طه ياسين رمضان : رسائل في زمن الانكسار...

شبكة البصرة

د. جبرا الشوملي – فلسطين

عندما تكون وصيته الأخيرة أن يُدفن الى جانب مرقد الشهيد صدام حسين، يكون الشهيد طه ياسين رمضان قد ترجم بصرامة زاهدة موقفه النهائي من القيمة الاخلاقية لمعنى الموت، وقد يكون معنى موقفه من الحياة قد سبق معنى موقفه من الموت.
هاكم بعض ما قيل عنه في حياته، عندما تسلم مسؤولية وزارة الصناعة في سبعينات القرن الماضي اجتمع مع العاملين في وزارة الصناعة وقال لهم : انني لا أعلم كثيرا عن الصناعة ولكني أعلم ان من لا يجيد عمله جيدا عليه ان يستقيل، أو عليه اذا فشل ان يُطرد من موقعه وينتظر الحساب.
ولان طه ياسين رمضان ينحدر من أصول فلاحية فقيرة، وسار متدرجا من مزارع شققت ارض الرافدين يديه الى موظف صغير في بنك ريفي، ثم مناضل قومي شارك بحماس في ثورة تموز عام 1968، وكان من المطالبين الأوائل بتأميم صناعات النفط وتوزيع الأراضي عل الفلاحين، ليغدو لاحقا مؤسس وقائد الجيش الشعبي العراقي ونائب رئيس
الجمهورية، فان ما عبر عنه عندما تولى وزارة الصناعة العراقية إنما يتصل بمكنون شخصية تنم في جوهرها عن تربية مستقيمة وتواضع واخلاص، ونموذج لما يمكن ان يكون عليه المسؤول الأول في موقع العمل، أي ان الوظيفة العامة سيما عندما تكون في أعلى هرم الدولة هى أمانة ودقة وتفاني وتضحية وانجاز، وليس مكافئة نهاية الخدمة الوطنية أو حتى ثوابا على نضالات وتضحيات سابقة.
بهذا المعنى فان موقفه من الحياة والموت ينغرس ككل لا يتجزأ، ففي لحظات الحياة كان يقرأ برهانه وفاعليته ويصيغ حياته في معطيات العمل من حيث هو الرائز الحقيقي للموثوقية والجدية وتحسس الاعماق وتدقيق الادعاءات، وفي لحظات الموت فقد تبدى كارثوذكسية جذرية تروم العذاب والألم ولا تضعف أو تنحني، وأقصى أمنيات صاحبها أن يسجى جثمانه في مقبرة العوجا بالقرب من رفاق دربه، كما لو ان روحه متيقنة من ادراك راحتها ومتعتها في التماهي مع ارواح رفاقه في دائرة ترابية واحدة، كما كانت متماهية وموحدة في دائرة الحياة والنضال المشترك.
طه ياسين رمضان وعواد البندر وبرزان التكريتي وقبلهم الرئيس صدام حسين، سبيكة مدهشة في وحدتها وصلابتها ومبدئيتها، حلقاتها تتمتع بحساسية ساحرة تتفتق عن انتماءات ملهمة لنخبة عراقية وعيها السياسي يجسد دوام العلاقة بين العقائدية والسياسة حتى وهم يواجهون أعتى الأزمات ويصارعون وقوفا لحظات شفا الموت، نموذجها وإن كان محاصرا ومحدودا فهو يعري ويفضح الانهيارات المدوية في الثقافة والسياسة العربية الرسمية التي حذفت نخبها منذ زمن قيم المبادئ من مسلمات السياسة والمواقف، وانتقلت الى سياسة مجوفة بلا مبادئ يهيمن عليها ويحكمها وعي الهزيمة، لتجد نفسها بلا مشروع وفي تبعية كاملة مع المشروع المضاد الذي ما فتأ يتسأل ثقافيا : عن أحقية هؤلاء العرب في تقلد شرف التبعية.

انه المشروع الذي لا يكتفي بتبعيتهم، بل انه يسعى الى تفريغهم من بقايا الحروف الثقافية للغة الضاد.طه ياسين رمضان ورفاقة الذين سبقوة على المشنقة، لن يكونوا اسماء وحسب، انهم يقفون أحياء في دائرة فكر المستقبل حتى لو بدا ضعيفا ومتعذرا، كما في دائرة نموذج المستقبل حتى لو بدا مستعصيا ومستحيلا، جمعتهم السلطة في زمن ما، وجمعتهم المقاومة في زمن ثاني، والآسر في زمن ثالث، كما جمعهم أكثر ما يمكن أن يكون بليغا في رباطة الجأش والتماسك والندية وهم يقفون ساخرين من الحبلة الملتفة على رقابهم، وفي كل هذه الأزمنة والمحكات، وفي أهوال هدم الدولة
وتغيير التاريخ لم يتزحزح ايمانهم بان ما يجري هو لحظة عابرة في التاريخ، كما ايمانهم انهم هم ايضا لحظة عابرة في الزمن، تقاس قيمة خاتمة حياتهم فيما يؤسسون من مواقف وارادات لدحر اللحظة الملوثة للعراق الراهن.

لا يوجد دليل أقوى على انتمائهم العقائدي الصادق من مواجهة الموت برجولة انسانية عز نظيرها في عالم عربي يتشح بسواد المواقف، وهو الاكثر انحطاطا منذ عصر الخالد جمال عبد الناصر، ولانهم بهذا التألق والصلابة السياسية فقد مثلت
قرارات الاعدامات المتسارعة للقيادة العراقية الشرعية والمفتوحة على كل من لا يساوم من الآسرى الذين يخضعون لمحاكمات صورية، في المنظور الامريكي والمنظورات والمصالح التابعة له الفرصة الأخيرة لنقل الصراع الذي يجري في العراق من صراع عربي قومي استقلالي ضد الاحتلال الاجنبي الى مذبحة طائفية تؤدي الى حرب أهلية موسعة يخرج من مستنقعها المحتل المهزوم بذرائع غير اسباب هزيمته الحقيقية.
وفي الرؤية الامريكية وادواتها فان اعادة تركيب المجتمع العراقي بما يجعله منفصل عن موروث انجازاته، وثوابت تاريخه، ورهين وتابع ومنضبط ومغذي لاحتياجات المركز الامبريالي يتطلب فك ارتباطه بنسغه الثقافي القومي السابق،
والتخلص نهائيا من عنوان هذا النسغ، أي القيادة الشرعية السابقة للعراق، وصولا لما يمكن ان يصبح عليه العراق نموذجا لفسيفساء طائفية ورأسمالية محلية هجينة وكسيحة، مُخدرة بوعي طائفي غرائزي وثقافة قسرية تتكامل مع عصبيات ودوغما الفكر واقتصاد الاستهلاك.
نخسر كل يوم في أتون المذبحة الدموية في العراق جنودا وقادة حقيقيين، بينم نربح كل يوم امثولات حية لتاريخ مُصمم ان لا يركع.

شبكة البصرة

الخميس 3 ربيع الاول 1428 / 22 آذار 2007

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس