين لألامه يتألمون بسبب الغزو والاحتلال.
لكنه في شبه غيبوبة – وما غاب قط عن وعيه حتى اللحظة الاخيرة – لايرقب ما يرقبه الاطباء، ولا يحفل بما من أجله يتألمون.. أنه يستعرض الشريط الطويل، الطويل، من ذكريات حياته، تعرضه عليه الذاكرة، عرضا كاملا، في مراجعة أخيرة..
في بدايات شبابه كان الفتى النابغ في وطنه لا يرى الا ما ينم على القهر، وما يشير الى الفقر، وما يضرب مثلا في الأعتساف، ولكن نفسه الشاعرة كانت تسمع همسات الأسى وهمهمات التذمر، ودبيب الأماني.. أماني في الخلاص ! ثم تلمح بوارق البعث العربي الأشتراكي، فتموج بالمطامح القومية فبادر الى دمشق قلب العروبة النابض ينشد معرفة الأفكار والرؤى القومية العربية والتي ثبت على حبها.
المفكر العربي الأنسان سعدون حمادي أسس لأول حلقة بعثية في كربلاء – العراق. وأخذ يظاهر الحركات الوطنية التحررية، وجهر بالوحدة والحرية والأشتراكية وهي جذوة تحرق كف لا مسيها، وبكلمة الوطن قوية، والهمس بها – خل الجهر – يكلف السجن والتشريد، وراح المفكر الأنسان الوطني ينافح عن وحدة الوطن ويقارع دعاة التجزئة في غير هوادة، وليا حميما لهامات الوطنية من زعمائها، يجلي في العسر والمغرم، ورواء الوطنية وحده اليسر والمغنم. وأمتدت دعوته الى الوحدة العربية، وهو الذي وقف سنة 1959 ليقول : (ان العراق الذي ينوء بألف جرح وجرح من الحراب فلا يئن ولا يشكو بل يزداد عنفا وكبرياء).
طاردته السلطات فقطع البيداء لا ئذا الى ليبيا وهناك عمل استاذا جامعيا، والتف حوله الأدباء وحملة الفكر القومي العربي من أحرار ليبيا، مما أغضب سلطات الملك السنوسي أنذاك وزجته في السجن بتهمة العمل على قلب النظام وأمضى 7 سنوات في الأعتقال. وهكذا الأحداث الطارئة شردته وصفوة من أخوانه ورفاقه بيت بيروت ودمشق وليبيا وبغداد.
عرفت المفكر العربي الأنسان ذو الثقافة والأصالة فاعلا في الحركات الوطنية، في سبيل أمته وقضاياها التحررية وكان يقفز في دراسته وكذلك راح يقفز في عمله، فكان استاذا جامعيا ثم يصبح وزيرا للأصلاح الزراعي، فرئيسا لشركة النفط الوطنية ليسهم في استثمار الثروة وطنيا وبعيدا عن الاحتكارات الرأسمالية، فوزير للنفط، ومن ثم وزير للخارجية ومنها رئيسا للوزراء، ليعود رئيسا للبرلمان تؤهله ثقافة عالية وتربية رفيعة وذكاء حاد. وعندما كان يبتعد عن الحكم، والمناصب السياسية، كان يتفرغ لقضايا الفكر و للشؤون الأقتصادية (وهو الذي تخصص في الاقتصاد الزراعي) ورغم ان الحكم في مفهوم سعدون حمادي رسالة، فأنه ما كان يتكالب عليه.. كان معتدا بنفسه، قويا في شخصيته، حريصا على كرامته، صلبا في مواقفه، متمسكا بما يعتقد أنه حق، لا يتهاون في ذلك ولا يداهن، لا يداري ولا يواري لا يستسلم ولا يحني رأسه مهما اشتدت العاصفة، ولكن شعرة معاوية قلما انقطعت بينه وبين احد، وهو الدبلوماسي اللبق، والسياسي العريق، ورجل الدولة الفذ. وعندما كانت قيادات البعث العربي الاشتراكي تمور بالصراعات والخلافات في سورية والعراق، ويركب العسكر رؤوسهم، كان سعدون حمادي يقوم بدور رسول السلام، لتقريب وجهات النظر، بحكم مكانته المرموقة، وصداقته للجميع.
فكانت الفاجعة، وأقتحم المثلث الأمريكي الصهيوني الفارسي بغداد غزاة عتاة، فأعتقلوه في سجن رأى فيه كيف تستباح ارواح، وكيف يصلب رفاق مناضلون ومجاهدون، ومكث في معتقل امريكي فاقد لأبسط الخدمات الأنسانية 9 أشهر. ولما أطلق سراحه رأيته في عمان و كان التنكيل به قد أحتفر في خواطره أخاديد من الذكريات الراعبة. ولد المفكر المناضل الأنسان سعدون حمادي وطنيا وعاش مفكرا قوميا عربيا ومات مناضلا من أجل وطنه وأمته في مشفى ألماني يوم 15/3/2007. وستظل حياة وتاريخ المفكر الأنسان سعدون حمادي نبراسا لأجيال الأمة العربية جمعاء. رحمه الله واسكنه فسيح جنانه. كاتب عربي |
|
شبكة البصرة |
|
الخميس 26 صفر 1428 / 15 آذار 2007 |
|
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس |