بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

نجاح محمد علي :

عندما يصر البعض على فضح موقعه في إطار العمالة

ويكرر وقائع إداناته المتتالية من خلال رواياته المتكررة

الحلقة الثالثة

شبكة البصرة

باقر الصراف

كاتب عراقي مقيم في هولندا

ـ 4 ـ

محاولة القراءة الواعية للأحداث، وسخافة المعيار الواحد، وهو الذي يحاول فيه البعض التمسك بمكوناته الفكرية والسياسية، إذا كان لها مكونات فكرية وسياسية وليس نابعة من تصورات أيديولوجية مزوَرة في التاريخ ومزوِرة للتاريخ، عند تقويم هذه الشخصية السياسية التي حكمت العراق لمدة ثلاثة عقود، وكان فيها من العناصر الإيجابية والسلبية ما يصلح لدراستها، بعد غياب جسدها بسبب الغزو الأمريكي وتحكم إدارييها بشؤون العراق السـياسـية كلها، لذا يجب وضع معايير كمية ومقاييس نوعية تنبع أساسياتها من مفاهيم الصعود والهبوط، ككل ظاهرة سياسية اِجتماعية، وفيها أيضاً مفاهيم التقدم والتراجع، وفيها مفاهيم التطور والنكوص، وكذلك تتضمن مفاهيم السيرورة نحو الأعلى والاِرتداد عن المسيرة التي حدد معاييرها الفكرية، حيثما يتعلق ذلك بالتاريخ الواقعي المعاش، لا المتخيل في أذهان البعض الذي يضع معايير مثالية لمحاكمة الآخرين وينسى نفسه عند تقويم المثال السياسي الذي ((يؤمن به)) أو يدافع عنه، بعبارة أخرى، لو وضعنا شخوص الخلفاء العرب المسلمين لتقويم التاريخ الحضاري العربي الإسلامي ـ على سبيل المثال ـ فهل يمكننا الحديث عن 15 قرن من تاريخ المنطقة على صعيد التبدلات الإيجابية والتغييرات السلبية؟، ناهيك عن القول النبوي الشريف حول ضرورة توفر المعلومات الحقيقية لا المزيفة والمصداقية في الرؤية الفكرية : ((إنما أقضي بينكم بالبينات والإيمان)).

ولكنْ، وبالقدر الذي يتعلق بموضوعنا الراهن والملموس، وطالما كون المعيار السياسي هو الذي يتعلق بالعامل الإسرائيلي في الحديث الذي أثاره السيد نجاح محمد علي، فينبغي عندها جعل هذا المقياس السياسي، هو المعيار في التقويم الوضوعي، ومن خلال التبحر في سيروراته العملية، بغية تمكننا من أنْ نستخلص التقرير الحقيقي، ومن خلال بواطنه الحدثية نستنتج الحكم النهائي على صعيد الرؤية السياسية، فهل ساوم الرئيس الشهيد صدام حسين هذا الكيان وأيديولوجيته أم لا؟ ذلك هو السؤال الأساسي في الموضوع برمته؟ وهل كان القصف العراقي لتل أبيب، ومناطق مختلفة من كيان الاِغتصاب الصهيوني، نبتاً شيطانياً أوجده تصادف الصدف : ((مواجهة إسرائيل كذبة كبرى انطلت على مغفلي صدام))، كما يقول هذا الصفوي الفارسي، في سياق كتابة دعائية بحتة، لا تمتلك حداً أدنى من المعلومات التي جرت وقائعها في التاريخ الفعلي، أم كان إجراءً عسكرياً يتسق مع مسار تاريخي طويل يؤشر لأصل العدوان على العرب المسلمين بالمعنى الحضاري، وسبب البلاء الذي عانت المنطقة العربية منه؟.

لنجيل النظر بالمحاور التالية على أرضية متابعة في الوثائق والمصادر العملية التي جرت وقائعها في التاريخ القريب والمعاش، أي الذي يمكن الوثوق منه وفيه عند كل صاحب ضمير نزيه... ضمير وطني عراقي وقومي عربي وحضاري إسلامي :

1 ـ دور العراق في حرب تشرين الأول عام 1973.

2 ـ محاولة كيسنجر لإقامة علاقة بين العراق والكيان.

3 ـ محاولة الملك الحسن الثاني التوسط لرفع الحصار عن العراق، والشروط الأمريكية المطلوبة من العراق.

4 ـ الاِتصالات التي بذلها البابا لإقامة علاقات مع الكيان، وكيفية مواجهة الرئيس للموضوع الذي طرحه المندوب.

5 ـ الطريق الذي اِقترحه شقيق السكرتير العام للأمم المتحدة على العراق لإقامة علاقة مع الكيان.

6 ـ خلاصة واِستنتاجات حول الإعدام والاِغتيال والموقف الإسرائيلي.

1 ـ المنعطف الأول : حرب تشرين الأول 1973...

جاءت حرب تشرين الأول في العام 1973 الذروة السياسية في الموقف العربي الجماعي تجاه كيان الاِغتصاب الصهيوني، كونها جسّدت الإرادة العربية السياسية المقاتلة، ووظفت جميع الجهود في سبيل تحقيق أهدافها العسكرية، كان الشعب العربي من المحيط المغربي إلى الخليج العربي كتلة من الحماس القومي لهذه المعركة المشرفة، كانت قياداتها السياسية تعلن غير ما تضمر. لا شك في ذلك. أرادوها حرباً للتحريك الدبلوماسي وليس لتحرير الأرض وتوجيه الضربة الكبرى للكيان، لذلك وُضعت خطتان لمجريات الحرب، وهو ليس الموضوع الذي يتعلق في مناقشتنا الراهنة، ولكن القيادة العراقية التي أبعدت عن مشاوراتها المسبقة، صبت كل جهودها الممكنة في هذا المجرى العنيف من الصراع، بسبب مبدئية رؤيتها : الفكرية والسياسية لطبيعة الصراع في المنطقة، واِجتازت الدبابات العراقية الحدود السورية في ظروف قاهرة وغير مواتية أبداً، لتشترك في حرب تشرين الأول من عام 1973 على الساحة السورية، وهناك صفحات مجيدة تؤشر لهذا الدور العسكري الملموس، التي أسهمت هذه القوات في حماية العاصمة الأموية العربية دمشق من السقوط في براثن القوات الإسرائيلية الصهيونية، رغم تنكر ((البناروما السورية)) التي اِبتدعها الكوريون الشماليون، ربما بتوجيه سوري من قيادتها العسكرية، في ذلك الأثر الكبير المقام في المنطقة القريبة من حي مساكن برزة الدمشقي الشهير... رغم تنكرها للدور العراقي في تلك الحرب.

أما على الجبهة المصرية فنكتفي بتلك الفقرات من الحديث الهاتفي بين المقبور أنور السادات والرئيس الراحل أحمد حسن البكر : الرئيس العراقي آنذاك، للتدليل على الرؤية السياسية الفكرية لتجليات الإيمان القيادي الذي كان النائب صدام حسين أبرز شخوصه القيادية التي كانت ترسم الموقف السياسي العراقي.

يقول السادات : الحمد لله، والله أنا عايز أهنيك على الولاد... ولادك اللي عندي.

يجيب البكر : بارك الله فيك.

السادات : هم أولادك اشتركوا اليوم كانوا مجهودهم ممتاز.

البكر : دولة ولادكم. ويوضح الأستاذ محمد حسنين هيكل، أن سرب عراقي اِشترك في الغارة الأولى، ((وقد أدى طياروه مهام ناجحة في القتال))، [7].

2 ـ المنعطف الثاني : هنري كيسنجر : وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، ومحاولاته لكسب اِعتراف العراق بكيان الاِغتصاب الصهيوني :

هنري كيسنجر : السياسي الإستراتيجي الأمريكي، واليهودي المتصهين حتى النخاع، واللاعب الأساس في رسم السياسة المركزية الأمريكية في عقد السبعينات خصوصاً، وما تزال قامته في السياسة الخارجية الأمريكية مديدة، كما يقول الأستاذ صبحي حديدي مترجم كتاب ((حرب العالمين)) والذي اِختار فيه دراسات عدة : جادة وعميقة، تحلل خلفياته التاريخية وتفسر أسبابه كذلك وتستخلص أهدافه السياسية، كتبها منظرون سياسيون عالميون راعوا فيه الزمان والمكان، على العراق في العام 1991، بذل جهوداً لتليين الموقف المبدئي العراقي تجاه وجود هذا الكيان في المنطقة، ولكن الرؤية السياسية العراقية كانت حازمة في موقفها السياسي والفكري تجاه هذه المسألة التي تتعلق بالشأن القومي العربي أساساً.

لقد تمحورت محادثات السيد المرحوم سعدون حمادي، وزير خارجية العراق آنذاك، مع هري كيسنجر حول هذا الاِتجاه السياسي بالذات في سياق تحسين العلاقة بين الدولتين، فقد نشرت صحيفة ((الشرق الأوسط)) السعودية التي تصدر من لندن بتاريخ 2 يناير / كانون الثاني 2004 الترجمة العربية للوثيقة السياسية الأمريكية حول أول لقاء عراقي ـ أمريكي في العام 1975، في العهد البعثي الذي أولدته تغييرات 17 / 30 تموز 1968 في بنية السلطة العراقية، ومما جاء فيها :

((كيسنجر لحمادي : إسرائيل تفضل التعامل مع العراق الراديكالي على التعامل مع مصر السادات))، لم نمانع بتدخل إيران في شمال العراق لأننا اِعتبرناكم تابعين لموسكو.. والآن غيرنا موقفنا لأننا وجدناكم غير ذلك))...

ورداً على رؤية كيسنجر السياسية قال حمادي : ((طبعاً لنا وجهة نظر مختلفة وسوف أقول لك لماذا. إنَّ العراق جزء من العالم العربي. ونحن نعتقد أنَّ الولايات المتحدة كانت العامل الأساس في بناء إسرائيل إلى ما هي عليه اليوم))... ((ولكن الفرق هو أنكم تعتقدون أن إسـرائيل سوف تبقى إلى الأبد، نحن نعتقد إنَّ إسرائيل تم تأسيسها بالقوة وهي حالة ساطعة وجلية من الاِستعمار. لقد تم تأسيس إسرائيل على جزء من أرضنا الأم، وأنتم لا تعتقدون في ذلك. ولكن ليسـت تلك كل القصة، إنَّ إسرائيل هي تهديد لأمن العراق القومي)) {ص457}، [8].

3 ـ المنعطف الثالث : ماذا قال الحسن الثاني بعد اِتصالاته مع الأمريكيين حول الشروط لرفع الحصار عن العراق.

من المعروف، كما أثبتت الوثائق السياسية، أنَّ الحسن الثاني هو أحد أقطاب الرؤية الصهيونية في المنطقة العربية، والشخص الذي يمتلك نافذة واسعة ومهمة على الرؤية الأمريكية طبعاً من الجانب العربي، [9]. وقد تكلم ((العراقيون)) معه بشأن الحصار على العراق، من جهته فاتح الأمريكيين حول الموضع الذي يتعلق برفع الحصار، فأجابوه بالتالي، كما تقول الرواية المنشورة التي لم ينفِ صحتها أي مسؤول مغربي، وعلى شتى مستوياتهم الرسمية :

((روى الملك إضافة إلى ذلك أنَّ العراقيين طلبوا منه التوسط لدى الولايات المتحدة لرفع الحصار. ورد عليه الأمريكيون بالشروط التي يطلبونها لرفع الحصار عن العراق وكانت ثلاثة :

1 ـ أنْ يتعهد العراقيون بعدم اِعتراض مسـيرة السـلام لا مع الفلسطينيين ولا مع الأردنيين ولا مع السوريين.

2 ـ أنْ يبدأ العراق بإجراء اِتصال مع إسـرائيل في السر أو العلن ـ لا يهم.

3 ـ وأنْ تكون بغداد جاهزة بدورها للسلام مع إسرائيل.

وكان تعليق الملك أمام سامعيه : ((لم يكن في كل هذه الشروط شرط أمريكي واحد، وإنما كلها شروطاً لإسرائيل))، [10]، فمن هو الأقدر على المساومة : الشهيد صدام حسين الذي اِغتاله الأمريكيون والصهاينة بأيادي صفوية فارسية، أم الأتباع الذين ساروا خلف الدبابات الأمريكية، وليس فقط مَنْ تعاونوا مع الاِحتلال من أخوة السيد نجاح : الطائفيين الصفويين؟.

4 ـ المنعطف الرابع : ماذا اِقترح البابا عبر مبعوثه الذي قابل السيد صدام حسين.

لقد توفرت للسيد مبعوث البابا فرصة اللقاء بالسيد الرئيس صدام حسين خلال العقد التسعيني من القرن الماضي، ودار حديث حول الظروف الإنسانية التي يعيشها وضع العراق، جراء ظروف سياسة أمريكية تتعلق بالحصار العالمي على مجتمعه. وعندما تطرق مبعوث البابا إلى مسألة العلاقة بدول المنطقة، أجابه السيد الرئيس بما مضمونه الذي نعتمد فيه على ذاكرتي الشخصية : أنك جئت لطرح مواضيع إنسانية، وها أنا أراك تتطرق لمواضيع سياسية محددة، تطالب فيها ما طرحه الآخرون، لقد اِستقبلناك على هذا الأساس الإنساني، ولكن يبدو أنك مخدوع كالآخرين بشأن إمكانية تغيير الموقف السياسي العراقي وفق الأجندة الأمريكية /الإسرائيلية، سأترك القاعة لأحد المهتمين بشـؤون البروتوكول، وأذهب لأداء مهمات تتعلق بالشـعب والوطن. وترَك الرئيس المبعوثَ البابوي يتلفت وحيداً، وهو كتلة من الحرج جراء فشله التام.

5 ـ المنعطف الخامس : الموقف من عرض اللوبي اليهودي الأمريكي.

وفي الرسالة الموجهة من سكرتير رئيس الجمهورية والمؤرخة في 15 / 5 / 1994 إلى المرحوم عدي صدام حسين : رئيس اللجنة الأولمية الوطنية العراقية حدد فيها الرئيس صدام حسين الموقف من المحاولات المبذولة للاِعتراف بكيان الاِغتصاب الصهيوني، والتي جاء فيها النص التالي : ((اِطلع السيد الرئيس القائد حفظه الله على رسالتكم المؤرخة في 2 / 5 / 1994 ومرفقها تقرير لقاء السيد سعد عبد المجيد الفيصل ـ وكيل وزارة الخارجية بالسيد رؤوف بطرس غالي وعلـّق سيادته بما يأتي :

بسم الله الرحمن الرحيم

لقد أصبحت الإشارة التي وردتنا عن طريق الجاف عن إمكانية شقيق بطرس غالي (الأمين العام للأمم المتحدة) لتغيير مواقف شقيقه هي بالنتيجة محاولة بصورة أو أخرى وضياع في وهم التصور أنَّ هناك إمكانية لتغيير موقفنا من الصهيونية تحت التلويح بإمكانية أنْ يأتي الفرج عن طريقهم، ألا خسئوا وخابوا وخاب العرب الذين طمئنوهم في إمكانية أنْ يحصل هذا في سياسة بعض الأنظمة الخائبة على الصعيدج العراقي، ولذلك يعتبر هذا الباب مغلقاً إلاّ إذا حاول شقيق بطرس إعادة فتحه فلا مانع اللقاء به، ولكن بشرط عدم طرح موضوعة اللوبي الصهيوني معنا أبداً.

للتفضل بالعلم... مع التقدير.

سكرتير رئيس الجمهورية

15 / 5 / 1994))، [11].

 

ـ 6 ـ

سنضع جانباً المقولة التي يزعم فيها المجتهدون من فقهاء الرؤية الإمامية، كمدرسة من المدارس الفقهية المتنوعة في إطار الرؤية الدينية الإسلامية لأنَّ المعايير التي يلتزم بها المجتهدون ليست حجة على أتباع هذه الرؤية خاصة إذا اِمتزجت الرؤية الطائفية المذهبية بالرؤية العنصرية، عل أرضية الولاء المطلق للرؤية الإيرانية، بصورة لا لبس فيها، ومعززة بالوقائع والمعلومات. حول الاِلتزام بها كمعايير موضوعية لتقويم أي حدث، حول التخلي عن الرؤية المسبقة التي ينبغي التخلص منها في دراسة أية ظاهرة، كون ((التجزئة هي في مصاديق الكلي، لا في أجزاء الكل))، إذ أنَّ ((الاِجتهاد في الحقيقة هو الوحدة المنتظمة لجميع))، [12]، الملكات التي تقوم على أساس معرفة الخبرات أو التجارب على اِختلافها.

ولكننا هنا سنتخذ من رؤية الآخر : المسيحي المتصهين، بالمعنى الحضاري، وكذلك على أساس رؤية تاريخية اِنتظمت مفاعيلها القرون السالفة منذ الغزوة الصليبية والهجوم على الأندلس وحتى السنوات الأخيرة ومروراً بوقائع سنوات الاِستعمار الأوربي في مرحلة المزاحمة الحرة : أي في فترات الصعود الرأسمالي، وهي معايير موضوعية تلتزم فيها كل قيادات الحركة الإسلامية المخلصة، وفق شتى مستوياتها التكوينية، فيمكننا عندها توفير مقياس موضوعي لتقويم الشخصية المغدورة : المرحوم صدام حسين، لاسيما وأنَّ القرآن الكريم يشدد على ضرورة الحكم بالعدل على الظواهر الموضوعية : ((بسم الله الرحمن الرحيم : يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداءَ بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قومٍ على ألا تعدلوا أعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إنَّ الله خبير بما تعملون))، [سـورة المائدة، الآية رقم8]، وفي هذا المجال ينبغي علينا القول التالي :

((مرت يوم أمس ذكرى رحيل القائد العربي التاريخي صدام حسين، على يد زبانية عملاء الاِحتلال الإمبريالي الصهيوني، التي بلغت فيهم الوقاحة التاريخية درجة من النذالة السياسية ما فاقوا بها حتى الرؤية التترية التي اِحتلت بغداد العباسية في الزمن الغابر. التتار كانوا من المشركين وحقدهم على الحضارة العربية الإسلامية كان معروفاً على جميع الصعد. صحيح أنهم اِستعانوا بالعلقمي الفارسي وسيلة لتحقيق مآربهم العسكرية التدميرية، إلا أنهم بقوا بعيدين عن تخريب النسيج الاِجتماعي العراقي العربي المسلم، فلقد بقيت الأمثولة التاريخية لروحية الصفوة المقاتلة لجيش نبوخذ نصر البابلي، ولخلاصة ((فتوة بغداد)) المقاومة للتتار التي هي ظاهرة تاريخية على مدى الأفق الزمني.

كان صدام سليل أولئك ((الصفوة البابلية)) و((الفتوة البغدادية)) بما اِمتلكه من مشروع سياسي وحضاري أراده للأمة العربية الإسلامية كلها، لذلك كان مفكراً وكلياً وشاملاً في تصوره ورؤيته [بالمعنى الفلسفيين] للمستقبل العربي، لذلك اِعتقد الأعداء ـ أو هكذا صورت لهم ذائقتهم الحسية المريضة ـ أنهم بقضائهم على الجسد لهذا الشيخ الجليل الذي بلغ من العمر السبعين عاماً، بأنهم تمكنوا من ((تفكيره ورؤيته))، ولم يعلموا أنهم بمحاولتهم اِغتيال جسده ووأد وعيه السياسي، قد جددوا ولادته الرمزية كصانع لمشروع سياسي رؤيوي.

لقد حل ((المحافظون الأمريكيون الجدد)) : أي المسيحيين المتصهينين بما هم أصحاب برنامج لجعل القرن الأمريكي سائداً في العالم، وأحفاد أرومة الحاقدين على الذاكرة التاريخية لنبوخذ نصـّر والإمام علي في مواجهته ليهود خير، وحملة الحقد ((الفرس الصفوي)) الذين يحاولون الاِنتقام لهزيمتهم في القادسـية العربي ومقتل رستمهم : صانع العسكرية الفارسية، كما يقولون عنه وفي متحفه الذي يحتفي به المعممون يومياً... لقد حلوا محل اليهود والفرس والمحافظين الجدد، و لم يعلم أولئك الجمع الكافر بأنهم جعلوا عبد الله المؤمن رمزاً مضيئا في ليل الظلام السياسي العربي الراهن.

 لنقرأ ما أورده الصحفي الأمريكي في كتاب مشهور تناول خلفيات الرؤية التاريخية للرؤية الصهيونية للقرار الأمريكي : ((مَنْ يحاول سبر أغوار الشرق الأوسط، يرتكب خطأ فادحاً إذا تجاهل التاريخ القديم. فالأسباب الداعية إلى وجود أشد أنصار إسرائيل تعصباً في الولايات المتحدة ـ بما فيهم بعض أقرب مستشاري جورج بوش ـ وهم حلفاء متحمسون لساسة وجنرالات إسرائيل اليمينيين والمتدينين اليوم، موجودة في ذلك التاريخ القديم. فهم ينطلقون من أعماق قصـص التوراة والتاريخ والأسـاطير، وخاصة دراما الإسرائيليات القديمة وأباطرة الشرق [...] هي بمثابة تاريخ حي للباحثين اليهود والمسيحيين الإنجليكانيين والأصوليون والمؤيدين لهم، الذين يلعبون دوراً في منظومة الدعم الأيديولوجي والعاطفي في الولايات المتحدة [...]ودراسة العراق، وبابل وبغداد في التاريخ القديم ـ وخاصة التاريخ اليهودي ـ تساهم في شرح، وفي نفس الوقت تعقيد، الصراع على مستقبل العراق))، [13].

لذلك رأينا بشـكل واضـح العمل الجماعـي الذي قام به المحافظـون الجـدد + جماعة الجلبي + الأحزاب المرتبطة بالرؤية الفارسـية الصفوية، لإحكام شبكة العدوان العسكري على العراق، وتكفل الفرس الصفويون + الموساد + الإثنيين في تصفية خيرة العقول العراقية واِغتيال رموزها الذين يتقدمهم الشهيد صدام حسين باِعتباره الرمز التاريخي لهذا المستقبل، على أيدي أصحاب الرؤية الصفوية الفارسية الموبوءة من الأتباع العراقيين أو المحسوبين على العراق. ويكشف جون كولي في كتابه المعنون التحالف ضد بابل التالي : ((رتب ووليستر [المشرف على رسالة وولفيتيز] لقاءً يجمع بين بيرل والسناتور هنري جاكسون وهو من ذوي الخبرة العميقة بالحرب الباردة، ومن المؤيدين للمصالح الإسرائيلية. كما أنه قدّم بيرل أيضاً إلى أحمد الجلبي الذي كان يأمل (ولكن دون جدوى) أنْ يصبح رئيساً للعراق الجديد بعد سقوط صدام حسين. ومن المعروف أنَّ بيرل يساند بوجه عام أريل شارون ويدعم رؤى حزب الليكود في إسرائيل، وكان يعمل في وقت من الأوقات في مجلس إدارة صحيفة جيروزاليم بوست ؛ ذات التوجه اليميني القوي والمؤيد لشارون. ولقد كان لبيرل علاقات بالعديد من المقاولين في مجال الدفاع الذين كانوا مرتبطين بشكل وثيق بعلاقات عمل مع إسرائيل كاِستشاريين. وهو حاصل على درجة الزمالة في معهد المشروعات الأمريكية (AEI) الذي يعد بمثابة أحد معاقل الفكر المحافظ. وفي المؤتمرات السنوية التي كانت تعقد تحت رعاية كل من معهد المشروعات الأمريكي والرئيس الأمريكي جيرالد فورد في بيفر جريك بولاية كولارودو، كان كل من الجلبي وتشيني ورامسفيد وولفووتز يلتقون مع بيرل، كما كانوا يلتقون مع بعضهم البعض))، [14].

 إنّ ذلك الاِتجاه السياسي والفكري المشترك للتحالف الإمبريالي الأمريكي الإسرائيلي الصهيوني الفارسي الصفوي هو التجلي الأبرز لمجريات الفعل السياسي الراهن الذي كانت محطته الأخيرة إعدام الشهيد صدام حسين وأصحابه الأبرار، لأنّ اِغتيال المستقبل العراقي والعربي هو الهدف السياسي للتحالف الثلاثي الشرير.

فهل نكتفي بهذه المؤشرات الموضوعية أم نضيف المزيد من الوثائق، وهو ما سيكون موضوع الحلقة الأخيرة من البحث في غايات وأهداف أصحاب الرؤية الصفوية الفارسية، الذين يحاولون تمرير السم بالدسم.

ــــــــــــــــــ

[7] ـ راجع كتاب محمد حسنين هيكل المعنون أكتوبر 73 السلاح والسياسة، مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة / مصر، 1414 هـ ـ 1993 م، الطبعة الأولى، ص 34، والصورة التوثيقية لنص المكالمة منشورة على الصفحة 742.

[8] ـ راجع كتاب الدكتور خير الدين حسيب المعنون العراق من الاِحتلال إلى التحرير، سلسلة كتب المستقبل العربي (15)، إصدار مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت / لبنان تشرين الأول / أكتوبر 2006، الطبعة الأولى، ص 447 ـ 461، وبين جنبات تلك الصفحات نص الوثيقة باللغة الأصلية وترجمتها في جريدة الشرق الأوسط.

[9] ـ حول تاريخ الملك الحسن الثاني ودوره في إطار خدمة العمل الأمريكي الصهيوني الإسرائيلي، يرجى مراجعة الصفحات التي تضنها دفتا الرقمين 339 ـ 391، من كتاب الأستاذ محمد حسنين هيكل المعنون كلام في السياسة، قضايا ورجال : وجهات نظر (مع بدايات القرن الحادي والعشرين)، إصدار الشركة المصرية للنشر العربي والدولي، القاهرة / مصر، الطبعة السابعة : نوفمبر 2002 م.

وفيه تقول الوثائق التاريخية عن الدور الإسرائيلي في وصول الحسن الثاني لسدة الملوكية على المغرب لقاء تنفيذ البرنامج الصهيوني بحذافيره بما فيه التجسس على ملوك ورؤساء القمة العربية، وفي الصفحة الأخيرة التي يتناول هيكل مجريات اليوم الأخير من الجنازة الوداعية للملك الحسن الثاني، كتب الأستاذ هيكل التالي ((ويوم 23 / يوليو 1999 وقع ما كان منتظراً، وبدا الوجود الأمريكي في الجنازة كثيفاً بأكثر مما هو لازم.

وبدا الحضور الإسرائيلي مزعجاً بأكثر مما هو محتمل. وكان بين الصور التي رَوَّجَتها وكالات الأنباء صور الملك الشاب الجديد جالساً ومن حوله نطاق من ثلاثة رجال : رئيس الدولة الإسرائيلي ((إيزر وايزمان)) جالساً بجوار الملك الجديد، و((شيمون بيريز)) مائلاً عليه من اليسار، و((إيهود باراك)) مائلاً عليه من اليمين)) + تركيز وسـائل الإعلامية العالمية ((على علاقاته ـ أي الحسـن الثاني ـ مع إسـرائيل وبالذات جهاز ((الموساد))))، ص 391 من الكتاب.   

[10] ـ راجع كتاب الأستاذ محمد حسنين هيكل المعنون المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل، الكتاب الثالث : سلام الأوهام، أوسلو ـ ما قبلها وما بعدها، إصدار دار الشروق، القاهرة / مصر، الطبعة الثانية، 25 أكتوبر 1996، ص 389، والتشديد على بعض الكلمات من وضعي.

[11] ـ راجع كتاب السيد خير الدين حسيب المعنون العراق من الاِحتلال إلى التحرير، مصدر سبق ذكره، ص 462، والأصل عبارة عن صورة فوتغرافية لنص الرسالة.

[12] ـ راجع كتاب العلامة السيد محمد تقي الحكيم المعنون الأصول العامة للفقه المقارن : مدخل إلى دراسة الفقه المقارن، تحقيق المجمع العلمي لأهل البيت، مدينة قم، مطبعة أمير، الطبعة الثانية، سنة 1418 هجرية / قمرية 1997 ميلادية، ص 564 ـ 565.

[13] ـ ويتضمن هذا الهامش [1]، [2] ـ راجع كتاب الأستاذ جون كولي المعنون : التحالف ضد بابل، من ترجمة السيد ناصر عفيفي، إصدار مكتبة الشروق الدولية، القاهرة / مصر، الطبعة الأولى ـ 1427 هجرية ـ يناير 2006 ميلادية، والاِستشهاد مقتطع من الغلاف الأخير من وضع الأستاذ عادل المعلم، أما الإستشهاد الثاني فقد ورد على الصفحة 299 ـ 300 من الكتاب، وعلى التوالي.

 [14] ـ تم نشر هذه الرؤية السياسية التي نستشهد فيها، في هذه الفقرة، في موضوع كلمتنا والمعنونة : أربعون يوماً : والهاربون من ذاكرة التاريخ العادل يتوهمون محاربة طـواحين الهواء، في موقع التحالف الوطني العراقي : www.iraqipa.net. تجدر الإشارة إلى أنَّ كل التشديدات التي وُضعت تحتها خطوط كانت من قِبلي، نظراً إلى أهميتها في سياق المقالة كما أعتقد.   

10 / 2 / 2007

شبكة البصرة

السبت 23 جماد الاول 1428 / 9 حزيران 2007

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس