|
ذكريات مع سعدون حمادي... رجل الدولة والثقافة والفكر القومي الأصيل |
|
|
|
شبكة البصرة |
|
بقلم عضو المجلس الوطني العراقي |
|
نعت الأوساط السياسية والعلمية والثقافية في الوطن العربي وفاة علم من أعلام الفكر القومي والسياسي أ.د.سعدون حمادي صبيحة يوم 15/3/2007 بعد معاناة من المرض نتيجة المعاملة السيئة والظروف القاسية التي عاشها في أقفاص الأسر الأمريكي في العراق.كان حمادي مثالا رائعا يحتذي به في التمسك بالعقيدة والسلوك القويم والعطاء الفكري الأصيل والنزاهة والإخلاص في قيادته لمواقع عديدة قي دولة العراق قبل الاحتلال. نشأ سعدون حمادي قوميا عربيا فكان أول من أسس تنظيمات حزب البعث العربي الاشتراكي في مدينة كربلاء في العراق، وعاش طيلة حياته معطاءًَ في كتاباته الفكرية وطروحاته الوطنية والقومية ولذلك كان احد المؤسسين لمركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، واستمر حتى بعد خروجه من الأسر ينهج ذات المنهج في علاقاته بالمركز وفي أحاديثه وجلساته ومحاضراته الثقافية. كان عالما واسع الثقافة ولم يتوقف عن نشاطاته الفكرية رغم المسؤوليات الجسام التي تولاها في مواقع الدولة، وتلك صفة يندر أن تكون في شخص يحمل على كتفيه واجبات صعبة في دولة تواجه أعداء يخططون لإنهائها بكل وسيلة. كنت أراه وهو يجلس في غرفته الصغيرة في المجمع العلمي العراقي الذي كان عضوا فيه، يبحث ويقرا ويكتب وهو في موقع قيادة في السلطة.
أذكره جيداً عندما رافقته في جولة عربية خلال العدوان الثلاثيني على العرق عام 1991 ، كان نائبا لرئيس الوزراء وكنت ممثلا للجنة العلاقات العربية والدولية في المجلس الوطني العراقي، كنا في طائرة خاصة مع بقية أعضاء الوفد وليس بيني وبينه سوى طاولة صغيرة للكتابة والطعام، حدثنا عن ابن بطوطة والرازي والحصري ومواضيع أخرى عديدة، وتحدثت تعقيبا عن جولاتي على طريق الحرير في الصين وعموم آسيا كان يستمع بإصغاء ويعقب تعقيب العارف المطلع على ثقافات الشعوب، كان موسوعيا في ثقافته وكنت في البداية مترددا في الحديث إليه لان هدوء وجهه حتى في أصعب المواقف يجعلك للوهلة الأولى لا تعرف ردود أفعاله، لكنني اكتشفته رجلا نقي القلب صافي السريرة متواضعا محبا للمداعبة، مستعدا لسماع الآراء الأخرى ليأخذ بالرأي الصائب وهو في كل هذه الصفات يفرض عليك احترامه ومهابته شئت أم أبيت. وتلك ميزة لايعرفها عنه إلا القليلون. كان يحدثنا ونحن في الطائرة أو على الإفطار حول انطباعاته عن الملوك والزعماء العرب الذين قابلهم لوحده خلال الرحلة، فتجده ساعة مرتاحا وساعة أخرى منزعجا مما سمعه منهم في وقت يقصف فيه العراق ويدمر، مع إن مهمته كانت الطلب منهم الانسحاب من الحرب أو على الأقل إدانتها إن لم يكونوا مشاركين فيها لان الحرب تجاوزت موضوع الكويت إلى تدمير العراق. وكنا نحدثه عن مواقف البرلمانيين العرب الذين نلتقيهم الرافضة للعدوان فنخفف من همومه رغم معرفته أن القرار بيد الآخرين لأنه يؤمن بأهمية المواقف الشعبية العربية في مثل هذه الضروف. لقد حمل الموريتانيون سيارته بأيديهم عند وصولنا واستقبله السودانيون بحماسة قل نظيرها وسار اليمنيون والمغاربة بتظاهرات ضخمة صاخبة عند وصول وفدنا ومثلهم كانت بقية الأقطار العربية التي مررنا بها. قد لايعرف الكثيرون أن سعدون حمادي لم يكن يهاب الموت ولكنني وجدته كذلك فحين اقلعنا من اليمن في طريق العودة إلى العراق اخبرنا قائد الطائرة أننا سنسير في طريق خطر حيث العمليات العسكرية في الخليج العربي وربما يكون الطريق عبر ليبيا إلى الأردن اسلم من هذا، وعندما أخبرته بما قاله لي قائد الطائرة أجابني ليستمر في طريق فان الأعمار بيد الله.. هكذا كان سعدون حمادي أكثر جرأة حتى من أفراد حمايته الذين توجسوا من هذا الطريق. وعندما أصبح سعدون حمادي رئيسا للمجلس الوطني العراقي جعل منه مؤسسة برلمانية تشريعية حقيقية في انتظامها وعطائها وإدارة جلساتها وأعمال لجانها لدرجة انه كان لايرضى أن يقدم الأعضاء أعمالهم الخاصة أو الرسمية على حضور جلسات المجلس لما للتمثيل البرلماني من أهمية في نفسه وعقيدته. كان التشاور مع الأعضاء من نشاطاته المهمة لكي يصل إلى الرأي الصائب وكان هو الذي أمر بتعليق لوحة كبيرة في باحة المجلس الوطني مكتوب فيها (آفة الرأي الهوى) لابن اكثم. كان حريصا أن يشرح قضية الحصار على العراق لكل رئيس وفد مشارك في مؤتمر الاتحاد البرلماني الدولي سنحت الفرصة للقائه. كان اكبر منا سنا وأكثرنا نشاطا، كنا نتعب من متابعات تنظيم لقااته التي لايمل ولايكل منها مما يضطره إلى النوم باكرا، ومع ذلك كان إنسانيا في علاقته معنا يستجيب لدعواتنا عندما نطلب منه مشاركتنا العشاء خارج إقامتنا، بل كان حرصا في أوقات الفراغ أن يصحبنا إلى الأسواق الشعبية لكل بلد نزوره في آسيا وأفريقيا لإيمانه أنها تعكس الحياة الحقيقة للشعوب ولم يكن يتردد في زيارة المعالم الثقافية والتراثية في تلك البلدان رغم عمله الدؤوب في مؤتمرات الاتحاد البرلماني الدولي. كان الأستاذ الدكتور سعدون حمادي رجل دولة وعلم وثقافة وفكر قومي وقاد. كانت آخر مرة التقيته فيها قبيل العدوان والاحتلال الأمريكي للعراق حين استدعاني خلال استراحة جلسة المجلس الوطني كي نبدأ التحضير لحضور مؤتمر الاتحاد البرلماني الدولي القادم. سلمني الأوليات لدراستها وخرجت من مكتبه ولم أكن اعلم انه اللقاء الأخير.
رحمك الله يا أبا أسامة وحقق أمنيتك التي عبرت عنها في رسالتك التي قرأتها فوق قبر زوجتك الفاضلة حين دفنها، فقد أبكيتنا بتلك العبارات الرائعة التي تتمنى كل ماجدة عراقية أو عربية أن تنالها من زوجها في الدنيا والآخرة..لقد قلت لها في ختام رسالة الوداع الأخير انك ستأتيها محمولا يوما ما لترقد إلى جانبها.فعسى أن تتحقق أمنيتك في هذا الزمن الصعب... وسلام عليك يا منبع الفكر القومي الأصيل ورسالته الخالدة. لترتفع روحك الطاهرة إلى السماء تسكن في جنات الخلد مع رموز العراق الاصلاء الذين عاهدوا أنفسهم وشعبهم في السير على طريق عقيدة النضال والشهادة. |
|
شبكة البصرة |
|
الجمعة 27 صفر 1428 / 16 آذار 2007 |
|
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس |