بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

لماذا يستمر مسلسل اعدامات احرار العراق؟

شبكة البصرة

صلاح المختار

أقر حكم الاعدام بحق قادة العراق الابطال المناضلين علي حسن المجيد وسلطان هاشم وحسين رشيد، رغم تفاهة الادلة وانعدامها والاعتماد على التلفيق، كما في كل المهازل السابقة التي ذهب ضحيتها سيد شهداء العصر القائد صدام حسين، ورفاقة الشهداء الابطال طه ياسين رمضان وبرزان التكريتي وعواد البندر السعدون. ومن الملاحظ في هذه الدورة من سفك الدماء ان الهدف الإيراني كان يتسابق مع الهدف الامريكي، فبعد ان تمت تصفية القائد الشهيد صدام حسين على عجل وبطريقة انتقامية لاحظها كل من تابع التوقيت وطريقة التنفيذ، استجابة لقرار الادارة الامريكية بالتعجيل بتصفية قادة العراق ورموزه لاسباب تتعلق بقرب الانهيار العسكري للاحتلال، نلاحظ الان ان الحرص على الانتقام من الجيش العراقي باغتيال قادته الشجعان هو احد اهم اهداف الاصرار على الاغتيال.

ويخطأ من يظن ان ايران وحدها من تريد الانتقام من الجيش العراقي ممثلا بخيرة قادته،لان امريكا لاتقل رغبة في الانتقام من جيش العراق الذي حمى الوطن من المرحلة الجديدة من التامر على العراق، التي ابتدأت بعد تأميم النفط مباشرة في عام 1972. ان ايران التي ابتدأت مع ازدياد ثرائها النفطي في عهد الشاه بالدعوة لاحياء امبراطورية كورش، وهي، أي امبراطورية الشاه التي كان يريد بناءها، امبراطورية استعمارية بكل المعايير، اعلنت عن احد اهم اهدافها، وهو السيطرة على الخليج العربي بضفتيه، وجعل ايران خامس قوة في العالم، اصطدمت بجدار العراق العالي والقوي الذي منعها من تحقيق أي تقدم جوهري على حساب الاقطار العربية، وكان ذلك احد اهم اسباب فشل مشروع الشاه الامبراطوري، وادى الصدام الساخن جدا الى حرب بالنيابة استمرت حتى عام 1975بتوقيع اتفاقية الجزائر.

لقد استنزف العراق وايران من كثافة الحرب وشدتها، والتي اتخذت شكل حرب بين العراق والتمرد الكردي، لكن في الواقع كانت القوات الايرانية تقاتل القوات العراقية مباشرة على امتداد الحدود بين البلدين، وعبر التمرد الكردي المسلح، كما اكدت المعلومات التي عرفت. ونتيجة لقوة العراق وصموده الكامل سقط خيار تحطيم جدار الصد العراقي ليعبر جيش الشاه برا الى الخليج العربي والجزيرة العربية مستخدما جنوب العراق ويخضعهما لسيطرته. وتلك مسالة مهدت لها رواية، في عام 1977، كتبها امريكي عالم اقتصاد وليس روائيا، وهذه الصفة للكاتب لها دلالات كبيرة، كان عنوانها موح جدا وتحريضي بنفس الوقت، وهو (انهيار عام 1977) تحدثت عن حرب شاملة بين ايران والعراق هدفها غزو ايران للمنطقة.

وبنجاح جيش العراق وقيادته الوطنية في قبر مخطط الشاه صدم طرفان : صدمت النخب القومية الفارسية التي كانت تريد من الشاه ان يواصل حربه ضد العراق القوي حتى تدميره والدخول منه الى الخليج العربي والجزيرة، كشرط مسبق لقيام امبراطورية كورش الجديدة، فتخلت هذه النخب عن الشاه واعطت الاشارة لاسقاطه. وكان نظام الشاه مكروها نتيجة لجرائمه بحق الشعوب الايرانية، فلم يكن صعبا التحريض ضده. وصدمت امريكا التي دفعت الشاه لفتح جبهة حرب على العراق لاسقاط اول نظام يقوم بتأميم النفط بنجاح واصرار، ويوجه بذلك ضربة رئيسية موجعة للاحتكارات الغربية، فقررت اسقاطه بواسطة ايران والتمرد الكردي.

وهذه الحقيقة قالها كيسنجر، واعترفت بها وكالة المخابرات الامريكية، بعد تطبيق اتفاقية الجزائر، حيث كشف النقاب، عما كان العراق يعرفه على وجه الدقة، وهو ان ايران كلفت من قبل امريكا واسرائيل بدعم التمرد الكردي بشكل مفتوح وكامل، لاجل عرقلة واستنزاف العراق تمهيدا لاسقاطه وطنا ونظاما. لذلك فان اتخاذ الشاه قرار وقف الحرب الشاملة ضد العراق بتوقيع اتفاقية الجزائر اثار غضب امريكا عليه واجبر صناع القرار ومساعديهم في امريكا على طرح سؤال مهم ومنطقي وهو : ما الفائدة من نظام الشاه اذا كان يعمل لحسابه هو ولا يلتزم بتعهداته لنا بخصوص اهم مسالة في (الشرق الاوسط) وهي تحجيم العراق؟

وفي ذلك الوقت كانت ستراتيجية امريكا الجديدة قد اعتمدت على احياء وتقوية (الاصوليات الدينية) كلها وليس الاصولة الاسلامية، والذي تقصده امريكا بتعبير الاصولية هو التطرف الديني وليس اصول الدين، شمل هذا كل الاديان : الاسلام والمسيحية واليهودية والهندوسية... الخ، وكان الهدف الاكبر دحر الشيوعية وحركات التحرر والنظم الوطنية والتقدمية في العالم. من هنا التقت مصالح الشوفينية الفارسية مع اهداف الستراتيجية الامريكية الجديدة، والتي هي في الواقع ستراتيجية اسرائيلية لانها قامت على شرذمة الامة العربية بكافة اقطارها على اسس طائفية، واشعال حروب بين الاسلام والديانات الاخرى فيما بعد. ماذا كانت نتيجة هذا اللقاء الكبير والخطير بين الشوفينية الفارسية وامريكا واسرائيل؟ ان اول واخطر ما ترتب على ذلك اللقاء والتوافق في المصالح هو دعم وصول الاصولية الشيعية الصفوية الى السلطة في ايران ممثلة بأشد رجالاتها تعصبا قوميا وهو خميني.

ومما له دلالة تؤكد التوافق التام بين امريكا ونظام الملالي في طهران هو ان وصولهم للسلطة اقترن فورا وبلا ابطاء باستئناف الحرب التي ابتدأها الشاه ضد العراق، ولكن هذه المرة على نحو اشد واوسع واخطر، لان الملالي زجوا الطائفية مباشرة في الصراع واستغلوا الرصيد الشعبي الذي حققت عملية اسقاط الشاه في الوطن العربي، لاضعاف وعزل العراق عن محيطه القومي، وتلك كانت مصلحة امريكية وايرانية مشتركة. وبسرعة اشعل نظام خميني الحرب مع العراق في ظل قناعة تامة لدى النظام الجديد في ايران وامريكا واسرائيل بان تلك الحرب ستؤدي الى اسقاط النظام الوطني التقدمي في العراق واستنزاف التيارات الايرانية المناهضة لامريكا في ايران ومن ثم استحوذ امريكا على كل من العراق وايران بعد تدميرهما من خلال الحرب.

هل تحقق ذلك؟ هنا نصل الى بيت القصيد، اذ نتيجة لبسالة الجيش العراقي والجيش الشعبي والجماهير العراقية، خصوصا جماهير جنوب العراق الباسلة، تم صد المد الخميني كما تم صد التوسع الشاهنشاهي قبله باقتدار عراقي عظيم، تمثل ليس فقط في الانتصار على ايران، بعكس كافة التوقعات التي رأت ان العراق سيسحق ويدحر، بل وخروج العراق من الحرب اقوى ويحتل بجدارة رغم انف امريكا واسرئيل دور القوة الاقليمية العظمى الوحيدة في الخليج العربي والجزيرة. والخطورة في بروز العراق كقوة اقليمية عظمى تكمن في ان القوى الاقليمية العظمى كانت تبرز نتيجة دعم قوة دولية سواء من لمعسكر الغربي او الشرقي، اما بروز العراق فكان نتاج قرار وطني عراقي وهو قرار مستقل وتعده امريكا خطرا عليها، من هنا فان العراق بصفته قوة اقليمية عظمى كان يجب ان يحطم ويحتوى لتجنب انفلات الوضع الاقليمي من يد امريكا وانتشار (تمردات) واسعة النطق ضدها في كل مناطق نفوذها.

وهنا تبلورت حقيقتان : الحقيقة الاولى هي ان جيش العراق وكافة قواته المسلحة، وبفضل عبقرية القيادة العراقية خصوصا الرئيس الشهيد صدام حسين، قد احبط اهم خطوة في المخططات المتلاقية والمنسجمة لكل من امريكا وايران واسرائيل، وهي تدمير قوة العرب وشرذمتهم والغاء دورهم الاقليمي لصالح تشكيل اقليمي جديد تلعب فيه اسرائيل وتركيا وايران الدور الاساس في ترتيب الوضع بتوجيه امريكا. والحقيقة الثانية ان هذه القوى الثلاثة لها مصلحة في ازاحة واسقاط النظام الوطني في العراق لاجل العودة الى المسار المطلوب، امريكيا وصهيونيا وايرانيا، وهو مسار تجزئة الاقطار العربية كلها ودون استثناء. وفي اطار هاتين الحقيقتين كان الحقد المشترك الامريكي الإيراني على جيش العراق وعلى القائد العام للجيش قد وصل الذروة.

ماذا حصل لمعالجة التوازن الستراتيجي الاقليمي المختل لصالح الامة العربية لاول مرة؟ الجواب الامريكي كان افتعال ازمة جديدة تجر العراق جرا الى الحرب، ولكنها ستكون حربا شاملة لن تنتهي الا باسقاط النظام الوطني في العراق، وكانت ازمة الكويت هي الازمة المفتعلة التي اريد بها اعادة ضبط الوضع الستراتيجي في كل المنطقة. ولكن هذه المهمة لم تكن سهلة على الاطلاق بالنسبة لامريكا رغم الدعم الإيراني المباشر والكامل لها، فالعدوان الثلاثيني في عام 1991 لم ينجح في اسقاط النظام بغزو العراق لان مقاومة العراقيين عامة، خصوصا قواتهم المسلحة، كانت اسطورية مما ادى الى وقف اطلاق النار من جانب واحد هو الجاني الامريكي، لكن الحرب تواصلت وفقا لستراتيجية عسكرية اخرى هي ستراتيجية (الحرب المنخفضة الحدة والتي تمثلت في تشديد الحصار الشامل والذي شمل حتى الغذاء والدواء والكتب العلمية، وعمليات عسكرية مستمرة، ولكنها محدود تمثلت في القصف اليومي او شبه اليومي للقوات العراقية، وفرض منطقتي الحظر الجوي... الخ. ان هذه الستراتيجية كانت مصممة لاستنزاف العراق تدريجيا الى ان ينهار من الداخل.

لكن العراق لم ينهار بل اخذ يعيد تشكيل وضعه بطريقة ناجحة، وما ان جاء القرن الجديد حتى اخذت ملامح تحرر العراق من الحصار، وما رافقه من ستراتيجية عسكرية، تظهر واضحة، فتقرر ان يحسم الامر بغزو العراق. وكانت ادارة بوش الابن مهيأة لعمل كهذا، فاتخذ قرار الغزو بعد هجمات ايلول 2001. وحصل الغزو فواجهت قوات الاحتلال مقاومة ضارية جدا من ام قصر الى ان وصلت بغداد، عندها تحولت الحرب من حرب نظامية الى حرب تحرير شعبية، اوصلت امريكا الى اخطر مأزق في كل تاريخها. والسؤال المهم هو التالي : من قام بكل ذلك؟ من اذل امريكا واحبط خططها الاقليمية والدولية؟ انه العراق المقاوم قبل الغزو بشراسة، والعراق المقاوم بعد الغزو بنفس الشراسة والعظمة، وفي كل الاحوال فان العقل المدبر للمقاومة العراقية منذ عام 1991 وحتى الان هو القيادة العراقية الشرعية ورمزها الشهيد صدام حسين، اما القوة الضاربة التي كانت تقاوم تحت قيادة صدام حسين فهي القوات المسلحة العراقية بكافة صنوفها، والتي اصبحت بعد الغزو المصدر الأساسي لاغلب فصائل المقاومة سواء كانت بعثية او غير بعثية.

اذا اخذنا هذه الخلفية ماذا سنجد؟ سنجد ان من احبط مشاريع امريكا منذ تأميم النفط وحتى الان هو البعث وقيادة البعث والقوات المسلحة التي طورها وقواها ووسعها البعث، فهل يكون غريبا ان امريكا وايران تعدان كل فشلهما في العراق وكل خسائرهما البشرية والمادية الاعتبارية كانت نتيجة مقاومة شعب العراق وقيادة العراق؟ نعم ان ما نراه الان من اعدامات وتعذيب بشع واعتقال لعشرات الالاف من البعثيين وقادة الجيش العراقي الباسل ما هو الا عمليات انتقام مما واجهته امريكا وايران نتيجة صلابتهم ووطنيتهم وحمايتهم للعراق من كل اذى. ان من قاوم الغزو الإيراني في عام 1980 وافشله بعد ثمانية اعوام من الجهاد المقدس ضد التأمر القومي الفارسي الذي تكرر واستمر، هم قادة العراق المدنيين والعسكريين، ولذلك فان التهم الموجهة اليهم ما هي تلفيقات تخفي الرغبة في الانتقام ممن كان يحمي عروبة العراق والمنطقة كلها. ان الفارسي الاصيل خامنئي حينما يتذكر اوجاعه من جراء افشال كل الخطط الايرانية يتذكر فورا ان من كان السبب في الفشل الإيراني هم اسود العراق قيادة وطنية وقوات مسلحة.

اما امريكا فإنها، وهي تأمر باعدام قادة العراق، تتذكر الفشل الذي واجهته وماتزال تواجهه في العراق، وهو فشل قاتل يهدد بنسف كل امال امريكا في العراق والعالم، وتتذكر المال الذي خسرته وهي تتامر على العراق وذهبت سدى، واخيرا تتذكر العدد الهائل من خسائرها البشرية، فتحمل قيادة العراق وجيشه كل هذه الخسائر الاستثنائية.

واخيرا وليس اخرا فان الاعدامات هي استباق للكارثة لاعظم التي ستحل بامريكا لو تحرر العراق وهو يحتفظ بقادته المدنيين والعسكريين، ذوي الخبرة الهائلة والتاريخ الغني بالتجارب والانجازات العظمى، لانه عند ذاك ستعالج المشاكل التي تربت على الغزو ويعيد بناء نفسه ويحافظ على وحدته الوطنية بفضل وجود قيادة مجربة وجيش محنك وشجاع، ينتظر تحت الارض للخروج لاستلام السلطة عند انهيار الاحتلال. ان امريكا تريد للعراق بعد ان تتركه وهي مهزومة مجزئا ومتناثرا وكل جزء منه عاجز عن الاعتماد على نفسه، ولكن وجود قيادات العراق القوية والمجربة والمعروفة يمنع ذلك ويحفظ للوطن وحدته وخبرته وامكانيات اعادة البناء، لذلك لابد من تصفية قادة العراق قبل الهزيمة لضمان ان يبقى العراق اسير التناحر بين الجميع، والافتقار الى القوة المركزية والقادة القادرين على الحسم واعادة الامن والاستقرار والسيادة للعراق.

بهذا المعنى فان اصرار الاحتلال وايران على اعدام القادة الذين حكم عليهم بالاعدام يعبر عن درجة خطورة واهمية من يراد اعدامه على الاحتلال ومخططاته، وعن عظمة القادة علي حسن المجيد وسلطان هاشم وحسين رشيد.

تحية للقادة الاسرى وهم يتقدمون نحو الاستشهاد بروح العراقيين الاشراف الذين وضعوا الوطن فوق كل اعتبار بما في ذلك اعتبارات الحياة.

المجد والخلود لسيد الشهداء القائد الرمز صدام حسين.

العار لقادة امريكا وايران الاشرار.

عاشت الثورة العراقية المسلحة.

النصر او النصر ولا شيء غير النصر.

Salah_almukhtar@gawab.com

 

شبكة البصرة

الاحد 27 شعبان 1428 / 9 أيلول 2007

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس