بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

العراق وجدلية الوحدة والتجزئة

شبكة البصرة

بقلم: نصر شمالي

اندلعت الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين بناءً على مشروع وحدوي، ولو أن ذلك المشروع تحقق بعد الحرب العالمية الأولى لكنا ربما نعيش اليوم في دولة ديمقراطية تضم الحجاز وبلاد الشام والعراق، هذا إن لم تلتحق بها أقطار أخرى! غير أن تحقيق المشروع كان شبه مستحيل، فمصلحة النظام الدولي الموحد، الناهض بقوة حينئذ، كانت في تجزئة البلاد العربية وليس في توحيدها، بل إن وحدته كانت تشترط تجزئة مستعمراته وإضعافها، أي أنها تجزئة إقليمية جاءت في معرض الوحدة الدولية!

لقد سهل ضعف العرب الشديد مهمة الحلفاء، فاندفعوا يحكمون سيطرتهم على منطقة جنوب/شرق المتوسط، التي لا تقوم للإمبراطوريات العالمية والأنظمة الدولية قائمة من دون السيطرة عليها، كما هو ملاحظ في جميع العصور البشرية! وهكذا كان بديهياً أن لا يتوقف الحلفاء عند الوعود التي قطعوها للعرب، فالمصالح الدولية أكبر وأخطر بما لا يقاس من الاعتبارات الأخلاقية، وإنه ليجدر الانتباه إلى أن الدول الاستعمارية كانت تسيطر حينئذ على حوالي ثلثي مساحة الأرض وعلى حوالي ثلثي سكانها، بالإدارة المباشرة أو شبه المباشرة، أي أن المأساة لم تكن مأساة العرب وحدهم، فالدول الاستعمارية المتحالفة كانت صاعدة بقوة لا تقاوم، وعلى وشك التوحد أكثر بقيادة واشنطن، وهذا ما تحقق فعلاً بعد الحرب العالمية الثانية!

نقول هذا ونحن نتابع اليوم ردود الأفعال على مشروع الكونغرس الأميركي القاضي بتقسيم العراق، وهي ردود أفعال تتسم عموماً بكثير من العاطفية وقليل من العقلانية! والحال أننا سواء تحدثنا عن الوحدة أم عن التجزئة فإن السؤال الذي يتوجب طرحه هو: ما هي الوظائف التاريخية الضرورية للوحدة وما هي الوظائف التاريخية الضرورية للتجزئة؟ هل نحن نريد الوحدة فقط لأننا عرب، ولأننا كنا موحدين ذات قرن؟ هل نريدها فقط كي نكون أقوياء؟ ولكن لماذا نريد أن نكون أقوياء؟ هاهنا نرى البعض يستحضر أرواح الأجداد القوية ويهمل استحضار جوهر وظائفهم الإنسانية، مع أن هذا الجوهر كان سر قوتهم الإيجابية وسر نجاح تجربتهم التاريخية المبدعة، فإذا كانت الأمة قد بقيت موحدة حتى القرن الخامس عشر، وفي موقع السيادة الدولية على الرغم من تعدد دولها، فإن الفضل في ذلك يعود إلى جوهر وضرورة وظائفها الإنسانية، وقد رأينا كيف أن قيام الدولة الأموية في الأندلس، منذ فجر العهد العباسي، لم ينل من وحدة الأمة، حيث لم نقرأ شيئاً عن الأندلسيين الانفصاليين! لماذا؟ لأن الأمة كانت موحدة بوظائفها الإنسانية التاريخية الضرورية، فهذه الوظائف هي التي تعطي ظهور الحدود أو زوالها تلك القيمة الخطيرة! وبتحديد أكثر فإن مزايا وخصائص المدن وأبناء المدن اليوم داخل الدولة لا تنفي وحدة الدولة المتجسدة في وظائفها الوطنية الإنسانية، لكن وحدة الدولة تصبح عبئاً ثقيلاً لا يطاق، وقد تتحول الحدود الإدارية إلى سياسية، إذا كانت وظائف الدولة غير وطنية وغير إنسانية، ومتناقضة مع متطلبات الحياة العميقة، ومع خصوصيات المدن والجماعات والأفراد أبناء الوطن الواحد!

وهكذا فقد كانت للتجزئة القائمة وظيفتها وضرورتها دولياً بالدرجة الأولى، باعتبارنا أمة مغلوبة، غير أن الأوساط القيادية العربية لم تعرض ذلك بصورة كافية من الوضوح، ولم تفسر الأسباب التي تجعل الحدود المصطنعة أقوى من عناصر الوحدة الراسخة في ضمير كل فرد، كذلك لم تشرح كيف حدث أن قوى وحدوية وصلت إلى مواقع السلطة في عدد من الدويلات لكنها لم تنزع باتجاه توحيد الدويلات التي حكمتها على الأقل! وقد اعتقد الكثيرون أن الأمر مرهون بإرادة الحكومة الوحدوية، غير أن المسألة كانت حقاً أخطر وأعقد من ذلك بكثير، وكانت تستدعي التمعن في الوظائف الضرورية للتجزئة، وفي طبيعة القوى السائدة التي صنعت التجزئة، وفي حال التمعن سوف نرى أن التصدي للتجزئة لا يمكن أن يكون في جوهره ومحصلته إلا تصدياً لوظائف النظام العالمي، ونيلاً من وحدته في أحد أهم أركانها، في المنطقة العربية!

ولكن، لقد تغيرت الظروف والشروط الدولية التاريخية اليوم تغيراً يكاد يكون جذرياً قياساً بما كانت عليه قبل تسعين عاماً، أي منذ عام 1917، وقبل ثمانية وثلاثين عاماً، أي منذ عام 1969، حين تحولت الولايات المتحدة علناً من دولة مصدّرة إلى دولة مستوردة ومن دائنة إلى مديونة!

لقد كانت الدول الاستعمارية، قبل تسعين عاماً، مندفعة كالسيل الجارف على طريق استكمال جبروتها سياسياً وعسكرياً، واستكمال انتشارها وهيمنتها عالمياً، وحينئذ كان مفهوماً أن تقدم باريس ولندن، في ذروة انتصارهما في الحرب العالمية الأولى، على إبرام اتفاقية سايكس/بيكو، وأن تقدم لندن وواشنطن على إصدار وعد بلفور (1916-1917) أما اليوم فإن قرار الكونغرس الأميركي يأتي في سياق انحدار معلن بدأ منذ عام 1969، ويأتي في معمعان اندحار القوات الأميركية والإسرائيلية في العراق ولبنان، وهي الأحداث التي تشير إلى انكفاء تاريخي للنظام العالمي الصهيوني بمجمله عبر انكفاء قيادته الأميركية الأخيرة، وهذا ما تؤكده أيضاً الوقائع في أكثر من إقليم عالمي، ولذلك لا يجوز اليوم ضم قرار الكونغرس الأميركي إلى اتفاقية سايكس/بيكو ووعد بلفور، فهذا القرار ليس قابلاً للتنفيذ مثلهما!

غير أن تغير الظروف التاريخية الدولية، وضعف النظام الدولي وانكفاء قيادته رغم جبروتها، وتخبط وتقهقر قوات الاحتلال في العراق ولينان وأفغانستان وغيرها، لا يكفي جميعه لحماية العراق أو غير العراق من التقسيم بفعل عوامل أخرى، ولا يكفي لنهوض أشكال معقولة من الوحدة بين الدويلات العربية، لأن ما يمنع التقسيم ويدفع نحو الوحدة هو المشروع الحضاري الذي يلغي ضرورة التقسيم ويعطي الوحدة قيمتها وضرورتها، وذلك بتحديده لوظائفها الإيجابية الإنسانية المرغوبة عربياً وإسلامياً وأممياً، كذلك فإن ما يمنع التقسيم ويدفع نحو الوحدة هو الخطاب السياسي التاريخي الجامع الموحّد، المتعالي على العنعنات الجاهلية البغيضة، وعلى الصغائر والثانويات مهما بدت مهمة! لكننا، للأسف الشديد، لا نلحظ في الخطاب السياسي المقاوم، العراقي خاصة، ما يتضمن بصورة كافية تلك الضرورات التي أشرنا إليها، وإنه لنقص فادح يبعث على القلق حقاً وإن كان لا يدعو إلى اليأس، حيث الجولة التاريخية الانتقالية لا تزال في بداياتها، وهي صارت تمتلك الكثير من شروط النجاح.

ns_shamali@yahoo. Com

شبكة البصرة

الاربعاء 13 شوال 1428 / 24 تشرين الاول 2007

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس