بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

هل إيران دولة استعمارية؟

شبكة البصرة

صلاح المختار

الملائكة لا تزني، وان زنت تشيطنت. صلاح المختار

(2 10)

جيف مزرعة ارانب مكتظة

ما هو الدليل على ان ايران معادية للعرب ولا تمثل في سياستها الخارجية أي مفهوم اسلامي بل هي تمارس اقدم واقسى اشكال الاستعمار؟ اذا قرأنا بعض محطات الواقع، خصوصا منذ الحرب التي فرضتها ايران على العراق في عام 1980، سنرى ان ايران لا تختلف عن اسرائيل في نزعتها الاستعمارية والتوسعية على حساب الامة العربية وانها كانت في زمن الشاه، ومازالت في عهد الملالي، اهم مساعد لامريكا في تنفيذ خطط تفتيت اقطار الامة العربية، لذلك فان الادلة على التعاون الامريكي الاسرائيلي مع ايران ودعمهما لها تشبه، في كثرتها، مزرعة ارانب اكتظت بالارانب ولم تعد تستوعب توالدها واغلقت باحكام ابوابها وكل نافذة فيها، ومع ذلك فانها تستمر في التوالد، فيكون من الطبيعي ان تختزن جيفة لا تظاهيها حتى جيفة بوش، وعندما تهب عواصف وتفتح شبابيك المزرعة تنطلق منها جيفة لا تطاق رائحتها، يشمها ويشمئز منها حتى من يجلس ليعاقر الخمر في لاس فيغاس مدينة القمار في امريكا!

 

صلة امريكا بأيران : الوجه والقفى

نشر موقع الصحفي الفلسطيني صالح النعامي المقابلة التي اجراها ديفيد ايغنشيوس كبير محرري صحيفة " الواشنطن بوست "، مع الرئيس الأمريكي جورج بوش مؤخراً، والتي تركزت حول الموقف الأمريكي من المشروع النووي الإيراني، فاشعلت الأضواء الحمراء في إسرائيل. كل من الساسة والجنرالات المتقاعدين وكبار المعلقين الإستراتيجيين الإسرائيليين توقفوا ملياً أمام ما جاء على لسان بوش في هذه المقابلة، التي بادر بوش لدعوة ايغنشيوس لإجرائها معه في البيت الأبيض، وكأنه كان يتعمد إيصال رسائل محددة لصناع القرار في طهران. الجنرال والوزير السابق افرايم سنيه عضو لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست الإسرائيلي وأحد قادة حزب العمل الإسرائيلي بادر الى اجراء العديد من المقابلات الإذاعية، وطرق أبواب مكتب رئيس الوزراء ووزير الحرب وقادة الأجهزة الاستخبارية لوضعهم امام خطورة ما جاء في مقابلة بوش، مع العلم أن الكثير من المعلقين شاركوا سنيه قلقه الشديد مما جاء في هذه المقابلة.

ما الذي ورد في المقابلة واثار قادة اسرائيل؟ ان أكثر ما يقلق الإسرائيليين في هذه المقابلة هو تعمد بوش عدم الحديث عن خيار القوة في مواجهة البرنامج النووي الإيراني. ليس هذا فحسب، بل أن بوش كما يرى الإسرائيليون بادر لمغازلة القيادة الإيرانية، عندما أشار الى الدور الكبير الذي تلعبه ايران في المنطقة بوصفها  (دولة عظمى في المنطقة)، على حد تعبيره. ووجه بوش خطابه للإيرانيين : (اننا نقدر ونحترم تاريخكم وثقافتكم، وأنا أتفهم رغبتكم في تطوير برنامج نووي، وأنا أرغب بجدية في القيام بكل شيء من اجل ايجاد حل لهذه القضية). ويضيف الرئيس بوش (لا حاجة لي ولا رغبة بنزاع معكم ولا بد من العمل على تطوير برنامج خاص لتبادل المعلومات والثقافة مع ايران). والإستنتاج الذي توصل اليه معظم المعلقين في الدولة الصهيونية هو أن بوش يبدو مستعداً للتوافق مع إيران في كل ما يتعلق بالمشروع النووي الإيراني، مقابل أن تلعب طهران في تهدئة الأمور في العراق.

سنيه وبقية المعلقين عبروا عن انزعاجهم الشديد من تشديد بوش على أنه يمكن أن تلعب إيران دوراً أساسياً في تكريس الإستقرار في العراق. ويصل سنيه الى استنتاج مفاده أن بوش يريد غض الطرف عن البرنامج النووي مقابل أن تساهم طهران في توفير الظروف التي تسمح لواشنطن بسحب قواتها من العراق. ويضيف سنيه في مقابلة مع الإذاعة الإسرائيلية باللغة العبرية (بوش يريد أن تدفع اسرائيل ثمن ازمته الخانقة في العراق، فهو من أجل الخروج من المأزق العراقي مستعد للتوافق مع ايران حول برنامجها النووي، الذي يعتبر أكبر تهديد وجودي لإسرائيل). وحسب الإسرائيليين، فأنه ليس فقط الرهان الأمريكي على دور لإيران في العراق، هو الذي يصرف واشنطن للتفكير بعيداً عن الخيار العسكري ضد طهران، بل أن صحيفة " هارتس " في عددها الصادر يوم 23 9 2006 تكشف النقاب عن أن كبار الصقور في الإدارة الأمريكية لم يعودوا واثقين بأن عملاً عسكرياً أمريكياً سينجح في تصفية أو إحباط المشروع النووي الإيراني. وأشارت الصحيفة الى ما وصفته ب " حلقات فراغ " في موقف "المثلث الحديدي" الذي يقوده بوش ونائبه تشيني ووزير دفاعه دونالد رامسفيلد، منوهة إلى أن رامسفيلد الذي كان من كبار المتحمسين للخيار العسكري ضد إيران، أصبح يشكك في إمكانية نجاح هذا الخيار ضد طهران، لدرجة أنه يبدو مستعداً للتسليم بأن تتحول ايران الى قوة نووية. موقع الصحافي والكاتب صالح النعامي 24 9 - 2006.

ان السؤال الذي نطرحه في ضوء ما ورد اعلاه هو التالي : من مكّن ايران من الوصول الى هذا الحد في مشروعها النووي؟ اليس صمت وتواطوء الادارات الامريكية تجاه ايران مع ان الاعلام العالمي، وبالاخص الامريكي، كان في التسعينيات يشير الى نشاط ايران في شراء الاسلحة والمعدات النووية وكل شيء من العالم كله، خصوصا من دول الاتحاد السوفيتي المنهار، ومقابل ذلك ركزت امريكا وبريطانيا على انهاك العراق وتحويله من القوة الاقليمية العظمى الوحيدة في الخليج العربي والجزيرة العربية الى منطقة فراغ ستراتيجي، بتشديد الحصار عليه ورفض السماح له بشراء أي عتاد حربي وشن (حرب منخفضة الحدة)، تتمثل في فرض منطقتي الحظر الجوي والقيام بالقصف اليومي المحدود للمواقع العراقية، منذ وقف اطلاق النار في شباط فبراير عام 1991؟ لقد كانت امريكا تريد للعراق ان ينهار ويتمزق ويفقد دوره كقوة اقليمية عظمى وحيدة بعد ان حيّد العراق ايران بالحاق الهزيمة بها في حرب الثمانية اعوام، وكانت تريد ان تجعل من ايران قوة اقليمية عظمى مجددا.

اما خوف اسرائيل من ايران كما ورد في المقابلة فانه (فوبيا) لا غير، أي مرض وسواسي اكثر من كونه حقيقة واقعية كما سنرى.

 

وعلاقة ايران الحقيقية بامريكا، وليس الموقف الذي يروج في الاعلام، قديمة قدم نظام خميني والذي كان يشتم امريكا واسرائيل بحدة لكنه كان يكافأ بارسال اسلحة امريكية واسرائيلية اليه! وعبر عنها في بداية عام 2004 خير تعبير محمد على أبطحي، نائب الرئيس الإيراني للشؤون القانونية والبرلمانية، الذي وقف ـ بفخر ـ في ختام أعمال (مؤتمر الخليج وتحديات المستقبل)، الذي ينظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية سنويا بإمارة أبو ظبي مساء الثلاثاء 15/1/2004م ليعلن أن بلاده (قدمت الكثير من العون للأمريكيين في حربيهم ضد أفغانستان والعراق)، ومؤكدا انه (لولا التعاون الإيراني لما سقطت كابول وبغداد بهذه السهولة)!! أبطحي عبر من جهته عن أساه لأن من كانت الدولة الإيرانية تدعوه بـ'الشيطان الأكبر' لم يثمن الخدمة الإيرانية له , فأردف قائلا (.. لكننا بعد أفغانستان حصلنا على مكافأة وأصبحنا ضمن محور الشر، وبعد العراق نتعرض لهجمة إعلامية أمريكية شرسة). وقبل ذلك نقلت جريدة الشرق الأوسط في 9/2/2002م عن رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام [أحد الأجهزة الثيوقراطية الإيرانية المتنفذة] الرئيس الإيراني السابق ؛ علي أكبر هاشم رفسنجاني قوله في يوم 8 فبراير في خطبته بجامعة طهران : (إنّ القوات الإيرانية قاتلت طالبان، وساهمت في دحرها، وأنّه لو لم تُساعد قوّاتهم في قتال طالبان لغرق الأمريكيون في المستنقع الأفغاني). وتابع قائلاً : (يجب على أمريكا أن تعلم أنّه لولا الجيش الإيراني الشعبيّ ما استطاعت أمريكا أنْ تُسْقط طالبان(. مفكرة الاسلام في 26 فبراير 2004 م. ما قاله ابطحي بفخر في مطلع عام 2004 كرره خاتمي رئيس الجمهورية في نهاية نفس العام حينما قال كلمته المشهورة : لولا مساعدة ايران لامريكا لما نجحت في احتلال افغانستان والعراق!

ويتعدى الدعم الايراني للسياسات الامريكية حدود المنطقة ليصل الى دعم امريكا في يوغسلافيا، ففي دراسة للكاتب الامريكي المعارض نعوم شومسكي يقول (ان الرئيس لامريكي بيل كلنتون كان يرسل بالطائرات مقاتلي القاعدة وحزب الله الى البوسنة لدعم الجانب الامريكي في الحرب الدائرة).

. Noam Chomsky: Hegemony or survival, ref: Bulletin of Atomic Scientists.

 

الاطار الستراتيجي لموقف امريكا من ايران

لماذا يتحدث خاتمي بلهجة توافقية مع امريكا، كما نقلنا عنه في اعلاه، وهي (الشيطان الاكبر) الذي يجب ان يموت حسب شعارات سيد خاتمي خميني؟ ولماذا يعاتب رفسنجاني واصبحي ايران على موقفها الناكر لجميل ايران؟ وهل يوجد تناقض في الموقف الايراني؟ ان امريكا، وهي تتعاون مع ايران، تعرف مع من تتعامل، وتدرك بعمق ماهي طبيعته وخططه الستراتيجية وضد من تتوجه في الواقع وليس في الشعارات. لذلك فان امريكا وايران، ورغم كل اللغو الفارغ والتهديدات والضغوطات بينهما، تقفان في خندق واحد عندما يتعلق الامر بالعراق بشكل خاص والامة العربية بشكل عام. ولاضاح هذه النقطة بشكل موثق لا يستند على تحليل او اجتهاد فقط ينبغي التذكير بالموقف الامريكي الرسمي والفعلي تجاه ايران.

ان السياسة الامريكية تجاه ايران تقوم على تمييز دقيق وصحيح بين كل من العراق وايران، منذ زمن عهد الشاه وحتى الان، ففي زمن الشاه كانت امريكا مع ايران بلا تحفظ وضد العراق بلا تحفظ، وبعد سقوط الشاه حصل تعديل غير جوهري وانما ثانوي، ابقى نظرة امريكا الى ايران كقوة قابلة للاستخدام ضد خصوم امريكا الاقليميين، حتى لو برزت بين امريكا وايران خلافات تتطلب الضغط والتأديب ضمن العائلة الواحدة.

في عهد كارتر، والذي شهد عهده اسقاط الشاه وصعود خميني، كانت السياسة الامريكية ثابتة في عدم خسارة ايران كحليف اقليمي رئيسي، لذلك فان اعتقال الدبلوماسيين الامريكيين في طهران ورغم اهانتهم واهانة امريكا فان امريكا لم تفعل شيئا جادا ضد ايران، وقامت بعملية مسرحية لانقاذهم، عززت ادعاء خميني (ان الله معه) بسقوط الطائرة في صحراء لوط وفشلها! اكثر من ذلك فان اطلاق سراح المعتقلين الدبلوماسيين الامريكيين تم مقابل اسلحة وعتاد لايران ليستخدم ضد العراق في الحرب. وقام روبرت مكفارلين مستشار الامن القومي انذاك بزيارة سرية لطهران لبحث اطلاق سراح الرهائن الامريكيين واجتمع بالمسئولين الايرانيين، وعلى راسهم رفسنجاني، وتوصل الى اتفاقية تقوم على تزويد ايران بالسلاح والعتاد والمعلومات الاستخبارية عن العراق مقابل اطلاق سراح الرهائن الامريكيين، وكانت تلك الصفقة ثمرة افتعال ازمة الرهائن الامريكيين التي لانشك الان، وطبقا لكل المؤشرات والوثائق، في انها كانت مسرحية امريكية هابطة لزيادة تلميع وجه خميني الذي يعد بحق اكبر واهم من خدم امريكا واسرائيل في كل الشرق الاوسط (الوطن العربي ودول الجوار).

لقد ولدت واحدة من اشهر فضائح السياسة الامريكية، وهي، بنفس الوقت، اشهر فضيحة لنظام خميني وهي ما سمي ب(ايرانجيت) و(ايران كونترا)، والتي كانت عبارة عن مساومات رخيصة بين ايران، التي كانت تواصل اشرس حملة اعلامية ضد امريكا، وامريكا، التي كانت ترد بنفس الشدة وتتهم ايران خميني بالتطرف، ومع ذلك اتفقا على صفقة كان العراق ضحيتها! ان هذا الموقف الامريكي، الذي قد يوصف بالمائع من قبل من يجهل الحقيقة، ماهو الا نتاج ضرورات ستراتيجية تقوم على خطة لاعادة تنظيم الدور الايراني في المنطقة في عصر تبنت فيه امريكا، منذ عهد كارتر، سياسة دعم ما يسمونه في الغرب ب(الاصوليات الدينية) ومنها الاصوليات الاسلامية والمسيحية والهندوسية واليهودية، فكان ضروريا اثارة النزعة الاصولية السنية في افغانستان لتكون الشرارة التي تشعل الاصولية الاسلامية السنية، وأثارة النزعة الاصولية الشيعية في ايران لتكون ايضا الشرارة التي تلهب الاصولية الاسلامية الشيعية، وبهما سوية ارادت امريكا ان تعيد ترتيب كل الوطن العربي، وفقا لسياسة شرذمة الامة العربية وتمزيقها على اسس عرقية وطائفية، كما دعت الستراتيجية التقليدية لاسرائيل، وكما اقتضت مصلحة امريكا الاستعمارية. وكانت قاعدة دعم الاصوليات الدينية هذه هي اجتثاث الافكار الاشتراكية والقومية، اولا، والتي توحد الشعوب وتحل مشاكلها الاجتماعية، ثم، ثانيا، توفير البيئة الطبيعية لاشعال حروب طائفية بين اصوليتين قويتين واحدة سنية، ولدت في افغانستان، والثانية شيعية صفوية ولدت في قم، وبذلك تتخلص امريكا، كدولة استعمارية، واسرائيل، كدولة استيطانية استعمارية، من القومية العربية وتياراتها الوطنية التقدمية وتحول الوطن العربي الى نثار لا يجمعه شيء كما دعا هنري كيسنجر.

ان الخمينية، في اطار هذه النظرة الستراتيجية، ليست سوى حاجة ستراتيجية امريكية صهيونية توظف لتمزيق الاقطار العربية طائفيا، بعد ان فشلت امريكا، وقبلها بريطانيا وفرنسا، في القيام بالخطوة الثانية من تمزيق الامة العربية وهي تمزيق الاقطار العربية على اسس عرقية وطائفية، بعد ان مزقت الامة الى اقطار في اتفاقية سايكس بيكو. لقد قاومت الامة العربية المجزءة الى اقطار محاولات التمزيق والشرذمة القطرية، بفضل الوعي القومي العربي رغم كل الصراعات العربية العربية التي نشأت، لذلك كانت هناك حاجة ستراتيجية لطرف اخر اكثر قدرة على تمزيق الامة من داخلها وباستخدام المقدس لديها : الاسلام. ان اسلام خميني واسلام التكفيريين السنة هو الوحيد القادر على شرذمة اقطار الامة العربية، اذا اجتث التيار القومي العربي وصفي، نتيجة وجود اصطفاف وتناقض طائفيين بين الاحزاب الاسلاموية اوجدا استعدادا قويا لديها لجعل الحرب ضد الطرف الاسلامي الاخر ممكنا، وربما يسبق باشواط الحرب مع الصهيونية والاستعمار.

كما ان الطائفيين من الطرفين يكرهان حد الحقد المتجذر القومية العربية وتنظيماتها السياسة لدرجة انهم مستعدون للتعاون فيما بينهم، رغم تناقضاتهم الحادة، لكنهم لايتعاونون مع القوى القومية العربية! هذه الحقيقة تفسر سر اللقاء بين الاخوان المسلمين في مصر مثلا مع ايران رغم ان ايران تعمل ضد السنة علنا! وهنا بالضبط تظهر المصلحة الاسرائيلية والامريكية في دعم التطرف الديني، رغم انه يسبب خسائر لامريكا والغرب واسرائيل، لكنها في الحسابات الستراتيجية وليس الاقتصادية او التكتيكية، خسارة محسوبة وقابلة للتحمل وثمن مقبول لتحقيق الهدف الاخطر : شرذمة اقطار امة تملك اكبر احتياطي للنفط وهو دم الحياة العصرية، من جهة، وضمان بقاء اسرائيل دون تهديد يأتي من وجود امة عربية موحدة اوقوية من جهة ثانية. هنا يكمن السر في تحمل امريكا والغرب للخمينية والتكفيرية السنية رغم غوغائيتهما في شتم امريكا واسرائيل، وما تسببانه من مشاكل يمكن التحكم بها بشكل عام.

ومن الحقائق المذهلة ان امريكا واسرائيل وايران تعمل وفقا لمثل ايراني معروف يقول (لا تقتل الافعى بيدك بل بيد عدوك)، فامريكا واسرائيل تستخدمان ايران لتدمير وحدة الاقطار العربية ومحو الهوية العربية عبر اثارة الفتن الطائفية في كل مكان، وهو عمل خطير وذو طبيعية ستراتيجية استثنائية الاهمية، وايران استخدمت امريكا لدخول العراق لاجل تدميره بيد امريكا وبمساعدة كاملة منها. والان نرى امريكا وايران تستخدمان التكفيريين السنة، سواء بصورة مباشرة او بصورة غير مباشرة، لاجل تمزيق المقاومة العراقية وشرذمتها، وهذا يفسر حقيقة ان ايران تدعم التكفيريين السنة بالسلاح والمال مع انهم ضدها طائفيا! واذا اخذنا بنظر الاعتبار ان المقاومة العراقية المسلحة هي، وليس غيرها، التي وضعت المشروع الامبراطوري الامريكي الكوني امام تحدي الفشل الاكيد، وان امريكا فشلت في كل خططها لتغيير مسار حرب تحرير العراق، فان كل طرف يساعدها على تحييد المقاومة العراقية، وهو وضع يسمح لها باعادة الروح لمشروعها الكوني، هو حليف بحكم الواقع ومهما كانت خلافات امريكا معه. وبما ان ايران تعد المقاومة العراقية العدو الاول لها، لانها تمنعها من تحقيق أي مكسب اقليمي دائم في العراق، فانها تلتقي مع امريكا واسرائيل عند هدف جوهري وهو القضاء على المقاومة.

واستنادا لهذه الخلفية الستراتيجية المعروفة ولدت سياسة (الاحتواء المزدوج) التي تبنتها ادارة كلنتون، وسياسة  (محور الشر) التي تبنتها ادارة بوش الابن، وهما تعكسان تلك الخلفية الستراتيجية وتجسدانها. فالاحتواء المزدوج تقول بان العراق وايران دولتان لامريكا معهما خلافات، ويجب على امريكا ان تنجح في تغيير مسار هاتين الدولتين، من خلال اسقاط النظام في العراق، بكل الوسائل المتاحة، لانعدام امكانية الحوار معه، بينما يجب اقناع ايران، بوسائل دبلوماسية سلمية وبالضغوط العسكرية والاقتصادية وليس بالحرب او الغزو، بتغيير بعض سياساتها مثل دعم الارهاب او التطرف الديني او السعي لامتلاك اسلحة دمار شامل او العمل ضد السلام في الشرق الاوسط. اما سياسة محور الشر فانها تقول بان العراق وايران وكوريا الشمالية دول مارقة ويجب تغيير مسارها، وهنا يتكرر نفس الموقف الذي تقوم عليه سياسة الاحتواء المزدوج، وهو التمييز بين العراق من جهة وايران وكوريا الشمالية من جهة ثانية، فالعراق يجب اسقاط نظامه اما ايران وكوريا فيجب اقناعهما بالضغوط وليس بالحرب بتغيير سياستهما.

ما معنى هذا التمييز؟ انه يعني بدقة تامة ان ايران، ومهما كانت خلافاتها مع امريكا واسرائيل، تبقى الاحتياطي الستراتيجي الاهم لهما، من بين دول الجوار العربي وليس تركيا كما قد يعتقد البعض، الذي يمكنه لعب دور خطير في تفتيت اقطار الامة العربية، وهو هدف اساس اسرائيلي - امريكي. ومما يعزز هذه الحقيقة الستراتيجية هو ان المشروع الامبراطوري الفارسي الحديث، الذي عمل الشاه على تنفيذه ففشل فجاء الملالي لاكمال المشوار، وبغض النظر عن الغطاء الذي يتستر به، لا يتناقض من حيث الجوهر، مع المشروعين الامريكي الاستعماري، والاسرائيلي التوسعي الاستعماري، بل يكملهما ويدعم فرص نجاحهما، لان قاعدته الاساسية هي جغرافية ايران الان وفي المستقبل القريب، اما المحيط الاقليمي، والعربي منه بشكل خاص، فهو عبارة عن منطقة حيوية جيوبولوتيكيا بالنسبة لايران، تحاول الاستفادة القصوى منها في عقد مساومات مع امريكا. ان ايران تعرف ان ميزان القوى الستراتيجية الدولي لا يسمح لها بالدخول مع امريكا واسرائيل باكثر من لعبة عض اصابع، لتحقيق مكاسب اقليمية لها مقابل خدمات تقدمها لكل من امريكا واسرائيل مباشرة او بصورة غير مباشرة. لذلك فان ايران بكل ما تقوم به من مناورات تكتيكية، واتباع ايران وبالاخص حزب الله، بكل ما يقومون به من اعمال قد تبدو خطيرة تصب في النهاية في خدمة المشاريع المشتركة الثلاث الامريكي والاسرائيلي والايراني.

اذن، ووفقا لاعترافات قادة ايران، فان امريكا تلقت دعما مباشرا وجوهريا من ايران وجيشها في غزو افغانستان والعراق وانه لولا الدور الايراني هذا لما نجحت امريكا في غزو العراق وافغانستان! هل يحتاج هذا الاعتراف الرسمي والموثق لاي تحليل او تفسير او تبسيط؟ كلا بالتأكيد فانه بالغ الوضوح وهو يؤكد ان ايران حليف رئيسي لامريكا وانها شاركت مباشرة ورسميا وبدور اساسي في غزو العراق وافغانستان، وبغض النظر عما يقال لاغراض الاستهلاك في الاعلام والمحافل السياسية.

شبكة البصرة

الاربعاء 30 شعبان 1428 / 12 أيلول 2007

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس