بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

لن يغفر التأريخ.. إماتة التأريخ.. في بلد التأريخ..

شبكة البصرة

د. بلسم عبد الكريم هانئ

حين جاء الاحتلال على مرأى ومسمع الجميع.. للاعتداء على بلدنا، وتجريدنا من خيراته.. وضمان حرماننا منها لعقودٍ قادمة.. تذمرنا جميعاً.. فثار من ثار.. وغضب من غضب..

 

ولكن حين يحاول من يحاول سراً الاعتداء على تأريخنا.. يحجم الجميع عن التذمر أو اعلان هذا التذمر.. رغم الهمهمة المستمرة عن السرقات الجارية لتجريد بلد الحضارات من تأريخه القديم.. وآثاره التي تروي للعالم تفاصيل هذا التأريخ.. فما عاد العراق يعني العالم في شئ.. بعد أن أمرهم فرعون هذا الزمان بغض النظرعما يحصل فيه من الأمور.. مخرساً كل الدول ومنظماتها عن التدمير الذي يطول كل شئ في هذا البلد العريق..

 

ولكن ما على العالم تذكره هو أهمية تأريخ العراق.. وحضارته الني أوصلت العالم الى ما هو عليه الآن.. فالعراق كما يعرف الجميع.. مهد الحضارات الأول التي إذا ما سرق أو دمر أي جزء من آثارها القابعة في أرضه.. معنى ذلك خسارة البشرية كلها لما لهذا الجزء المفقود من معنى.. لوحةً مسماريةً كان.. او تمثالاً.. او حتى قطعة ذهبية أو حجرية يشتريها من يشتريها من تجار الآثار لبيعها بحفنةٍ من الدولارات..

 

إن هذه الكنوز التي تباع في بلدٍ تلتهم الحرب كل ما على أرضه، أو تحت ترابه من قضايا.. لا يدرك قيمتها غير الباحثين عن تأريخ الحضارات، وسلسلة حلقاتها.. لا عن القيمةً المادية التي لا تقارن بالحقيقة وقصص التأريخ القابعة فيها.. والتي تتداولها اليوم أيادي تجار الآثار وسراق الذهب الذين يعلنون عنها بكل وقاحة على مواقع الانترنيت التي تعرض بيعها بأثمانٍ مهما علت فهي بخسة مقارنةً بقيمتها التأريخية..

أو التجار الذين يلجأون الى إذابة المصوغات الأثرية التي يتعذر عليهم بيعها.. للحصول على ثمن الذهب الذي صنعت منه.. والذي لا يقارن بكم التأريخ الذي يموت في هذه الإذابة.. دون أن يثير انتباه المعنيين بالثقافة والتأريخ..

 

لقد تهافت جنود الأعداء على المجئ إلى مغارة الكنوز في نظر العالم.. وتسابقوا منذ أيام الاحتلال الأولى على اقتحام متاحفها.. لمجرد الحصول على قطعة أو أكثر من قطعها التي باتت تسرق وتباع بأبخس الأثمان في بلدنا الذي رفعت الحصانة عن مناطقه الأثرية.. وبات التنقيب فيها متاحاً للسراق واللصوص.. من العراقيين البسطاء الذين أغراهم المال ببيع تأريخٍ لا يفقهون معناه.. الى العصابات المنظمة التي لن تشبع من جمع وتهريب القطع الأثرية..

 

أكثر ما يؤلم في موضوع الاعتداء على الآثار.. هو تدمير الحضارة والتأريخ الذي حذر منه العراقيون منذ اللحظات الأولى للاعتداء الغاشم.. وصرخات مديرة المتحف التي نقلتها التقارير الإخبارية بعد التدمير والسرقة العلنية التي طالت المتحف.. دون أن يلتفت الى تحذيرهم وولولتهم أحد..

 

الى أن أوردت التقارير الاخبارية مؤخراً.. خبر القبض على إحدى العصابات المتخصصة بسرقة وتهريب الآثار العراقية الى الخارج.. ذلك الخبر الذي أثار انتباه الجميع الى ما بح صوتنا من ترديده.. فالتفت إليه من التفت.. وروى تفاصيله من روى.. محذراً من إماتة التأريخ التي تجري منذ الاحتلال الى يومنا هذا.. التأريخ الذي يموت بين التدمير والنهب الذي طال مدننا الأثرية كلها.. ابتداءً من المدن السومرية التي نهب كنوزها اللصوص.. مروراً بمدينة أور العظيمة التي عانت جدرانها من ضغط تحركات القوات المحتلة التي تمركزت فيها.. وانتهاءً بالكثير من أعمال النهب والسرقة التي باتت تمحو كل حلقات الماضي التأريخي لمهد الحضارة الإنسانية للعالم أجمع..

 

فلنحمد الله إذن على تصديق العالم أخيراً لهذا الخبر.. فمن بين كل مشاكل الاحتلال.. يعد الكذب الذي غزا العراق أكبرها على الإطلاق.. لأن انتشاره وتنوع قصصه قد ضيع على الجميع فرصة تصديق الأخبار.. التي اختلط الصدق فيها بالكذب.. حتى ما عاد الخبر الذي نسمعه يزلزلنا أو يدعونا الى سرعة التفاعل واتخاذ الاجراء المناسب في الوقت المناسب..

 

أضافة الى ان كم الألم والمعاناة التي ولدها الاحتلال للعراقيين.. وفي كافة مفاصل حياتهم.. جعل حديث البعض عن الموضوع الخاص بتأريخ الحضارات في العالم أجمع.. محض ترفٍ أو بطرٍ لا يلتفت له الآخرون.. ولا يهتم به المعنيون.. فما قيمة اغتيال الحضارة وسرقة الآثار القديمة.. إذا ما قورنت بدماء العراقيين التي تراق اليوم في كل وقتٍ وحين..

 

هذا ما يرد به من يسمع بهذا الموضوع.. فقد بلغ اليأس بالبعض الى ترك الاهتمام بما يجري للعراق.. بانتظار الوصول الى نهاية هذا الاحتلال المقيت.. مرددين ليأخذوا ما يريدون من العراق.. نفطاً كان أو آثاراً.. ولكن ليدعونا في حالنا ويرحلوا.. حتى وإن أدى ذلك الى محو اسم العراق من ذاكرة العالم.. أو خرائطه المستقبلية..

 

كلام مؤلم.. ورأي أكثر إيلاماً.. ولكنك لا تلوم من يردده.. فما تحمله العراقي من الذل والمهانة والاغتصاب الذي طال مفاصل حياته الخاصة.. يفرض علينا إعذاره إذا ما غض النظر عن اغتصاب تأريخه.. لأنه منشغل بإيقاف النزف الذي يهدد حياته وأسرته كلها..

لكننا مضطرون لتذكيره.. بأن التفكير بهذا الموضوع ليس بطراً بالمرة.. فإنه أمانة التأريخ في أعناق العراقيين والعالم أجمع.. وهي أهم بالتأكيد منا ومن أسرنا المهددة.. لأننا سنمضي مثلما مضى الآخرون.. لكن العراق هو الباقي.. وإسمه أغلى من أن يفرط به العراقيون.. الذين يستصرخون العالم اليوم للتحرك السريع لإيقاف إماتة التأريخ التي لن ينسى منفذيها التأريخ..

شبكة البصرة

الجمعة 22 شوال 1428 / 2 تشرين الثاني 2007

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس