|
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ |
|
سيدى الرئيس: هذا ما أريده اليوم، وهذا ما أريده غدا |
|
 |
|
شبكة البصرة |
|
على الصراف |
|
الجرائم التى تُرتكب بحق الأبرياء فى العراق كثيرة. وليس أقل منها الجرائم التى
ترتكب بحق البلد نفسه. وليس لى سواك، سيدى الرئيس، من يمكن ان أتوجه اليه
بالشكوى والدموع والأمنيات.
نساؤنا تُغتصب من قبل خنازير،
وأطفالنا يُقتلون بأيدى وحوش،
ورجالنا وشبابنا يجرون الى المعتقلات ليعذبوا ويغتصبوا، هم أيضا، قبل ان يقتلوا
وترمى جثثهم فى العراء، بأيدى مرتزقة.
ومنازلنا تهدم على رؤوس ابنائها بقصف الطائرات، وكأن الحرب لم تنته حتى بعد
مرور خمس سنوات، وكأن "النصر" لم يتحقق للغزاة.
وهناك ما لا يقل عن 100 ألف سجين لا يعرف عن مصيرهم شيء. ومن حين الى آخر،
ننتظر دورية من دوريات الاحتلال لتكتشف لنا "لاسباب تتعلق بالابتزاز" سجنا يقوم
فيه عملاء الاحتلال بسلخ جلود المعتقلين واستخدام المثاقب الكهربائية لحفر
أجسادهم، او ملجأ للأيتام يتم تجويعهم واغتصابهم فيه.
ولم يبق فى العراق عالمٌ او خبيرٌ إلا وقُتل او هُجّر. وأصبحت الجامعات التى
كانت ذات يوم دورا للعلم والمعرفة، مراكز للجهل والمليشيات.
حتى المستشفيات تحولت الى مسالخ للتمييز والقتل العشوائي، من جانب الضحايا،
والمنظم من جانب القتلة. وكلهم "متدينون" وينتظرون مهديهم المنتظر بالنهب وسفك
الدماء، ولا تفوتهم صلاة، فى قِبلة دبابات العم سام، ويسبحون بحمد ربهم جورج
بوش ونبيه روبرت غيتس -خليفة رسول الله دونالد رامسفيلد- ووليه المعصوم
-السفير- رايان كروكر واحفاده الاثنى عشر المعصومين من أركان السى آى أيه
والبنتاغون والحرس الثورى الايراني. ويتوسلون اليهم، بكرة وأصيلا، لكى يبقوا فى
العراق لحماية "ديمقراطية" تقسيم النفط والغاز.
انهم يسبون العراق، ليس باعمال القتل والتعذيب والدمار التى يشيعونها فى كل
مكان، بل بتمزيقه على هويات طائفية قذرة.
وعلى أساس هذه الهويات صار ربع العراقيين لاجئين ومشردين داخل بلدهم وخارجه.
وجلهم فى العراء، أنصاف عراة وجياع، ومنهم من يتسول لقمة العيش على أرصفة،
بعضها يُشفق، وبعضها لا يُشفق، لفرط ما شهدت من البؤساء والمحرومين.
وهم، كما ترى، حكومة عمائم و"عوالم". ولكن لا أدرى أى دين يتبعون. إذ لا دين
تعرفه البشرية يمكنه ان يفسر ما يفعلون. وهم يشاركون فى جرائم الاحتلال
ويتواطأون مع ما لا يشاركون فيه وكأنهم جزء من ماكينة قتل وحشية وعمياء تسحق
وتمضى ولا تهتم بما تركت خلفها من دموع ودماء.
وتعرف، سيدى الرئيس، انهم نهّابون ونصّابون وجياع الى السلطة، ولكنى لا أستطيع
ان أصدق ان بشرا مهما بلغت بهم الشراسة والانحطاط ان يفعلوا ببلدهم ما يفعلوه.
سرقوا ما لم تسرقه عصابة من قبل، ودمروا ما لم يدمره أبناء بلد ببلدهم من قبل،
وأحاطوه بالفشل والعوز والمحن والضياع ما لم يفعله اى "نظام ديمقراطي" من قبل.
ولكن ماذا بوسعك ان تفعل لواحد هو عمامة فوق بالوعة يقول "نحن نفضل ان يُنظر
الينا كشيعة لا كعراقيين". وآخر هو بالوعة فوق عمامة يقول قوله "المأثور": "نحن
لا نريد الحرب الأهلية، لأن اخواننا السنة سيخسرون فيها".
وكلما تفسخ البلد فى الفوضى، زاد التفسخ نشرا للفساد، وذلك حتى تفسخ التفسخ
نفسه بحكومة محكومة يخجل الانحطاط منها، ولكن لا يخجل صاحبها من القول علنا انه
يزمع اقامة مشاريع واعمال بناء فى "المحافظات الآمنة"، من دون ان يشعر كم هو
منحط فى طائفيته بهذا الاعلان، وكأن أبناء المحافظات "غير الآمنة" ليسوا من هذا
العراق، ولا يستحقون ان تقام لهم مشاريع بناء.
الى هذا الدرك الأسفل وصلنا، والحرب الأهلية قائمة وجارية على قدم وساق. تنشر
الموت فى كل مكان، وتستبيح كل المحرمات وتتجاوز كل القيم الإنسانية.
إنما هى حرب "أهلية" تخاض من قبل "اهليين" تصاهروا فى زواج المتعة على امتداد
المسافة بين النجف وكاليفورنيا، مرورا بقم، ضد أهليين من بلدهم لا لذنب سوى
انهم من "إخواننا السنة".
وانت تعرف، سيدى الرئيس، اننا فسيفساء، تعايشت فيما بينها ليس بنكران الاختلاف،
وانما بقبوله واستعاب و الذوبان فيه. فكان مسلمونا يزورون الكنائس حتى لكأنها
كنائسهم. وكان سنتنا، فى محبة آل البيت، شيعة. وكنا أسرا تتزاوج وتتجاور وتعاشر
بعضها بعضا من دون ان تعرف جنس الملائكة التى تحوم حولها. ربما لأننا،
بطبيعتنا، نميل الى قبول الدين كتقليد اجتماعى أكثر منه كأيديولوجية. ولكنه صار
فى عراق الخراب.. أحزابا وتنظيمات ومليشيات.
سيدى الرئيس،
أعلم انك تقود اليوم حزب جهاد ومجاهدين، لم يكشف عن معدنه الوطنى والقومى
الأصيل من قبل، كما يكشفه اليوم.
ولئن نُسبت لهذا الحزب أخطاء وعثرات فى الماضي، فهذه ليست مما يستحق اليوم أى
مجادلات. فأمام محنة الوطن الراهنة، صار هذا الحزب فصيل مقاومة وطنية يسترخص
الدماء ليس من اجل سلطة، او دفاعا عن مصالح حزبية ضيقة، وانما من اجل العراق،
ومن اجل الحرية، ومن اجل القيم الانسانية السامية. وهذا شرف يكفى لجعله صفّاً
يستحق ان ينتمى اليه الوطنيون، وان يدافعوا عن جذوة الأصالة الوطنية التى عادت
لتتوقد فيه.
ولكنك رئيس لكل العراقيين أيضا، أينما كانوا، ومن أى مشرب شربوا. انت تاج
وحدتهم، وقطب تآخيهم القومى والاجتماعي، وانت رمز سيادتهم واستقلالهم.
وإنى لأسالك ان تسمو بهذا المعنى فوق كل خلاف، اذا ظهر بين الوطنيين والمجاهدين
خلاف. وان تكون رائد وحدتهم ومسدد خطاهم ومعينا لهم على كل حال، وذلك طالما
ظلوا على خط المقاومة والجهاد ضد الاحتلال.
إذا كان لى ان أطلب منك شيئا اليوم، فانى اتوسل اليك، ان توحد صفوف المجاهدين
ضد الاحتلال وان تحفظ حقهم فى ادارة عراق الحرية والاستقلال. فكل الذين وضعوا
دماءهم فوق أكفهم هم رفاقك واخوانك وشركاء لك، وحقهم عليك. فاحفظه. واجعل ذلك
واضحا لهم. ابحث عن سبيل يجدون فيه ان التنازع على السلطة والنفوذ لا معنى له
قبل ان يتم التحرير. وهو لا معنى له حتى بعد ذلك. فطالما لا يستطيع احد ان يلغى
احداً، فان شراكة القيم والمعايير هى ما يجب ان ينتصر ويسمو فوق كل خلاف. وهذا
العراق كبير وثرى ومؤثر ما يمكنه ان يحفظ حق مليون فريق مجاهد من اجل الحرية
والسيادة والاستقلال. بعضهم يناهض الامبريالية من اجل مقدس هو العراق، وبعضهم
يناهضها من اجل مقدس أكبر وأبعد، ولكن فى الحالتين فان تصادم المجاهدين بأنفسهم
يخذلهم ويخذل المقدسين معا. فابحث عن سبيل يجعل التلاقى هو الخيار الوحيد
الشافى للطرفين، ربما بمدونة قيم ومعايير وأخلاقيات تؤطر استراتيجية التحرير
وتشكل رافعة معنوية لها.
شرعية رئاستك هى وحدها الشرعية، ليس لأنك ورثتها من منصب اختاره لك الشهيد
الكبير فحسب، بل لانها الخط الأخير الذى سبق الباطل أيضا، ولانها، فوق ذلك،
صارت شرعية مقاومة وفروسية ضد كل ما نتج عن الباطل.
وباطل كل ما أقيم على باطل، حكومة واحزابا وقوانين وقرارات.
الكارهون الصادقون للباطل سيرون الحق فيك، وسيحمونه ويحموك، ليس لانك انت من
انت فقط، بل لأن الحق حق والباطل باطل. وبالنسبة لذوى الضمير، فان الحق يعلو
ولا يُعلى عليه.
سيدى الرئيس عزت ابراهيم الدوري،
إذا كان يحق لى أن أحلم، فاسمح لى بأن احلم بعراق سيد حر وموحد. إنما...
سيّد، بأبناء لا يأتمرون بأمر من الخارج حتى ولو كان "لا إله إلا الله"، ولا
بشيء من ثقافته العنصرية، حتى ولو قالت "محمد رسول الله". سنقولها نحن، ملء
قلوبنا نحن. بطريقتنا نحن.
وهذا يعنى اننا لن نحترم نفاق الديمقراطية الغربية ولا مزاعمها لكى لا نكون
مطايا لمشاريع الامبريالية ونفوذها وسياساتها. وسنبحث عن سبيل لنظام للحكم يقوم
على قيم العدل والمساواة والإحسان، بوصفها قيمنا الخاصة.
وحرّ، بدستور يساوى بين العراقيين كأفراد، لا كطوائف ومجموعات "يستسهل امتطاءها
الانتهازيون". دستور يحمى حقوقهم الفردية والاجتماعية بوصفهم شركاء احرارا وفقا
لنظام قيم يتوافق مع سامى قيم الفسيسفاء الاجتماعية الوطنية؛ أكثرها دفعا
للوحدة وأقلها ميلا للاختلاف.
وحرّ، بنظام قضائى مستقل، نزيه، ويبلغ فى سموه ورفعته حد المقدس، لأن يده من يد
الحق. ولكننا نستعيد به أسمى قيم القانون وأكثرها رقيا، تلك التى كان عراق
حمورابى أرضها الأولى.
وهذا يعنى هيئة قضاء عليا، تحظى بكل الضمانات التى تكفل نزاهتها وجلالة
مكانتها، وجسما قضائيا يتكفل، وفقا لضوابط محددة، بان يكون رقيبا صارما على
نفسه، يحول دون تجاوز خطوط العدل والانصاف، ويضمن حقوق المتهمين حتى تثبت
إدانتهم، ويحرم كل نوع من أعمال العنف والانتهاكات. ويستعين بأفضل ما قدمته
البشرية من خلاصات وتجارب وخبرات، ويكون شفافا، ولا يكتفى بإحقاق الحق، بل
ويُظهره كحق، وذلك بجعله بيّنا وبعيدا عن الشك، فيحظى بثقة الناس ويصبح موئلهم
الأمين.
وحرّ، بمواطنين يتمتعون بكافة الحقوق التى انطوت عليها شرعة حقوق الانسان،
وبخاصة منها حرية الرأى التى هى عماد كل حرية أخرى.
وموحّد بقيم المواطنة المتساوية وبالشراكة كأفراد فى التمتع بثراء وامكانيات
بلدهم ومستقبله، وموحد أيضا بمعانى الانتماء الجامع والشامل لعراق هو ليس ماضيه
فحسب، وانما حاضر أبنائه ونظام حياتهم، وقيمهم الاجتماعية، وخبراتهم وثقافتهم
ومعارفهم وتطلعاتهم للمستقبل.
ولكن هذا كله لن يستقيم، سيدى الرئيس، ما لم يستقم معه شيء آخر: ملاحقة كل
أولئك الذين ارتكبوا جرائم حرب ضد العراق والعراقيين.
لن يكون أى حق جديرا بالاعتبار ما لم تتم ملاحقة ومحاكمة كل الذين تورطوا
بارتكاب جرائم حرب فى العراق. ولن تستحق أى صداقة قيمتها ما لم يقدم كل الذين
ارتكبوا اخطاء بحق العراق اعتذارا لا لبس فيه لشعبه.
كل علاقات العراق الخارجية يجب ان تكون مرتبطة بهذا الشرط: محاكمة مجرمى الحرب
وتعويض الضحايا وإعادة المسروقات.
لا مصالح ولا علاقات تجارية ولا اتفاقيات قبل ان تبدى الدول والمنظمات المعنية
عن استعدادها لتحقيق هذا الشرط.
وبذلك فان عار الجريمة سيظل معلقا يلاحق الأشخاص والدول والمؤسسات البرلمانية
والمجتمعات التى استرخصت، من اجل أطماعها الدنيئة، دماء الأبرياء. ولن يعود
ممكنا ان تكررها مرة أخرى.
صفحة الآلام والمرارات لن تطوى أبدا قبل ان تطوى صفحة الجريمة بمعاقبة
مرتكبيها.
وحدة المقاومة، هى ما أريده اليوم، ومعاقبة مجرمى الحرب هى من بين أعز ما أريده
غدا.
الإنصاف وحده هو ما يُنصفك، فأنصفنى يا سيدي،.. إنى أتوسل اليك.
العرب اونلاين
06/07/2007 |
|
شبكة البصرة
|
|
الجمعة 20 جماد الثاني 1428 / 6 تموز
2007 |
|
يرجى الاشارة الى
شبكة البصرة
عند اعادة النشر او الاقتباس |