|
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ |
|
كلام جارح لمن استهوى الكلام والبيانات والمؤتمرات و... "كفى الله المؤمنين شرّ القتال"؟ أين الفعل... وماذا بعْد إدانة واستنكار مشروع تقسيم العراق؟
إذا كانت الأحزاب واللجان العربية والاسلامية لا تستطيع تحريك الشارع ولو لخمس دقائق، عليها أن تقفل "دكاكينها" الاستهلاكية ... وتضع نهاية لدورها المكمّل لدور الأنظمة |
|
شبكة البصرة |
| نبيل أبو جعفر |
|
لسنا في وارد كتابة المزيد عن خفايا ومخاطر المشروع الأميركي – الصهيوني حول تقسيم العراق، فقد سبقنا إلى ذلك مئات الكتاب والصحافيين، كما اعترض عليه ملايين العرب وكل العراقيين – باستثناء الأكراد علناً والصفويين الفرس باطناً – وكان ذلك استفتاءً شعبياً قل نظيره بهذه السرعة والشمولية. لكن ثمّة جوانب أخرى في منتهى الأهمّية تستحق الاهتمام الكبير ولفت الأنظار إليها، تتعلّق بحجم ما سيحل بنا مستقبلاً قياساً بما هو حاصل الآن، وكيف يمكن مواجهته عملياً – وهو الأهم – خارج إطار الكلام والتنديد واصدار البيانات وعقد المؤتمرات، وتدبيج المقالات الحماسية التي لا تتضمّن جديداً ولا معلومات خافية على الإنسان العربي.
بين الحد الأدنى وكسر العظم هذه الجوانب يمكن تلخيصها بعدة حقائق معظمها مُر مع الأسف، ويأتي في صدارتها أثنتان أبرز من سواهما وهما: - ان معركة فلسطين على أهميتها القصوى في تاريخنا القومي، ومركزيتها لأكثر من ستة عقود، لم تعد في هذه الأيام وبفعل أيدينا نحن أكبر المعارك العربية المفتوحة مصيرية وحسماً بالنسبة لمستقبل أمتنا، ولا أكثرها كسر عظم بالرغم من استمرار تدفّق شلاّل الدم الفلسطيني الزكي، وما تمثّله القضية لسائر العرب والمسلمين. والمعنى المقصود هنا أن النصر فيها – وهو نصر محدود بحجم مطالبنا التي نزل سقفها كثيراً حتى كاد يلامس الأرض – لن يكون صاعقاً ولا موازياً للدماء التي سالت، ولا لتضحيات شعبنا والأهداف التي كانت في خيالنا وخيال آبائنا، ثم تقلّصت بالتدريج الى حدّ لم يعد تحته تحت. أما إذا لم نُحقّق الحد الأدنى الذي بتنا نطالب به – لا قدّر الله – فإن ذلك لن يُفضي إلى وضع أسوأ بكثير جداً مما نحن فيه الآن، وليس في ذلك تقليلاً من نضالات شعبنا وبطولات مقاتلينا الذين حملوا مشعل الثورة الأولى في العالم بعد انتصار فيتنام، ولا تهويناً من الكارثة، ولكنه إقرار لواقع أوصلتنا قياداتنا الرسمية إليه، لدرجة أنه لم يعد الفارق شاسعاً بين هذا الواقع وما يمكن أن نحصل عليه من بقايا البقايا التي رضينا بها – وسط التخاذل العربي الرسمي والإنكسار الشعبي – ولم يرضَ بها الكيان الصهيوني ولا "الشرعية الدولية خارج إطار الكلام الشفهي! إذن، آخر فصول معركة فلسطين التي اقتُصرت على جولات سياسية تفاوضية، في السّر أكثر من العلن، وعلى جزء من الحق، كما رأينا في السابق ونرى في هذه الأيام العجاف، لم تعُد تُشكّل لأمتنا إذا ما بقيت تراوح مكانها أو تعثّرت، مفصلاً قاتلاً بنفس النسبة التي كانت في السابق، كما لم تعد تُشكل منقذاً بمستوى الطموح في حالة العكس. - أما ثاني هاتين الحقيقتين فتتمثّل في أن معركة العراق المفتوحة على أوسع الأبواب ضد دولة الإرهاب الأكبر وحلفائها المطواعين، بدءاً من جبابرة العالم الى المشيخات المجهرية، والتي لم يكن يجري اعتبارها مركزية قبل اندلاع مقاومتها في وجه الاحتلال، قد أصبحت الأشرس والأكثر كسراً للعظم في هذا العصر، ولم يعُد يختلف اثنان من العقلاء على أن النصر المحقّق فيها سيكون نصراً مدوّياً للأمة، وانقاذاً لمستقبلها من الآتي الرهيب، لأنه لن يكون نصراً محدوداً بسقفٍ متدنٍ، ولا ببقايا حق فرضته غرف المفاوضات ومشيئة الرسمية العربية المتهالكة، كما سيكون انتصاراً للإنسانية كلها التي تعاني من عربدة الصهاينة الجدد في البيت الأبيض. أما الهزيمة فيها – لا قدّر الله أيضاً – فسوف تُفضي حتماً إلى وضعنا شعوباً وأنظمة تحت بساطير الأجنبي من المحيط إلى الخليج... وأبعد من ذلك.
.. وبين البيانات والفعل إنطلاقاً من هذه الحقيقة الأسطع من الشمس تبرز حتميّة العمل الجدّي لإفشال مشروع التقسيم الأميركي – الصهيوني، الذي يزيد من خطورته ولا يُقلل منها اعتباره عن عمد قراراً غير الزامي لفترة زمنية محدّدة بالطبع، ولأسباب لا يحتاج المرء الى كثير من الذكاء حتى يكتشف أن هذا القرار لا يستهدف العراق وحده على المدى الأبعد، وأنه كان من الضروري تجريعه لنا على دفعات مثل "كبسولات" العلاج النفسي، وبشتّى أساليب التحايل التي اشتُهرت بممارستها ادارة البيت الأبيض. والعمل هنا – وليس بيانات التنديد وقوائم توقيع العرائض واستعراض البعض لشخوصهم في الندوات والمؤتمرات – أمر ممكن إذا ما توفّرت الجدّية لدى طلائع العمل الشعبي، أو ما يستحلي البعض تسميتها بمنظمات المجتمع المدني، ناهيك عن الأحزاب والنقابات، ذلك لأن أحداً من العرب – حتى أتباع أميركا – لم يجرؤ حتى الآن على الإعلان عن أنه يؤيّد التقسيم أو يقف حيادياً منه، على الرغم من صمت بعض الحكام الذين ارتضوا البقاء كالجثث المحنّطة – كعادتهم – أمام أي حدث أو محنة، مكتفين بطلب النجاة ظناً منهم أن كراسيهم ومكتسباتهم الشخصية ستبقى في منأى عن الخطر الأميركي المباشر، إذا ما تمّت مصادرة العراق إلى الأبد بعد تفتيته ونهب ثرواته، وانه سينطق عليهم المثل القائل "أنجُ سعد فقد هلك سعيد"!
الممكن في وجه المستحيل وحتى لا نسرح في الخيال لا بدّ من الإقرار أن المراهنة على الموقف العربي الرسمي لافشال هذا المشروع من رابع المستحيلات والغباءات معاً، ولكن هذا لا يعني في المقابل أن نبقى متفرجين وأن نترك إخوتنا في العراق كما تركنا أخوتنا في فلسطين يقلّعون أشواكهم بأيديهم وحدهم. لا شك أن تشكيل جبهة عراقية موحّدة تضّم 22 فصيلاً مقاوماً (لا مستنكراً ولا مندّداً بالكلام فقط) يُعتبر أحد أهم الإنجازات التي تزامنت مع الإعلان الاميركي عن مشروع الكونغرس التقسيمي. وقد جاء رداً عملياً عليه، ولا شك أن المطلوب أو المأمول من المقاومة العراقية واضح ومحدّد الأهداف، وهو سائر في طريق التحقيق، حيث لم نعد نسمع على لسان الجبروت الأكبر ترديداً لعبارات العنجهية السابقة ولا إدعاء بنصرٍ أو حتى بنصف نصر، بل دعوات للخروج من المستنقع بأقل الخسائر الممكنة، وسط استمرار السخط الشعبي داخل الولايات المتحدة ذاتها على تورّطه وجرائمه وأكاذيبه التي كان آخر مشهد لها – حتى الساعة – توبيخ الكونغرس لإدارة بوش على كذبها وتزويرها الحقائق المتعلقة بالفساد المستشري داخل الحكم الذي نصّبته لإدارة نهب ثروات العراق. ولكن المطلوب من العرب حكاماً وجماهير – في المقابل – لا يكاد يكون معروفاً، أو متفقاً عليه ولو في الحد الأدنى، خصوصاً على صعيد العمل الفعلي، بعيداً عن الكلام غير المحسوب بكل صيغه الإستعراضية سابقة الذكر التي لا تزيد في معركة المقاومة وزن خردلة بوجه الاحتلال.
مشارع قديمة لم تحرّك أحداً! ولسنا بحاجة للتذكير هنا على أن مشاريع التقسيم والتفتيت ليست جديدة بالنسبة لأمتنا، ومع ذلك لم تواجه حتى الآن بغير أطنان البيانات والاستعراضات الشخصية لأعضاء مؤتمرات شعبية وعربية واسلامية معظمهم غائب عن الوعي والوجود الفعلي، ولا نسمع به أو عنه إلاّ حين يُستدعى على عجل، لكي يبصم على بيان يصدر من صالات الفنادق الراقية لهذه العاصمة العربية أو تلك، تغلب عليه صيغة "هادئة" لجهة الموقف، مفرطة في المديح لجهة البلد المستضيف! لن نقف طويلاً أمام ما تضمنّته "استراتيجية اسرائيل في الثمانينات" التي صورت في العام 1981، وتحدّثت بوضوح تفصيلي عن مشاريع التقسيم التي يجب أن تُنفّذ على أرضنا العربية، ووصفت العراق – على وجه التحديد – بأنه "تربة خصبة للفرقة والحرب الأهلية" التي بدأت تلوح بوادرها بعد تولي الخميني حكم ايران" واستعرضت مخاطره على اسرائيل لكي تؤكد في ضوء ذلك وجوب العمل الجاد على تقسيمه الى مقاطعات اقليمية طائفية (وعرقية) كما حدث في سورية في العصر العثماني بالقول الحرفي ".. ويمكن إقامة ثلاث دويلات (أو أكثر) على أرضه: في الشمال والجنوب وبغداد". إذا دقّقنا النظر في بنود هذه الاستراتيجية وأهدافها لوجدنا أنها تتطابق إلى حدّ كبير مع مشروع مشابه صاغه المستشرق اليهودي برنارلويس قبل ذلك بعامين – أي في العام 1979 – بناء على طلب من البنتاغون، ولوجدنا أيضاً أنها تكمن في روح كلٍ من مشروع الشرق الأوسط الكبير والجديد.
إما أن نعمل أو نقفل "دكاكيننا" وإذا كان التأكد من دقّة هذا الكلام وخطورته يحتاج وقتاً وجهداً يبخل بهما أولي الأمر في وطننا، فيكفينا أن نذكّرهم بالشهادة التي ما زالت طازجة في أذهان من لا ينسى منهم، وقد وردت على لسان جورج غالواي، النائب البريطاني المناهض لممارسات الهيمنة الأميركية - البريطانية قبل أشهر قليلة من شن الحرب ضد العراق. يومها كان غالواي عائداً لتوّه من زيارة لبغداد وقد مرّ ببيروت، وتحدّث في ندوة أقيمت على شرفه هناك عن رؤيته بأم عينيه في مكاتب مجلس العموم البريطاني خرائط لمشاريع سايكس بيكو جديدة تجري دراستها قبل بدء الحرب بفترة، كي يجري وضعها موضع التنفيذ لاحقاً، أي بعد الاحتلال، ليس على مستوى العراق وحده فقط، بل المنطقة برمّتها. وبالطبع لم يُعر أحد من حكّامنا ومعظم تنظيماتنا وأحزابنا العربية والاسلامية اهتماماً لهذه الشهادة الخطيرة، بل على العكس قامت السلطات المصرية على أثرها بمنع غلواي فور وصوله إلى مطار القاهرة من دخول البلاد للمشاركة في محاكمة رمزية للرئيس بوش، ورئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير! وبالعودة إلى بيت القصيد حول ما يجب علينا عمله – لا قوله فقط – من أجل إفشال مشروع التقسيم يمكن القول ببساطة حتى لا نُعقّد الأمور ونثقلها على كاهل "حملة ألوية الصمود والممانعة" في بلادنا : إذا كانت الأحزاب والتجمعات والمؤتمرات العربية والاسلامية وما شابه تمثّل جماهيرها فعلاً، ولها ثقل وتواجد فعلي في الشارع العربي، فإنها تستطيع على الأقل وكخطوة أولى الاتفاق فيما بينها على تحديد ساعة ما، في يوم ما، تقرّر فيه وقف الحركة بشكل عام في كل أرجاء وطننا العربي بمدنه وقراه، لمدة خمس دقائق فقط! ليس من الضروري بدايةً تسيير المظاهرات، ولا المناداة بسقوط فلان أو علاّن، حتى لا "تستعدي" هذه المنظمات أنظمتنا عليها "!"، ولكن لتعبّر عن رأيها بهذا الحجم على الأقل، وهو أقلّ ما تستحقه مستلزمات الشروع بالتصدي للهجمة الرهيبة على أمتنا. أما إذا كانت هذه الأحزاب واللجان على مختلف توجهاتها لا تقوى على فعل شيء من هذا القبيل، وهو أضعف من أضعف الايمان.. فالأشرف لها ولنا أن تُقفل "دكاكينها"، وأن تضع نهاية لدورها المكمل – في هذه الحالة – لدور الأنظمة في اللعب بمصائر الشعوب، سواء أرادت ذلك أم لم ترده. يبقى القول أن قدر أي شعب ومقاومته مرتبط بخميرة قيادته ومعدنها، فالشعوب هي الشعوب دائماً وفي كل مكان، دون الدخول في تفاصيل أكثر جرحاً وإحراجاً.
* سينشر في العدد القادم من مجلة البيادر المقدسية الذي سيصدر يوم السبت القادم |
|
شبكة البصرة |
|
الخميس 21 شوال 1428 / 1 تشرين الثاني 2007 |
|
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس |