بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الاستاذ صلاح المختار :

ما يجري بين تركيا والأكراد جزء من مخطط الإستيلاء على إقليم النفط

شبكة البصرة

راضية الزيادي

في لقاء مع الشروق، شرح الأستاذ صلاح المختار، المثقف العراقي والأمين العام المساعد الأسبق في جامعة الدول العربية، أبعاد الأزمة التركية الكردية وارتباط هذه الأزمة بما حدث منذ غزو واحتلال العراق:

 

سؤال : كيف تقرؤون ما يحدث الآن في شمال العراق بين تركيا وحزب العمال الكردستاني؟ ما هي علاقة ذلك باحتلال العراق؟
الاستاذ صلاح المختار : ان ما يحدث الآن بين تركيا وحزب العمال الكردي هو عمل يدخل في إطار مخطط عالمي ير يهدف إلى تغيير جغرافيا ما يسمى بمنطقة الشرق الأوسط (الوطن العربي وإيران وتركيا)، بتفتيت بلدانها وإعادة تشكيلها بطريقة تخدم هدف قيام امبراطورية عالمية أمريكية تحكم العالم كله، تحقيقا لحلم أمريكي قديم ومعروف. وجوهر المخطط هو الاستيلاء الكامل والمباشر على مايسمى بـ(اقليم النفط) من أجل ان يحول النفط إلى سلاح سياسي جبار لا يمكن مقاومته،  تفرض به أمريكا شروطها دون حرب عسكرية على العالم كله. وبحكم طبيعة هذا الهدف الكبير والخطير والشائك جدا فان الولايات المتحدة الأمريكية تنفذه خطوة بعد أخرى وتكون فيه كل خطوة ممهدة للخطوة التي تليها، ولذلك لم يكن احتلال العراق والاصرار على تفتيته، على أسس إثنية وعرقية وطائفية إلا مقدمة لإعادة تشكيل كل الأقطار العربية في المشرق والمغرب العربي وتركيا وإيران.
فالعراق احتل لانه مكمن أكبر احتياطي نفطي في العالم، وليس السعودية، اذا أخذنا بنظر الاعتبار ان كمية النفط المعلنة هي 120 مليار برميل، والمقدر، وفقا للاستكشافات الجديدة منذ نهاية الثمانينيات، هو بين 250  300 مليار برميل، وإذا ارادت أمريكا السيطرة على العالم بلا حروب عسكرية، مستحيلة الكسب، فلا مجال إلا لاستغلال النفط كسلاح سياسي واقتصادي جبار بإمكانه تحطيم أقوى الدول اقتصاديا. وبدون العراق فان سلاح النفط غير مفيد لانه وحده قادر على تلبية احتياجات اغلب الكتل التي تريد أمريكا إخضاعها بالابتزاز النفطي . كما ان العراق مفتاح تفتيت دول المنطقة، ففيه أقلية كردية تبلغ حوالي ثلاثة ملايين كردي، وحركة الانفصال في الحركة الكردية قديمة ومدعومة منذ بدئها من قبل الغرب وإسرائيل وإيران، وإذا تفتت العراق فإن عملية التقسيم ستنتقل فورا إلى تركيا، والتي يوجد فيها حوالي 18 مليون كردي تؤثر فيهم حركة انفصالية مسلحة وقوية يقودها حزب العمال الكردي، وستؤثر في إيران التي يوجد فيها حوالي ثمانية ملايين كردي وتوجد فيها حركة انفصال كردية وان كانت أضعف من مثيلتيها في تركيا والعراق، واخيرا توجد أقلية كردية في سوريا.
من هنا فإن إشعال فتيل التقسيم في العراق ليس سوى تمهيد لتحويل العراق، بعد تجزئته إلى ثلاثة دول، إلى أقوى واهم قاعدة أمريكية في العالم، ولتقسيم تركيا وإيران وسوريا وبقية دول المنطقة . في ضوء المقدمة السابقة فإن حزب العمال الكردي، بدعم كامل وشامل من حركة الانفصال الكردي في العراق بقيادة البارزاني والطالباني، يقوم بالخطوة الثانية والتالية بعد خطوة وضع أسس تقسيم العراق وهي الاعداد لتقسيم تركيا من خلال تنشيط حركته الانفصالية وتعزيزها وتوسيعها وفرض نفسها على اجزاء اخرى من تركيا لكي يكون بامكانه اعلان الانفصال حينما يأتي وقته المناسب. وتركيا تعرف ذلك لهذا تقوم بالعمل على منع حزب العمال الكردي من تحقيق أي مكسب كبير، وهذا هو اصل  المشكلة الحالية.

 

سؤال : هل تعتقدون ان تركيا مستهدفة إذن؟
الاستاذ صلاح المختار : نعم ان تركيا مستهدفة مباشرة الآن لأسباب تتعلق بالمخطط العالمي الأمريكي من جهة، وبضعف دور تركيا في حلف الأطلسي من جهة ثانية. فمخطط أمريكا يقوم على إثارة ودعم التشكيلات السابقة للأمة بمفهومها الحديث، كالطائفة والقبيلة والدين والعرق والاثنية والمناطقية (الجهوية ...) الخ، وجعل الصراعات الأساسية مبنية على مصالح هذه التشكيلات، وذلك جزء مهم من  مفهوم (صراع الحضارات) الذي تعتمده أمريكا كبديل لصراع الطبقات وصراع الأمم المستعمرة (بكسر الميم الثاني ) والامم المستعمرة (بفتح الميم الثاني)، ونحن نشاهد ذلك الآن في العراق وتركيا وإيران والأقطار العربية حيث تثار قضايا كانت ثانوية، أو لم تكن موجودة، كالأقليات الدينية والطائفية والاثنية أو الأصول القديمة والتي اندثرت وتحولت إلى تراث.
وتتوفر في تركيا شروط الصراعات التي تريدها أمريكا وهي انها بلد يتشكل من عدة قوميات كالتركية والعربية والكردية وغيرها . يضاف الى ذلك ان انتهاء الحرب الباردة وغزو العراق واسقاط نظامه الوطني قد حط من شأن الدور التركي في المنطقة، لأن تركيا كانت تخدم هدف الغرب في تطويق الاتحاد السوفياتي، وهو الذي انتهى بسقوط الشيوعية، كما ان الضغط على العراق قد انتهى باحتلاله مباشرة، وهكذا تحولت تركيا من ذخيرة استراتيجية لأمريكا إلى عبء استراتيجي يثقل كاهلها، فلم يعد من الضروري الاصرار على بقاء تركيا موحدة . ان دعم المخابرات الأمريكية لحزب العمال الكردي بالسلاح الان احد اهم مؤشرات رغبة أمريكا بتقسيم تركيا، خصوصا بعد ان رفضت ان تشارك مباشرة في غزو العراق، ثم بعد ان تصدت لمشروع إقامة دولة كردية مستقلة في شمال العراق مع ان ذلك هدف أمريكي جوهري.
ولكن موافقة أمريكا على تقسيم تركيا لا يعني ان ذلك سيقع الآن لأن أزمة أمريكا في العراق تمنع تقسيم تركيا، وهي أزمة ذات طبيعة استراتيجية نجمت عن انتشار الثورة العراقية المسلحة ضد الاحتلال الأمريكي ونجاح هذه الثورة الوطنية  في تحويل الغزو إلى أكبر كارثة استراتيجية في التاريخ الأمريكي، كما اعترف جنرالات أمريكا ومادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، لذلك فإن ما يجري الآن هو مواصلة عملية إعداد البيئة المطلوبة لتقسيم تركيا لاحقا.

 

سؤال : هل تعتقدون ان تركيا قد تذهب إلى الحرب ؟
الاستاذ صلاح المختار : نعم ان تركيا مستعدة للذهاب إلى الحرب حتى مع امريكا، اذا دافعت الاخيرة عن الانفصاليين في تركيا، واذا قامت رسميا دولة كردية في شمال العراق مدعومة من قبل أمريكا، وهذا هو المأزق الخطير الذي تواجهه كل من أمريكا وتركيا في نفس الوقت. ان تركيا تعد اعلان دولة كردية مستقلة في شمال العراق بمثابة خطوة حاسمة باتجاه تقسيمها هي بالذات، لاحقا وبصورة حتمية، ولذلك فإنها تعتقد بان الدفاع عن وجودها اهم من علاقتها بأمريكا . اما أمريكا فانها ترى ان تقسيم تركيا هدف أساسي لان بقاءها موحدة، مع انها دولة متنوعة المكونات، يتناقض مع المنهج العام العالمي لها، وهو الشرذمة وعدم ابقاء قوة كبيرة تهدد الطموح الأمريكي باقامة ديكتاوتورية عالمية. اضافة الى ان السيطرة التامة على وسط آسيا يأتي عبر تمزيق تركيا وليس العكس، خصوصا وان لتركيا صلات ثقافية مع شعوب عديدة في وسط آسيا وداخل وفي محيط روسيا والصين، مما يجعل الطموح التركي  اذا بقيت تركيا موحدة وقوية في إقامة دولة تركية كبرى تضم كل الشعوب التي تعدها تركيا من أصول تركية، يصطدم بطموح أمريكا في عدم نشوء قوى كبرى جديدة . لذلك نقول بأن علاقات تركيا بأمريكا تمر بمرحلة حاسمة الآن، وهذا ما جعل أمريكا تطمئن تركيا بانها سوف تقوم معها بمهاجمة حزب العمال الكردي التركي وطرده من شمال العراق اذا لم يوقف أعماله ضدها، لأن المطلوب ان تبقي أمريكا ضحاياها المقبلين غير متيقنين من نواياها الحقيقية.

 

سؤال : كيف تنظرون الى تداعيات احتلال العراق على المسالة الكردية في المنطقة، هل تعتقدون ان  هذه المنطقة قد تكون مقبلة على تطورات او تغييرات هيكلية على مستوى الجغرافيا، و خاصة في المسالة الكردية؟ هل يسمح المنطق الذي يحرك الادارة الامريكية حاليا باستقلال جزء من الاكراد، كما يبدو من تساهلها مع اكراد العراق؟
الاستاذ صلاح المختار : صحيح ان امريكا تنفذ مخططا شاملا لتقسيم دول الشرق الاوسط بكامله، ملتقية مع المخطط الاسرائيلي القديم والمعروف والقائم على شرذمة الامة العربية بكافة اقطارها على أسس عرقية ودينية وطائفية، لكن التاريخ يقول بان ارادة جهة واحدة مهما كانت قوية لابد ان تواجهها ارادات اخرى مضادة، مما يجعل الصراع خاضعا لارادات متصارعة متناقضة، فيدخل الصراع في درب مختلف عما رسمته كافة الأطراف.
الآن، وبعد ان كشفت أمريكا أهدافها الحقيقية في العراق وهي تقسيمه إلى ثلاثة دول كما نص الدستور الذي وضعه الاحتلال وكما أثبتت الأعمال الاجرامية لفرق الموت التي أرادت إثارة فتن طائفية وعرقية واعداد البيئة النفسية لتقسيم العراق، وهي فرق تقودها المخابرات الأمريكية والايرانية، وبعد ان تبنى مجلس الشيوخ الأمريكي قرارا بتقسيم العراق، نقول الآن دق ويدق جرس الانذار لكل دول وشعوب المنطقة ينبهها إلى الخطر المميت الذي ينتظرها إذا لم تبادر بالرد على محاولات تقسيمها بتحقيق نوع من التضامن فيما بينها لصد موجة الشرذمة الأمريكية الايرانية الاسرائيلية. هذه الخلاصة استوعبتها تركيا ولم تعد تصدق كل الوعود الامريكية لها ولغيرها واصبح النفي الامريكي للدور الأمريكي في توجيه فرق الموت والتهجير القسري لأكثر من ستة ملايين عراقي من وطنهم ولدعم الانفصال الكردي والطائفي الصفوي نفيا ساذجا لأن واقع صلب وواضح يؤكد ان أمريكا وإيران تنفذان مخططا تقسيميا شاملا في العراق.
لو ان الحكومات العربية المهددة بالتقسيم من موريتانيا إلى عمان في الخليج العربي اتخذت موقفا موحدا ونسقت فيما بينها ودعمت المقاومة العراقية، وقالت بصورة مشتركة لأمريكا :(لا للتقسيم ولا للاحتلال) لخسرت أمريكا ومعها إيران المعركة الضارية الدائرة حاليا، ولعجزت أمريكا عن الرد لأن المقاومة العراقية عندها ستضع أمريكا وهي مجردة من الدعم العربي في وضع خطير جدا يمنعها من تكرار حماقتها في العراق، نتيجة العجز وليس نتيجة لحسن نواياها. ويجب ان نشير بوضوح الى ان أمريكا وهي تستخدم الانفصالية  الكردية في العراق وتركيا، بصفتها الرافعة الاساسية لتنفيذ مخطط تقسيم كافة دول المنطقة، لا تريد في الواقع اقامة دولة كردية تضم حوالي 30 مليون كردي، فهذا ضد مفهوم صراع الحضارات التقسيمي، بل تريد من هذه الانفصالية نشر الشرذمة والحروب وتحويل كافة الدول الى كانتونات عرقية إثنية دينية طائفية متصارعة، واذا اوقفت صراعها نتيجة التوازن في القوى فإن ذلك ليس سوى هدنة مؤقتة تحتاج لشرطي دولي لابقائها وهو الشرطي الامريكي .
طبقا لهذه الحقائق الاستراتيجية فإن التمرد الانفصالي الكردي ليس سوى أداة من أدوات أمريكا وسيأتي اليوم الذي ستترك فيه أمريكا اداتها الكردية ليتقرر مصيرها وفقا لقانون الشرذمة العنيفة. واذا ارادت الأقطار العربية في المشرق والمغرب العربي أن تنجو من الشرذمة فإنها أمام خيارين لا غير، وهما التوحد في جبهة دفاعية ضد خطط الشرذمة والتقسيم، من جهة، ودعم المقاومة العراقية التي نجحت وحدها في تأديب أمريكا وإلحاق الفشل بغزوها من جهة ثانية. وهذا ينطبق على تركيا لان المخرج الوحيد لأزمتها الحالية يكمن في تعاونها مع المقاومة العراقية مباشرة، خصوصا لأن خسائرها من جراء التصادم مع أمريكا ستكون أقل بكثير من دعمها للمقاومة العراقية والتي بتحريرها للعراق ستقضي على أصل السرطان الانفصالي في بؤرة شمال العراق.

 

سؤال : كيف تفسرون الموقف الأمريكي إزاء هذه التطورات، هل تعتقدون ان في هذا الموقف رد فعل أمريكي ما ازاء رفض الحكومة التركية الانخراط في الحرب ضد العراق قبيل الغزو الأمريكي؟
الاستاذ صلاح المختار : كما قلت في جواب سابق فان السياسة الأمريكية تجاه تركيا تخضع لاستراتيجية عالمية لا تتأثر بموقف جيد او سيء لهذه الدولة أو تلك، وموقف تركيا من غزو العراق ومهما فسر فإنه عامل ثانوي مقارنة بالهدف الاستراتيجي الأمريكي، وهو تفتيت كل، أكرّر كل، دول المنطقة باستثناء إسرائيل، ولهذا فان الموقف التركي من غزو العراق ورفض مرور القوات الأمريكية الغازية من الأراضي التركية عامل ثانوي في تقرير الموقف الأمريكي من تركيا.

 

سؤال : كنتم في موقف قريب من القيادة العراقية الشرعية، فكيف كان التعامل مع قضية الأكراد الشائكة وكيف كان يتم، دوليا، استغلال مسالة الأكراد ؟
الاستاذ صلاح المختار : ان ما جرى في العراق بخصوص القضية الكردية يقدم لنا صورة دقيقة تقنع من لا قناعة لديه بأن الحركة الكردية المسلحة هدفها الحقيقي الانفصال وليس الحصول على حقوق قومية مشروعة . وهذه السياسة دعمتها أمريكا وإسرائيل ودول أوروبية من أجل تقسيم العراق أو إضعافه. وكان تزوير الحقائق حول الموقف العراقي من الأكراد أحد أهم مقومات خطة شيطنة العراق، وأنتم تذكرون الأكاذيب حول حلبجة والانفال وقصص اضطهاد الأكراد في العراق وكيف استغلت لعزل العراق وتبرير الجرائم التي ارتكبت بحقه منذ الحصار وحتى الآن، مع ان دليلا واحدا لم يقدم لاثبات تلك الأكاذيب، وهو ما كشف بعد الغزو خصوصا عند بدء ما يسمى بـ(المحاكمات)، والتي جرت في جو إرهابي كامل تم فيه قتل المحامين وإرهاب الشهود واعتقالهم وتعذيبهم لتغييب الحقيقة. مقابل ذلك عتم الغرب الاستعماري على السياسة الحقيقية للحكم الوطني في العراق تجاه الأكراد لأن معرفة ذلك كان سيسقط سلسلة الأكاذيب التي روجت لتبرير احتلال العراق وتدميره. والسؤال المهم الذي يجب الجواب عليه هو: ما هي السياسة الحقيقية للحكم الوطني تجاه الأكراد؟
نحن في العراق نميز بين مسألتين، بين وجود قضية كردية مشروعة تتمثل في ضرورة الاعتراف بوجود قومية كردية ومنحها حقوقها، وبين وجود المشكلة الكردية وهي المشكلة التي تظهر حينما لا يعترف بالقومية الكردية وحقوقها المشروعة، أو حينما تحاول جهات خارجية ايذاء العراق باستغلال القضية الكردية. وفي العراق تبلورت قناعة لدى القيادة العراقية الوطنية التي أسقطها الاحتلال بان حل المشكلة الكردية مرهون بمعالجة القضية الكردية وفقا للضرورات المنطقية والانسانية والديمقراطية بالاعتراف بوجود قومية كردية ومنحها حقوقها المشروعة، والمتمثلة بإقامة حكم ذاتي للشعب الكردي داخل العراق الواحد، واستخدام اللغة الكردية في التعليم والاعلام والمجتمع بصورة رسمية وكاملة، وهذا ما حدث في العراق بصدور بيان 11 مارس عام 1970، والذي اعترف بالقومية الكردية وبضرورة تحقيق ما يرتبط بها من حقوق تترتب على ذلك الاعتراف.
لكن المفاجأة الكبرى كانت ان زعامة التمرد رفضت التعاون مع الحكومة العراقية لتنفيذ مضامين البيان وعادت إلى التمرد المسلح، مستغلة حادثة عارضة مشبوهة، وبقي بيان مارس حبرا على ورق الى ان انهار التمرد المسلح، بلا قتال، نتيجة اتفاقية الجزائر بين العراق وإيران في عام 1975، والتي تعهدت إيران بموجبها بايقاف دعمها للتمرد الكردي. ان الانهيار السريع وبلا قتال للتمرد الكردي المسلح اثبت بشكل حاسم بأنه تمرد ما كان له ان يقوم أو يستمر لولا الدعم الخارجي الأمريكي والإسرائيلي والإيراني كما أكدت الوثائق والاعترافات خصوصا اعترافات كيسنجر.
بعد ذلك طبق نظام الحكم الذاتي في شمال العراق واقيمت حكومة محلية (مجلس تنفيذي) وانتخب برلمان محلي (مجلس تشريعي) ونفذت حملة شاملة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية هناك، فتحول شمال العراق إلى منطقة ممتازة وأفضل من أجزاء عربية من العراق . فهل انتهت المشكلة الكردية بعد حل القضية الكردية؟
يجب ان نوضح بأن المطلب الأعلى للتمرد الكردي خلال خمسين عاما كان يتجسد في شعار عام وكان ثابتا للحركة الكردية وهو (الحكم الذاتي لكردستان والديمقراطية للعراق)، من هنا فان تعامل العراق مع المشكلة الكردية كان قائما على أساس ان السقف الأعلى لمطالبها هو الحكم الذاتي . وطبقا لذلك فإن كافة القوى الوطنية العراقية تعاملت مع الحركة الكردية على أساس ان السقف الأعلى لمطالبها هو الحكم الذاتي، وكانت تلك الحركة تنفي انها تريد الانفصال وتعد اتهامها بذلك عملا معاديا لها يروج لتشويه صورتها أمام العرب. لكن ما حصل بعد إعلان بيان مارس والاعترف بالقومية الكردية، وهو ما تضمنه الدستور العراقي ونفذ كاملا، كان شيئا مغايرا، لأن رفض الزعامة الكردية التعاون لتنفيذ اتفاق مارس واللجوء إلى السلاح مرة أخرى وخدمة أهداف اعداء العراق أثناء الحروب التي فرضت على العراق، قد طرح مسألة أخرى خطيرة، وهي ان التمرد الكردي يمرحل أهدافه، أي يطرح هدفا مرحليا وحالما ينفذ ينتقل لهدف أعلى آخر.
لذلك ورغم حل القضية الكردية في العراق جذريا بالاعتراف بالقومية الكردية وإقامة الحكم الذاتي، رغم ان أكراد تركيا وإيران لم يعترف بهم ولا بحقوقهم ويحرمون حتى من التحدث  بلغتهم الوطنية، فإن المشكلة الكردية في العراق استمرت وافتعلت الزعامات الكردية المبررات لاستمرارها  ولعبت دورا خطيرا في غزو العراق وفي محاولات تقسيمه وتنفيذ عمليات قتل جماعي لعرب العراق وتهجير ملايين العراقيين العرب وجلب اكثر من مليون كردي غير عراقي من تركيا وإيران وغيرها ومنحتهم الجنسية العراقية، واعلنت رسميا أنها تريد الانفصال عن العراق إذا نشبت حرب أهلية أو اذا لم يقم نظام ديمقراطي! اذن الحركة الكردية هدفها الحقيقي هو الانفصال، لذلك اذا منح الشعب الكردي حقوقه القومية كاملة، ضمن نطاق الوطن الواحد، ترفض الحل وتختلق الحجج للاستمرار في الحرب كما دللت تجربة العراق، وبالأخص التطرف الكامل من قبل التمرد الكردي في الاصرار على تقسيم العراق رغم انه الوحيد الذي منح الأكراد حقوقهم واعترف بقوميتهم واقام لهم الحكم الذاتي .

 

سؤال : هل تعتقدون أن الوقت قد حان، ربما، لايجاد حل  ما للمسألة الكردية، و هل يمكن ان يطلق عليها هذه التسمية؟
الاستاذ صلاح المختار : نعم لقد حان الوقت لتركيا وإيران ان تعترفا بالقومية الكردية كما اعترف بها العراق في ظل الحكم الوطني، لان الاعتراف هذا سيسحب البساط من تحت اقدام المتطرفين الانفصاليين الأكراد ويسمح بحل القضية الكردية، ويمنع استغلالها لأجل تدمير الوطن بالتعاون مع اعداءه كما حصل في العراق. ان الحكم الذاتي ضمن الوطن الواحد هو الحل الأمثل، وبما ان العراق قد اعترف بالقومية الكردية منذ بيان مارس عام 1970 وبما ان المقاومة الوطنية ضمنت برنامجها لما بعد التحرير تأكيدا على اقامة حكم ذاتي للأكراد فان المطلوب من تركيا وإيران حل القضية الكردية، بالاعتراف بالقومية الكردية وإقامة حكم ذاتي لأجل كسب أغلبية الأكراد وابعادهم عن الانفصاليين، فتصبح المشكلة الكردية إذا بقيت نتاج عمل انفصالي معاد للوطن وللأكراد بالذات وتحركه قوى دولية وإقليمية لخدمة مصالحها غير المشروعة وليس لتحقيق أماني الشعب الكردي .

 

سؤال : كيف يمكن لنا كعرب، أن نتعامل مع التطورات الجارية حاليا حول الأكراد، انطلاقا من الموقف الخياني الذي اتخذته قياداتهم عند احتلال العراق؟
الاستاذ صلاح المختار : يجب أن لا يكون موقفنا مبنيا على رد فعل على موقف الخونة من قادة التمرد الكردي في العراق الذين تعاونوا مع الاحتلال في كل خطواته، بل ان نقوم بالخطوة الصحيحة وهي احترام الأقلية الكردية والاعتراف بحقوقها والدفاع عن هذه الحقوق وتطوير الحكم الذاتي كما نطور أي منطقة أو إقليم عربي. ويمكن للعرب غير العراقيين أن يتخذوا موقفا صلبا ضد الانفصاليين الأكراد وبنفس الوقت لا يهملون ترسيخ الاخوة مع الأكراد غير الانفصاليين وهم الأكثرية الصامتة، خصوصا وقد عرف الآن بأن هناك منظمات كردية مقاتلة ضد الانفصاليين وضد الاحتلال داخل صفوف المقاومة الوطنية العراقية.
ومن المؤسف ان نقول بأن بعض الجهات العربية تتعامل مع زعامات الانفصال الكردي في العراق وتعطيها فرصا للكذب والتزوير، ظنا منها ان ذلك يخدم وحدة العراق لكن  هذا الظن هو أبو الآثام وليس اثما فقط، لأن الزعامات الكردية قد تجاوزت الخطوط الحمر كلها وأصبحت جزء من القوى المعادية والتي تخدم الاحتلال وكل القوى المعادية للأمة العربية ولحركات التحرر، ولكنها تريد الان ان تنفذ جريمة انفصالها عن العراق، وهو أمر يعني تقسيمه لأن إيران تستغل ذلك لفصل الجنوب، مع حصول أضعف رد فعل عربي مضاد . إن عزل زعامات التمرد الكردي عربيا ضرورة لا غنى عنها ومن يقول انه يريد إبقاء هذه الزعامات ضمن العراق بتعاونه معها مخطئ ولا يعرف الأهداف والتكتيكات الحقيقية لتلك الزعامات، والتي لا يهمها شيء أو أحد سوى الانفصال.
ومن المهم جدا تذكر ان التمرد الكردي ليس حركة تحرر وطني على الاطلاق بل هو تمرد كان ومازال يدعم ويحمى من القوى الاستعمارية والطامعة في الأرض العربية مثل أمريكا وإسرائيل وإيران، وقد اكد هذه الحقيقة دوره الواقعي كجزء أساسي من القوى التي تعتمد عليها القوى الاستعمارية في حربها ضد حركة التحرر الوطني العربية ونظمها الوطنية التقدمية. إن دور التمرد الكردي في إسقاط النظام الوطني وغزو العراق وتدميره وتهجير ستة ملايين عربي عراقي مجرد أمثلة تؤكد ان التمرد هو حركة رجعية خادمة للاستعمار.

تونس- الشروق

شبكة البصرة

الخميس 21 شوال 1428 / 1 تشرين الثاني 2007

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر والاقتباس