بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أزمة لبنان المفتعلة : لمن تخدم؟ ومن يديمها؟

شبكة البصرة

صلاح المختار

من ينظر الى ما يجري في لبنان يصعب عليه احيانا فهم ما يجري فيه، خصوصا بعد احداث نهر البارد والاصرار الغريب على اصدار قرار دولي حول محكمة الحريري يقوم على البند السابع من ميثاق الامم المتحدة، مع ان ذلك يحرم لبنان من حق السيادة ويضعه في كف عفريت خطير النوايا ويمهد لجر المنطقة الى المزيد من الكوارث، وبالذات وضع سوريا في مرمى نيران امريكا واسرائيل بصورة قانونية؟ فما الذي يجري في لبنان منذ اغتيال الحرير بشكل خاص؟ وما صلته باحداث العراق؟ ومن له مصلحة في جعل لبنان ساحة تصفية خصومات؟

منذ وقوع العدوان الاسرائيلي في الصيف الماضي على لبنان قلنا، بلا غموض، بان ذلك العدوان ماهو مقدمة لاحداث خطيرة يراد لها ان تطبخ في الساحة اللبنانية لتوظف داخل وخارج لبنان، خدمة لاهداف لعبة عض الاصابع الامريكية الايرانية. ولذلك لم نكن متفقين مع البعض الذي افترض ان انتهاء العدوان سيشهد حلا لبنانيا داخليا متفقا عليه بين طرفي الازمة المفتعلة، بل كنا متاكدين من ان الوضع اللبناني قد ادخل عمدا، من قبل امريكا وايران، في عملية تحشيد القوى الاقليمية لاجل حسم الموضوع العراقي، لصالح مطاليب ايران في العراق والخليج العربي، والتي رفضتها امريكا لانها اكبر مما هي مستعدة لمنحه لايران كثمن على مشاركتها في غزو ودمار العراق، او لاجل لان تكمل امريكا الترتيبات الاقليمية المطلوبة ومنها اعادة جعل لبنان بارجة امريكية فيها وجود امريكي قوي عسكري وغير عسكري لاجل احتواء سوريا واحكام القبضة على المقتربات الاقليمية للقطر العراقي، الذي تهدد ثورته المسلحة باسقاط المشروع الامريكي العالمي برمته انطلاقا من هزيمة امريكا في العراق.

من الضروري التذكير بحقيقة تساعدنا على تجنب التشويش المتعمد الذي تقوم به الاجهزة الامنية التابعة لامريكا وايران في الوطن العربي، والتي تريد الايحاء بان هناك ازمة طبيعية وحقيقية في لبنان لا يمكن حلها الا بالتوتير والتصعيد وتجنب الحوار اللبناني اللبناني؟ هل هذا صحيح؟ هل ان الازمة اللبنانية التي تفجرت بشكل حاد عند اغتيال المرحوم رفيق الحريري لا يمكن ان تحل بالحوار اللبناني وانما فقط بحوار البنادق واعادة حفر الخنادق التي لا تلتقي الا في ملتقى النار؟

الغريب في امر الازمة اللبنانية ان كلا الطرفين (جماعات امريكا وايران وهما من يتحكم بازمة لبنان) يعترفان مباشرة بان الازمة لن تحل الا بالحوار، على اساس ان تركيبة لبنان السكانية الطائفية لا تسمح بالغاء دور احد وانما تقوم على التعايش بين مختلف الاطراف اللبنانية، في اطار حل يقبله الجميع دون اكراه او فرض. والاغرب، شكليا على الاقل، هو ان الطرفين ينفيان نيتهما تغيير المعادلة اللبنانية التقليدية القائمة على التوافق، ومع ذلك فان كلا الطرفين يصعد الازمة على نحو يرجح انه يريد تحقيق انقلاب جذري في الوضع اللبناني يعيد بناءه من الاصول؟ فما السر في هذا التصعيد المتعمد والمفتعل اذا قبلنا الادعاء بان لا نية هناك لاحداث انقلاب؟ ومن له مصلحة في تحويل لبنان الى مقبرة لاهم موارد لبنان وهو السياحة والاستقرار؟ يجب عند محاولة فهم ما يجري في لبنان الان ان لا نخرج ابدا عن القاعدة الثابتة التي تتحكم في الوضع اللبناني الخاصة بالتوافق في القرار النهائي العام لانها تساعدنا على فهم الطبيعة المفتعلة للازمة اللبنانية.

من الاكيد ان التصعيد العسكري والسياسي من قبل بعض الاطراف اللبنانية الموالية لامريكا وايران يدخل في اطار ما يجري في كل المنطقة، فالمأزق الامريكي القاتل في العراق نتيجة الفشل الذريع لمشروع غزو العراق يهدد بانهيارات امريكية اقليمية وعالمية، وافتضاح الهوية الحقيقية لايران، بصفتها دولة استعمارية اقليمية شاركت بدور حاسم في غزو العراق وارتكبت جرائم بشعة ضد شعبه ودولته وهويته العربية، وقيامها (ايران) بالاعلان رسميا وليس عمليا فقط عن وجود خطة ستراتيجية متكاملة لنشر التشيع الصفوي في الوطن العربي والعالم الاسلامي، مما يجعل ايران هدفا لكل الاطراف العربية ويحرمها من القدرة الفائقة على المناورة والتضليل التي كانت تتمتع بها قبل غزو العراق، فلم يعد امامها الا ان تواصل السير في مخططها الذي كشف مهما كات النتائج. وعلى اساس حتميات ماكشف في واقع الصراع نجد ان ساحة لبنان قد اختيرت من قبل ايران وامريكا لخوض صراع مدمر بالنيابة عنهما، تخوضه اطراف موالية لامريكا لتحقيق ما تريده امريكا، ويخوضه حزب الله لتحقيق ما تريده ايران.

معلومات خطيرة

هناك مؤشرات لايمكن اغفالها تتعلق بالوضع اللبناني تؤكد ما نذهب اليه من ان الازمة اللبنانية مفتعلة، ومنها ما اعلن مؤخرا عن وجود مشروع أمريكي لـ إقامة قاعدة عسكرية جوية في شمال لبنان؟! فقد كشف تقرير واينماديسون الإستخباري الذي نشر مؤخراً عن خطط أمريكية لإنشاء قاعدة عسكرية شمال لبنان تحت ذريعة تدريب الجيش اللبناني. وكشف التقرير أن وزارة الدفاع الأمريكية البنتاجون قد منحت شركتي جاكوبس وسفيردرب وعداً

بمنحهما عقداً مربحاً لبناء قاعدة جوية كبرى للولايات المتحدة في شمال لبنان. وأشار التقرير أن

إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية في لبنان اصبح أمراً مؤكداً، وذلك من أجل تسهيل الإمدادات اللوجستية، ومن أجل بقاء طويل الأجل في منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك المحافظة على وجوده في العراق المحتل. وذكرت مصادر صحفية: إن مصادر في المخابرات اللبنانية أكدت أن عقد إقامة قاعدة جوية بشمال لبنان قد تم تخصيصه لمجموعة جاكوبس، بدون موافقة الحكومة اللبنانية.

وكشف محرر التقرير أن الدعم الإنشائي للقاعدة العسكرية سوف يتم تقديمه بواسطة مؤسسة بيكتيل وجاكوبس الهندسية وجاكوبس سفيردرب بالتعاقد حالياً من أجل العمل في السعودية لصالح أرامكو. وبحسب "تقرير واينماديسون" ستستخدم القاعدة الجوية في لبنان

كمعبر ومحور للإمداد اللوجيستي للقوات الأمريكية في العراق المحتل، وكمكان للراحة والاسترخاء والاستجمام للقوات الأمريكية الموجودة في المنطقة، وإضافة لذلك فإن قاعدة لبنان سوف تستخدم من أجل حماية خطوط أنابيب نقل النفط الأمريكية في المنطقة (خط باكو- تبليسي- سبهان، وخط: الموصل- كركوك- سبهان) وبنفس ذلك تماماً سوف تستخدم في تقويض استقرار الأوضاع السورية. واضاف التقرير أن حجم القاعدة الجوية المخطط له سوف يكون في حجم قاعدة العديد الامريكية القائمة حالياً في قطر. 28( 5 2007)؟

هذه المعلومة لا تحتاج لفتسير فهي واضحة وتقدم لنا صورة واضحة عن المصلحة الامريكية في تأزيم الوضع اللبناني وعدم السماح بالتهدئة علما ان التقرير لا يكشف كل ما تريده امريكا من لبنان.

   اما المعلومة الثانية فهي ان عمليات القتل للمسيحيين العراقيين والاصرار على تهجيرهم من العراق خصوصا من شماله الكردي، فانها هي الاخرى تقدم لنا مؤشرا خطير اخرا عن وجود ترابط عضوي بين ما يجري في العراق وما يجري في لبنان. والذي يلفت النظر في تهجير المسيحيين العراقيين هو انه يقترن بتوجيه اغلب المهجرين الى لبنان، لدرجة ان الاف المسيحيين العراقيين قد استقروا لاجئين فيه برعاية امريكية؟ فما الهدف من هذه العملية الخطيرة؟ فيما يتعلق بالعراق فان الهدف هو التعجيل بتقسيم العراق من خلال احكام غلق المنطقة الكردية العراقية بوجه غير الاكراد من العراقيين، لذلك فان فرق الموت الكردية وتلك التابعة للمخابرات الامريكية تقوم بقتل المسجيين لاجبارهم على الهجرة من العراق لدرجة ان المسحيين اصبحوا تقريبا ذكرى قديمة؟ اما في لبنان فان تهجير المسيحيين اليه يدخل في اطار احداث انقلاب في التركيبة اللبنانية التقليدية عن طريق زيادة عدد المسيحيين تمهيدا لقيام دويلة مسيحية مستقلة في لبنان، خطط لها ان تقوم كولادة قيصرية مكروهة ولكن تفرضها حدة الازمات المتفتعلة وتواليها وزيادة تعقدها الى ان تقتنع اوساط مسيحية لبنانية بان الانفصال في دويلة هو اهون الشرور؟

والدويلة المسيحية في لبنان ليست مشروعا جديدا بل هي مشروع قديم يراد إحياءه الان لتصليب القوى الموالية لامريكا واسرائيل ومنحها قاعدة اقليمية جغرافية تتحرك فيها بحرية وبحماية امريكية لتقوم بدور اقليمي خطير. وهنا نرى التوافق الامريكي الايراني واضحا في لبنان، حتى وان اتخذ شكل لعبة عض اصابع، فاصرار حزب الله على التصعيد يستبطن هدفا ستراتيجيا ايرانيا واضحا جدا، وهو انه يريد اعادة تشكيل لبنان لصالح كيان شيعي لبناني متميز واكثر تأثيرا واضعاف المارونيين والسنة مقابل هذا التحول. وبالطبع فان هذا المسعى الايراني عبر حزب الله يثير اعمق المخاوف لدى المسيحيين والسنة والدروز ويدفعهم للتشدد وعدم انهاء الازمة؟ وهكذا نجد لعبة (التفاعل المتسلسل) في الازمة اللبنانية واضحة جدا، فحالما يبدأ طرف ما بطرح موقف فيه استفزاز للاخرين نجد الاخرين يسارعون لاكمال استدارة الدائرة تلقائيا بطرح مواقف اخرى مناقضة؟

ان استثمار السمعة الطيبة لحزب الله نتيجة مواجهاته مع اسرائيل قد وصل حد المطالبة باعادة النظر في التوازن اللبناني ومنح ما يسمى ب(شيعة) لبنان دورا اكبر في الحياة العامة خصوصا في التركيبة السياسية. لقد أهلّت ايران حزب الله في العقدين الماضيين ليكون اداتها المباشرة والصريحة في غرس دور ايراني مباشر في لبنان، والانطلاق منه لاكمال عملية نشر التشيع الصفوي، الذي بدأ في سوريا، بواسطة المنظمات الايرانية، تحت واجهة زيارات دينية من اجل اكمال تطويق العراق واسقاطة وتحويل الهلال الخصيب وبلاد الشام الى منطقة نفوذ ايراني مباشر؟

هل انتهت قصة تأهيل لبنان لدرو انقلابي امريكي - ايراني مختلف؟ كلا بالطبع، فالعملية اعقد واوسع لان من يخطط لإهلاكنا كعرب ذكي ومجرب ويواجه حكاما عربا، بغالبيتهم لا يعرفون ما يجري، وان عرفوا لا يعرفون ما ذا يفعلون، وان فعلوا قدموا الخدمة لامريكا او لايران؟ ان الازمة المفتعلة الاخرى باسم فتح الاسلام هي المظهر الاخر الخطير لما يجري في لبنان والتي تستبطن هي الاخرى هدفين خطيرين : هدف زيادة التشرذم اللبناني حدة وخطورة، ببروز تيار سني طائفي تكفيري يريد اقامة دويلة اسلامية سنية في شمال لبنان، وهدف اعادة فتح ملف الفلسطينيين في لبنان لاجل دمجهم فيه في اطار الخطة الامريكية والاسرائيلية الرافضة لعودة اللاجئين الفلسطينيين الى وطنهم؟ من يقف وراء التيار التكفيري المسمى فتح الاسلام؟ من المؤكد ان هدفه (دولة اسلامية سنية) هو هدف امريكي اسرائيلي بامتياز، لان البضاعة الاكثر رواجا وخطورة لامريكا الان هي بضاعة دويلات الطوائف التكفيرية سنية او شيعية. ان مجرد اضفاء طابع طائفي على أي كيان عربي يدخله حتما في اطار المخطط الاسرائيلي الامريكي القديم والمعروف وبغض النظر عن نوايا من يقوم بذلك؟ ان السعي من قبل حزب الله لإقامة كيان شيعي صفوي قوي، واكثر خضوعا لايران في لبنان، هو الوجه الاخر المكمل لسعي امريكا واسرائيل لاقامة كيانات سنية باسم الامارات الاسلامية في العراق ولبنان وغيرهما؟ انها ستراتيجية شرذمة الامة العربية على اسس عرقية وطائفية التي تبنتها اسرائيل منذ إنشاءها، والان اصبحت امريكا تعمل وفقا لها كما هو واضح بلا غموض.

اذا اخذنا المعلومات والملاحظات السابقة وربطناها بالصفقة الحبية التي عقدتها امريكا مع ايران حول العراق (يوم 28 5)، والتي قامت على اساس الاتفاق العام حول القضايا الامنية الرئيسية، يتضح لنا بلا غموض ان من يتحرك في لبنان، سواء كان حزب الله ممثلا رسميا لايران (حسن نصر الله هو الوكيل الرسمي لعلي خامنئي في لبنان)، او ممثلا لامريكا يريدون كلهم اعادة رسم خارطة الوطن العربي، يضمن الغاء الهوية العربية واحلال هويات تناثرية عرقية طائفية تتنصل عن اصولها العربية وتعتمد مباشرة على امريكا واسرائيل وايران وتتحول الى قلاع معادية للامة العربية فكرا وثقافا ووجودا.

اذن اولئك الذين يصعدون الازمة اللبنانية ويرفضون العودة الى العمل وفقا لقاعدة التقليدية في الحياة اللبنانية، وهي قاعدة التوافق الوطني، يعملون مباشرة على التمهيد واعداد الاجواء وخلق البيئة المناسبة لتنفيذ خطة تقسيم لبنان، والتي وضعت اسسها النفسية اثناء الحرب الاهلية اللبنانية، لكن تنفيذها اجل انتظارا لاعداد اقطار عربية اخرى اهم من لبنان، من حيث الدور السياسي للتقسيم وفي مقدمتها العراق.

من امريكا، وادواتها التكفيريين السنة، الى ايران، وفي يدها التكفيريين الشيعة، مرورا باسرائيل، وفي يدها سلاح الاقليات العرقية كالتمرد الكردي العراقي، تأتينا جحافل الشر والتقسيم والكوارث والتهجير الجماعي والابادة الجسدية للعرب، فهل يوجد عربي عاقل او يمكلك بقية منطق يستطيع تجاهل هذه المؤامرة الخطيرة التي تنفذ في لبنان عبر ادوات امريكية وايرانية؟

salah_almukhtar@gawab.com

شبكة البصرة

الاحد 17 جماد الاول 1428 / 3 حزيران 2007

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس