بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

لغم التفاوض مع أمريكا : كيف نفجره في وجهها؟

رسالة مفتوحة الى كوادر المقاومة المسلحة من كافة التنظيمات

شبكة البصرة

صلاح المختار

سألني صديق، يبدو ان نفسه قد تقطع ووصل شوقه للراحة حد الاستعداد للمساومة مع الاحتلال : لم لا تفاوضون الاحتلال الامريكي لتحقيق الانسحاب من العراق رغم دعواته وادعاءاته انه يتفاوض مع فصائل في المقاومة من اجل حل المشكلة؟ وهذا السؤال طرح علينا مرارا من قبل اشخاص من مختلف التوجهات، بعضهم توهم ان الدعوة الامريكية للتفاوض تنطوي على صدق وجدية، خصوصا وان امريكا قد فشلت في خطتها الاحتلالية مما قد يوحي بان الدعوة للتفاوض نتاج استعداد حقيقي للانسحاب عبر التفاوض. وكنا نعرف انه، بالاضافة الى تعب البعض، فان عدم معرفة البعض الاخر بامريكا، بتكتيكاتها وحجم وطبيعة مطامعها الامبراطورية الاستعمارية، هو الدافع لهذه الدعوة، لذلك كنا لا نتعب من شرح اسبابنا والتي اقتنع البعض بها في حين ان اخرين لم يقتنعوا.

ثم جاءت حملة شرسة تروج لاكاذيب مضللة، منها أدعاء اياد علاوي بان البعث قد تفاوض مع الامريكيين بوساطته، الامر الذي نبهنا الى ضرورة حسم الموضوع ليس بصيغة بيان يكذب فقط وجود تفاوض بين البعث والادارة الامريكية، وهو ما حصل، بل عبر تحديد خارطة طريق التفاوض، مع تحديد دقيق للالغام الامريكية المزروعة فيها، وتعلم كيفية تجنبها من خلال تجارب الامة العربية في التفاوض، وهي تجارب غنية جدا ومهمة جدا، خصوصا فيما يتعلق بالتفاوض حول القضية الفلسطينية، والعمل على رمي اللغم الامريكي، المدسوس في قلب لعبة التفاوض، في وجه المفاوض الامريكي في اللحظة المناسبة.

ان مناقشة هذه القضية الان واجب جوهري لإزالة سوء فهم كيفية تفكير امريكا، او لكشف ان التعب والقبول ب(حل وسط)، كما يصف هؤلاء الامر، ليسا سوى عملية انتحار حقيقي، وفي افضل الاحوال تقديم دعم لاستمرارية الوضع المأساوي الحالي في العراق وزيادته، بعد ان تنجح امريكا في أستدراج قادة في المقاومة الى لعبة التفاوض وتورطهم في أشكالياتها المعقدة، وبعد ان تكشف احتياطيات المقاومة العراقية وخططها، الموضوعة للحظات الحسم وتتعرف على القادة الحقيقيين للمقاومة وطريقة تفكيرهم ومستوى وعيهم وتكتيكاتهم... الخ، او على الاقل بعضهم، وهي خطوات ضرورية لقلب مجرى الصراع لصالح امريكا، بعد ان وصلت الى حافة الانهيار واعترفت بفشلها في دحر المقاومة الوطنية. اننا سنتناول بعض الحقائق التي قد تغيب عن بال البعض، وهو يفكر في كيفية انقاذ العراق باقل التضحيات واقصر الطرق، مع انها حقائق بالغة الاهمية، خصوصا قدر تعلق الامر بتجنب الوقوع في فخاخ امريكا الذكية جدا والخطيرة بنفس القدر.

 

غزو العراق : دوافعه الستراتيجية

قد يخدع البعض بقبول الادعاء الامريكي بان احتلال العراق كان نتيجة خلاف مع حكومة القائد الشهيد صدام حسين وسياسته العامة، ومن ثم فان الغزو محدود الاهداف، وان هذه الاهداف قد تحققت باسقاط النظام الوطني، وان الوقت مناسب للتفاوض من اجل الانسحاب! وهذا كلام فيه بعض الصحة ولكنه لا يكفي لتوفير الحصانة لمن يتعامل مع امريكا، حربيا وسياسيا، لاسباب ستراتيجة ابعد بكثير واهم بكثير من مجرد الاعتراض على سياسات البعث في العراق. ان قرار احتلال العراق هو قرار ستراتيجي، في المقاوم الاول، مدروس بدقة ولزمن طويل كانت محطته الحاسمة افتعال ازمة الكويت في عام 1990، بعد ان شجعت امريكا حكام الكويت على تحدي العراق والتجاوز على حقوقه وكرامة شعبه منذ عام 1988. وسبب تحديد ان الغزو المسلح هو الاسلوب الوحيد المتبقي لاستعمار العراق من قبل امريكا يعود الى فشل المحاولة الامريكية لاستخدام خميني ونظامة القومي الفارسي لاحتلال العراق، وهي محاولة قدرت امريكا انها ستؤدي الى اضعاف العراق وخلخلة توازنه، ومن ثم تسهيل اما احتواءه بلا حرب او اسقاط نظامه، اذا فشل الاحتواء، عن طريق دعم عملاء تبرقعوا باسم (المعارضة). ولذلك لاحظ العالم ان امريكا قد تخلت، في موقفها من العراق المنتصر على ايران، عن (ستراتيجية الحرب بالنيابة)، والتي كانت تخوضها ايران الشاه واسرائيل وانظمة عربية ضد حركة التحرر الوطني العربية وقواها التقدمية بدعم امريكي شامل، وتبنت (ستراتيجية الحرب بالاصالة) عن نفسها، لان انتصار العراق على ايران خميني قد اقنع امريكا ان العراق ليس قوة يمكن لقوى اقليمية دحرها بل ان المطلوب هو تدخل مباشر من قبل تحالف دولي كبير.

لقد روج الاعلام الغربي لكذبة ان ايران بعد اسقاط الشاه قد ضعفت عسكريا وتنظيميا نتيجة فوضى الثورة لذلك اصبحت فريسة سهلة للعراق القوي! هذه الكذبة تسقط بمجرد تذكر ان النصر في الحرب يعتمد بالدرجة الاولى على المعنويات وليس على السلاح فقط، وايران في زمن خميني امتلكت قواها المقاتلة معنويات لم يسبق لايران ان امتلكت مثلها في كل تاريخها، وهي معنويات من ضلل وغسل دماغه وتصور انه يحارب باسم الله وتحت رايته وان الموت اثناء الحرب هو سيد الاماني لضمان دخول الجنة فورا! ووزع خميني عليهم مفاتيح الجنة، التي صنعت في كوريا كما اتضح فيما بعد، ووضعوها في رقابهم واندفعوا للموت بلا تردد وهم يهاجمون القوات العراقية! وقد كتبت اثناء تلك الحرب مرارا اقول بان امريكا او الاتحاد السوفيتي لو قاتلا ايران بعد اسقاط الشاه لهزمتا عسكريا وانتصرت ايران، اذا لم تستخدما اسلحة الدمار الشامل، لان ملايين الايرانيين كانوا مستعدين للموت تطوعا وبتطرف عرفه العالم.

من هنا فان عام انتصار العراق الحاسم والباهر والتاريخي على الاستعمار الايراني (1988)، في قادسية صدام المجيدة الذي حاول احتلال العراق تحت شعار استعماري بغيض اطلق عليه خميني تسمية مضللة هي (نشر الثورة الاسلامية) وهي حقيقة توفرت الان حقائق كثيرة تثبتها، كان نقطة تحول كبرى في الستراتيجية الامريكية تجاه الوطن العربي، لان من انتصر على ايران وهي في اوج قوتها لا يمكن لاية قوة اقليمية ان تدحره، بما في ذلك اسرائيل التي اصبحت مكشوفة ستراتيجيا امام العراق، فقالت امريكا لتوابعها : انسحبوا فجيش صدام حسين لن يقهر الا على يدنا ويد حلفاءنا في العالم. لقد تخلت امريكا مضطرة عن ستراتيجيتها التقليدية في المنطقة وهي خوض (الحرب بالنيابة)، وتبنت ستراتيجية الحرب بالاصالة ابتداء من عام 1988، وشرعت بالاعداد للحرب مع العراق بقيادتها، واستخدمت حكام الكويت لاستفزاز العراق ووضعه في زاوية لا مخرج منها الا بالحرب. والسؤال المهم هنا لماذا قررت امريكا محاربة العراق بالنيابة اولا ثم بالاصالة؟

الجواب هو ان امريكا واجهت مأزقا خطيرا وهو ان فرصة العمر التي انتظرتها مائتي عام للسيطرة على العالم واعادة تشكيله، ليصبح على شاكلتها وفي خدمتها، قد توفرت عندما انهارت الشيوعية في اوربا الشرقية لكن المشكلة الخطيرة، التي صدمت امريكا، هي انها، ورغم توفر الفرصة، لا تستطيع غزو العالم بالقوة العسكرية لوجود قوى كبرى ونووية لن تسمح لها بفرض ديكتاتورية عالمية او نظاما أستعماريا جديدا بقيادتها المنفردة، فما العمل؟ هل تنتظر توفر الظروف المناسبة للغزو العسكري مع ان ذلك قد يؤدي الى ضياع فرصة العمر الوحيدة؟ ام تلجأ لستراتيجية اخرى تتناسب مع توفر فرصة استعمار العالم في ظل محدودية امكانات امريكا لغزو العالم عسكريا؟ الجواب كان تطوير نظرية جيوبولوتيكية جديدة تقول بان من يسيطر على قلب العالم يسيطر على العالم، وقلب العالم هو النفط، لذلك فان من يسيطر على منابع النفط الاساسية يسيطر على العالم، بمجرد التهديد بقطع النفط او تقليل كمياته المصدرة او رفع اسعاره فوق طاقة تحمل الدول المستهلكة.

بتطوير هذه النظرية وجدت امريكا الحل الاسهل والاقل تكلفة، كما اعتقدت، وهو ان غزو كل منابع النفط الاساسية سيوفر الفرصة لاخضاع العالم كله بلا حروب عسكرية تستهلك ثروات امريكا وتبيد الالاف من ابناءها وتشوه صورتها التي رسمتها هولي وود، وهي صورة ايجابية وجميلة، عن طريق ممارسة الابتزاز النفطي، أي استخدام النفط سلاحا سياسيا بيد امريكا ضد كل العالم. وهنا يجب ان نكرر الرد على النقد الضحل للراي الذي يقول بان امريكا غزت العراق من اجل النفط فيتصدى مارينز الاعلام ليقول ان النفظ لم يكن هو سبب غزو العراق لان امريكا تحصل على النفط الذي تحتاجه بلا حروب فلماذا تغزو العراق من اجل مادة تستطيع الحصول عليها بلا خسائر الحرب؟

ان الرد على هؤلاء السذج والملاعين هو ان النظرية الجيوبولوتيكية التي اعتمدتها امريكا لا صلة لها بهذا الرد التافه لانها تتحدث عن النفط كقوة ستراتيجية، وهو ما لا يفهمه او لا يريد فهمه مارينز امريكا في الاعلام او الاقتصاد، وليس عن النفط كقوة استهلاكية، وهو ما يركز عليه مارينز امريكا في الرد على دور النفط في غزو العراق. ان التمييز الواضح بين النفط كقوة ستراتيجية جبارة تحرك العالم كله وبدونه تتوقف اغلب مظاهر الحياة وتنهار دول بكاملها وتحدث فوضى اشد من فوضى أي حرب شاملة، وبين النفط كطاقة استهلاكية اذ توفرت ومهما كانت نوايا ماسك حنفيتها فسوف تبقي حركة العالم قائمة بصعوبات قد تكون كبيرة وقد تكون بسيطة لكنها لا تدمر امما وتهدم مقومات الحياة الطبيعية. فمثلا ان رفع اسعار النفط من قبل اوبيك مرارا احدث مضايقات لكنه لم يهدم دول ويحدث كوارث عامة.

هذه النظرية الجيوبولوتيكية واجهت مشكلة معقدة منعت تطبيقها وهي ان المالك الحقيقي لاكبر احتياطي نفطي عصي على الاخضاع وهو قوي الى درجة تجعل محاولات غزوه مكلفة جدا ومغامرة خطيرة وهو العراق. فالعراق يعد رسميا ثاني اكبر دولة منتجة للنفط بعد السعودية، فهو يملك 120 بليون برميل والسعودية تملك 220 بليون برميل، لكن الاحتياطي المقدر وغير الرسمي للعراق حتى التسعينيات كان بين 250 300 بليون برميل، وتوجد مناطق اخرى في العراق لم تستكشف بعد وقتها وكانت ترشح الاحتياطي العراقي للارتفاع اكثر، من هنا برزت المشكلة العملية التالية : من دون دمج النفط العراقي، المكتشف والمقدر، مع نفوط الدول التي تخضع حاليا للسيطرة الامريكية فان العراق قادر بمفرده على منع تطبيق النظرية الجيوبولوتيكية الامريكية، وهو امر يعني تبديد حلم امريكا الاغلى والاقدم وهو اقامة امبراطورية امريكية تسيطر منفردة على العالم، لان العراق بمفرده وباحتياطيه الثابت يستطيع ان يقدم للقوى والكتل والدول المحتاجة للنفط ما تحتاجة دون ابتزاز او شروط سياسية وبذلك تفشل خطة امريكا لاستخدام النفط سلاحا سياسيا لاخضاع العالم كله!

هنا برزت الاهمية الإستراتيجية الكبرى لإخضاع العراق لامريكا، باي ثمن وباي طريقة، لان ذلك هو المفتاح الوحيد لفتح البوابة التي تستطيع امريكا الدخول منها للعصر الامريكي، الذي يجب ان يجعل من القرن الجديد قرنا امريكيا بلا منازع. ان السيطرة الامريكية المنفردة على نفط العراق هدف ستراتيجي حاسم وليس اقتصادي بالاساس، لانه الشرط المسبق لقيام الامبراطورية الامريكية وبدونه ستضيع الفرصة الوحيدة لسيطرة امريكا على العالم. اذن غزو العراق يقع في قلب الإستراتيجية الامريكية الجديدة وهو الشرط المسبق لنجاحها، واذا لم تتم السيطرة عليه لن تستطيع امريكا الانتقال الى موقع القوة الاعظم الوحيدة والمسيطرة على عالم يعاد تشكيله ليصبح خادما مطيعا لامريكا. ان هذه الحقيقية، التي يتجاهلها الاعلام الامريكي والخبراء والساسة في امريكا، وبعضهم ينكرها بوقاحة كما فعل ريتشارد بيرل احد اهم مخططي غزو العراق ومن واضعي خطة جعل القرن الجديد قرنا امريكيا، ويتعامل معها مارينز امريكا العرب، لفرط سذاجتهم اوانحطاطهم الفكري والاخلاقي، وكانها اشاعة كاذبة كما يفعل من تطلق عليهم تسمية (الليبراليون الجدد)، نقول ان هذه الحقيقة هي المحرك الاول والاهم لغزو العراق ومن لا يتعامل معها ويكتشفها لن يستطيع فهم اسباب غزو العراق ومن ثم سيكون مستحيلا عليه اختيار الموقف الصحيح في التعامل مع امريكا وسيجد نفسه وقد وقع في الفخاخ الامريكية، واحدا بعد الاخر، حتما مهما كان يرفض ذلك.

ان اهم ما يترتب على هذه الحقيقة هو ان امريكا، التي ربطت مباشرة بين قيام امبراطوريتها وضمان غزو العراق، تعرف بان الفشل في العراق لا يساوي فقط منع اقامة الديكتاتورية الامريكية العالمية بل انه أيضا المقدمة الحتمية لزوال امريكا، كقوة عظمى منفردة. كيف ذلك؟

ان الفشل الامريكي في العراق يساوي وضع امريكا امام خيارين لا ثالث لهما : فاما ان تختار سياسة العزلة، وهو خيار انتحاري، لسببين، السبب الاول هو ان دورة الانتاج الراسمالي حينما تتخطى الحدود الوطنية وتصبح عالمية الوظيفة لا يمكنها ان تعود مرة اخرى دورة انتاج محلية ووطنية الانتشار، والسبب الثاني هو ان الراسمالية الامريكية من نمط الراسماليات التي دخلت طور الازمة البنيوية، أي ازمة الشيخوخة والاحتضار، لذلك فانها لا تعيش الا على الاقتيات الطفيلي على ما يوجد في غرفة انعاش عالمية اسمها الدولار، فاذا انعزلت امريكا فان العالم لن يكون ملزما باعتماد الدولار عملة رئيسية مسيطرة توفر للاقتصاد الامريكي اعظم مصدر للنهب المنظم. وبما ان الدولار عملة يسجل باسمها اعظم دين في التاريخ في ذمة امريكا، فان مجرد مطالبة الدول والافراد والشركات امريكا بدفع ديونها الخارجية والداخلية، والبالغة اكثر من ستة تريليون دولار، وهو مبلغ يساوي اكثر من 85 % من قيمة الناتج القومي الامريكي، سيكون كارثة مدمرة للاقتصاد والمجتمع هي الاعظم في التاريخ الامريكي. وفي هذا الصدد يجب ان يتذكر الجميع ان كل دولار في الخارج والداخل هو دين في ذمة امريكا لانه لم يعد مسنودا بما يعادله من الذهب منذ ألغيت اتفاقية (بريتون وودز) في السبعينيات من القرن الماضي.

اما الخيار الثاني فهو ان فشل غزو العراق، أي الفشل في استخدام النفط كسلاح جبار لا يرد، سيؤدي الى تفكك امريكا وتحولها الى دول متعددة مستقلة، كما حصل للاتحاد السوفيتي، لاسباب عديدة، منها ان التنافس بين الراسماليات العالمية كاليابانية والاوربية، ومع الصين العملاق الصاعد بسرعة صاروخية، اذا تم في اجواء حرة وبلا ابتزاز فان الغلبة ستكون للراسماليات الاخرى اضافة للصين، التي تشكل التحدي الاعظم للدور الامريكي خلال اقل من ربع قرن منذ الان. وهزيمة امريكا في المنافسة الراسمالية العالمية سيسمح بتغليب المصالح الفئوية داخل امريكا، بصفتها مجتمع جاليات لم تندمج بعد في امة حقيقة، ويطرح جديا ضرورة بروز دول مستقلة على انقاض امريكا تتشكل من الاقوام التي هاجرت الى امريكا ومازالت تحتفظ بسماتها القومية والثقافية الخاصة، تماما كما حصل للاتحاد السوفيتي.

يجب على من يريد فهم مدى استعداد امريكا للانسحاب من العراق ان يفهم هذه الحقيقة، وهي ان معركة العراق بالنسبة لامريكا هي معركة وجود النظام الامريكي ذاته، ووجود امريكا الواحدة كما نعرفها الان بذاته ايضا، وان يضع ذلك في حساباته دائما عندما يفكر في كيفية طرد امريكا من العراق، والا فان محاولة معرفة مدى استعداد امريكا عبث اطفال خدج.

 

ثوابت مأزق امريكا في العراق

بعد ان وضحنا الاطار الستراتيجي المتحكم بغزو امريكا للعراق من الضروري النظر الى المآزق الامريكية في العراق والتي تجعل الانسحاب مشروطا بها وبفهمها، فما هي هذه المآزق؟ لقد تحملت امريكا نتيجة غزوها للعراق ثمنا باهضا جدا لم تتحمل مثيلا له حتى في حرب فيتنام، والتي كانت تعد حتى غزو العراق اعظم كوارث امريكا الستراتيجية والمالية والمعنوية والسياسية. وهذه الخسائر الباهظة تجعل امريكا اكثر اصرارا على البقاء في العراق والبحث عن طرق جديدة لتحويل الحرب لصالحها، مهما كانت هذه الطرق مدمرة لامريكا في مجالات اخرى. فما هي اهم الخسائر الامريكية التي تجعل انسحابها اصعب جدا؟

1 ان الخسائر البشرية الامريكية في الحربين العالميتين اللتين خاضتهما ضد العراق، في عام 1991 وعام 2003، ضخمة جدا وتتجاوز بكثير الرقم الرسمي الذي يعلن، وتصل الخسائر الفعلية حسب مصادر المقاومة العراقية ومصادر امريكية غير رسمية الى اكثر من 30 الف قتيل، واكثر من 50 الف معوق جسديا ونفسيا، ولذلك فان غزو العراق اصبح مشكلة امريكية داخلية اصعب من مشكلة فيتنام ستبقى تؤثر سلبا على المحتمع الامريكي لعدة عقود من الزمن، فهل تتخلى امريكا عن العراق بعد كل هذا الثمن الباهض دون ان تعوض عنه بطريقة ما؟

 

2 - بلغت تكاليف حرب العراق المادية رسميا حتى الآن ما يزيد عن 500 مليار دولار، وما زالت تستهلك حوالي 8 مليارات دولار شهريا، هذا بخلاف التكاليف غير المباشرة مثل تكاليف العلاج الطويل الذي يحتاج إليه المحاربون. ونقلت وكالة يو بي آي من واشنطن معلومات وردت في تقرير أصدره الكونغرس أظهر أن تكاليف الحرب علي ما يسمى ب(الإرهاب) بلغت 510 مليارات دولار حتي الآن، ومن المتوقع أن تتجاوز التريليون دولار بحلول العام 2013. وأوضح المكتب أنه إذا استمرت الحرب 10 سنوات مع خفض القوات إلي 70 ألفاً بحلول العام 2013، فذلك سيعني 919 مليار دولار إضافي، وهو ما سيرفع كلفة الحرب إلي 1.4 تريليون دولار.

وكشف التقرير أن 90% من هذه التكاليف تم دفعه من مخصصات الحالات الطارئة التي لا تخضع لقيود العجز في المصروفات، حين إنفاقها، ولكنها مع ذلك تزيد الدين العام.

واشنطن بوست: الجيش الأمريكي في "دوامة الموت" بسبب العراق وأفغانستان. الاثنين 19-3- 2007 وتكاد تجمع اغلب المصادر الامريكية على ان امريكا خسرت ماديا في الحربين العالميتين ضد العراق اكثر مما خسرت في كل حروبها الاخرى مجتمعة، كما اكد تصريح العالم الامريكي في الاقتصاد الحاصل على جائزة نوبل، بتقديره للكلفة الحقيقية للحرب على العراق وغزوه بحوالي تريليوني دولار (الفي مليار)، بعد حساب كل ما يتعلق بالصرف المباشر وغير المباشر على الغزو ونتائجه واثاره. وهذا الرقم خيالي في حجمه وهو خسارة من المستحيل على امريكا ان تتحملها وتنسحب دون محاولة التعويض عنها. اننا حينما نصف الحرب ضد العراق بانها حرب عالمية لا نبالغ ابدا، ففي حرب عام 1991 قاتلت ضد العراق جيوش 28 دولة وساهمت في الجهد الحربي ضد العراق 43 دولة، بعضها قوى كبرى كبريطانيا وفرنسا، وتقودهم قوة عظمى هي امريكا، وفي حرب غزو العراق ايضا حارب العراق ضد نفس العدد تقريبا ولكن بقدرات اكبر، فهل كان عدد الدول التي شاركت في الحربين العالمتين اكبر؟ بالتأكيد كلا، بل ان الجيوش التي قاتلت العراق كانت تستخدم اسلحة افتك وارقى بكثير من تلك التي استخدمت ضد المانيا واليابان.

 

3 خسرت امريكا نتيجة غزوها للعراق واحدا من اعظم مصادر قوتها وهو تكتيك ابتزاز العالم بقوتها العسكرية والتكنولوجية التي لا تقهر. في نظريته حول دور الصواريخ النووية العابرة للقارات يقول زبجنيو بريجنسكي، مستشار الامن القومي للرئيس جيمي كارتر، بان القيمة الحقيقية للصواريخ النووية هي ليست في استخدامها بل في قدرتها السايكولوجية الردعية، فحينما يعرف العالم، خصوصا العدو بأنك تملك سلاحا مدمرا جدا سيخشاك ويتجنب المواجهة معك، لذلك لا تحتاج لاستخدام الصواريخ النووية ضد احد مادام الجميع يخشونك ويتجنبون الاصطدام بك. في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية برزت امريكا بصفتها القوة العالمية العظمى الاولى والتي تستطيع تدمير الكرة كلها عدة مرات بخزينها النووي لذلك كان العالم يتجنب الاشتباك مع امريكا، بما في ذلك القوى النووية الاخرى كالاتحاد السوفيتي والصين وغيرهما. وهذه السمعة منحت امريكا امتيازا استثنائيا مكنها من تحقيق الكثير من المكاسب الستراتيجية دون خوض حروب حقيقية، ولعل ازمة الصواريخ الكوبية في الستينيات وتنازل الاتحاد السوفيتي، رغم عظمته، لامريكا وسحبه لصواريخه منها، احد الامثلة الكبيرة على القيمة الردعية او الابتزازية للقوة الامريكية.

هذه القيمة الابتزازية او الردعية الامريكية، التي ارعبت العالم كله دون استثناء خلال خمسة عقود، نجحت المقاومة العراقية في تبديدها، او على الاقل خلخلتها، حينما غزت امريكا العراق وهي مسلحة بافضل الاسلحة في التاريخ الانساني وبدون منافس او رادع كبير لها كما كان الحال عندما وقعت حرب فيتنام، وضد عدو بسيط التسليح حوصر لمدة 13 عاما وجرد من اغلب اسلحته، واستنزف لمدة ربع قرن تقريبا بحروب فرضت عليه فرضا هو العراق، ومع ذلك فان ارادة القتال لدى شعب العراق ومقاومته الباسلة مرغت انف امريكا في الوحل لمدة وصلت الان خمس سنوات عجزت خلالها امريكا عن تحقيق نصر واحد على المقاومة العراقية.

ان العالم كله يعرف الان ان امريكا قد خسرت واحدا من اعظم مصادر قوتها وهو ابتزاز العالم بالقوة الامريكية الرادعة والمخيفة، فبين عامي 1991 و2003 انكشفت حقيقة امريكا وبان للعالم معدن امريكا الحقيقي وليس الذي فبركته الدعاية وهولي وود، وتحول النمر الامريكي المزود بانياب ذرية مدمرة الى نمر من ورق بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، وعرف الشعب الامريكي حدود قوة دولته، كما اكتشف العالم امريكا الحقيقية من خلال هزيمتها في العراق وهي انها يمكن ان تهزم اذا توفرت ارادة القتال لدى الشعب وتوفرت له قيادة وطنية شجاعة وذكية، فسقطت ورقة الابتزاز الامريكية الاولى التي قهرت بها الكثير من الشعوب واذلتها وابادت عشرات الملايين من البشر نتيجة تمتعها بهذه القدرة الابتزازية. والسؤال هنا هو : هل يستطيع نمر جريح تعود على الافتراس السهل للضحايا ان يكبح نزعة الانتقام لديه ممن عراه وهزمه وجرحه؟ ان المقاومة العراقية علمت العالم كله ان القوة العسكرية للدول مهما بلغت في تفوقها وتدميرها اذا لم تقترن بقوة معنوية لجيوشها وشعبها فانها تتحول الى عبء معنوي ومادي كبيرين عندما تواجه شعبا مصمما على الدفاع عن كرامته واستقلاله الوطني كالشعب العراقي.

ان المقاومة العراقية، ورغم كل المصاعب التي تواجهها، انتصرت وتقدمت وحافظت على تقدمها ولم تتراجع ابدا رغم خسائرها البشرية الهائلة، لذلك فان نظرية الردع بالتلويح بالقدرة التدميرية الامريكية دون استخدامها قد سقطت في العراق رغم استخدامها الكثيف والشامل، واصبحت امريكا كاللص الذي يخيف ضحاياه بمسدس مملوء بالذخيرة القاتلة لكن الضحايا يتحدونه وهم يظنون ان ذخيرته فعلا قاتلة لكنهم يكتشفون عند الصراع معه بانها ذخيرة فاسدة، فكيف يكون وضع اللص بمواجهة الضحايا؟

 

4 كانت امريكا لقرنين من الزمن تتحدث عن (القيم الامريكية) وضرورة تصديرها للعالم واعتبار ذلك (رسالة اخلاقية يحملها الشعب الامريكي للعالم)، واستخدمت تلك الاسطورة الكاذبة في الصراع مع الشيوعية اثناء الحرب الباردة، وكان لها تأثير كبير في العالم رغم دلالات حرب فيتنام اللا اخلاقية التي هزت صورة القيم الامريكية وقدمت صورة لامريكا، تمثلت في انتشار وصف امريكا ب(الوجه الامريكي القبيح) في العالم. ومن اهم القيم الامريكية التي خدع بها كثيرون احترام الانسان كفرد وحقوقه في القول الحر والممارسة الحرة لاعماله، ومنع تعريضه للاضطهاد والتعذيب ومصادرة حرياته الشخصية وحماية حياته من الاعتداء، وخصوصيته وتوفير الفرص لتحقيق الثراء المادي، واطلاق كافة النزعات الشخصية الانانية الفردية وتحريرها من كافة القيود على الجنس وغيره، ورفض تضحية الاجيال الحالية بامتيازاتها من اجل الاجيال القادمة،...الخ.

 

هذه القيم أغرت البعض في العالم الثالث واوربا الشرقية وخدعتهم وورطتهم في مواقف ندم الكثيرون بسببها، مثل تهديم مجتمعات اوربا الشيوعية والاتحاد السوفيتي، التي كانت تقدم للمواطن كل شيء مجانا من سكن وطب وتعليم وخدمات، لكنها افتقرت للحرية الفردية وتميزت بانها مثلت نظما شمولية تخنق الانسان، ففضل بعض الناس حرية الصراخ ولبس الجينز والحصول على العلكة على ضمانات الحياة الاساسية، فسقطوا في فخ الجوع وبيع الجسد الانساني من قبل نساء، وبيع الضمير من قبل رجال من اجل لقمة العيش! لقد كان الابتزاز الاخلاقي باسم القيم الاخلاقية الامريكية احد اهم اسلحة امريكا ضد الاتحاد السوفيتي واوربا الشرقية، وكان مقدمة فعالة للغزو الثقافي لتلك البلدان ولغيرها، كما كان من اهم اسس الدعاية الامريكية المصممة لغسل ادمغة الامريكيين واقناعهم بانهم يذهبون للغزو من اجل قيم عليا وراقية.

لكن المقاومة العراقية بكفاحها الناجح بشكل استثنائي في دحر الاحتلال اجبرت امريكا على كشف وجهها الحقيقي وتقديم الترجمة الحقيقية لمعنى (رسالة امريكا الاخلاقية). لقد اكتشف العالم ان الرسالة الاخلاقية الامريكية للعالم، في ترجمتها الواقعية، هي القتل الجماعي للابرياء وتدمير بلدان كاملة وانتهاك كل الحصانات التي وفرها القانون الدولي واتفاقيات جنيف حول حقوق الانسان، من اجل نهب ثروات الاخرين واحتكار ثروات الكرة الارضية. لقد حولت قوات الاحتلال الامريكية، وباوامر مباشرة من بوش ورامزفيلد وتشيني، العراق كله الى ابو غريب يقوم فيه الضابط الامريكي بابشع الانتهاكات لجسد وكرامة وحقوق وحياة الانسان العراقي، لدرجة ان كلمة (ابو غريب) اصبحت ترمز في العالم الى احتقار امريكا لكل ما هو انساني وخير. كما ان قوات الاحتلال الامريكية جعلت من مدن العراق كلها مقابر جماعية بعد ان اطلقت حكومة بوش - تشيني - رامزفيلد الغرائز الحيوانية للضابط الامريكي كي يتفنن في القتل الجماعي ونهب اموال العراقيين والدولة العراقية واغتصاب العراقيات بلا تردد او قيود او عقوبات.

لقد شاهد العالم امريكا الحقيقية في العراق، بصفتها الثابتة والمؤكدة، وهي انها الرمز الاسوأ للشر الاقصى، واداة للقتل الذي يمزق اجساد الاطفال والنساء والشيوخ، ورأى العالم برعب كيف ان التلذذ بقتل العراقيين وتعذيبهم لم يشبع نزعة القتل لدى الضابط الامريكي فاخذ يستخدم الكلاب المدربة على الحاق اشد الاذى بالانسان في تمزيق اجساد الاسرى العراقيين لمجرد الشعور بلذة القتل وتمزيق لحم الضحايا، او العبث بجسد العراقيين الذين ماتوا من جراء التعذيب وتصوير ذلك وتعميمه على العالم ليرى بتقزز كيف ان ضابطا امريكيا يدس اصابعه في مؤخرات الموتى، وكيف ان ضابطة امريكية تجر الاسرى وهم عراة كما خلقهم الله بالحبل الملتف حول رقابهم كالكلاب، لمجرد التلذذ السادي! هذه هي امريكا التي عرفها العراقيون من واقع تجربة الاحتلال ولم يسمعوا بها من دعاية ما، وهي بهذا المعنى دولة الشر المطلق والانحاط التام الاخلاقي والانساني والتي لم تظهر في كل التاريخ الانساني دولة وحشية اسوأ منها على الاطلاق، فهي الاسوأ دون ادنى شك في كل ما يتعلق بالرحمة والمشاعر الانسانية وامتلاك روادع اخلاقية.

ان اطلاق هذه الوحشية الامريكية ضد الشعب العراقي هو نتاج قرارين رسميين امريكيين : قرار الحكومة الامريكية وضع الضابط الامريكي في منطقة القتل الحتمي نتيجة غزو العراق، وتحت ضغط شعوره بانه سيقتل حتما برصاص المقاومة الشرسة للاحتلال الاستعماري الامريكي وبقوة الرعب والخوف من الموت، اصبح الضابط الامريكي اداة قتل لا غاية لها سوى القتل، حتى لو لم تكن هناك ضرورة حربية له، وحتى لو كان الضحايا اطفال، وحتى لو كان عددهم الاف الضحايا! لقد كان الضابط الامريكي ومازال يقتل لمجرد الشك، ويقتل عند الشعور بالقلق، ويقتل عند اصابته بالكأبة، ويقتل اذا غضب على زميله او ازعجه صوت زوجته الغاضبة عندما تحدثه في التلفون! بل ان الجندي اوالضابط الامريكي ونتيجة لصعوبة العيش في العراق اصبح يجد الترفيه الوحيد في القتل! اما القرار الثاني الذي اطلق الغرائز الوحشية الامريكية، وهي الاكثر دموية في التاريخ الانساني كله، فهو قرار امريكا عدم محاسبة جنودها في العراق، مهما فعلوا وارتكبوا من جرائم! فتخيلوا ان مجرما عتيقا كان نائما تحت جلد اغلب العسكريين الامريكيين في العراق يقال له لن تحاسب مهما فعلت ومها قتلت ومهما نهبت من ثروات ومهما عذبت في العراق، ماذا يفعل؟ ان ابو غريب لم تكن فقط محصورة في المكان المحدد الذي يطلق عليه هذا الاسم بل ان كل سجن امريكي في العراق كان، ومازال، ابو غريب، وكل ما ارتكب من جرائم في سجن ابو غريب يرتكب في مئات السجون الاخرى في العراق التي اسسها الاحتلال الامريكي. وهكذا وجدنا الامريكي في العراق مخلوقا متوحشا فقد كل صلة له بالانسان الطبيعي واصبح رمزا حقيقيا لكل ما هو شرير وفاسد ومتوحش الى اقصى حدود التوحش.

لقد عرف العالم جزء مما ارتكبته امريكا من جرائم فاصابه الرعب والاشمزاز من النزعة الامريكية لافتراس الاخر بلا رحمة، فهل تتصورون صدمة العالم غدا حينما سيكتشف الجرائم الحقيقية والكاملة التي ارتكبتها القوات الامريكية ضد شعب العراق بأوامر مباشرة من بوش وتشيني ورامزفيلد؟ بعد ان اهتزت وضعفت القيم الامريكية، بنظر العالم الخارجي، نتيجة جرائم امريكا في فيتنام جاء غزو العراق ليسقط الى الابد اسطورة القيم الاخلاقية الامريكية ويسقط معها اكذوبة الرسالة الاخلاقية الامريكية الى العالم، وحلت محلهما صورة واحد لامريكا وهي انها الشر المطلق مجسدا في جيوش لا تعرف سوى القتل والابادة واغتصاب النساء والرجال والشيوخ والاطفال وسرقة اموال الافراد والشعوب! ان غزو العراق اصاب امريكا بلعنة ابدية لن تزول الا مع زوال الشر المطلق.

ما هي نتائج هذه السايكولوجية المرضية؟ يمكن تلخيص الصورة كما يلي : ان الجيش الامريكي في العراق يعمل، تلقائيا وغريزيا، وفقا لشعارين محددين، الاول هو (أقتل غيرك لتزيد ثروتك) والثاني هو (اقتل لئلا تقتل). هذه الحقائق التي تدركها امريكا تشكل عوامل اصرار على البقاء في العراق مهما كان الثمن، وحتى لو كانت الحرب تسير لغير صالح امريكا، لذلك فان من يريد الافتراض بان امريكا ستخرج من العراق دون تذكر ما قلناه ومعالجته بالتفاصيل، محكوم عليه بلعنة الوقوع في اسر أخطاءه.

 

كيف تفهم امريكا التفاوض؟

من يسمع بان امريكا تريد التفاوض يظن فورا انها تريد التفاهم حول الانسحاب، السريع او البطئ، وهنا يكمن مقتل من لا يعرف النظرية الامريكية في التفاوض. ان شرح هذه النظرية شرط مسبق لتجنيب بعض الوطنيين الوقوع في فخ امريكا، الذي قد يكون قاتلا او على الاقل مشوها لصورة وطنيين يجدون انفسهم وقد تورطوا في موقف لا يستطيعون مواصلة التمسك به لانه خاطئ، لكنهم ايضا لا يستطيعون التراجع بسهولة عنه لانهم ساروا في طريق فيه التزامات من الصعب التملص منها، وهذا ما حصل مع منظمة فتح في فلسطين اولا، ثم يحصل الان مع حماس لجرها للوصول الى ما وصلت اليه فتح من حيث الموقف من الاعتراف باسرائيل، كما سنرى.

 

هدف التفاوض : سرقة الوقت

تقوم نظرية التفاوض الامريكية، والاسرائيلية، على اعتبار التفاوض احد اهم تكتيكات مواصلة الحرب بطرق غير عسكرية لضمان تضليل العدو او احتواءه او على الاقل ارباكه. فحينما ترى امريكا ان حربها او ازمتها مع طرف ما غير قابلة للحل بالقوة العسكرية، او بالضغوط المتاحة، تلجأ الى طلب التفاوض مع الخصم، مباشرة او عبر وسيط، وتحيط الطلب باجواء توحي بانها مستعدة لتقديم تنازلات مهمة مما يجعل الخصم الغير عارف بهذه السياسة يظن بان امريكا المنهكة والفاشلة، او ان اسرائيل التي كانت تتعرض لهجمات المقاومة قد وصلت الى حد الاستسلام والاستعداد لتقديم تنازلات، فيوافق الخصم على التفاوض وهو يفترض انه سيكلل بنتيجة سريعة. لكن امريكا ودبلوماسيتها تتصرفان على نحو مغاير تماما، وفقا لنظرية خير من جسدها عمليا هنري كيسنجر تسمى (التفاوض من اجل التفاوض) او (التفاوض لسرقة الوقت).

ان امريكا، وحينما تبدا التفاوض، تأخذ بطرح مقترحات وبدائل عديدة ومعقدة او طويلة، وتتضمن افكارا تحتاج للدراسة والمناقشة والاخذ والرد الطويلين، مع ملاحظة حشر افكار مغرية للطرف الاخر لابقاءه مستمرا في وهم انه قد يحقق مكسبا بالتركيز على العناصر الايجابية في الطروحات الامريكية.

هنا تضع امريكا واسرائيل الطرف العربي في قلب نظرية (التفاوض من اجل التفاوض) وليس للوصول الى تفاهم او اتفاق او حل نهائي، وهدف هذه النظرية الأساس هو كسب الوقت من قبل امريكا او اسرائيل عبر جعل التفاوض بلا نهاية، فما ان تطرح مبادرة او مشروع ويبدأ التفاوض حولهما ويستمر سنوات حتى يطوى نتيجة عدم الاتفاق ويعرض مشروع او مبادرة اخرى بديلة، ويبدأ الركض التفاوضي ويستمر لسنوات، ثم ترفض وتطرح اخرى ثالثة، وبعدها رابعة وخامسة، دون التوصل الى حل! وتتخلل ذلك فترات توقف المفاوضات لزمن غير محدد، وحينما تتوتر الاوضاع تحيى المبادرات القديمة او تقدم اخرى جديدة ويبدأ سباق التفاوض العبثي مرة اخرى ليصل الى نقطة ميتة مرة عاشرة او عاشرة بعد المائة!

في هذه الاجواء، والتي تتعب المفاوض العربي، يصبح الشعور بالراحة هو الامل المرحلي وليس استعادة الحقوق، وعلى المستوى الرسمي، ونتيجة تعب المفاوض العربي من طول الركض وراء سراب الوصول الى حل وتضاؤل الامل، مع بقاء احساس ضعيف لديه بوجود احتمال الوصول الى نتيجة، يقدم هو الاخر مقترحات وخطط للنقاش وتكون تلك بداية مسار أكثر تعقيدا وطولا لانه صار صاحب مبادرة وعليه مواصلة تبنيها والدفاع عنها، فيوصل امريكا الى الهدف الحقيقي في نظريتها الخاصة بالتفاوض، وهو ما يسمى (سرقة الوقت). ان سرقة الوقت هو اساس نظرية التفاوض الامريكية مع العرب بشكل خاص، وهي عملية تقوم على الهاء الخصم بالتفاوض المعقد والطويل زمنيا مع وجود قرار مسبق بعدم السماح بحصول اتفاق او حل حقيقي والعمل على احتواء الطرف العربي، وذلك يعني تجريده من مصادر قوته اثناء التفاوض وشق صفوفه، او القيام باتخاذ إجراءات تعزز الموقف الامريكي اوالاسرائيلي.

واثناء تلك العملية تقوم امريكا او اسرائيل بمحاولات خارج التفاوض لتغيير المعادلات على ارض الصراع العسكري، وتحاول أيضا فهم الخصم بصورة افضل وادق، مثلا فهم طريقة تفكيره وتكتيكاته ودرجة تحمله للضغوط النفسية والجسدية...الخ. وخلال هذا الوقت الطويل تعيد امريكا او اسرائيل ترتيب اوضاعها هي بما يؤمن تفوقها اذا استأنف الصراع، او اذا كان مستمرا تستطيع العمل بشكل افضل. وهكذا ومن خلال استمرار التفاوض تضيّع امريكا على خصمها الفرصة التي اتيحت له لانتزاع تراجعات كبيرة من امريكا، وهي محاصرتها باحتمال الهزيمة، بعد ان يبرد قليلا ويعتقد بان طريق التفاوض مفتوح لاكمال ما حققه العمل العسكري من انجازات.

 

تطبيق نظرية سرقة الوقت

ان ما حصل على ساحة صراعنا في فلسطين يقدم لنا صورة متكاملة لتكتيك سرقة الوقت، فامريكا، التي تعد الراعي الحقيقي لكل المفاوضات العربية الاسرائيلية منذ مشروع روجرز عقب هزيمة عام 1967 وحتى الان، اعتمدت نظرية سرقة الوقت مع المفاوضين العرب، والذين اظهروا قدرا واضحا ومحزنا من السذاجة او التواطؤ اثناء التفاوض، لانهم استمروا يتفاوضون منذ عام 1967 وحتى الان (40 عاما) مع امريكا واسرائيل حول ما يسمى (مبادلة الارض بالسلام) تنفيذا لقرار 242 الصادر عن مجلس الامن في نفس العام، دون ان يتوقفوا ليسألوا انفسهم : كم تراجعنا عن مطاليبنا الاصلية وهي مشروعة بالتأكيد؟ وكم تقدمت اسرائيل في عملية قضم المزيد من حقوقنا؟ وكم تراجعت امريكا واسرائيل عن عروض قدمت للمفاوض العربي لإغرائه بالبقاء محاصرا بطاولة مفاوضات لا نهاية لها وتدور عجلتها فوق المطالب العربية فتسحقها وتزيلها، مما يجبر المفاوض العربي على تقديم مشاريع اخرى تقبل بإلغاء المطالب السابقة والبدء من ذلك التنازل، حتى وصل المفاوض العربي الان الى حدود التنازال حتى عن مقترحات كانت اسرائيل وامريكا تطالبان بها وكان المفاوض العربي يفضها بشدة؟!

لنذكر بمسلسل التنازلات العربية ليدرك كادر المقاومة العراقية الذي قد لا يعرف حقيقة دور التفاوض في السياسة الامريكية والاسرائيلية طبعا :

1 كان قرار 242 الذي صدر عقب حرب عام 1967 واحتلال اسرائيل لاراض سورية هي الجولان، واراض مصرية هي سيناء، اضافة لاكمال احتلال كل فلسطين التاريخية، وقام على المطالبة ب(انسحاب من اراض عربية)، بعد ان حذف اللورد كارادون البريطاني حرفي التعريف (أل) ليجعل الانسحاب وفقا للقرار من بعض وليس من كل الاراضي التي احتلت في تلك الحرب! وكان ذلك من مظاهر سذاجة الدبلوماسيين العرب والحكومات العربية! بحذف (ال) التعريف دخلنا في متاهة سرقة الوقت لان الجهد انصب على التنافس في تحديد ما المقصود : هل هو الانسحاب من كل الاراضي ام من بعضها؟

لقد ادت هذه العملية اللغوية التضليلية المقصودة الى نقل المفاوضات من تحقيق الانسحاب الى الجدل حول هل هذا انسحاب كامل ام ناقص؟ وتمسكت اسرائيل وبريطانيا وامريكا بالقول ان المنطوق يقول انسحاب وليس الانسحاب. وهذا شكل مهم من اشكال سرقة الوقت.

 

2 كان جوهر القرار هو مبادلة الارض العربية التي احتلت عام 1967 بالسلام، أي ان على العرب ان يعترفوا باسرائيل مقابل اعادة بعض الاراضي العربية واحداث تعديلات في حدود ما قبل الهزيمة لضمان امن اسرائيل. وبعد مفاوضات مرهقة وطويلة استمرت سنوات قبلت الحكومات العربية التفسير الامريكي الاسرائيلي البريطاني وتنازلت عن تمسكها بالانسحاب الكامل وصارت تريد دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة مع تعديل الحدود لصالح الامن الاسرائيلي! وكان من اهم احصل هو النجاح في جر منظمة التحرير الفلسطينية وتيار داخل فتح للتنازل عن اهم ما ورد في الميثاق الوطني الفلسطيني، وهو التحرير الكامل لارض فلسطن من البحر حتى النهر، وصار الهدف هو دولة في الضفة والقطاع فقط وتقاسم القدس! وكان المنطق الذي ركزت عليه امريكا هو ان انشاء دولتين دولة فلسطينية واخرى اسرائيلية سيحل المشكلة جذريا وعلى العرب الان قبول ما يقدم لهم لكي لا تتكرر تجربة رفض العرب قرار الامم المتحدة انشاء دولتين في فلسطين، والذي رفضه العرب فاحتلت اسرائيل اراضي ما كان يجب ان يصبح دولة فلسطينية. وفق هذا الطرح الامريكي قبلت اغلب الحكومات العربية بذلك وتنازلت عن الاراضي التي احتلت عام 1948 وبعض الاراضي التي احتلت عام 1967. وهذا احد اهم مكاسب جعل التفاوض مجرد عملية كسب للوقت.

 

3 وبعد ان رقص حكام عرب على موسيقى وحدة ونص، ابتهاجا بموافقة امريكا واسرائيل على دولة فلسطينية في الضفة والقطاع وقسم من القدس، بدأت المفاوضات حول الدولة الفلسطينية وحدودها وطبيعتها الامنية والعسكرية والسياسية والسكانية، والتفاوض حول تحديد ماهي الاراضي التي احتلت عام 67 وكم يقتطع منها لاغراض امنية اسرائيلية، وماهي شروط اعادة سيناء والجولان...الخ! سرقة الوقت كان التكتيك الاول لامريكا واسرائيل، وتعمد اطالة المفاوضات كان القرار الامريكي الاسرائيلي الغالب مقابل (حكمة عربية) جعلت الحكومات تمارس ازدواجية مذهلة : فهي تبدو حكيمة ومتعقلة وطويلة البال مع امريكا واسرائيل لكنها حمقاء ومتعجلة وقاسية مع الشعب العربي!

 

4 وبتكرار عرض المشاريع ومناقشتها لسنوات، ثم التخلي عنها وطرح مشاريع بديلة، ينغمس الحكام العرب في مناقشتها لسنوات اخرى وصل العرب الان الى ما يلي : ان الدولة الفلسطينية الموعودة قد صارت سلطة فلسطينية، أقل من حكم ذاتي بكثير، غير محددة الملامح والهوية تحت السيطرة التامة للاحتلال الاسرائيلي، والارض التي كان يجب ان تعاد تضاءلت نسبتها فاصبحت حوالي 18 % من ارض فلسطين، وشرط اقامة سلطة وليس دولة هو ان تكون مجردة من السلاح وتابعة امنيا لاسرائيل وخاضعة اقتصاديا لاسرائيل! لقد طويت صفحة استعداد اسرائيل للاعتراف بدولة فلسطينية حقيقية عازلة بين العرب واسرائيل وتقام على الضفة وغزة، كما قيل في السبعينيات!

 

5 واذا نظرنا الى ما يجري الان نلاحظ بوضوح ان امريكا واسرائيل تعملان على تنفيذ خطة تصفوية تضع حدا نهائيا للوجود الفلسطيني، فهناك الان خطة تزداد خطوطها وضوحا يوما بعد اخر تقوم على تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين، البالغ عددهم اكثر من اربعة ملايين فلسطيني في الشتات، عن طريق اجبار الفلسطينيين على التنازل عن حق العودة وهو حق قانوني طبقا لقرارات الامم المتحدة، ودمجهم في اماكن الشتات العربية في لبنان وغيرها، وتوطين اللاجئين الاخرين في غرب العراق، ودمج الضفة الغربية بالاردن واقامة اتحاد كونفدرالي اردني اسرائيلي يضم فلسطينيي غرب العراق والاردن والضفة تحت السيادة الاسرائيلية، اما غزة فتضم الى مصر نهائيا!  

بين دولة فلسطينية كاملة في الضفة وغزة، عرضتها اسرائيل وامريكا لتكوين جدار بشري عربي عازل يحمي اسرائيل من (الخطر العربي)، تقام بضمانات عربية ودولية، وحل توزيع الفلسطينيين على دول الجوار وانهاء الوجود الفلسطيني الوطني الى الابد، وقمع حتى سلطة هي اقل من حكم ذاتي بكثير، نجد ان فكرة التفاوض كانت هي الخيار الملعون الذي اوقع قيادات فلسطينية في الفخين الامريكي والاسرائيلي وجعلها تتراجع باستمرار عن الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني وتواجه خيار التذويب الكامل للهوية الفلسطينية والحق الفلسطيني!

 

لقد وصل التراجع الفلسطيني الى نقطة العدم، أي الى النقطة التي لا توجد بعدها تنازلات، فحل وقت التصفية النهائية للقضية الفلسطينية بسلاح فلسطيني هذه المرة، نراه مرفوعا في غزة والضفة بعد ان قسمت السلطة، بطريقة انقلابية مثيرة لاعمق الشكوك المشروعة وهي سلطة شكلية لا غير يتحكم فيها الاحتلال بشكل تام، الى سلطتين والبندقية الى بندقيتين، ليس بسلاح عربي او امريكي او اسرائيلي، كما كان يحصل في العقود التمهيدية السابقة، بل بسلاح فلسطيني تمثل في اللجوء الى السلاح للسيطرة على غزة وترك الضفة لسلطة فتح، في اصرار عجيب على ان لا تراجع عن هذا المكسب مع ان العالم يعرف بان لا السلطة في غزة ولا الاخرى في الضفة تمثل سلطة مستقلة ولو بالحد الادنى، لان الاحتلال الاسرائيلي هو الحاكم الفعلي! اننا نؤكد بجزم تام بان التخطيط الاسرائيلي الامريكي هو الذي حدد مسار التأزم الفلسطيني الفلسطيني وفجره، وهو الذي يصر على تعميق الشرخ بين فتح وحماس، وهو الذي اسقط شعار حرمة الدم الفلسطيني وجعل الاستيلاء على غزة يستأهل سفح دم اكثر من مائة فلسطيني!

ونحن نراقب ماساتنا في فلسطين لا يسعنا والدم، وليس الدمع، يتحدّر من عيوننا، الا ان نقول لقيادات حماس وفتح : مبروك على وعيكما وشعوركما بالمسئولية الذي جعلكما تتقاتلان على سلطة تقع ادارتها في فم الضبع الاسرائيلي، ولذلك فهو يلوكها كما يشاء ومتى شاء، وانتم كبار السلطة في غزة (المحررة) بدم اكثر من مائة شهيد فلسطيني قتلوا عند (تحريرها) من يد محمد دحلان، والاخرى الاكثر تحررا في الضفة، اسرى داخل فم الضبع الاسرائيلي، وهي سلطة يدرك طفل غر في الخامسة من عمره انها لعبة بيده، ولا تستحق قطرة دمع، وليس قطرة دم، حينما يفقدها، فكيف ذبحتم اكثر من مائة شهيد فلسطيني في غزة فقط من اجل سلطة هي لعبة اطفال اعطاها لكم المحتل، كي يفقدكم الصواب ويسكركم بخمرها المعتق، تمهيدا لقذفكم الى الصحراء للمرة الاخيرة؟

ان الدرس الاكبر من تجربتنا في فلسطين هو ان العدو، سواء كان اسرائيليا او امريكيا، يفتح باب التفاوض معنا ليس للانسحاب او اعادة حقوقنا بل للعب علينا بتقديم لعب اطفال لنا لإلهائنا وإغرائنا وجعلنا نتقاتل من اجلها، كما تقاتل دحلان وخالد مشعل، ثم تطلق رصاصة الرحمة في النهاية على راس كل من دحلان، لان دوره انتهى، وعلى رأس مشعل، اذا أما اصر على موقف حماس الاصلي، وهو موقف فتح الاصلي بالمناسبة، واصبح عقبة، او لانه تكيف كما تكيف محمود عباس فاحرقت اوراقه واصبح حرق سادات فلسطين ضرورة كما احرق سادات مصر من قبل، وبعد ذلك سيأتي الشتات الفلسطيني الجديد بتهجير من تبقى من الفلسطينيين!

تذكروا فقط ما ذكرناه : لقد كان اهم مطلب اسرائيلي حتى هزيمة عام 1967 هو الاعتراف العربي فقط بأسرائيل مقابل السلام، كما توسلت غولدا مائير وغيرها، ثم تطور وصار الاعتراف مضافا اليه التطبيع الكامل مع اسرائيل كشرط مسبق للصلح مع العرب، فزادت مطاليب اسرائيل. ومقابل ذلك فرض على العرب قبول منطوق القرار 242 الخاص بانسحاب من اراض عربية، وليس الانسحاب من كل الاراضي العربية، فنقصت مطاليب العرب! وتدريجيا، وبعد اربعين عاما من التفاوض المرهق حتى للبغال، اخذت اسرائيل كل شيء وتنصلت عن كل الوعود والالتزامات، التي قدمتها اثناء لعبة سرقة الوقت المسماة التفاوض، حتى ما وعدت بتقديمه للعرب اثناء تلك اللعبة الجهنمية، وخسر العرب كل شيء، حتى ماكان بين ايديهم قبل بدأ التفاوض!

ومانراه الان من تصارع دموي بين حماس وفتح، حول لعبة لا يقع في فخها الا الخدج وليس الاطفال، ما هو الا الحلقة الاسرائيلية الاخيرة في لعبة التفاوض الاسطورية من اجل دفن قضية مشروعة اسمها احتلال فلسطين، واذا لم يدرك خالد مشعل ذلك وينتقل من وعي الخدج الى وعي القادة فانه لا يختلف كثيرا في ممارساته عن محمد دحلان، الذي وصل الى احضان امريكا بعد ان كان يصرخ (عاشت فلسطين) كما يفعل مشعل الان، ومازال يتجرأ، أي دحلان، على القول ان حماس انزلت علم فلسطين ورفعت علمها الخاص!

 

ماذا يجب ان يتعلمه العراقيون؟

ان الدرس الاعظم الذي يجب ان نتعلمه نحن العراقيون، ونحن نخوض المرحلة الاخيرة من حرب تحرير العراق، هو ان النصر الحاسم حتى لو كان مضمونا عسكريا فان حماقة الاطفال الخدّج، وهم يتعاركون على لعبة تافهة كما نراها الان في غزة والضفة، قد تقودنا الى الهزيمة مهما كنا اقوياء ومتفوقين، لذلك علينا التمسك بحبل الله حبل النجاة المتمثل في :

1 التوقف الفوري من قبل كافة الفصائل عن الحديث عمن يحق له حكم العراق، سواء الان او بعد التحرير، لان تلك المسألة هي ام الفواحش الوطنية كلها، وهي الثغرة التي تريد امريكا الدخول منها لبيت المقاومة العراقية النظيف لتخريبه وتدميره كليا، كما حصل لنا في فلسطين. ان مسألة من يحكم العراق تخضع لقانونين صارمين لا يجوز القفز من فوقهما، وهما قانون ان تشكيل حكومة في ظل الاحتلال ما هو الا حماقة اطفال خدّج، هذا اذا افترضنا توفر شرط الوطنية والبراءة من خدمة الاحتلال، لان الاحتلال يستطيع احتواء أي حكومة بالقوة نتيجة تفوقه المطلق عسكريا، وبالاخص يمكنه ذلك من استنزاف المقاومة يوميا دون ان يخسر شيئا هو مادامت للمقاومة سلطة ومراكز ورموز محددة. اما القانون الاخر فهو ان السلطة في العراق المحرر لن تكون لحزب او جماعة واحدة بل هي لكل من شارك في تحرير العراق، وفي اطار جبهة وطنية عريضة تضم الجميع، ولا تستثني احدا من الوطنيين.

من يتجاهل هذين القانونين لا يمكن ان يوصف الا انه اكثر من ساذج، وانه دون شك عميل للاحتلال، لان محاولة اقامة سلطة في ظل الاحتلال والانفراد بالعراق ما هي الا وصفة حتمية للقتال الدموي بين المقاومين العراقيين وهو امر لن يخدم الا الاحتلال ويلحق ضررا فادحا بالشعب العراقي وثورته المسلحة. وبسبب هذه الحقيقة فان من له الحق بالمطالبة بالسلطة، وهو البعث لانه كان فيها حاكما لمدة 35 عاما، لكنه تخلى عن حقه هذا لانه اراد غلق أي باب تدخل منه الانقسامات بين القوى الوطنية وقرر التضحية بحقه الشرعي وقبول قيام حكم ائتلافي يمثل كافة الوطنيين بعد التحرير، كما ورد في المنهاج السياسي والستراتيجي للحزب والمقاومة الذي تبناه في ايلول سبتمبر من عام 2003، أي بعد الاحتلال بحوالي خمسة شهور.

وهناك حقيقة اخرى مهمة وهي ان البعث الان يمثل اكبر قوة مقاتلة في ساحة الجهاد واكبر حزب سياسي وطني يمثل كافة مكونات الشعب العراقي، وهو افضل من يملك خبرات الدولة لانه بنى دولة قوية وعصرية وحكم لعدة عقود، وهو قدم اكبر عدد من الشهداء اثناء الصراع مع امريكا، في ضوء ذلك فان السؤال المنطقي هو : هل يوجد من هو احق بالحكم من البعث ومع ذلك تخلى عنه ثم يأتي من هو اصغر واقل من البعث، في كل شيء، ليدعي انه يملك حق اعلان دولة يحكمها هو منفردا؟ ان كل دعوة او ادعاء بالحق في الحكم الان ما هو الا وصفة لشق المقاومة العراقية واشعال حرب بين فصائلها لذلك يجب ان ننظر الى هذه المسالة من هذه الزاوية وان نتمسك بالعمل الجبهوي كاطار وحيد لضمان وحدة كل الوطنيين العراقيين والتي تعد اهم عوامل ضمان النصر.

 

2 ان التفاوض مع الاحتلال يجب ان يتم وفقا للشروط التالية :

أ ان يفاوض الاحتلال وفد مشترك يمثل الفصائل المقاتلة وليس وفدا يمثل فصيلا واحدا او فصيلين.

ب ان لا تتم المفاوضات الا وفقا للشروط المعلنة للمقاومة وبعد ان يقبل الاحتلال مبدئيا بها، واولها الانسحاب الكامل وغير المشروط.

ج ان تكون شروط المقاومة هي قاعدة التفاوض من اجل وضع اليات تنفيذها وليس للاستماع لشروط او طلبات امريكية تتناقض مع شروط المقاومة.

 

3 على وفد المقاومة المشترك ان لا يسمح لامريكا بان تماطل لاجل سرقة الوقت ابدا، فهناك قضايا محددة يجب التمسك بها وعدم السماح بالخروج عنها، ولذلك يجب وضع اطار زمني للتفاوض لا يمدد ويجب ان يتم الاتفاق ضمن حدوده.

 

4 ان لا يتوقف اطلاق النار ابدا عند بدء التفاوض بل يجب ان تزداد الثورة المسلحة ضراوة وحدة وان يوسع نطاق العمليات العسكرية ضد الاحتلال لاجل ممارسة ضغط اشد عليه للقبول بآليات تنفيذ شروط المقاومة كما تراها هي وليس كما يراها الاحتلال.

 

5 الرفض التام والمطلق لاي جدول زمني يتجاوز الفترة التي تتطلبها عملية سحب القوات وترتيب الوضع الامني، من قبل المقاومة وحكومتها خصوصا ضمان منع أي تدخل خارجي في شئون العراق المحرر، وعلى حكومة المقاومة ان تقرر هي المدة الزمنية المطلوبة بناء على متطلبات فنية وعملية صرفة.

 

6 يمكن لوفد المقاومة المفاوض ان يلجأ لتكتيك سرقة الوقت، أي اطالة مدة المفاوضات اذا كان ذلك يخدمه ويساعد على انتزاع المزيد من التنازلات من امريكا، نتيجة تشديد الضغط العسكري عليها وجعل خسائرها اكبر، عندها فان سرقة الوقت من قبل المقاومة يقلب الاية بجعل التكتيك الامريكي اداة تخدم المقاومة العراقية.

 

7 من المفيد ان يحضر ممثل او اكثر عن منظمات او دول بعض جلسات التفاوض كشهود خصوصا عند توقيع الاتفاقيات النهائية.

 

8 لتجنب بعض الارباكات على الوفد المفاوض ان يكون قد اعد كل القضايا بدقة وان تكون هناك ملفات متخصصة بكل موضوع لحسم الامور، وعدم السماح لامريكا بسرقة الوقت واستخدامه للعثور على ثغرات بين صفوف المقاتلين.

 

وهنا يجب ان نسأل من تورط في العراق من المقاومين في لعبة، محمد دحلان العراق وخالد مشعل العراق، حول من يسيطر على السلطة في العراق، مع انه مازال تحت الاحتلال، تماما كما هي غزة والضفة، واراد بعد اعلان نفسه حاكما اوحدا ان يصفي من لا يبايعه من المقاومين الاخرين الاعتق والاقوى والاكبر والاكثر تضحية منه، وهو وضع يتطلب اقصى الوحدة في صفوف المقاومين والمناضلين وليس تمزيق صفزفهم : أليس موقفكم اكثر سذاجة وانانية وخدمة للاحتلال من موقف محمد دحلان وخالد مشعل في فلسطين؟ ان احتلال العراق او تحرير العراق هو مفتاح كل بوابات العالم، فاذا تحرر العراق فانه يمهد الطريق لتحرير فلسطين واذا هزمت المقاومة لا سامح الله فان العالم كله سيقع في قبضة ديكتاتورية عالمية تتزعمها امريكا.

من هنا فان الحل الاوحد للوصول الى تحرير العراق هو وحدة المقاومة المسلحة وتجنب أي انشقاق فيها من جهة، والتمسك التام وغير القابل للنقاش بحقيقة جوهرية وهي ان امريكا يجب ان لا تفاوض الا والبندقية هي المفاوض الوحيد والذي لا يسكت ابدا عن الكلام حتى تخرج امريكا مضطرة، من جهة ثانية.

عاشت الثورة العراقية المسلحة.

النصر او النصر ولاشيء غير النصر.

23 9 - 2007

Salah_almukhtar@gawab.com

 

للاطلاع على مقالات الاستاذ صلاح المختار

شبكة البصرة

الاحد 11 رمضان 1428 / 23 أيلول 2007

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس