بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

نجاح محمد علي :

عندما يصر البعض على فضح موقعه في إطار العمالة

ويكرر وقائع إداناته المتتالية من خلال رواياته المتكررة

الحلقة الرابعة والأخيرة

شبكة البصرة

باقر الصراف

كاتب عراقي مقيم في هولندا

بين رؤيتين متناقضتين

ـ 7 ـ

وزيادة في الإيضاح على مسار هذا الرجل من النواحي السياسية والمبدئية والفكرية والريادية، ينبغي علينا إيراد نص الحوار بين ((المأسور)) صدام حسين، أي بين الشخص : الضعيف والذي يبحث عن إنقاذ رقبته، كما يتصور العملاء والأغبياء، من جهة، ووزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد، صاحب السطوة العسكرية الأمريكية والهيمنة المطلقة على حكام المنطقة الغبراء الأساسيين، من جهة أخري، لكي نتبين ((المعلومات التضليلية)) التي يروجها نجاح محمد علي ومَنْ هم على شاكلته ومن أمثاله، ومقارنتها بذلك المحضر الذي يبرز الشهيد وهو في ذروة محنته الشخصية، وكان تفكيره فيها منصباً على الرؤية الوطنية والقومية والحضارية، وكذلك كان فيها بعيداً كل البعد عن القضايا الذاتية التي تهم شخصه وحياته الفيزيقية... بله حتى حياة عائلته وأبنائه وأحفاده، لأن قضية تفكيره كانت منصبة على العراق والأمة العربية : كوطن، ومجتمع عراقي، وأبناء أمته العربية، كتكوين اِجتماعي، الأمر الذي يقتضي منا إيراد أغلب ما جاء في مقالاته الثلاث، بغية توفير عناصر المقارنة ومقاييس الموازنة، مع نص ذلك المحضر، واِستخلاص ما ينبغي اِستخلاصه.

يقول السيد نجاح : ((ولن أتردد أيضا في القول إن واشنطن هي من دفع بطرق مختلفة إلى إعدام صدام في يوم العيد، وأنها ستقوم لاحقا بمحاسبة من نفذ العملية...مع ملاحظة أن واشنطن دعمت مجيء حزب البعث وبالتالي صدام إلى سدة الحكم، وهي من حرضه على إيران وقدمت له كل أشكال المساندة، وشجعته على غزو الكويت، وأيدته في قمع المعارضة الشيعية خلال انتفاضة مارس/شعبان عام 1991، وهي التي أسقطته وقررت محاكمته ورتبت الروزنامة كما أرادت حتى إعدامه((، وهكذا اِختلط حابل المعلومات الأمنية الإيرانية برغبات حامل الأمنيات الدعائية على ما فيها من تناقضات مدهشة لتفسير الدوافع والأفعال، فالولايات المتحدة تساند النظام السياسي وتسقطه تالياً، وتحرضه على الآخرين وتناويء أفعاله، وترتب الروزنامات كلها على ما فيها من خلاف في المصالح واِختلافات في التقديرات والتقارير. واِحترنا يا قرعة منين نحبك، كما يقول المثل العامي واِستخلاص الدلائل الذي يفرزها. فشواهد تأميم النفط العراقي، والمشاركة في حرب تشرين الأول عام 1973، وبناء العراق وجعله قوة مركزية في المنطقة التي دفعت الرؤية الإمبريالية والصهيونية لتجريد الحملة العسكرية عليه في آذار 2003، وتوطين التكنولوجيا في العراق وصرف ما قيمته قرابة المائة مليار دولار على إنجاز تلك المهمة الحيوية من أجل تحقيق الاِستقلال السياسي الفعلي، واِمتلاك أسرار المعرفة التي هي قوة، والنهوض العلمي الشامل والمتوازي، ليست معايير في محاولة قراءة التطورات الموضوعية كلها، وليس التفكير العميق بمدى الإرادة السياسية الحرة، وحقيقة اِستقلالية القرار السياسي السيادي وفقاً لمختلف المفاهيم السياسية الموضوعية، كذلك. وإنما الأيديولوجية الصفوية الفارسية هي المقياس واللحمة والسداة في قراءة لوحة الواقع الموضوعي!.

  ولكنه زيادة في التضليل يقر ((ومبدئيا نسجل أن التعاون مع الولايات المتحدة لإسقاط النظام السابق، والقبول بمبدأ المحاصصة الطائفية والأثتية، ومجرد الوثوق بواشنطن لتصبح هي من يرسم للعراق خريطته الاجتماعية والسياسية وحتى الجغرافية، هو خطيئة سياسية كبرى ارتكبها بعض زعماء الشيعة تُشاهد آثارها كل يوم في العراق الذبيح)).. لذا، وفقاً لمزاعمه، ((فهم يتهيؤون كما يبدو لمعاقبة كل من شارك في حفل الإعدام، خصوصا التيار الصدري، بعد أن صورته طقوس الإعدام، جلادا، رغم أنه كان و لا يزال...الضحية))!. هكذا تبدو المسألة يلصقها محمد علي بالشيعة كتكوين اِجتماعي جراء تصرفات ساذجة ((لبعض زعماء الشيعة))، وهو ظلم سياسي كبير دأب الخبثاء أو العملاء على بثه دائما، وليس هي مسؤولية أحزاب طائفية صفوية فارسية كما هو في حقيقة الواقع المرئي للجميع الذي يمتلك العقل الصادق والمخلص للرؤية الإسلامية الحقة، وهذه الأحزاب سارت خلف الرؤية السياسية الأمريكية حذو النعل للنعل. وأيضاً فإنَّ الأمر متروك لأنـّات الضحايا المثقوبة أجسادهم والمقطوعة رؤوسهم ولعشرات الجوامع المغتصبة وعشرات الآلاف من المهاجرين، وتأكيدات الفلسطينيين، والتطهير الشامل للأحياء، لمعرفة مَنْ هي الضحية الحقيقية التي يشهدها العراقيون، ناهيك عن كل المراقبين المفكرين والكتـَّاب والسياسيين المهتمين،! في كل يوم، وعما إذا كانت جماعة مقتدي الصدر هي المجرمة القاتلة، أو التنظيم البريء من اِغتصاب الجوامع ومختلف الجرائم الأخرى بما فيها قطع رؤوس البنات!؟.

ويفرض السيد نجاح الضحك على القراء والمتابعين في هذا الجو المأساوي، عندما يعتقد، ويسوق اِعتقاده للمساكين من أمثالي، حول اِحترام زمرة / سلطة المالكي للقانون... سلطة المالكي التي صعدت إلى كرسي السلطة بواسطة الدبابات الأمريكية، ونقلته من دمشق / السيدة زينب إلى بغداد المنطقة الغبراء، بعد أنْ قبض على وكيله ((العسكري والأمني)) في مدينة بابل / الكفل، السيد العقيد سلام المعموري مدير أحد الأجهزة القمعية المتخصص بالاِغتيالات والقتل، الذي اِعترف بعشرات جرائم القتل والاِغتيال التي شملت المواطنين المناوئين للاِحتلال الأمريكي الصهيوني والأبرياء من أي جريمة سياسية، ومسؤولية المالكي مباشرة عنها، ولكنه لم يعش ليوم واحد قبل نسفه وقتله على يد الزمرة الأمنية التابعة للمالكي وبتعليمات منه مباشرة لأركان حزب الدعوة في شرطة بابل عند وضع عبوة ناسفة قتلته من أجل ضمان ((سكوته النهائي))، بعد أنْ حرّض أبناء أو عوائل الضحايا المغدورين على التقدم بشكاوى قانونية ضد مرتكبي جرائم اِغتيال ذويهم واِستعداده للتقدم بالشهادة ضد مَن أعطى أوامر الاِغتيال لهم. وكان أتباع مقتدى الصدر هم مَنْ تكفا بتنفيذ التهديدات ضد ذوي الضحايا الشهداء بضرورة سحب دعاويهم القانونية قبل يصيبهم الموت الحتمي على يد العصابات الطائفية، وكان لهم ما أرادوا باِنتظار اللحظة المواتية.

يقول السيد نجاح ((والقانون في المادة 290 من قانون العقوبات لا يجيز إعدامه في يوم عيده)) ولا ندري عن أي قانون يتحدث هذا الصفوي الفارسي، هل هو قانون بول بريمر نوح فيلدمان الطائفي التفتيتي المرسوم في دوائر الموساد؟ أم القانون الإسلامي وعرفه الذي يحرم قتل الفرد بغير الحق؟.

ولكنه مع ذلك يتحدث أحاديث خرافة من قبيل ((بينما المالكي الذي كان يقرأ تقارير عن نية "تهريب" صدام، أراد تنفيذ حكم الإعدام حالا بعد قرار محكمة التمييز وعدم انتظار مهلة الشهر التي حددتها المحكمة. وفي النهاية وافق الأمريكيون على موعد الإعدام إلا أنهم طلبوا عدداً من الضمانات من أن صدام لن يتعرض لاعتداء جسدي أو إهانة عندما يسلمه الأمريكيون للطرف العراقي. وقال الأمريكيون ليس لدينا اعتراض على تنفيذ الحكم ولكن نريد تأكيدات من عدم خرق القانون، وقال المسؤولون العراقيون "الشيعة" لن نخرق القانون... وهذا هو بداية الطريق نحو الفخ...الأمريكي))، يا سلام : أنه الفخ الأمريكي الذي يرسمه الأمريكيون المحتلون ومنِّصبي سلطة المنطقة الغبراء، ووقع فيه ((الطاهر ـ البريء ـ الطيب)) المالكي [!!]، أي سذاجة كتابية تلك، يريد تسويقها على العراقيين ((المفتحين باللبن))، وكذلك ((يقرؤون الممحي)) كما يقول المثل الشعبي العراقي؟ الأمريكيون حاول خداع تلميذهم الطيع، ولكنه سبقهم للغداء بهم قبل أنْ يتعشوا به، وكأنهم لا يعرفون ما يفعلون، وليس السد صدام هو أسيرهم وسجينهم والمتحكمو بقرار مصيره من الألف إلى الياء؟!.

((وهم يخططون منذ زمن لجر التيار الصدري إلى منازلة غير متكافئة لذبحه، بعد تشويه صورته أمام السنّة الذين دافع عنهم الصدريون)) وهكذا يكرر الكلمات ذاتها في مقالتين متتاليتين، فهل التعليمات واحدة أم الغفلة تكمن خلف ذلك؟. ولا يكتفي بتكرار تلك الفكرة، وإنما يكرر الجملة التالية : ((ولن أتردد أيضا في القول إن واشنطن هي من دفع بطرق مختلفة إلى إعدام صدام في يوم العيد، وأنها سـتقوم لاحقا بمحاسبة من نفذ العملية))، ولكنه لا ينسى من ترديد المحفوظة الفارسية الصفوية...((مع ملاحظة أن واشنطن دعمت مجيء حزب البعث وبالتالي صدام إلى سدة الحكم، وهي من حرضه على إيران وقدمت له كل أشكال المساندة، وشجعته على غزو الكويت، وأيدته في قمع المعارضة الشيعية خلال انتفاضة مارس/شعبان عام 1991، وهي التي أسقطته وقررت محاكمته ورتبت الروزنامة كما أرادت حتى إعدامه)).

ومعلوم أننا أثرنا العديد من الأسئلة في مفتتح الموضوع حول هذه النقاط، ونعفي أنفسنا من مناقشة ما يكرره بشكل غبي أو ساذج : السياسي نجاح على القارئين، والمثل الشعبي المناسب الذي ينبغي إيراده هنا، ((إذا كنت كذوباً فكن ذكوراً)) أيضاً.

((وبعد الإعدام، تذكر التسريبات الأمريكية أن حكومة المالكي رفضت تسليم الجثة، وأصرت على الاحتفاظ بها في مكان سري حتى تسمح الظروف بتسليمها لعائلة صدام ودفنها، وعندها تدخل الأمريكيون! نعم إن من حق العراقيين أن يعرفوا الأسرار التي دُفنت مع صدام، لكي يكتبوا التأريخ.. كما هو وليس كما يريد المنتصر وهو ليس الحكومة العراقية!.))، وفي موضع آخر يصدر قراره الذي هو مناط حقد الأمريكيين والصهاينة ضد القيادة العراقية الوطنية والقومية، إذ أنَّ اغتياله، أو إعدامه وفق أقواله هو ((أقل بكثير من العدالة المطلوبة لرجل حكم بلاده بقبضة من حديد ونار)) ويتميز غضباً لموقف الرجل الذي قاد العراق، الثمن الذي واجهه من رد فعل إمبريالي صهيوني : ((المضحك المبكي في قصة إعدام صدام أن أكثر من 35 عاما من فيلم طويل سجل الجرائم التي ارتكبها الرئيس العراقي السابق، لم تترك دقيقتان منه، لدى الرأي العام المتباكي عليه، إلا صورة " البطل الذي هوت به المقصلة وهو يؤدي الشهادتين))!"..

وزيادة في ترديد الرؤية الفارسية الصفوية التي دأب على ترديدها الأسياد والعملاء والإقليميين والصغار في العراق، من أجل تعميق الإساءة لنهج القيادة الوطنية العراقية، يقول هذا الصفوي الفارسي لقد ((دُفن صدام ودفنت معه أسرار لا تريد أطراف عدة الكشف عنها، ومنها بالطبع الأموال الضخمة التي أكدت الوثائق الأمريكية، قبل العراقية أنها تُقدر بـ" مائة " مليار دولار موزعة في حسابات سرية في بنوك عالمية. وإذا لم تكن الإدارة الأمريكية حصلت على معلومات حول هذه الأموال، فان الواضح ـ حتى الآن ـ هو أن هذا الملف يكاد يغلق مع إعدام صدام، ومع " تقليل "الولايات المتحدة ودول غربية من " كفاية الأدلة " بيد السلطات العراقية حول مقدار وكمية هذه الأموال وأسماء الدول أو البنوك التي أُودعت فيها هذه المليارات، مع ملاحظة أن هذه الأدلة تقل بكثير عما بيد السلطات الأمريكية في الوقت الحاضر. لقد أكدت تقارير محفوظة لدى المخابرات المركزية الأمريكية (سي آي أي) في وقت سابق بعد اعتقال صدام، أن هذه المبالغ المسروقة والتي كانت تشكل الثروة الحقيقية السرية لصدام تصل إلى مائة مليار دولار، جمعها صدام منذ عام 1990 حتى 2003. واعتمدت المخابرات الأمريكية لتأكيد حجم الثروة الضخم الذي تم تهريبه،على تقارير،أعدها بعض خبراء التفتيش على الأسلحة في العراق، الذين أتيحت لهم فرصة الاطلاع على الكثير من الأسرار في العراق في عهد صدام حيث كانوا يتصفحون الوثائق السرية ويقومون بتصويرها وتوثيقها لديهم. ومن أهم هذه الوثائق ما ورد في تقرير أعده مفتش الأمم المتحدة وخبير الأسلحة "جارلس دولفر الذي أكد أن الأموال التي جمعها صدام منذ عام 1990 إلى عام 2003 تبلغ نحو مائة مليار دولار. كما أن هناك وثيقة سرية عثرت عليها قوات الاحتلال الأمريكي أثناء دخولها بغداد وتفتيشها لوثائق البنك المركزي، تشير بوضوح إلى أن صدام وجه رسالة إلى محافظ البنك المركزي أمره فيها، بتسليم كل من قصي صدام، وحكمت مزبان إبراهيم، مبلغ (920000000) تسعمائة وعشرين مليون دولار، ومبلغ (90000000) تسعين مليون يورو لإخفائها في مكان آمن. وبينما لم تحظ هذه القضية بالاهتمام الكافي من الحكومة، ربما بسبب انشغالها بالشأن الداخلي حيث العملية السياسية القلقة، والوضع الأمني المتردي، فإن المسؤولين الأميركيين ـ قبل إعدام صدام ـ أولوا هذا الملف اهتماما كبيرا خصوصا وأن هذه المبالغ اعتبرت أرقاما خيالية وانفراد مجموعة من الأشخاص بالتصرف بها يشكل مخاطر كبيرة ومن شانها أنْ تمد الجماعات المسلحة المرتبطة بحزب البعث بإمكانات ضخمة، لذا فان وزارة الخزانة الأمريكية كانت أعدت فريقا خاصا لمتابعة هذا الموضوع بالإضافة إلى تعاونها وتنسيقها مع المخابرات المركزية الأمريكية،وقامت بإرسال وفود إلى سوريا وعمان وسويسرا والدانمارك واليابان، ودول أخرى لتقصي الحقائق وجمع المعلومات عن هذه المليارات من الدولارات الموزعة في بنوك عالمية وبأرقام سرية. كما أن هناك معلومات عن رجال مال كانوا يقومون باستثمار الأموال لصدام، دون استثناء ابنة صدام "رغد" التي يعتقد المسؤولون الأمريكيون والعراقيون أنها مطلعة على جانب مهم من الحسابات السرية لأبيها، وكانت آخر شخص من العائلة التقى بها وتحدث إليها مطولا بشأن خططه المستقبلية، وتزداد الشكوك حول وجود ثروة كبيرة من المال تحت تصرفها، من خلال صرفها السخي للملايين والتي تستثمرها لتغذية الأعمال المسلحة في العراق وتوزيع الأموال على البعثيين والإعلاميين والسياسيين العراقيين المعارضين للنظام ولشخصيات إعلامية وسياسية عربية. كذلك فان المعروف أيضا فان برزان التكريتي هو واحد من أهم حملة مفاتيح الأسرار لعدد غير قليل من الحسابات السرية،ولهذا فقد حظي باهتمام خاص من قبل الأمريكيين من خلال التحقيق معه والذي تناول أسرار هذه الأموال أكثر مما تناول تورطه في عمليات قتل وأسرار تشكيل جهاز المخابرات في عهد النظام البائد. وإذ لم تُعرف بعد المعلومات التي كشفها برزان التكريتي للأميركيين، فان المطلوب من الحكومة العراقية أن تضع على طاولتها هذا الملف الذي يجب أن لا يُغلق ما لم يتم استرجاع هذه الأموال إلى البلد بدلا من "استجداء" الدول المانحة، فلربما عمل برزان لإنقاذ حياته من الإعدام، بعد أن شاهد صور تنفيذ حكم الإعدام بأخيه الذي حكم البلاد بلغة الموت التي شاركه في صياغتهاـ اللهم إلا إذا بقيت في ذهنه الدقيقتان فقط مما سمع بتفاصيلها من المحامين.((!!!

{مع ملاحظة أنَّ كل تلك المعلومات كانت ترددها وكالة المخابرات المركزية : السي آي أي، وتوزعها الشبكات المرتبطة بالرؤية الصفوية الفارسية حتى بالمضمون والكلمات نفسها التي يزعم نجاح محمد علي أنه كاتبها، ومن بين تلك المواقع ((الوكالة الإسلامية للأنباء)). مؤسسة الكوثر الثقافية ـ المركز الثقافي الإسلامي في أوترخت الهولندية. موسوعة بلاد الرافدين، مقالة باِسم د. جمال العلي. موقع شبكة بلاد النهرين نت، نقلاً عن وكالة براثا. وكالة مهر الإيرانية الكائن مقرها في طهران... ألخ ألخ.

ولعل من بين أبرز المعلومات عن الموضوع وعن الشخص المعني هو ما أوردته جريدة المدار في مطلع كانون الثاني / يناير 1996 عن دورٍ للمخابرات الأمريكية والإسرائيلية والمخابرات الأردنية في رسم الأضاليل حول الموقف العراقي، ودور جارلس دوفر فيها. يمكن مراجعة ذلك، بعد كتابة اِسمه في موقع ياهوو [yahoo: WEB SEARCH، جارلس دولفر] في القسم 1، عن اِستنطاق جارلس من قبل السي آي أي، في الفقرة 3، والمعنون موضوعها عن التحقيق مع جارلس دولفر المأخوذ عن موقع جريدة المدار}. وعودٌ على بدء نقول :   

هذه أقوال السيد نجاح محمد علي نوردها بالنص، التي يبدو معها التكرار في الأقوال واضحاً، الأمر الذي يتضح معه أنَّ مصدر المعلومات المذكورة بقلمه ((الإسلامي)) واحد، من ناحية أولى، ومدى قناعته بالروايات الأمريكية التي شكلت ((الميديا)) و((السي آي أي)) عمودها الفقري، من ناحية ثانية، ومحاولة التشويه المالي للشهيد وعائلته يبدوان حقدين فارسين متفجرين بلسان طائفي وقلب عنصري فارسي، لم يتوقفا أبداً عن الأجهزة الدعائية الغربية والفارسية ضد العراق، من ناحية ثالثة، والتستر على أدوار العميل أحمد الجلبي في نثر التضليل على هذه القضايا المالية، فإذا كان الجلبي له مصلحة مالية كونه كان السارق الأول للأموال العراقية، فما هي مصلحة محمد علي : إذا كان عراقياً مخلصاً، في التستر على اللصوص الحقيقيين، إن لم يكن ينفِّذ تعليمات أمنية فارسية صفوية، من أمثال زمرة المقبور باقر الحكيم وأسياد المنطقة الغبراء، من بول بريمر وحتى خليل زادة، ناهيك عن العملاء الأذناب من سلاطين المنطقة الخضراء؟!، من الناحية الرابعة.

يمكننا إيراد المزيد عن إلقاء الأضواء على المزاعم الدعائية التي تقيئها آلياً السيد نجاح محمد علي، ولكننا نتوقف عن ذلك، لجعل المحضر ونصوص اللقاء بين وزير الدفاع الأمريكي والسيد صدام حسين، هو المعيار في قراء التطورات وموقف الشهيد حولها، فلحظة الفصل والفيصل هي لحظة صدق، قبل أي شيء آخر.    

 

... الأطماع الأمريكية...

أسرار اللقاء الأخير بين صدام ورامسفيلد

بالمنطقة الخضراء الخطيرة في المنطقة

هي سبب التعجيل بإعدام صدام

لقاء مع الدكتور خير الدين حسيب

المنشور في جريد نداء المقاومة الناطقة

باِسم التحالف الوطني العراقي

بتاريخ 15 / 1 / 2007

 

شروط طلبها من أمريكا أولها البدء بالانسحاب فوراً

وإطلاق المعتقلين العراقيين وتعويض العراق عما ألحق به من دمار.
صدام: "لا أبحث عن طريق لإنقاذ رقبتي من حبل المشنقة التي نصبتموها للعراق كله...

 لم يبق لي سوى الشرف وهو لا يباع ولا يشترى".


كشف د. خير الدين حسيب مدير مركز دراسات الوحدة العربية أسرار اللقاء الأخير بين الرئيس العراقي السابق صدام حسين ووزير الدفاع الأمريكي السابق دونالد رامسفيلد وذلك في حوار أجرته معه فضائية "إيه.إن.بي" وتطرق الحوار إلي مستقبل العراق وطبيعة علاقاته مع جيرانه وماذا ستكون عليه نوعية العلاقات بدءاً من الجارة إيران ومن ثم سوريا ومن دون أنْ ننسي الجارة الكبيرة المملكة العربية السعودية انطلاقا من الوضع العراقي المتفجر المرتبط عضويا مع الوضع في الشرق الأوسط وماذا سيؤول إليه ملف العلاقات الأمريكية ـ العراقية والإيرانية؟ تجاذبات حاصلة بين طهران والمجتمع الدولي حول الملف النووي ـ العراق والعالم العربي... إلي أين؟

جورج عون: كيف سيواجه العراق جيرانه وماذا ستكون عليه نوعية العلاقات بدءاً من الجارة إيران ومن ثم سوريا ومن دون أن ننسى الجارة الكبيرة المملكة العربية السعودية. انطلاقاً من الوضع العراقي المتفجر المرتبط عضوياً مع الوضع في الشرق الأوسط وماذا سيؤول إليه ملف العلاقات الأمريكية - العراقية والإيرانية؟ تجاذبات حاصلة بين طهران والمجتمع الدولي حول الملف النووي. العراق والعالم العربي... إلى أين؟ عنوان حلقة اليوم نناقشه مع

مدير عام مركز دراسات الوحدة العربية الدكتور خير الدين حسيب. أهلاً وسهلاً بك دكتور.

حسيب: أهلاً بك.

جورج عون: دكتور حسيب، من المعروف اليوم أن عملية إعدام صدام حسين أخذت طابعاً مذهبياً إلى حد كبير، ففي رأيك لماذا تمت هذه العملية في هذا الوضع وفي هذا التوقيت؟.

حسيب: أعتقد قبل أن أجيبك على الجانب المذهبي لعملية الإعدام، أحب أن أتكلم عن الإطار العام لعملية إعدام الشهيد الرئيس صدام حسين. أولاً، المحاكمة نفسها لم تكن قانونية وهي محاكمة تمت تحت الاحتلال. الرئيس صدام نفسه كان سجين حرب وفقاً لاعتراف القوات الأمريكية في المرحلة الأولى من الحرب. إجراءات المحاكمة من تعيين القاضي ثم عزله والضغط عليه للاستقالة، ثم تعيين قاضياً آخر أكثر شدة؛ اغتيال بعض محامي الدفاع؛ الإجراءات خلال المحاكمة إلخ؛ كانت كلها تشير إلى أن المحاكمة غير عادلة إضافة إلى أنها غير قانونية، (1). ويمكن القول: إن الانتقام والحقد تغلبا على العدالة، هذا ما يمكن أنه تلخص فيه محاكمة الشهيد الرئيس صدام حسين.

لماذا اختارت الولايات المتحدة في هذه المحاكمة موضوع الدجيل بالذات وليس مواضيع أخرى مهمة؟ إنّ أي كلام عن إعطاء دور لحكومة العملاء لتحكم العراق أو لرئيس الوزراء، هو كلام غير واقعي وغير صحيح، فمن يحكم العراق هو قوات الاحتلال ويوجد منها 140 ألفاً وهم الذين يديرون الأمور ويقررون ما يريدون.

تمّ اختيار قضية الدجيل كأول قضية أولاً ًلأنه لا يوجد فيها جانب خارجي وليس للأمريكان علاقة في هذه العملية حتى لا تُكشف أية أسرار. ثانياً، وأنا آسف لاستعمال مفردات طائفية ومذهبية لم يعتد لساني عليها ولكني مضطر أن استعمل بعضها لتوضيح الواقع، فان منطقة الدجيل هي مدينة شيعية، وجرت محاولة من مدينة الدجيل لاغتيال الرئيس صدام حسين وكان هذا عام 1983 أثناء الحرب العراقية ـ الإيرانية، وكانت هناك شائعات بان إيران كانت وراء هذه العملية. كما تم تنفيذ الإعدام في "الكاظمية" وهي منطقة شيعية. الهدف إذن هو إثارة قضية طائفية مذهبية في العراق ولها علاقة بإيران. هذا هو جزء من المخطط الأمريكي من البداية لإثارة القضية الطائفية في العراق حتى يقتتل العراقيون مع بعضهم بعضاً، وحتى يتفرقوا ويتمزقوا كي لا يتحدوا تجاه الاحتلال ومقاومة الاحتلال.

لماذا تم الإسراع في عملية التنفيذ؟ من يعتقد أن نوري المالكي هو الذي قرر التنفيذ هو على خطأ. الأمريكان حاولوا، كما سأبين فيما بعد، بمختلف الوسائل، أن يعقدوا صفقة مع الشهيد الرئيس صدام حسين لإخراجه خارج العراق هو وعائلته وليعيش في بلد أوروبي، ومنحه كافة التسهيلات، مقابل أن يطلب من المقاومة وحزب البعث بالذات الدخول في العملية السياسية وقد رفض هذا العرض. وبعد قليل سأتكلم عن هذا الموضوع.

إضافة إلى الملاحظات العامة التي ذكرتها حول الموضوع، أعتقد أن الشهيد الرئيس صدام حسين اُغتيل ولم يعدم.. لأن هذا الإعدام لا ينطوي على حكم شرعي. أما عن الإسراع في التنفيذ، فلأن الأمريكان لم يردوا أن يتابعوا المحاكمة في قضية حلبجة والأنفال إلخ، لأنها ستكشف الجانب الأمريكي والجانب الأوروبي في تزويد العراق بالأسلحة الكيماوية ودور أمريكا في الحرب العراقية الإيرانية وهي تريد عدم كشف صدام حسين ذلك. وأرادت لكثير من الأسرار التي تشكل خطراً على الإدارة الأمريكية أن تموت مع الشهيد صدام حسين.

جورج عون: دكتور،أنت إذن تتهم الولايات المتحدة الأمريكية بأنها وراء إعدام الرئيس صدام حسين، ولكن السفير الأمريكي في العراق تنصل من هذه المسؤولية وقال إنه نصح الحكومة العراقية بتأجيل موعد الإعدام على الأقل مدة عشرة أو خمسة عشر يوماً. إذن، لماذا برأيك أنت؟

حسيب: لم يعد من الممكن أن نُخدع بما يقوله الإعلام. فنحن نعرف مصادر الإعلام ومن يسوق هذه الأخبار.الشهيد صدام حسين لم يُسلّم إلى الحكومة العراقية إلا قبل ساعة من موعد الإعدام. وكان بإمكان الأمريكان أن يؤجلوا الإعدام لأنه كان تحت حراستهم وليس بإمكان الحكومة العراقية العميلة أن تنفذ حكم الإعدام إذا لم تستلمه من الأمريكان. فهذا الكلام مرفوض.

ثانياً، نحن نعلم الآن أنه كانت هناك رغبة في دفنه في المنطقة الخضراء وأنه لم تتم الموافقة على نقله ودفنه في مسقط رأسه في العوجة في تكريت إلا بموافقة الرئيس بوش، لهذا أيقظوه من النوم وأخذوا موافقته. وفي المرحلة ثانية اضطروا لأخذ موافقة الرئيس بوش مجدداً عندما أرادت ـ ما تسمى ـ الحكومة العراقية أن تنقله في سيارة من المنطقة الخضراء إلى العوجة في تكريت ورفض رئيس العشيرة ذلك لأنه كانت هناك خطة لاختطافه في الطريق والتمثيل به إلخ، وأصرّ على أن يُنقل تحت الحماية والحراسة الأمريكية واضطروا لأخذ موافقة الرئيس بوش مرة ثانية ونُقل بهليوكوبتر. وكل الكلام الذي يقال عن المالكي وغيره ليس سوى محاولة لاستكمال ملف التحريض الطائفي، فنوري المالكي شيعي وحكومته أغلبيتها شيعية، وما قيل عن مقتدى الصدر والأمور الأخرى التي قيلت كان الهدف منها تكريس وتعميق الجانب الطائفي الذي بدأت فيه أمريكا والتي لا تزال تنفذه منذ تشكيل مجلس الحكم إلى الآن. أمريكا منذ أن احتلت العراق لم تتكلم عن شعب اسمه الشعب العراقي بل هي تتكلم عن شيعة وسنة، وتركمان وأكراد وعرب إلخ، فبالتالي أعتقد، وهذا ما تقوله الصحف الأمريكية والبريطانية والعالمية، أمريكا تتحمل المسؤولية.

جورج عون: لكن دكتور إذا قلبنا الموقف، إذا اعتبرنا أن صدام حسين هو من يُحاكِم، هل تعتقد أنه كان سيسمح بإجراء محاكمة علنية بهذا الشكل كالتي حصلت فيه المحكمة؟ هل كان سيسمح لخصمه أن يأخذ حيزاً كبيراً من الإعلام؟ الحكومة الأمريكية أو الحكومة العراقية الحالية سمحت إلى حد كبير لصدام حسين أن يبرز ما يقوله وأعطته فترة طويلة من الأخذ والعطاء.

حسيب: أولا ذكرت لك أن هذه محكمة غير شرعية وغير قانونية. والتساؤل عما كان صدام يفعله لو كان يُحاسِب، يسمح أو لا يسمح، فهناك بيت شعر ساخر يقول:

إذا كنت تجزي الذنب منّي بمثله

فما الفرق بيني وبينك يا رب

فوقوع خطأ لا يبرر وقوع خطأ آخر.

 وأنا أتكلم عن شيء اسمه قضية الشعب العراقي وقضية العراق ولا أتكلم فقط عن إعدام الشهيد صدام حسين.

أنا أعتقد، إضافة لما قلته حول المحاكمة، سيكون صدام ميتاً أقوى منه حياً في التأثير في التطورات العراقية. صدام مهما قيل في بعض ممارساته، فإن التاريخ لا يحكم على الحكام في العالم من خلال جانب معين فقط من حكم هذا الحاكم، بل يأخذ مجمل إنجازاته وإخفاقاته وفي النتيجة يحكم عليه بحصيلة أعماله. فيما يتعلق بالديمقراطية والديكتاتورية قد يكون معظمها صحيح، ولكن بالنسبة إلى إنجازاته هناك أمامي الآن تقارير أمريكية وبريطانية وغيرها، تشير إلى إنجازاته خلال العقدين الأخيرين من حكمه، ويشير أحدها(2) إلى سياسته الخارجية القومية Pan Arab، كما يشير إلى أن منظمة الصحة العالمية تقول كان في العراق قبل الاحتلال نظام صحي هو أفضل نظام صحي في الشرق الأوسط. كما قام بمبادرات لتعبيد طرق العراق وبناء المستشفيات والمدارس وتعليم العراقيين القراءة، وربما من أهم إنجازاته أنه حافظ على العراق موحداً. وفي الثمانينيات من القرن العشرين أعطت اليونسكو جائزة للعراق كأول دولة نامية تقضي على الأمية. هذا إضافة إلى تطوير الجيش العراقي وتسليحه، وإنشاء قاعدة صناعية كبيرة، وتطوير قاعدة علمية وتكنولوجية مهمة جداً، وغير ذلك من الخدمات لشعبه. والأهم من كل ذلك تأميمه للنفط (شركات النفط الأجنبية في العراق) عام 1972.

جورج عون : لكن دكتور هذا لا يكفي لأن نسامح صدام حسين؟


حسيب: أنا لا أتكلم عن مسامحة الرئيس صدام حسين، بل أنا أتكلم عما يقوله العراقيون وما يقوله الأمريكان. فلننظر أولاً إلى ما يقوله العراقيون:

في أواخر نوفمبر الفائت (2006)، قام مركز العراق للبحوث والدراسات الإستراتيجية باستطلاع للرأي العام العراقي للوقوف على رؤية العراقيين حول مختلف الأوضاع في بلادهم بما فيها الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية(3). وشمل ثلاث محافظات هي بغداد والنجف والأنبار.

ويبين هذا الاستطلاع، إضافة إلى أمور أخرى، إلى أي حد هناك انقسام طائفي في العراق كما يقولون: ففي هذا الاستطلاع سألوا الأشخاص الذين إستطلعوهم عن دينهم ومذهبهم. وقد رفض خمسون بالمائة من الذين استجوبوهم أن يقولوا فيما إذا كانوا شيعة أو سنة،هذا رغم الظروف السائدة ورغم التعبئة الطائفية والمذهبية.سألوهم أيضاً هل ستصوتون لنفس الأشخاص إذا أعيدت الانتخابات؟ 47 بالمائة قالوا لا، 26 بالمائة قالوا نعم و20 بالمائة كانت إجاباتهم:لا أعرف،أي أن 20 بالمائة فقط أكدوا أنهم سينتخبون نفس الأشخاص. وعن السؤال عن مدى الثقة بأعضاء مجلس النواب الحالي؟ قال 64 بالمائة قالوا أنهم لا يثقون بأعضاء مجلس النواب الحالي، إما مطلقاً أو إلى حد ما. سألوهم عن الأوضاع الأمنية في العراق حالياً بالمقارنة مع ما كانت عليه قبل الحرب، وكانت الإجابة 95 بالمائة قالوا: أن الأوضاع اليوم أسوأ. وعندما سألوهم عن الأداء الأمني للحكومة الحالية فان 90 بالمائة وصفوا الأداء الأمني للحكومة الحالية بالرديء وعندما سألوهم عن التوقيت المناسب لمغادرة القوات المتعددة الجنسية، 51 بالمائة أجابوا: انسحاب فوري و20 بالمائة وفق جدول زمني. وحول رؤية العراقيين للعهد السابق، 90 بالمائة أجابوا: بأن الوضع الآن هو أسوأ مما كان عليه قبل الحرب. وسألوهم عن تقييمهم للوضع السياسي، 90 بالمائة أجابوا: أسوأ مما كان عليه قبل الحرب. وعن الوضع الاقتصادي أجاب أكثر من 79 بالمائة بأنه أسوأ. وعن دور الحكومة في معالجة الاحتقان الطائفي، 90 بالمائة قالوا إنه سيىء. هذه جوانب مختلفة لآراء عراقيين في استطلاع للرأي العام تم في العراق، وتم في بغداد التي تمثل حوالي ستة أو سبعة ملايين من مجموع 27 مليون نسمة (حوالي ربع السكان) إضافة إلى النجف والأنبار، والأولى شيعية والأخرى سنية.

جورج عون: ولكن لنكن هنا منصفين وعادلين، هل تم سؤالهم: ما رأيكم بصدام حسين عندما كان رئيساً للجمهورية؟ طبعاً لم يسألوهم هذا السؤال. ولكن لو سألوهم هذا السؤال لربما يكون الجواب أنه أدخل العراق في حرب مع إيران وذهب ضحيتها آلاف الأشخاص.

حسيب: هم يسألون عن الوضع الأمني والوضع الاقتصادي وسألوا عن مختلف الجوانب وكان الجواب أن الوضع الآن أسوأ من قبل الاحتلال. أنا لا أجادل فيما يتعلق بنظام الحكم وإلى أي حد كان ديمقراطيا أو ديكتاتورياً، أنا لا أجادل في كل ذلك. لكن كل ما يقال عن طائفية النظام فالذين جاؤوا بقضية الدجيل حتى يسقطوا النظام بهذا الشكل، فحتى السيد السيستاني عندما سألوه عما إذا كان نظام صدام حسين طائفيا، أجاب بلا، نظام صدام حسين لم يكن طائفياً بل كان ديكتاتورياً. أغلبية أعضاء حزب البعث كانوا من الشيعة، وأغلبية قيادة حزب البعث كانوا من الشيعة، وأول اثنين من الأمناء العامين لحزب البعث كانا شيعيين.

جورج عون: لكن دكتور، هؤلاء الأشخاص لم يكونوا شيعة بالمعنى العام للكلمة، بل كانوا مستفيدين من النظام ومن البعث ومن الحكم.

حسيب:لا تستطيع أن تعمم هذا، من الصعب أن تظلم مليونين أو ثلاثة ملايين، لا أعرف عدد الأشخاص المنتمين إلى حزب البعث، فمن الصعب أن تظلم الناس وتسميهم مستفيدين من حزب البعث، الشعب كله كان مستفيدا من الناحية الغذائية ومن الناحية الصحية وخدمات الكهرباء والتعليم والصحة وغيرها، وكان ذلك عكس ما هو موجود حالياً.

جورج عون: صدام حسين جلب الأمريكيين إلى المنطقة، صدام حسين غزا الكويت، صدام حسين قام بعملية عسكرية لمدة ثمانية أعوام مع إيران. كيف يمكن أن نقول أن كل هذه العوامل أتت بمجرد الدخول إلى العراق، فصدام حسين هيأ الأرضية لكل هذه العناصر التي نتكلم عنها اليوم لحدوثها.

حسيب: مرة أخرى أنا لا أناقش في الجانب الذي يتعلق بالحريات وديكتاتورية النظام إلخ. وقد أكون أنا، كما تعرف أنت، أحد ضحايا هذا النظام. فدعني أتكلم عن واحدة تلو الأخرى.

فيما يتعلق بحرب إيران. ما دور أمريكا في حرب إيران؟ما هو السعودية والكويت ودول الخليج في حرب إيران؟ من موّل حرب إيران؟ من جهّز العراق بالأسلحة الكيماوية وغيرها؟ هناك تقارير أمريكية، فالبنتاغون(وزارة الدفاع) بعد انتهاء الحرب العراقية ـ الإيرانية أصدر تقريرا في (1200) صفحة يبين دور أمريكا في ذلك، ويبين أنه فيما يتعلق بحلبجة (وليس الأنفال) أن أول من استعمل الأسلحة الكيماوية كان الإيرانيون، وقد استعملوا أسلحة كيماوية غير موجودة لدى العراق. إعدام صدام كان لمنع كشف كل هذه المعلومات الخاصة، وسأتكلم عن جانب منها لاحقاً في هذه الحلقة.

فيما يتعلق بالكويت، صدر مؤخراً كتاب ألفه مفكران ودبلوماسيان أمريكيان، هما جورج ماكغفرن الذي كان عضو الكونغرس والمرشح الديمقراطي للرئاسة والدكتور وليام بولك وهو دبلوماسي أمريكي وأستاذ جامعي سابق، وعنوانه "الخروج من العراق: خطة عملية للانسحاب الآن"، وصدر في يوليو الفائت (2006) وقام مركز دراسات الوحدة العربية بترجمته ونشره قبل أسبوعين ديسمبر 2006 وإذا قرأت الكتاب، ترى كيف أنّ الأمريكان نصبوا فخاً للرئيس صدام حسين كي يحتل الكويت وأنا لا أبرر احتلال الكويت فأنا ضده، لكن دور الأمريكان في احتلال الكويت، ودور بعض الخليجيين في استفزاز العراق في زيادة الإنتاج من النفط وتخفيض الأسعار إلخ أصبح معروفاً وموثقاً. حرب الكويت لها ما قبلها وما بعدها، وأنا سبق أن تكلمت عن هذا الموضوع في مقابلات سابقة بالتفصيل. أحد الأسباب وراء هذا الاستعجال في الحكم على الرئيس صدام بالإعدام والإسراع في تنفيذ الحكم هو أن يذهب صدام مع ما لديه من أسرار ومعلومات وتذهب معه إلى القبر وتبقى مدفونة، هذا أحد أسباب الاستعجال.

السبب الثاني للاستعجال، وسأكشف هذا الموضوع فيما بعد. كان يُعتقد أنه مادام الرئيس صدام حسين موجودا وحيّا حتى وهو داخل السجن، فإن المقاومة، خاصة حزب البعث منها، لن تدخل في المفاوضة مع الاحتلال والالتحاق بالعملية السياسية.

جورج عون: لكن دكتور حسيب، هل يمكن تصنيف صدام حسين على أنه كان يتعاون مع الولايات المتحدة في حربه ضد إيران وفي دخوله إلى حد ما إلى الكويت، فماذا تقول؟ أنت تقول أنه تم إعدام صدام حسين على عجل لإخفاء الأسرار التي كانت بحوزته، فهل هذا يعني أن صدام حسين كان عميلاً للولايات المتحدة الأمريكية؟

حسيب: في اللغة الإنجليزية هناك تعبير يقول Contradiction In Terms" أي "تناقض في المصطلحات"، إذ كيف تعدم الولايات المتحدة عميلاً لها؟ أنا ذكرت الحرب العراقية ـ الإيرانية ولا يوجد مجال للتفصيل أكثر، واقترح على من يريد أن يرى أن يرجع إلى خلفيات كيف دُفع صدام للدخول إلى الكويت. لكن هذا لا يبرر الحرب على الكويت، على الرغم من كل الاستفزاز ورغم تدخل دول الخليج ودعمه للعراق ليتخلصوا من الخطر الإيراني.

في عام 1988 وبعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية،عيّنت الولايات المتحدة الجنرال شوارزكوف قائدا عاما للقيادة المركزية، وكانوا يسمونها قوات التدخل السريع.وفي عام 1989 طلبوا من شوارزكوف أن يقدر المخاطر التي تواجه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وكانت الحرب الباردة تقترب من نهايتها. وكتب شوارزكوف بعد انتهاء حرب الخليج مذكراته وكان القسم الأول عن فيتنام والقسم الثاني عن حرب الخليج. وأول ستين صفحة تتحدث في هذا. وهو تحدث عن تفاصيل جولته وزياراته إلى الشرق الأوسط إلخ. وعاد في آخر عام 1989 وقدم تقريرا إلى الإدارة الأمريكية يقول فيه أن الخطر الأول والأساسي على الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ومصالحها هو العراق. واعتباراً من أول عام 1990 بدأت كل الحملة الإعلامية على العراق،عن المدفع الكبير وغيره والجاسوس بازوفت وإلخ، وكانت أمريكا خلال الحرب العراقية الإيرانية قد أعطت تسهيلات ائتمانية للعراق بقيمة عدة مليارات من خلال بنك الاستيراد والتصدير الأمريكي، وكان باقيا منها ملياران أو ثلاثة لم يتم استعمالها فألغتها إلخ. ونتيجة لذلك فإن قوات التدخل السريع التي لديها تمرين سنوي يُحدد فيه العدو وتجرى لمناورات لتدريبه على ذلك الأساس. في عام 1990، وخلافاً لكل السنوات السابقة التي كان فيها الاتحاد السوفييتي هو العدو وحيث إن الحرب الباردة قد انتهت، فكان التمرين في عام 1990 على أساس أن العراق هو العدو. ومن ثم يذكر شوارزكوف تفاصيل تحدد حتى الأهداف التي تقصف. والتمرين بدأ في يوليو 1990 وتداخل مع الحرب . [أي قبل الدخول العراقي للكويت بشهرين تقريباً ـ ملاحظة من وضع المحرر في نداء المقاومة].

فقضية التخلص من الرئيس صدام هي قضية سابقة،وموقف أمريكا من صدام هو موقف سابق لقضية الكويت،من عام 1989 وأول عام 1990 أمريكا وبريطانيا كانتا مصممتين على القضاء على الرئيس صدام حسين. والسؤال لماذا؟

العراق خرج من الحرب ولديه جيش تعداده حوالي مليون ولديه خبرة قتالية وأسلحة، كما تبين للأمريكان أن الرئيس صدام حسين لديه طموحات وحدوية خارج العراق. وتبين لهم كذلك أن الرئيس صدام حسين استطاع أن يطوّر قدرا من أسلحة الردع تؤثر على إسرائيل وتؤثر على إستراتيجية أمريكا في المنطقة. كما أن موقف العراق من القضية الفلسطينية في ظل نظام الرئيس صدام حسين كان موقفاً لا يقبل المساومة، وأصلاً كان ضد قيام دولة إسرائيل. وهناك وثائق حول ذلك، ولكن ليس لدينا الوقت الكافي حتى نتكلم عنها. وعلى سبيل المثال فقط، في عام 1975 اجتمع هنري كيسنجر، عندما كان وزير الخارجية الأمريكية، مع الدكتور سعدون حمادي وزير الخارجية العراقي آنذاك،في باريس وكان الاجتماع سرياً، ونشرت الوثائق، ونشرتُ نص الوثيقة بالإنجليزية في كتابي الأخير عن "العراق: من الاحتلال إلى التحرير".الخلاف الرئيسي بين كيسنجر الدكتور سعدون حمادي (وهو موقف رسمي للعراق وليس شخص للدكتور سعدون) كان حول الموقف من إسرائيل، وأن العراق لا يعترف بوجود دولة إسرائيل، وأن القضية ليست قضية استرجاع المناطق المحتلة في عام 1967 وبعدها زار عدد من الساسة الأمريكان العراق وكان يُثار هذا الموضوع دائماً. والعراق دائما ورغم أنه كان تحت الحصار كان البلد العربي الوحيد الذي يساعد مالياً الانتفاضة الفلسطينية التي بدأت عام 1987، رغم أنه كان تحت الحصار.

جورج عون: لكن هناك من يقول إن هذه المساعدة أتت لأن صدام حسين كان على خصام مع كل الدول المحيطة به، وكانت هذه هي الورقة الوحيدة التي يلعبها في سبيل الوصول إلى هذه القومية.

حسيب: هذا غير صحيح. بعض الأنظمة العربية الأخرى، مصر والأردن واليمن دخلت مع العراق في مجلس التعاون العربي. سمات النظام العراقي الرئيسية لم تتغير منذ أن وصل إلى الحكم حتى الغزو الأمريكي، فلماذا دخلوا معه في مجلس التعاون العربي إذا كانوا غير موافقين على طبيعة النظام؟ أجبني لماذا؟

بعد قليل سأبين لك دور الأنظمة العربية في اغتيال الشهيد صدام حسين وفي الحرب على العراق وهم مسؤولون عن كل ما حصل ويحصل في العراق، وهم مسؤولون أيضاً عن اغتيال الرئيس صدام حسين، وسأبين لك ذلك بالوثائق وبالتفاصيل.

جورج عون: ولكن دكتور من المعروف أن صدام حسين لو كان لديه بعض العطف من العالم العربي ومن حكام العالم العربي ولم يقم بهذه الأعمال التي فعلاً آذت العالم العربي، فإذا اعترفنا بأن ما قام به في الكويت لا يمكن عمله، أنت تتكلم عن قومية صدام حسين فأين كانت قوميته عندما دخل الكويت واحتلها في 24 ساعة.

حسيب: سبق أن ذكرت لك في البداية أنه لا يمكن للتاريخ أن يحكم على حاكم من خلال حادثة واحدة أو قضية واحدة.

جورج عون: هذه ليست حادثة واحدة، بل هي بلد بكامله.

حسيب: سبق أن قلت لك إنني ضد احتلال الكويت، فلا تعدني دائماً إليها وتترك كل ما أقوله لك وتعود لاحتلال الكويت. فأنا أعترف لك بدكتاتورية النظام وبالخطأ في احتلال الكويت.

جورج عون: لكن أنت تدافع عن قومية صدام حسين.

حسيب: صدام حسين ساعد الدول العربية بأكثر مما ساعدها أي نظام عربي آخر. في مؤتمر قمة في عمان عام 1980 العراق هو الذي اقترح برنامج مساعدات للدول العربية الفقيرة مثل الصومال وجيبوتي وموريتانيا وغيرها بخمسة مليارات دولار.

جورج عون: لكن أين كان الشعب العراقي؟ وتحت أي ظرف كان الشعب العراقي عندما تبرع صدام حسين للدول العربية؟ أين كان الشعب العراقي؟

حسيب: مع اعترافي بما قلته لك سابقاً، نحن يجب ألا ننظر بعين واحدة، وعلينا ألا نفتح عينا ونغلق أخرى ودون محاولة لتبرير تجاوزات النظام السابق. فالشعب العراقي قد لا يكون هو الشعب العربي الوحيد غير الراضي عن حاكمه، فغالبية الشعوب العربية الأخرى غير راضية عن حكامها. قل لي أي شعب عربي راضٍ عن حكامه. وقد لا يكون هو الشعب العربي الوحيد الذي لم يختر حاكمه بحرية، والشعب العراقي قد لا يكون هو الشعب العربي الوحيد غير القادر على تغيير حاكمه. فلماذا نتحدث عن العراق والنظام العراقي ولا نتكلم عن الآخرين.

جورج عون: لكن،هل هناك أحد من الحكام العرب نكّل بشعبه بقدر ما نكّل صدام حسين بالشعب العراقي؟

حسيب: سوف نرى بعد قليل من نكّل بالعراق ومن شجّع أمريكا وقدم لها التسهيلات لاحتلال العراق وما جرى في العراق.

دعني أُكمل لك بعض النتائج، وأرجو أن أقرأ الآن محضر اجتماع السيد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي مع الشهيد صدام حسين في سجنه وما عرضه عليه، وسبق أن أشرت إلى هذا اللقاء في محاضرة لي في واشنطن نفسها في جامعة جورج تاون، ولم تجرؤ أية جهة أمريكية على تكذيب ذلك. وعندي الآن نص المحضر، وأريد المشاهدين أن يطلعوا على نص المحضر ليعرفوا ماذا تريد أمريكا. وهل حاولت دفن الأسرار مع الرئيس صدام حسين عن طريق عرض إرساله إلى الخارج لتكميم فمه وفشلت في ذلك، ولذلك لجأت إلى إعدامه، وهذا اللقاء تم بين رامسفيلد في زيارته للعراق خلال الأشهر الأولى من عام 2005.

جورج عون: أي أثناء محاكمة صدام حسين.

حسيب: لا أذكر الآن متى بدأت المحاكمة.

تفاصيل محضر الحوار بين صدام ورامسفيلد من مصادر أمريكية موثوقة وهذا هو نص المحضر (وأنا اقتبس):

 "في بداية الحديث كان الرئيس صدام يبدو هادئاً للغاية، ربما يكون قد فوجئ بأن ضيفه هو رامسفيلد، إلا أنه لم يبد عليه أي توتر عصبي، بدأ رامسفيلد الحديث بالقول:

رامسفيلد: لقد جئت للقائك لأتفاوض معك حول الموقف في العراق، لقد أجرينا اتصالات مع بعض أنصارك داخل وخارج العراق، وقد نصحونا بأن نستمع إليك.

صدام حسين:وماذا تريدون؟ لقد احتلت قواتكم أرض العراق الأبي، وأسقطتم نظام الحكم دون سند من شرعية، واعتديتم على سيادة بلد حر مستقل ذي سيادة، وارتكبتم جرائم سيسجلها التاريخ ليكون شاهداً على حضارتكم المخضبة بالدماء، فماذا تريدون بعد كل ذلك؟

 رامسفيلد (يحاول أن يكتم غيظه): لا داعي للخوض في الماضي لقد جئت خصيصاً لأعرض عليك عرضاً واضحاً ومحدداً، وأريد أن أسمع منك إجابة واضحة ومحددة.

صدام حسين (ساخراً): أظنك جئت للاعتذار وإعادة السلطة للعراقيين.

رامسفيلد: ليس هناك ما نعتذر عنه، لقد شكلت خطراً على جيرانك وسعيت لامتلاك أسلحة دمار شامل ومارست الدكتاتورية على شعبك وكان طبيعياً أن نمد أيدينا لشعب العراق لنخلصه من المخاطر التي واجهته على مدى أكثر من ثلاثة عقود.[لنلاحظ أن نجاح محمد علي والمذيع يكرر ذات مفردات الميديا الأمريكية المخاتلة!!، ملاحظة مني أنا].

صدام حسين: أعرف أنك جاهل بالتاريخ، وأعرف أن رئيسك لا يقل جهلاً، ولكن يبدو أنكم ظللتم تكذبون حتى صدقتم أنفسكم، إذا كنت تقصد بجيراننا الكيان الصهيوني فنحن فعلاً كنا نشكل خطراً ونعد العدة لتحرير أرضنا المغتصبة في فلسطين، وهذه أمنية كل إنسان عربي وليس كل عراقي فقط. فهذه الأرض عربية وشعبها عربي والصهاينة هم الذين احتلوا الأرض وجاءوا إلينا من كل أنحاء العالم بمساندتكم أنتم وقوى الاستعمار القديم، أما إذا كنت تقصد الكويت، فأريد أن أسألك: هل انسحبتم من الكويت أم لا؟

رامسفيلد: هذه قضايا أمنية، ثم إنه بيننا وبين الكويت ودول الخليج الأخرى اتفاقات أمنية.. لقد جئنا بناء على طلب منهم، لحمايتهم من تهديداتك.

صدام حسين: أليس مضحكاً أن يؤتمن الذئب على الخراف، إن شعب الكويت شعب عربي، والكويت هي أرض عراقية، ولذلك أدعوك أن تقرأ التاريخ جيداً، وإن كنت على ثقة أنك لن تستوعبه.


رامسفيلد: دعك من هذا الهراء، أنا أعرض عليك...


صدام حسين (مقاطعاً): قبل أن تعرض علي بضاعتك الفاسدة أنا أسألك: هل وجدتم أسلحة الدمار الشامل في العراق أم لا؟

رامسفيلد (مرتبكاً): لم نعثر عليها حتى الآن، لكن حتماً سنعثر عليها في يوم ما، هل تنكر أنه كانت لديك نوايا لصناعة قنبلة نووية؟

صدام حسين: لم تكن لدينا أسلحة دمار شامل منذ عام 1991 لقد كنا صادقين ونحن نتحدث مع بعثة التفتيش الدولية، وكنا صادقين في رسائلنا إلى كوفي عنان، وكنتم تعرفون هذه الحقائق، لكنكم كنتم تبحثون عن أية ذرائع كاذبة لاحتلال العراق وإسقاط سلطته الشرعية.

رامسفيلد: لقد استقبلنا العراقيون بسعادة بالغة ورحبوا بنا، وكان السبب هو ممارسات نظامك الدموي على مدى كل هذه السنوات التي حكمت فيها العراق.

صدام حسين:أرجوك يا سيد رامسفيلد.. كفاك كذباً، فأنتم الذين فجرتم شلالات الدماء على أرض العراق، لقد تآمرتم علينا وجئتم ببعض الخونة ليحتلوا السلطة على أرض العراق العظيم.

رامسفيلد: من تسميهم خونة اختارهم الشعب العراقي كقادة له بطريقة ديمقراطية وانتخابات نزيهة لم تحدث في ظل حكمكم للبلاد.

صدام حسين: لقد عرفت أنكم جئتم بجوقة الخونة وفي مقدمتهم الطالباني، (ضحك ساخراً)، العراق العظيم يحكمه الطالباني والجعفري، ألا يدعو ذلك للسخرية؟!.. ثم عن أي انتخابات تتحدث.. هل يجوز أن تجري انتخابات حرة كما تقول في ظل احتلالكم لبلدنا؟ يا سيد رامسفيلد لقد تعلمنا من التاريخ أن المحتل لن يأتي إلا بأعوانه وعملائه، ثم تريد بعد كل ذلك أن تقنعني بأن شعب العراق يتمتع بالحرية والديمقراطية، إنك حقا تهذي.

رامسفيلد (يكتم غيظه بشدة): أنت معزول ولا تعرف حقائق ما يجري في الخارج، إن الشعب العراقي تحرر من ظلمك، ولو رأوك أنت أو أيا من رجالك في الشارع لفتكوا بك..!!

صدام حسين: وأنا أراهنك إذا استطعت أن تعلن عن مكان وجودك في العراق، لو علمت المقاومة العراقية بمكانك لما استطعت أن تخرج حياً، إنني أريد أن أسدي نصيحة إلى رئيسك "الغبي"، عليك أن تبلغها له وهي أن ينقذ ما تبقى من جنوده، إن الموت يحاصرهم من كل مكان، والتاريخ لن يرحمه.

رامسفيلد: لقد جئت للحديث معك حول عمليات "الإرهاب" التي يحرض عليها رجالك وينفذونها.. لقد قام رجالك مؤخراً بعملية دنيئة استهدفت سجن أبو غريب، حيث أصابوا وقتلوا أكثر من خمسين أمريكياً، كما أنهم قتلوا عددا من المقبوض عليهم بتهم مختلفة، إن رجالك يستعينون بالإرهابيين من كل أنحاء العالم وهم يهددون التجربة الديمقراطية في العراق.

صدام حسين: وما هو المطلوب بالضبط؟.

رامسفيلد : أنا أعرض عليك عرضاً واحداً وهو أن يفرج عنك وتختار لنفسك منفىً اختيارياً في أي بلد تشاء بشرط أن تظهر على شاشة التلفزيون لتعلن إدانة الإرهاب وتطالب رجالك بالكف عن هذه الممارسات.

صدام حسين: وهل حصلت على موافقة رئيسك على هذا العرض؟

رامسفيلد: نعم هذا العرض تم الاتفاق عليه في جلسة شارك فيها الرئيس ونائبه ووزيرة الخارجية ورئيس جهاز الاستخبارات، وقد كلفت بإبلاغك بهذا العرض.

صدام حسين: إنه ثمن بخس.

رامسفيلد (بلهفة): مستعدون أيضاً لإشراك عناصر مقربة منك في الحكم.

صدام حسين: وماذا أيضاً؟

رامسفيلد: سنقدم لك إعانة مالية محترمة وسوف يحفظ أمنك وأمن أسرتك في البلد الذي ستختاره.

صدام حسين: هل تريد أن تسمع شروطي؟.

رامسفيلد: يا حبذا.

صدام حسين (بلغة فيها كثير من الغرور والتعالي): أنا أريد أولاً منك أن تحدد لي جدولاً زمنياً للانسحاب من العراق، وأن تلتزم به حكومتكم أمام العالم، وأن تبدؤوا عملية الانسحاب على الفور.

وأنا أطلب ثانياً.. الإفراج فوراً عن كافة المعتقلين العراقيين والعرب في السجون التي أقمتموها أو تلك التي قيدتم فيها حرية عشرات الألوف من شرفاء العراق.

وأطلب ثالثاً منكم.. التعهد بتقديم التعويضات الكاملة عن الخسائر المادية التي لحقت بالشعب العراقي من جراء عدوانكم على بلدنا منذ أم المعارك في عام 1991 وحتى اليوم، وأنا أقبل بالاستعانة بلجنة دولية وعربية لتقدير هذه الخسائر.

وأطلب رابعاً.. أن تردوا الأموال التي نهبها رجالكم من خزائن العراق ونفطه خاصة هذا المجرم بريمر وأزلامه من الخونة والمارقين.

وأطلب خامساً.. إعادة الآثار التي سرقتموها وسلمتموها لمافيا الآثار، فهذه كنوز لا تقدر بمال الدنيا، لأنها تحمل تاريخ العراق وحضارته. صحيح أنكم لا تملكون حضارة ولا تاريخاً وأن عمر بلدكم لا يتجاوز بضع مئات من السنين، ولكن كل ذلك يجب ألا يبرر سرقاتكم وحقدكم على حضارة العراق وثروة العراق.

وأطلب سادساً.. أن تسلموني أسلحة الدمار الشامل إذا كنتم قد عثرتم عليها وأن تعيدوا إلينا حياة كل الشهداء الذين أزهقت أرواحهم، وأن تردوا شرف الماجدات العراقيات الذي سلبتموه.

رامسفيلد: هل هذا نوع من السخرية؟

صدام حسين: لا، بل هذه هي الحقيقة المرة، التي تعرفونها.. يا سيد رامسفيلد أنتم ارتكبتم أكبر جريمة في التاريخ ضد بلد عربي مسالم.. لقد التقينا معاً في الثمانينيات، هل تذكر عروضك؟

رامسفيلد: دعنا من الماضي، نحن بصدد إعادة تقييم مواقفنا منكم ومن العديد من القوى التي ناصبتنا العداء في الماضي، نحن قررنا أن نتحاور مع الإسلاميين المعتدلين، وليس لدينا مانع من وصولهم للسلطة عبر صندوق الانتخاب. بل الأهم من ذلك أننا قررنا أن نفتح قنوات للحوار مع منظمات "إرهابية" مثل حماس والجهاد وحزب الله الموالي لإيران، وأيضاً منظمات أصولية أخرى في العالم كله، بل حتى لدينا مشروع للاتصال بحركة طالبان في أفغانستان لدراسة مشاركتها في السلطة مقابل التخلي عن السلاح.

صدام حسين: إذن بدأتم تعيدون التفكير في نهجكم الخاطئ؟

رامسفيلد: إنه التطور الطبيعي للأمور، نحن نسعى إلى نشر الديمقراطية في كافة البلدان والحركات الخاضعة للاستبداد.

صدام حسين: أفلحتم إن صدقتم، أنا أعرف حقيقة أهدافكم، وإذا كنتم صادقين حقاً فعليكم أن تبدؤوا فوراً أنتم وحلفاؤكم الانسحاب من العراق، وعليكم أيضاً أن تراجعوا موقفكم الداعم لإسرائيل. إنني أعرف أن رئيسك عنيد ومكابر وليس صادقاً.

رامسفيلد: إنه رئيس ديمقراطي منتخب، وليس حاكماً دموياً مثلك.

صدام حسين: الإرهاب صناعتكم والكذب أسلوبكم.

رامسفيلد: إن هذا العرض هو فرصة تاريخية لكم، سنفرج عنك وسنتشاور معك في كل ما يخص شؤون الحكم في العراق، إذا رفضت هذا العرض فان الفرصة لن تعوض.

صدام حسين : أنا لا أبحث عن الفرص، ولا أبحث عن طريق لإنقاذ رقبتي من حبل المشنقة التي نصبتموها للعراق كله، لو أردت ذلك لقبلت بالعرض الروسي وأنقذت ولديٌ وحفيدي من الشهادة، أنا لا أعرف ما هو مصير أسرتي وبناتي وأحفادي، ولكن ثق أنني مهتم بكل مواطن عراقي وبمستقبل العراق العظيم أكثر من اهتمامي بنفسي وأسرتي.

لقد سبق أن عرضتم عليٌ قبل ذلك عن طريق رجالكم أن أقرٌ بأن أسلحة الدمار الشامل هربت إلى سوريا وقلتم إن الثمن هو الإفراج عني، فرفضت وها أنذا أكرر الرفض مرة أخرى.

رامسفيلد: أنا لا أريد منك رفضاً، أنا أريد منك التفكير، نحن نعاود تقييم مواقفنا في الوقت الراهن، نحن نريد وقف الدماء التي تتدفق من كلا الجانبين، ولذلك يأتي عرضنا من منطق القوة وليس من منطق الضعف.

لقد طلبنا من جلال الطالباني أن يدلي بتصريح ينفي فيه أية نوايا لإعدامكم كبادرة حسن نوايا منا، ونحن لدينا استعداد لمراجعة موقفنا كاملاً من العملية السياسية في العراق بأكملها وأن نتحاور معك ومع رجالك في هذا الأمر.

 صدام حسين : هل أنتم مستعدون للانسحاب أم لا؟

رامسفيلد: يمكن أن نبحث إعادة الانتشار، إن قواتنا أعدت قواعد للبقاء فترة طويلة يمكن أن ننسحب من الشوارع والمدن ولكن سنبقى في القواعد لفترة من الوقت.

صدام حسين : إذن أنتم تريدون عميلاً جديداً يضاف إلى هذا الطابور من العملاء، لا يا سيد رامسفيلد.. لا تنسى أنك تتحدث مع صدام حسين رئيس دولة العراق.

رامسفيلد: لكنك خسرت السلطة.

صدام حسين : لم يبق لي سوى الشرف، والشرف لا يباع ولا يشترى.

رامسفيلد: لكن الحياة لها قيمة لا تقدر.

صدام حسين : لا قيمة للحياة بدون الكرامة، وأنتم سلبتم العراق كرامته عندما دنستم أرضه وسوف نسترد كرامتنا سواء بقي صدام حسين أو استشهد.

رامسفيلد: إن أنصارك الذين تحاورنا معهم قالوا لنا إنك صاحب القرار الأول والأخير، هل كانوا يتوقعون رد فعلك؟

صدام حسين : بالقطع هم يعرفون أن صدام حسين لا يستطيع أن يتراجع على حساب وطنه وكرامته.

رامسفيلد: التاريخ سيحملك مسؤولية الدماء التي تسال في العراق.

صدام حسين: بل التاريخ سيحاكمكم على جرائمكم.. لقد حذرتكم من قبل وقلت لكم ستنتحرون على أسوار بغداد، وها أنتم تدفعون الثمن، أرجوك أن تذهب إلى لندن وتقرأ سجلات وزارة الخارجية البريطانية لتعرف بعضاً من ملامح كفاح الشعب العراقي في مواجهة أصدقائكم البريطانيين الذين تكررون أخطاءهم وتشركونهم معكم.. الشعب العراقي شعب عنيد ولا يخاف الموت.. والمقاومة أقوى مما تتصورون ولذلك أبشركم بالمزيد".

انتهى نص محضر الاجتماع

جورج عون: يمكننا أن نعتبر هنا أن الولايات المتحدة أعطت فرصة لصدام حسين بأن يعفى عنه وأن تكون هناك صفقة إلى حد ما.

دكتور حسيب، لقد تكلمت عن محضر اللقاء الذي حصل بين رامسفيلد وصدام حسين، ولكن اليوم بعد إعدام صدام حسين والملابسات الكثيرة التي حصلت خلال عملية الإعدام، يبدو أن بذور الانشقاق المذهبي كبيرة وانه بدأ يتجذر في العراق. هناك خريطة محيطة بالعراق وتنذر بالشؤم، وأنت كمراقب للحركة السياسية كيف ترى هذا الإعدام أو بالأحرى هذه الملابسات التي حصلت بعد الإعدام وتداعياتها على مستقبل العراق؟

حسيب: سبق أن ذكرت في مطلع هذه المقابلة أن إثارة الفتنة الطائفية والاثنية والعرقية هي مخطط أمريكي من البداية، منذ أن قام الحاكم الأمريكي للعراق بريمر بإنشاء مجلس الحكم على أساس طائفي ومحاصصة، وكل العملية بما فيها الانتخابات وقيام الحكومة، وحتى الدستور الذي أعد أصلاً من قانون الإدارة المؤقتة الذي أعد في واشنطن نفسها من قبل اثنين من الخبراء وكان أحد أهدافه القضاء على عروبة العراق. فالموضوع الطائفي كان هو أن يقتتل العراقيون فيما بينهم وتأتي أمريكا كما تفعل الآن لتقول أن المشكلة هي مشكلة العراقيين وليست مشكلتنا نحن، فالعراقيون يقتتلوا فيما بينهم طائفياً، لذلك اختاروا قضية الدجيل واختاروا حكاما من الأكراد، وحصل ما حصل. وبحسب القانون يجب أن يوقع رئيس الجمهورية ومجلس الرئاسة وهم ثلاثة يجب أن يوقعوا بالإجماع وواحد منهم كان لا يريد أن يوقع، فحملوا رئيس الوزراء على التوقيع، وفي ما يسمى "الدستور" هذه ليست مسؤوليته. ونشروا تفاصيل أنه أثناء الإعدام صرخوا مقتدى الصدر وما إلى ذلك ونُشرت روايات كثيرة، والغرض من كل ذلك هو إثارة وتعميق النعرة الطائفية.

العراق، للأسف الشديد وبسبب غياب حرية التعبير تختلط فيه الإشاعات بالسياسة، فلا تعرف أي قدر من الإشاعات صحيح أم لا؟ العراق في عمره لم يشهد صراعاً طائفياً، وسبق أن ذكرت تفاصيل ذلك في مناسبات سابقة، فلا يوجد في العراق التقسيم الموجود في لبنان، أي أن يكون رئيس الجمهورية مارونيا ورئيس الوزراء سنيا ورئيس البرلمان شيعيا، فهذا ليس موجوداً في العراق. فقد كان هناك عدد من رؤساء الوزراء شيعة وعدد آخر كانوا أكراداً، وذكرت لك فيما يتعلق بحزب البعث. ولقد عشت تجربة الحرب الأهلية في لبنان، حين كانوا يسحلون الناس ويقتلونهم على الهوية، وليس فقط بين المسيحيين والمسلمين بل أيضاً بين المسيحيين أنفسهم حتى داخل الشيعة وفي المنطقة الغربية وغير ذلك. فما يحصل في العراق حصل في لبنان، لكنه يحصل في العراق على نطاق أكبر. هم نجحوا في إلهاب القضية الطائفية من خلال ما تم في سامراء وتدمير المرقدين الشيعيين، فمن دمر هذه المراقد؟ أتمنى أن يعلنوا نتائج التحقيق، وبعد هذا هم أشعلوا الفتنة الطائفية. والآن هم يتكلمون بأن العراقيين هم المسؤولون وهم يتقاتلون فيما بينهم.

قبل عدة أشهر أُجري إحصاءان،الأول قامت به وزارة الخارجية الأمريكية مع باحثين مستقلين والآخر تم من قبل جامعة ميريلاند في الولايات المتحدة، وسألوا الشعب العراقي هل تريدوننا أن ننسحب أم لا؟ أكثر من 80% قالوا انهم يريدونهم أن ينسحبوا. وسألوهم هل نحن مصدر أمان أم لا؟ فكان الجواب أنهم هم أحد أسباب الوضع الأمني المتردي في العراق.

جورج عون: إذا انسحب الأمريكان، ماذا سيحل بالعراق؟ هل هناك ثقة في الجيش العراقي الحالي الآن؟

حسيب: دعني أقول لك ما يعنيه القول الشعبي"تريدوها كبار كبار وتريدوها صغار صغار". أمريكا تتحدث عن الديمقراطية. وحسب الاستطلاعين اللذين أشرت إليهما قبل لحظات، فان أغلبية العراقيين يريدون من الأمريكيين أن ينسحبوا ويقولون أن وجود القوات الأمريكية هو أحد أسباب الفتنة والبلاء في العراق. والأمريكيون أنفسهم، إذا أرادت أمريكا أن تتحدث عن الديمقراطية، يقولون في أغلبيتهم أن الحرب كانت خطأ ويجب أن تخرج أمريكا من العراق. فإذا أرادوا الديمقراطية فهذا رأي العراقيين ورأي الأمريكان فأين هي ديمقراطية الإدارة الأمريكية؟

 تسألني ماذا سيحدث إذا خرج الأمريكان من العراق؟ وهذه هي الحجة التي يقولوها.

آخر تقرير قدمه البنتاغون للكونغرس وتاريخه 30 نوفمبر الماضي لكنه قُدم في النصف الثاني من ديسمبر يقول أنه خلال الفصل الأخير زادت عمليات المقاومة ويسمونها التمرد (Insurgency)، وليس الإرهاب، في العراق بنسبة 22%، وان68 % منها موجه للقوات الأمريكية، وهذا يعني أنه إذا انسحبت القوات الأمريكية فإن نسبة 68% أي ثلثي هذه العمليات ستتوقف. كما أجمعت تقارير من مؤسسة إستخبارية أمريكية على أن غزو العراق ساهم في زيادة الإرهاب في العالم.

جورج عون: لكن قد تحكم العراق ميليشيات فأيهما أفضل؟

حسيب:الميليشيات الآن تحكم بوجود الأمريكان وبوجود الحكومة العميلة.فعلى الأقل سيتوقف الجانب الخاص بالمقاومة الذين يقولون هم أن 68 بالمائة من العمليات موجهة للقوات الأمريكية وبالتالي سيتراجع العنف.

جورج عون: لكن الشعب العراقي صوت على الفيدرالية في العراق، أي أن الشعب العراقي لا يريد أن يعيش مع بعضه البعض.

حسيب: فيما يتعلق بهذه الانتخابات، يجب ألا نأخذ الأمور على ظاهرها. هناك، على سبيل المثال لا الحصر، تقرير أصدره مركز الدراسات الإستراتيجية الدولية في واشنطن لإنطوني كوردسمان، وهو من أهم المراكز الاستراتيجية في أمريكا، وهو عن الانتخابات في العراق وعنوانه "The True Meaning of The Iraqi Election: A "Trigger not a Turning Point"(14) "، "المعنى الحقيقي للانتخابات العراقية" وهو يعطي تقييما حول مدى جدية وصدقية هذه الانتخابات. قانون الانتخاب عمله الأمريكان، واللجنة التي أشرفت على الانتخابات وضع قانونها الأمريكان وهم من قاموا بتعيين أعضائها، وفي كل محافظة في العراق هناك قنصلية أمريكية وأيضاً حاكم عسكري أمريكي وقد أنفقوا ملايين الدولارات عليها. والأحزاب هي أحزاب العملاء. وقد سبق أن أشرت إلى الاستطلاع الذي قام به مركز العراق للبحوث والدراسات الإستراتيجية للوقوف على الرأي العام العراقي حول رؤية العراقيين حول مختلف الأوضاع في بلادهم، وكان من بينها "هل ستصوتون لنفس الأشخاص إذا أعيدت الانتخابات" وعن "مدى الثقة بأعضاء مجلس النواب الحالي"، وكانت الأجوبة واضحة حول رأي أكثرية العراقيين في تلك الانتخابات والنواب.

جورج عون: لكن من المعروف يا دكتور حتى في ظل حكم صدام حسين كان للأكراد وضع خاص في العراق، وأيضاً الشيعة اليوم يطالبون بشيء يخصهم، وأنت ترمي بكل المسؤولية على الأمريكان والعملاء، وكأن العراقيين هم فعلاً يد واحدة وهم أصلاً مختلفون.

حسيب: هناك أغلبية عراقية صامتة، أما هؤلاء الذين يتكلمون باسم الشيعة أو السنة فهم لا يمثلون كل الشيعة ولا كل السنة وهم عملاء جاء بهم الأمريكان إلى العراق. وعندما يترك الأمريكان العراق سيترك معهم هؤلاء العملاء. والأغلبية الصامتة سيتاح لها الفرصة للكلام.

جورج عون: دكتور نتكلم عن أغلبية صامتة، لكن من المعروف اليوم أن هناك في العراق تدخلات خارجية، هناك تدخل إيراني موجود وفاضح في الجنوب العراقي، واليوم بدأ الهمس عن دعم معنوي من بعض الدول الخليجية للسنة في العراق، فكيف يمكن للعراقيين أن يلتحموا مع بعضهم البعض في ظل هذه الإصطفافات الخارجية حول العراق.

حسيب: هذا هو المخطط الأمريكي الجديد، فهم يريدون الآن تغطية هزيمتهم في العراق بالتوجه نحو إيران وضرب إيران، وهم يهيئوا لضرب إيران، كما هيؤوا لضرب العراق. وإحدى الوسائل لذلك إشعال الفتنة بين الشيعة والسنة ليس في العراق فقط، ولكن في السعودية ودول الخليج الأخرى بشكل خاص أي تلك التي توجد فيها أقليات شيعية، لذلك بدأت مصر والسعودية والأردن بالحديث عن حماية السنة إلخ، وهم كانوا نائمين خلال السنوات الثلاث السابقة عما يحصل في العراق. وسأذكر لك بعد قليل ما كان دورهم في الاحتلال. فهم يريدوا أن يشعلوا القضية من جديد.

أنا أقول أن تصرفات إيران في العراق خاطئة، قبل الاحتلال وأثناء الاحتلال وحتى الآن، ولها دور في تغذية هذه الفتنة الطائفية، وهي ناتجة عن لقاء مصالح بينها وبين أمريكا: لهم مصلحة في بقاء الأمريكان في العراق ليكونوا رهينة لديهم كيلا يضربوا إيران. وبينهما لقاء مصالح في حل الجيش العراقي، ولقاء مصالح في عدم قيام حكومة مركزية قوية في العراق. دور إيران في الضربة الأمريكية قادم ما لم تحدث تطورات جديدة. ولكن مهما كانت أخطاء إيران الحالية يجب أن ننظر إلى إيران في الأمد المتوسط والبعيد وليس الآن، كعمق استراتيجي إسلامي للأمة العربية، وأن نتعامل معها ونحاول أن نجعل منها صديقاً محتملاً وليس عدواً محتملاً بالرغم من أخطائها.

جورج عون: لكن المشكلة اليوم هي مشكلة كيانات، فهناك الكيان الإيراني وهناك الكيانات العربية، فهل هناك فعلاً مخطط لسحب الهوية العربية من العراقي عبر الكيان الإيراني والأمة الإيرانية.

حسيب: هناك مخطط فعلاً. فأحد أهداف الاحتلال نفسه هو سحب الهوية العربية عن العراق إضافة إلى موضوع النفط وموضوع إسرائيل، والذي بسببه تم حل الجيش العراقي وتم القضاء على الدولة وعلى كل مؤسسات الدولة. هذا صحيح. لكن هل كان هناك نفوذ إيراني في العراق قبل الاحتلال؟ يجب أن ننظر إلى السبب وليس إلى النتيجة. فسبب النفوذ الإيراني الآن في العراق هو الاحتلال، فلنركز على الاحتلال، ويجب على العراقيين أن لا يقعوا في خطيئة ومصيدة بعض الأنظمة العربية والأمريكان في الداخل التي تتصور أن العدو هو إيران الآن،وأن علينا أن نستعين بالأمريكان ضد الإيرانيين،فهذا هو بالتحديد المخطط الأمريكي الآن لإشعال فتنة مذهبية في الوطن العربي.

جورج عون: هناك تخوف اليوم في الخليج من الهلال الشيعي الذي ينطلق من إيران ويمتد إلى لبنان، وما يحدث في لبنان ينطبق كثيراً على ما يحدث في العراق.

حسيب: المقاومة في فلسطين، أي حركة حماس بالذات، هل هي شيعية أم سنية؟ وماذا عن المقاومة في لبنان، والمقاومة في العراق فكيف هو الهلال الشيعي؟لماذا يقاطع الغرب والدول العربية الحكومة الفلسطينية الحالية،هل هي شيعية أم سنية؟ فإذا هم مع السنة لماذا لا يساعدونها؟ ولماذا لا يساعدون المقاومة في العراق؟ أن الحقيقة هي أن أمريكا تريد أن تخنق الحكومة الفلسطينية التي جاءت نتيجة انتخابات ديمقراطية باعتراف الأمريكيين، وهي ليست شيعية.

جورج عون: لكن هناك اليوم محورين في العالم العربي،محور الاعتدال كما تصفه الولايات المتحدة وهو مصر والسعودية والأردن وبعض الدول الخليجية وبالمقابل هناك المحور المتطرف وهو إيران وسوريا وبعض التنظيمات التي تكلمت عنها.

حسيب: يجب أن تكفوا أنتم وغيركم من وسائل الإعلام عن ترديد هذه الشعارات. هناك أربعة كتب أشير إليها، بوب وودوورد وهو الذي أسقط نيكسون بفضيحة ووترغيت نشر كتاب بعنوان "Plan of Attack""خطة هجوم"وهناك كتاب آخر له بعنوان "State وof Denial" حالة انكار"،وهناك كتاب عن مذكرات تومي فرانكس الذي قاد غزو العراق كرئيس للهئية لمشركة لأمريكية القوات المسلحة الأمريكية اسمه سAmerican Soldier" جندي امريكي" وهناك كتاب صدر مؤخراً بعنوان "الخيبة" FIASCO.

كتاب بوب وودوورد يتكلم عن دور السعودية والأمير بندر (الذي كان آنذاك سفيراً للسعودية في واشنطن(والأمير عبد الله (الآن الملك عبد الله) في احتلال العراق، ويتحدث حول دور السعودية في الاحتلال الأمريكي للعراق، وعن الاجتماعات التي تمت بين بندر والرئيس بوش وشيني ورامسفيلد ورايس حول تفاصيل المواقف العربية من التحضير والتشجيع على الاحتلال. ويتكلم كذلك عن الدور الحقيقي لبعض الأنظمة العربية في التحريض على احتلال العراق وتصفية صدام حسين، وإذا لديك وقت أقرأ لك كل الأمور المذكورة كما لا ننسى دور الأنظمة العربية الخليجية التي قدمت التسهيلات اللازمة للقوات الأجنبية لاحتلال العراق.

جورج عون: هذا موقف تأخذه على مسؤوليتك.

حسيب: أنا لا آخذه على مسؤوليتي، ولكنني أتكلم من خلال وثائق موجودة ونصوص الاجتماعات التي عقدها بندر مع بوش ورسائل الملك عبد الله (وكان الأمير عبد الله في ذلك الوقت) إلى بوش يستعجلونه لاحتلال العراق و تصفية صدام وكان شرطهم ألا تتم أية تسوية مع الرئيس صدام، وأنه لا بد من تصفية الرئيس صدام وألا يبقى حياً.

جورج عون: لأنه في تلك الفترة كان صدام حسين يشكل فعلاً خطراً على هؤلاء، صدام حسين دخل الكويت وكنت تقرأ الوثيقة التي يقول فيها رامسفيلد أنه دخل الكويت، كانت لدى صدام حسين أطماع في الوصول إلى كافة العالم العربي وإلى دول الخليج بالأحرى.

حسيب: الحرب العراقية ـ الإيرانية من الذي شجعه عليها؟

جورج عون: هذا موضوع يجب أن نسأل فيه الأمريكان وصدام حسين معا.

حسيب: هناك وثائق حول هذا الموضوع. المساعدات المالية والديون التي يتكلمون عنها الآن ما هي؟ هي مساعدات وديون قدمت إلى العراق أثناء الحرب العراقية ـ الإيرانية لتمكينه من محاربة إيران، ودور أمريكا معروف وكل هذه الأمور منشورة.

جورج عون: الآن هناك سجال قائم بين الولايات المتحدة وإيران حول السلاح النووي الإيراني، فهل تعتقد أن ما يجري اليوم من تكبير حجم إيران هو في سبيل الوصول إلى تحسين دفتر الشروط من كلا الطرفين، أي من الطرف الإيراني والأمريكي، للوصول في المفاوضات إلى صفقة إجمالية Package Deal تتم على حساب الهوية العربية والمنطقة العربية.


حسيب: لا تتحدث عن الهوية العربية والمنطقة العربية، فدور ما يسمى"الأنظمة المعتدلة" الآن فيما يتعلق بإيران هو دورهم نفسه قبل الاحتلال للعراق حيث كانت احد أهداف الولايات المتحدة، كما ذكرت سابقاً، القضاء على عروبة العراق.

جورج عون: دعنا نخوض الآن في موضوع التغيير في الولايات المتحدة، من المعروف أنه اليوم تم التغيير ووصل الديمقراطيون إلى الكونغرس ومجلس الشيوخ، فهل تعتقد أن السياسة التي ستتبع هي سياسة التغيير لما كان حاصل في الفترة الماضية، وبالتحديد بعد تقرير بيكر هاملتون.

حسيب: المعلومات التي لدي عن السياسة الجديدة والتي من المتوقع أن تعلن في 10 يناير الحالي، أن بوش ترك جانباً كلاً من تقرير بيكر ـ هاملتون وكذلك تقرير مجموعة الأزمات الدولية "International Crisis Group" جانبا وأخذ برأي جون ماكينJohn Maccain المرشح الجمهوري للرئاسة القادمة، وأن الاتجاه سيكون إلى زيادة حجم القوات الأمريكية في العراق إلى ما بين 15-30 ألفا والتركيز على بغداد وربما الأنبار أيضاً، وبعد ذلك يأملون بعد توفير الأمن وتدريب القوات العراقية الحالية أن ينسحبوا. فسياسة أمريكا قائمة على أن تنجح العملية السياسية وأن يكون لديهم حكومة عميلة وان يعقدوا معها اتفاقية عسكرية ويبقوا في القواعد لفترة طويلة، وبعد ذلك يدربون جيشاً وشرطة إلخ، فلا العملية السياسة نجحت ولا الجيش ناجح.والمرحلة القادمة سيبدؤونها بتصفية مقتدى الصدر، وهم ماضون في سياسة ما يسمونه"طريقة القضم" معه حيث يبدؤون تدريجياً بتصفيته ومن ثم يأتي دور الآخرين. وفي العراق، في الموصل بالذات، هناك تعبير يسمونه "ربيطة". في الصيف يجلبون خروفاً ويسمنونه ويطعمونه إلى وقت الشتاء وعندئذ يذبحونه ويكبسون لحمه لاحقاً، وهم الآن يسمنون ضحاياهم. ويخطئ من العراقيين من يظن أن الاحتلال أو أمريكا هي صديق دائم، وهذا ينطبق على كل القوى المتعاونة مع الاحتلال بما فيها الأكراد، ولا أعني كل الأكراد، فالشعب الكردي هو شعب عظيم ولكني أتكلم عن القيادة الكردية.

جورج عون: لكن دكتور هناك اليوم بعض الاتصالات التي تجري بين البعثيين والولايات المتحدة، فهل هذه بداية لاستيعاب صدمة صدام حسين، بل بالأحرى كان هذا الموضوع يحدث قبل صدام حسين.

حسيب: هناك من قال للأمريكان أنه طالما الرئيس صدام حسين موجود حياً، فلا المقاومة ولا البعث يمكن أن يدخل في العملية السياسية، هناك مؤامرة كبيرة تجري الآن. فليسمعني جيداً الأخوان الذين في المعارضة السياسية في العراق. يوم 3 أكتوبر سنة 2006 وفي القاهرة، اجتمعت كوندوليزا رايس مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي الستة بالإضافة إلى اثنين هما وزيرا خارجية مصر والأردن، وبعد هذا الاجتماع طلبت كوندوليزا رايس الاجتماع مع أربعة من هؤلاء هم الأردني والمصري والسعودي والقطري، وأرسلوا أحدهم إلى السعودية ورتبوا للقاء أحد القيادات العراقية التي كانت خارج العملية السياسية وتم اللقاء معه في السعودية، وبعد ذلك سافر إلى الأردن والإمارات، وطلب ستة شروط حتى يدخلوا في العملية السياسية. وبناء على هذه الشروط الستة الموجودة لدي، وليس لدي ما يكفي من الوقت الآن لأقرأها لك كلها، والتي لم يوافقوا عليها حتى الآن. وبعدما عرض عليهم الشروط الستة، ذهب ستيفين هادلي، مستشار الرئيس الامريكي لشؤون الأمن القومي، الشهر الفائت ديسمبر 2006) إلى منطقة كردستان واجتمع مع مسعود البرزاني وجلال الطالباني، وجلبوا المالكي أيضاً لمناقشة هذه الشروط الستة إلخ، ولم تنته العملية حتى الآن إلى نتيجة محددة. أنهم ماضون في خطة زيادة القوات الأمريكي وبتصفية مقتدى الصدر وجيش المهدي، لكن في نفس الوقت نفسه يعتقدون أنه مع غياب الرئيس صدام حسين يمكن أن ينجحوا في مفاوضاتهم مع قوى المقاومة المسلحة والسياسية. وأنا أتمنى على كل العراقيين الوطنيين، بما في ذلك من التحق منهم بالعملية السياسية إذا كان فعلاً وطنياً ومخلصاً، أن ينسحبوا مما يسمى "العملية السياسية" وإلا "فسوف لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم". كما أن مدة بقاء القوات الأجنبية في العراق سيعتمد إلى حد كبير على مدى الخسائر التي ستلحقها المقاومة العراقية بالقوات الأمريكية ومدى نجاحها بالقيام بعمليات كبيرة ضد القوات الأمريكية، ومدى نجاحهم في التنسيق فيما بينهم وتكوين قيادة موحدة، وعلى مدى سرعة انهيار الحكومة الحالية وفشل العملية السياسية.

جورج عون: قبل ختام هذه الحلقة، دعني أسألك سؤالاً وأرجو أن تجيبني عليه باختصار، هل تعتقد أن هناك رابطا بين ما يجري في العراق الآن وما يجري في لبنان؟

حسيب: بالتأكيد هناك رابط. الهدف الآن، وحسب تقرير أحد الخبراء، يقول فيه أنَّ الحرب في العراق كان فيها خصام بين عدوين هما صدام حسين وجورج بوش؛ صدام حسين مات وبوش هُزم، فالاثنان انتهيا بشكل من الأشكال، ولكن الأول دخل التاريخ كبطل والثاني سيدخل التاريخ كمهزوم.

بالنسبة للعلاقة قلت لك أنَّ الهدف الآن هو إيران، وجزء من المخطط الأمريكي إثارة فتنة طائفية في المنطقة وهذا ما يسميه بعض الحكام العرب "الهلال الشيعي". وكان هناك تواطؤ مباشر مع الولايات المتحدة من قبل دول الخليج ابتداءً من الكويت وانتهاءً بمن لديهم قواعد. ولا أشك في أنهم سيكون لهم نفس الدور في هجوم أمريكا على إيران، عندما يتم ذلك. لكنني أريد أن أبين أن العراقيين الذين ماتوا حتى بسبب الحرب والذين قيل أنهم بلغوا 650 ألفاً فإن دمهم هو في رقبة السعودية ومصر والأردن وبقية بلدان الخليج التي شجعت وسهلت احتلال العراق.

جورج عون: نحن لا نستطيع أن نتحدث عن هذا لأنه لا يوجد لدينا أحد يمثل وجهة النظر الأخرى.

حسيب: هذا الكلام عن دور الدول العربية سبق أن قلته على فضائيات عربية أخرى، وهو موثق في كتابيْ بوب وودورد وغيرها والتي أشرت إليها سابقاً.

جورج عون: مدير عام مركز دراسات الوحدة العربية الدكتور خير الدين حسيب أشكرك جزيل الشكر.

أجرت هذه المقابلة مع الدكتور خير الدين حسيب فضائية anb يوم 4/1/2007 وأجراها معه ـ في إطار برنامج "وجهاً لوجه" ـ جورج عون. والآراء الواردة في هذه المقابلة تمثل وجهة نظره الشخصية ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر مركز دراسات الوحدة العربية. وقد تمت إضافة بعض الهوامش لها فيما بعد لتوضيح بعض النصوص وتوثيقها.


(1)
انظر مقالة هيفاء زنكنة في جريدة The Guardian البريطانية يوم 4 يناير 2007، وكانت مسجونة لبعض الوقت أثناء النظام السابق، حيث تقول:


Haifa Zangana, A drop into the abyss. Saddam jailed me but his hanging was a crime. Iraq's misery is now for worse than under his rule

ومضاف بالعربية: "قطرة في اللّج [لا قعر له صدام سجنني ولكن شنقه كان جريمة. إن مأساة العراق الآن هي أسوأ مما كانت أثناء حكمه".

(2) انظر: Lionel Beehner. Saddam Hanged For Past Crimes. Council on Foreign Relations. December 30, 2006.
(3)
المصدر: برنامج "بانوراما" في فضائية العربية يوم 13/12/2006، من "موقع العربية نت".
(4)
وإضافة إلى ما كشفه ذلك الاستطلاع، فإن جانباً مهماً لم يشمله الاستطلاع، هو مدى فساد الحكم القائم بعد الاحتلال. فحسب التقرير الأخير "للمنظمة الدولية للشفافية" كان العراق من أكثر بلدان العالم فساداً ولا يأتي بعد العراق في سلم الفساد إلا بلد واحد فقط هو "هاييتي". انظر: New York Times. Iraq Rated Among Most Corrupt. November 7, 2006.

انظر كذلك تقريراً أمريكياً آخر بيّن أن الفساد في العراق يكلف حالياً أربعة مليارات دولار: Julian Barger and David Pallister, Corruption: the "second insurgency" casting $ 4 bn a year. One third of rebuilding contracts under criminal investigation. The Guardian, December 2, 2006.
(5) انظر: جورج ماكغفرن ووليام بولك، الخروج من العراق: خطة عملية للانسحاب الآن، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ديسمبر 2006. حيث يشير أنه "عند التمعن في أحداث تسعينيات القرن الماضي، تتضح بجلاء سلسلة من المحاولات العراقية إلى إدانة صدام حسين بأي شيء يبرر هجوماً على نظام حكمه". ثم يمضي قائلاً (ص 58) "أن صدام كان قد اقتنع بأن أمريكا عازمة على تدميره مهما عمل أو لم يعمل... إلخ".
(6)
انظر:
Norman Schwarzkokf. It Doesn't Take a Hero The Autoheography written Petre Petre (New York Bantom Books, 1992) PP. 267-308

(7) ـ استمر العراق، رغم الحصار الإسرائيلي للتحويلات المالية إلى الضفة والقطاع ورغم الحصار الاقتصادي على العراق، بدفع تعويض مالي مجزٍ لعائلة كل شهيد فلسطيني، وعن كل منزل تدمره قوات الاحتلال كلياً أو جزئياً، ولكل جريح أو معاق نتيجة الانتفاضة، دون أي تمييز بين الأطراف الفلسطينية.
(8)
تم في المؤتمر تكليف الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي في الكويت بتنفيذ هذا القرار، ولكن العراق دخل بعد قليل من ذلك المؤتمر في الحرب مع إيران ولم يتمكن من تسديد حصته من هذا المبلغ، فكان ذلك حجة للأنظمة العربية الأخرى التي التزمت بمبالغ معينة من هذا المبلغ، لرفض دفع حصتها ما لم يدفع العراق حصته، وهي حجة حتى لا يسددوا حصصهم.

(9) انظر:
1- Jonathan Steele, Iraqis Cannot be blamed for the chaos unleashed by invasion. The Guardian. December 15, 2006.
2- Thomas E. Ricks and Rahin Wright.
As Iraq Deteriorates, Iraqis Get More Blame. Washington Post, Nobember 29, 2006.
(10) حسب استطلاع وزارة الخارجية الأمريكية، خلال الفترة أواخر يونيو ـ أوائل يوليو 2006، فإن أغلبية كبيرة من العراقيين يريدون أن تنسحب القوات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة فوراً من العراق، ويقولون أنَّ مغادرتهم السريعة ستجعل العراق أكثر أمناً وتقلل العنف الطائفي. ففي بغداد مثلاً، فإن ثلاثة أرباع المستطلعين فيها قالوا أنهم سيشعرون بأمان أكثر إذا تركت القوات الأمريكية والقوات الأجنبية الأخرى العراق، وان (65 بالمائة) منهم يفضلون انسحاباً فورياً، حسب نتائج استطلاع وزارة الخارجية والتي حصلت عليها جريدة الواشنطن بوست الأمريكية.

 أنظر:
State Department, Iraq Civil Was Fears Remain High in Sunni and Mixed Areas.
(11)
في الاستطلاع الذي أجراه برنامج اتجاهات السياسة الدولية في جامعة ميريلاند، وُجد أن (71 بالمائة) من العراقيين الذين تم استطلاعهم يريدون أن تطلب الحكومة من القوات الأجنبية أن تترك العراق خلال سنة، ويعتقد أغلبية هؤلاء العراقيين أن حكومة الولايات المتحدة سترفض هذا الطلب،وان(77 بالمائة) من الذين تم استطلاع رأيهم يقولون أن الولايات المتحدة تنوي الاحتفاظ بقواعد عسكرية دائمة في العراق. كما يبين الاستطلاع أن كثيراً من العراقيين في كل جزء من العراق يختلفون مع رأي حكومة المالكي وتصريحات السيد جلال الطالباني في الأمم المتحدة بأن على قوات الائتلاف أن تبقى في العراق حتى تكون القوات الأمنية العراقية "قادرة على وضع نهاية للإرهاب والحفاظ على الاستقرار والأمن".

انظر: Amit R. Paley, Most Iraqis Favour Immediate U.S. Pullout, Polls Show. Leaders views out of Step With Public. Washington post. September 27, 2006, p. 22.
(12) حسب نتائج استطلاع، نُشرت يوم 12/12/2006، قامت به جريدة الواشنطن بوست وشبكة أخبار ABC، وبين الاستطلاع أيضاً أن أكثرية الأمريكيين (52 بالمائة) يعتقدون أن الولايات المتحدة تخسر الحرب، بالمقارنة مع (34 بالمائة) قبل عام،

 انظر: Peter Baker and Jon Cohen, Americans Say U.S. is losing war. Washington post, December 13, 2006
(13) انظر: التقرير الفصلي الأخير للبنتاغون المقدم للكونغرس حول قياس الاستقرار والأمن في العراق، نوفمبر 2006.

 (14) C.S.I.S, December 15, 2005.

(15) التي ذكر فيها أن حكام مصر والأردن أكدوا له قبل الحرب أنهم واثقون من أن العراق يملك أسلحة دمار شامل!!

(16) هذا في حين أن هذه الأنظمة العربية كلها، التي شجعت أو سهلت الاحتلال، مفروض منها، حسب "اتفاقية الدفاع العربي المشترك" أن تحارب القوات الأجنبية الغازية للعراق وليس إلى تشجيع أمريكا على غزو العراق وتقديم التسهيلات لها لاحتلال العراق.

 (17) انظر: Bab Woodward, Plan of Attack. New York, London, Toronto, Sudney: Semon & Schuster, 2004.
وعن موقف السعودية، أنظر: الصفحات 347-349، والصفحات 231-228 و263-269 و24-27. وعن دور مصر والمختبرات المتنقلة للأسلحة البيولوجية في العراق وغيرها، انظر: الصفحات 312-315. وعن موقف الأردن، انظر ص. 257.

 (18)كان هناك، حسب تلك التقارير ثلاثة خيارات أمام الرئيس بوش: الأول Go big أي زيادة عدد القوات، والثاني Go Long أي تمديد مدة الانسحاب، والثالث Go Home أي الانسحاب الفوري والعودة إلى أمريكا. انظر:
Tom Baldwin.
Bush's Three Iraq Options: Go Big, Go Long, Go Home. The Times, November 21, 2006.
(19)
للوقوف على تفاصيل هذه الخطة: انظر:

Conflicts Forum. Rici's stillborn talks with the Iraqi resistane. January 4, 2007.
(20)
كما فعلت مساء يوم 10/10/2006، بالهجوم من ثلاث جبهات للمقاومة على القاعدة الأمريكية الرئيسية في بغداد والمسماة "قاعدة الصقر Falcon"، والتي دمرتها مع ما فيها من صلاح وبشر تدميراً كاملاً، واستمر الحريق والاِنفجارات فيها منذ الساعة العاشرة مساءً حتى الصباح.
(21)Gideon Rachman. The president's dilemma. Financial Times, January 1, 2007.

 (22)تقدر وزارة الصحة العراقية عدد الخسائر المدنية في العراق بـ (150) ألفاً. انظر:

Associate Press. Iraq Official Estimates: Civilian Toll at 150,000. Los Angeles Times, November 10, 2006.

| تاريخ النشر:الأربعاء / 10 يَنَايِر / 2007

 

على ضوء ما تقدم لعرض الرؤيتين المتناقضتين بين الأقوال الدعائية التي هي من صنع المطبخ الفارسي المخابراتي الإيراني، كما أعتقد، من جهة، وشروط السيد صدام حسين التي طرحها على وزير الدفاع الأمريكي، بغية تحديد مصيره الشخصي، من جهة أخرى، يمكننا الاِستخلاص على ضوء اِستخدام ملكة العقل الإنساني التي وهبها الله لنا لمعرفة الحق الفعلي والموقف المبدئي والإيمان الوطني والقومي والديني عند السيد الرئيس، من جهة، وفقه خلفية أصحاب الدعايات الصفوية الفارسية، من جهة أخرى.

11 / 2 / 2007

باقر الصراف

كاتب عراقي مقيم في هولندا

 

إضافة إلى ما تقدم، ينبغي علينا قراءة النص التالي الذي كتبه محامو صدام حسين في أعقاب تبليغه المصادقة على حكم الإعدام، لكي نقرأ المقالات الأيديولوجية التي سطرها السيد نجاح محمد علي التي طابعها الحقد الطائفي الصفوي واِشتراطاتها العنصرية الفارسـية، مموهة بكلمات عن الظلم والاِضطهاد والملاحقة التي شملته، جراء نوعية العلاقة التي أقامها ((حزب الدعوة الإسلامي)) مع الدولة الإيرانية وساومها المخابراتي الموبوء، وكان العراق يقف موقف الدفاع عن أرضه الوطنية والمجتمع العراقي الموحد وضد المشروع السياسي الإيراني، الذي نتلمس ملامحه التفتية التفصيلية الراهنة... كان موقفه التحالفي ينبع أساساً من موقع التبعية السياسية والذي مدّّ بها خيوطها عبر نصائح محمدي وتوجيهات خامنئي والخوئي مجيد المقبور مع الموساد والسي آي أي.

 

مادة مضافة لاحقاً ـ وبتاريخ نشرها في صحيفة الأسبوع القاهرية ـ للمقالات الخاصة بنجاح اِرتأيت الاِستشهاد بها لأنها أحاديث ما قبل الاِستشهاد، وتكون صادقة جداً.

خاص للـ 'أسبوع'

ثلاثة من هيئة الدفاع التقوا الرئيس

وأبلغهم وصيته الأخيرة قبل استشهاده بساعات
الحوار الأخير للبطل الشهيد صدام حسين

تقرير يكتبه من صنعاء: مصطفي بكري

عن صحيفة الأسبوع القاهرية

12 / 2 / 2007

وقد طلب الرئيس صدام من المحامي ودود فوزي عضو هيئة الدفاع أن يكتب ما جري خلال هذا اللقاء، فكانت تلك هي آخر كلمات الرئيس الشهيد التي تنقلها 'الأسبوع' نقلا عن الأجندة التي كان يحملها معه المحامي وعدد آخر من زملائه أبرزهم المحامي أحمد صديق.

بعد الإعلان عن التصديق علي حكم الإعدام الذي صدر ضد الرئيس صدام حسين وكل من برزان التكريتي وعواد البندر، طلب وفد من كبار المحامين الموكلين عن الثلاثة لقاء الرئيس صدام حسين. وقد جري اللقاء بالرئيس في قاعدة أمريكية بالقرب من المطار وداخل المنطقة الخضراء وقد حدث اللقاء يومي 26 ـ 28 ديسمبر 2006 أي قبيل الإعدام بيومين تقريبا.

وكان المحامون الثلاثة هم آخر من التقي الرئيس صدام وأداروا معه حوار اللحظات الأخيرة قبل الاغتيال.. وقد طلب الرئيس صدام من المحامي ودود فوزي تسجيل اللقاء كتابة، خاصة بعد أن علم الرئيس بالتصديق علي قرار الإعدام.

في البداية رحب الرئيس صدام بالمحامين الثلاثة، وعندما استمع منهم إلي خبر التصديق على الحكم بالإعدام بدا الرئيس رابط الجأش ولم يهتز بل كان واثقا بالنفس إلي أقصى درجة، وكان يبدو ساخرا من الحكم وقال: 'هذا أمر لا يزعجني بل أحمد الله علي كل شيء، فمهما يكون الثمن فكل هذا بقليل علي العراق، لقد انفضح أمر أعدائنا، وظهرت وجوههم علي حقيقتها وبدوا أضعف مما يعتقد الكثيرون، أما رجالنا فقد سددوا لهم الضربات التي ألحقت بهم الهزائم ونحمد الله كثيرا علي ذلك ونسأله حسن العاقبة بالنسبة لنا جميعا.

نظر الرئيس إلي الحاضرين وقال: 'لقد أيقنت أنهم سيقدمون علي تنفيذ هذا الحكم الجائر، فقد قاموا بتعطيل الراديو الذي كنت استمع فيه إلي الأخبار فأدركت أنهم يريدون أن يخفوا عني خبر التصديق النهائي علي حكم الإعدام.. ولكنهم جلبوا لي راديو آخر كبيرا يتولي المترجم تشغيله وفقا لما يريد وتبعا لما يراه ملائما ولذلك بعد هذه الإجراءات وأيضا عمليات التشديد الأمني والحراسة من قبل الأمريكان شعرت أن هناك شيئا، وأنهم اتخذوا قرارهم'.

أحد المحامين: ولكن هناك عرضاً بأن توجه نداء يا سيادة الرئيس من أجل وقف حكم الإعدام؟!

صدام حسين: أنا لا أوافق علي أي شيء، إلى من أوجه النداء، هل أخاطب أعدائي، أنهم هم الذين رتبوا لهذه المحاكمة غير العادلة، وهم الذين أعدّوا السيناريو من البداية إلي النهاية، ومع ذلك أقول لكم أنا مرتاح، مرتاح لأني سأواجه ربي بقلب طاهر وصلب ونظافة يد وإخلاص في الأداء وراحة ضمير وانحياز دائم إلي الحق والعدل، لقد واجهت الباطل وتصديت له، كان بإمكاني لو أردت أن اعقد معهم صفقة وأن أجد لنفسي مبررا، لكنني دائما عاهدت الله سبحانه وتعالي ألا أفعل إلا ما يرضي عنه ضميري وديني وحبي وانتمائي للعراق وللأمة. بعد كل ذلك، وبعد كل هذه التحديات ورفض كل المحاولات التي عرضوها عليٌ، هل يمكن الآن لصدام حسين أن يساوم علي رقبته وأن يطلب الإفراج عنه لسبب أو لآخر.. ليس صدام حسين الذي تعرفونه يمكن أن يفعل ذلك..

وإذا فعلت ذلك ماذا أقول لربي وللمناضلين؟ قولوا لمن طرحوا هذا العرض إن صدام حسين لا يناشد إلا ربه، ولن يناشد أحدا مهما كان، الله يخزي الأعداء وينصر المؤمنين.


لقد حضر إليٌ طبيب بعد التصديق علي حكم الإعدام وسألني.. هل تحتاج إلي أدوية مهدئة، فقلت له الجبل لا يحتاج إلي مهدئات، لقد أعطانا الله سبحانه وتعالي
من الإيمان ما يجعلنا لا نحتاج إلي مثل هذه الأمور، المهدئات تعطي للضعفاء الذين يحرصون علي الحياة الدنيا بأي ثمن، أما أنا فأقول إنني سأقابل الموت بثبات وإيمان وأحمد الله علي ذلك.

إنني ادعوكم أن تتذكروا باستمرار إيمانكم كلما أصيبت النفس بالوهن أو الاكتئاب، إن الصبر والتضحية والجهاد والجود بالنفس من أجل الحق والمبادئ الشريفة هي أسمى معاني الإيمان، تذكروا أن العدل هو الإنصاف وليس القانون، أي أن القانون ينبغي أن يقوم علي الإنصاف وإلا فإنه لا يحقق العدل..
إنني منذ أن علمت بنبأ التصديق علي الحكم بدأت استخدم الدراجة الخاصة بالرياضة التي جاءوا إلي بها بجهد إضافي لكي اثبت لهم طبيعة الشخصية العربية المؤمنة، أمس واليوم زدت الوقت المخصص للرياضة من 12 دقيقة إلي 35 دقيقة.

عليهم أن يعرفوا ويدركوا أننا قوم نحب الحياة، ولكن عندما يأتي وقت التضحية فنحن نتقبل الموت دون خوف أو رهبة. لقد تحدثت لهم كيف أني عبرت نهر دجلة قبل القبض علي بقليل في عام 2004، لقد كان العبور بالنسبة لي ضروريا، وكان هناك زورق صغير وعندما وصلنا إلي الماء وقال لي المضيف إن الزورق يكفي لك وللبنادق قلت له كلا، استقل الزورق أنت مع البنادق، أما أنا فسأقوم بعبور النهر سباحة.

إن قوة الرجل ليست في عضلاته، قوة الوحوش تكون في نابها وعضلاتها، بينما قوة الرجل في قلبه وإيمانه، وقلبه وإيمانه يخلق له من العزم والقوة ما لا يمكن أن تخلقه له العضلات.. وهنا قرأ الرئيس صدام أمام المحامين أبياته الجديدة من الشعر كتبها تقول:

كان الغراب قد مثل دور صقر

ففشل بعد إذ خاب الغراب

فصار ينعق مغتاظا

ويتقطع إذ ينتفخ الجراب

وكل صائر إلي ذهاب يكون له وإن أبطأ إياب

أزيحت مكارمك وحل بك العاق

أيا دارا منك السخي إغداق

رحل أهلك، صاروا شتاتا

وهفت إليها النفس اشتياق

ما جفلت من صعب قلوبنا وليس لها عن حبها باق

وقال الرئيس صدام.. أرجو ألا يتسرب إليكم اليأس، فهذا قدر الله، ولكن كل ما يهم هو العراق والأمة ودحر المستعمرين وهزيمتهم، وأنا أظن أن الربيع القادم سيكون حاسما لأنهم وصلوا إلى العجز بينما رجالنا يمتلكون الآن زمام المبادرة، إن الله سوف يحمي الشعب والأمة من الأعداء وينصرنا عليهم نصرا عزيزا، فأمتنا تستحق هذا النصر الغالي الذي تصنعه الآن بدماء أبنائها الأوفياء، إن النتيجة المتوخاة والأفضل هو أن تصل إلى النصر بالوسائل السلمية ولكن إذا كنت مضطرا فبالمقاومة ودحر الطغاة ولا شك أن الظلم الذي وقع علي العراق ومن خلاله علي الأمة لم تكن له مبررات لقد قالوا وتحدثوا عن أسباب الغزو والعدوان ولكن كل أكاذيبهم تكشفت وأصبح وضعهم أمام الرأي العام في منتهي السوء، ولكن الغريب أنهم لا يزالون مستمرين في غيهم واحتلالهم وقتلهم للأبرياء ونهب ثروات بلد عربي مستقل وذي سيادة.

مرة يقولون سنحقق النصر، وتارة أخري يقولون لا منتصرين ولا مهزومين، ثم يعودون مجددا ويقولون سوف نزيد من أعداد قواتنا في العراق وهكذا أصبحوا يتخبطون بعد أن لحقت بهم خسائر فادحة بفعل المقاومة البطلة لشعبنا العظيم لقد حاولوا أن يبثوا بذور الفتنة بين أبناء العراق الواحد، ونسوا أن شعبنا صاحب الحضارة والتاريخ ظل يعيش علي مدي قرون طويلة كنسيج واحد، لا يعرف الفرقة، ولا يعرف الطائفية أو المذهبية أو العرقية.

إن من الأخبار المهمة التي أسعد بها ويفرح لها قلبي أن شعبنا في الجنوب يقومون بعمليات ضد قوات الاحتلال، وكذلك الأخبار الطيبة عن أهلنا في منطقة الحكم الذاتي وفي حلبجة بالذات، حيث جرت هناك اعتقالات لأفراد من شعبنا الكردي لأنهم يرفضون الاحتلال ويتمسكون بالعراق الواحد الموحد.
إنني أوصي أهلنا جميعا بأن يتمسكوا بوحدتهم وأن يتسامحوا فيما بينهم، فالفتنة هي مخطط الأعداء الذين لن يحققوا احتلالهم وتوسعهم إلا عبر إثارة تلك النعرات المرفوضة من الجميع.

وأنا علي ثقة من أن شعبنا وأمتنا بخير ولن تسمح أبدا للمحتلين وعملائهم بأن ينجحوا في مخططاتهم التي تريد تفتيت العراق بل وتفتيت الأمة.. إنني اطلب منكم أن تحملوا رسالة إلى جميع أبناء شعبنا للحفاظ علي وحدتهم ومواجهة عدوهم المشترك الذي لا يريد خيرا بأحد من أبناء العراق.

إنني أقول لأبناء شعبنا: صبرا، فساعة النصر قادمة، والوضع الدولي يتحرك الآن مجبرا، والسياسة الأمريكية دمرت كل الفرص وأصبح خيارنا الوحيد الآن هو المقاومة... لقد تحدثوا كثيرا عن المصالحة وطرحوا هذا الأمر أكثر من مرة وأنا قلت لهم: هذا مستحيل، ولو أن صدام حسين ذهب إلي المصالحة بنفسه وبدون حزب البعث العربي الاشتراكي فهذا لن يجدي شيئا، إن أي حوار أو مفاوضات إن لم تكن مع الحزب كمؤسسة رسمية معنية فإنها لن تكون لها أية قيمة أو جدوى، والذين يقدمون أنفسهم بعيدا عن الحزب هم لا يمثلون الحزب... إن العقل الأمريكي مازال قاصرا في معالجة الأخطاء وهم لم يستطيعوا حتى الآن أن يدقوا الأبواب الصحيحة وأن يقروا بمطالب أبناء الشعب العراقي، ولكن أقول لكم وبكل ثقة إنه خلال شهرين من الآن فسوف تكون الصورة مختلفة وسوف يكون المحتلون في حالة غير هذه الحالة التي هم عليها وذلك عندما يتسلم الديمقراطيون المهام الرسمية ويطلعون علي الوثائق والأوراق كاملة.. هنا سوف يعملون ويسعون إلى بلورة حل لقضية العراق وحسب ما اعتقد فإن ذلك سيتم خلال ثلاثة أشهر.

... صدقوني إن أكثر ما يؤرقني ليس مصيري ولا مصير العراق، فالعراق له رجاله الذين سيحررونه من المحتلين حتما، ولكن ما يقلقني هو أنني لا أدري حجم الحقد الذي سيتربي في نفوس الكثير من قلوب العراقيين عليهم إذا أعدموني، لأن من امتلك الحقد قلبه فسوف يعمي بصيرته..

إنني أقول لأبناء شعبي عبركم إياكم ثم إياكم أن تحقدوا، لقد حاربت الخميني طيلة ثماني سنوات دفاعا عن العراق وعن أمن الأمة في مواجهة المخططات التوسعية وتصدير الثورة ولكن أقسم بدماء أبنائي أنني لم أحقد على الخميني مرة واحدة، هذا خصمي قاتلته بشرف.

ونفس الأمر بالنسبة للرئيس الأمريكي جورج بوش، لقد دمر بلدي وشرد شعبي، وأنا أقاومه بكل إرادة وأدعو لمقاومته وهزيمته ولكنني لا أحقد عليه، هناك خط فاصل بين الحقد وبين الخصومة. لقد قلت لكم في وقت سابق انه عندما بلغني نبأ اِستشهاد أبنائي وكنت مختفيا عن عيون الأعداء، جاء إلي أحد شيوخ العشائر وقال لي وهو يتردد أريد أن أبلغك بخبر سيئ قلت له ماذا حدث؟ قال عدي استشهد قلت له 'عفيه' ثم نظر إلي مندهشا وقال وقصي أيضا استشهد فقلت له 'عفيه' فتعجب من رد الفعل وقال لي وأيضا حفيدك مصطفي استشهد فقلت له بقلب المؤمن 'الحمد لله'.

لقد كنت متماسكا وأنا اسمع نبأ استشهاد أبنائي وحفيدي الواحد تلو الآخر، وقد أردت أن أفهم من جاء إلي بهذا الخبر أنَّ أبنائي ليسوا أفضل من آلاف العراقيين الذين استشهدوا دفاعا عن العراق.

إنني أقول لكم: لا تنسوا أنّ صدام بدأ مناضلا ودخل صفوف البعث مناضلا، واقتلع السلطة من الفوضى والخراب بعقلية المناضل، لقد بنينا العراق طوبة طوبة، وعندما جاءت اللحظة الحاسمة واجهت أعداء العراق وأعداء الأمة بروح المناضل والمقاوم.

كنت أعرف إنني قد استشهد وأن يستشهد أبنائي، ولكن كل ذلك كان دافعا لي على الاستمرار في المقاومة وليس الهروب، والبقاء وسط أبناء شعبي مهما كان الثمن. لقد اختفيت طيلة ثمانية أشهر، كنت أتجول خلالها في ربوع العراق، أتابع وأتواصل مع المقاومة.. نمت عند أناس لا أعرفهم، بعد ثلاثة أسابيع فقط من احتلال بغداد قمت بتسريح كل الحرس الخاص وبقي واحد فقط معي.

لقد قلت إنني خدمت هذا الشعب العظيم طيلة 35 عاما، وأنا الآن اسلم نفسي لهذا الشعب ومن المؤكد أنه سيحتضنني وإذا لم يحتضنني فمن المؤكد أن هناك شيئا خاطئا..

لقد ارتديت ملابس مختلفة وتجولت في المزارع والحقول والجبال، وتصرفت طيلة هذه الفترة بعقلية المناضل، وكذلك خلال فترة الاعتقال التي أرادوا الإساءة فيها إليٌ بوقائع كاذبة وصور ملفقة، وكذلك في فترة المحاكمة، إنني لا أهاب إلا الله وأنا راض عن نفسي تماما.

إن المناضل يختلف عن الإنسان العادي، فالإنسان العادي تبعا لمهمته يوصي أولاده طبقا لما هو مخطط لهم، وعندما يتقاعد يعتبر أنه قد انتهي وأن الحياة قد توقفت، بينما المناضل يعتبر مهمته مستمرة حتى آخر لحظة في حياته ولهذا هو لا ينتهي. إننا نحتاج لهذه الحالة لكي نتطهر، لأن النضال في ظل القانون والدولة يختلف عن النضال خارج نطاق الدولة والقانون..

عندما قامت الثورة في عام 1963 كان عدد الأعضاء الحزبيين حوالي 770 عضوا فقط، كنا نحتاج إلي حالة نضال غير اعتيادية، هذه المسيرة ليست حالة سهلة، هي أصعب حالة مرت على الحزب حتى الآن، فهناك أعداء من الداخل، والمحتل هو أكبر دولة في العالم، والاختبار العملي هو كيف يخرج حزبنا من هذه المحنة دون أن يقدم أية تنازلات أو يتراجع عن مبادئه وعقيدته..

كان الوقت يمر سريعا.. قال صدام حسين.. يبدو أنني صدعت رؤوسكم، أنني أريد أنْ أقول لكم 'بارك الله فيكم، فأنتم أناس مخلصون مؤمنون وضعتم حياتكم في خطر وأصبحتم مهددين في كل لحظة، لم أر منكم إلا الصبر والمثابرة والتضحية بلا حدود.. بارك الله فيكم وبارك في عوائلكم التي لم تخذلكم عندما قررتم الدفاع عني وعن رفاقي، وأسأل الله سبحانه وتعالي أن يعوضكم في الدنيا والآخرة اسأل الله الرحمة للمحامي الشهيد خميس العبيدي، وأسأل الله أن يعز جيشنا وشعبنا.

سلموا لي على أم علي وأمها وعلى أخواتها وعلى أبنائهم أحفادي جميعا وعلي الأسرة، هم مؤمنون بأمر الله ولكل إنسان أجل وكتاب، فعليهم أن يرضوا بما كتبه الله علينا بقلوب مؤمنة، وأن يتذكروا أباهم بأنه ناضل وجاهد بشرف، ليس سعيا وراء منصب وإنما من أجل الشعب والأمة واستحقاقها والذي هو فينا عظيم، إن الصورة التي عندي هي ثقتي بشعبي وجيشي وحتى لو اهتز البعض فهناك قسم من الناس يسمون الطليعة والناس الآخرون يسمون بالآخرين، وان تجاربنا بحر زاخر، شعبنا أصيل وحزبنا أصيل في مبادئه وإصراره علي الحق والإنصاف.

11 / 2 / 2007

شبكة البصرة

الاحد 24 جماد الاول 1428 / 10 حزيران 2007

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس