بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مشكلة كركوك كيف يجب ان تحل؟

شبكة البصرة

صلاح المختار

أستلمت السؤال التالي المركب من مواطن عراقي كردي من كركوك (kkirkuky@yahoo. com) وبالنظر لسفري لمدة طويلة تأخرت في الرد عليه لذلك اعتذر لهذا التأخر :

1 - ما هو برايكم الحل المناسب لقضية كركوك، في ظل المناقشات الحامية حول مصير المدينة؟

2 - ما هو الحل المناسب لها لدرء خطرحرب عربية كردية لا سامح الله؟

3- هل من الممكن قيام ادارة مشتركة بين الطرفين، ولا سيما انها كانت فكرة مطروحة بين الحركة الكردية والقيادة العراقية اثناء مفاوضات عام 1984؟

4 - كيف تنظرون الى الاطماع التركية الحالية؟

الجواب : شكرا على توجيه هذه الاسئلة المهمة جدا الان، لان المرحلة الحالية تتسم باقصى درجات الخطورة على العراق بكافة مكوناته، وللجواب ينبغي اخذ الملاحظات التالية بالحسبان :

اولا : ان مشكلة كركوك قضية مفتعلة كما اثبتت احداث ما بعد الاحتلال، لانها مدينة كانت تعيش بسلام ووئام طوال مئات، ولم نسمع عن وجود مشكلة كبيرة الا بعدما اعلن بيان 11 اذار عام 1970 وطبق نظام الحكم الذاتي، بمبادرة من البعث والرئيس الشهيد صدام حسين. لهذا فان من اهم الاسئلة السؤال التالي : لم أثيرت مشكلة باسم قضية كركوك وتحولت الى مصدر للمشاكل في ظرف بروز اعتراف رسمي بوجود قومية كردية في العراق وبحقوقها كاملة؟ ان هذا التزامن بين اثارة (قضية كركوك) وتحويلها الى (مشكلة كركوك) وبين اعلان الحكم الذاتي، وهو الهدف المركزي والسقف الاعلى المعلن رسميا لاهداف الحركة الكردية المسلحة لعدة عقود، يطرح امرا بالغ الخطورة وهو ان هناك اهدافا سرية، اخطرها الانفصال عن العراق، كانت زعامة الحركة الكردية المسلحة تخفيها عن كافة القوى الوطنية العراقية، التي دعمت الحكم الذاتي وكانت حليفا طبيعيا لنضال الشعب الكردي من اجل الاعتراف بالقومية الكردية واقامة الهدف الاعلى لها، وهو الحكم الذاتي ضمن عراق واحد ديمقراطي، كما كان الشعار المركزي للحركة الكردية يقول ويطالب وهو (الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان العراق). وهذا الامر زرع الشك والتشكيك بين القوى الوطنية العربية في العراق، وفي مقدمتها البعث، وبين زعامة الحركة الكردية المسلحة، فتحولت القضية الكردية منذ عام 1970، أي بعد اعلان بيان اذار، من قضية مشروعة الى مشكلة شائكة جدا يبدو الدور الخارجي (امريكا وايران واسرائيل) فيها هو الاشد وضوحا، وهنا تكمن خطورة المسألة.

 

ثانيا : ان المشكلة الكردية في العراق تفرض طرح سؤال خطير وهو : لم تعمدت زعامة الحركة الكردية المسلحة ان تجعل جبهة صراعها الرئيسية هي العراق مع انه القطر الوحيد الذي منح اكراده الحكم الذاتي واعترف بالقومية الكردية وجعلها القومية الثانية في الدستور، في حين ان اكراد تركيا (18 مليون) وايران (ثمانية ملايين)، وهم الاغلبية مقارنة باكراد العراق (رسميا كان عدد الاكراد في العراق حتى عام 1990 لا يتجاوز الثلاثة ملايين) لم يحصلوا على أي حق لهم هناك ورفض الاعراف بهم كقومية قائمة بذاتها؟ الم يكن منطقيا ان تكون ساحة الصراع الرئيسية هي تركيا او ايران اذا كان الهدف الحقيقي هو الحكم الذاتي والاعتراف بالقومية الكردية؟ ألم يكن منطقيا وضروريا وان يعامل العراق كحليف وشقيق للحركة الكردية المسلحة، بصفته الساحة التي تحررت فيها القضية الكردية من المشكلة الكردية ومن ثم تتعمق الاخوة بين الطرفين العربي والكردي؟

 

ثالثا : ان زعامة الحركة الكردية المسلحة قد ربطت على نحو مثير للقلق القضية الكردية بقوى اقليمية ودولية معادية للعراق، وطنا وشعبا وقيادة، مثل ايران واسرائيل وامريكا، ولذلك فان الحركة الكردية، وكما اثبتت تجربة غزو العراق، قد انفردت من بين كل حركات المطالبة بالحقوق القومية بانها الوحيدة التي اعتمدت على الاستعمار والصهيونية والرجعية الاقليمية (ايران) في عملها من اجل نيل الحقوق، في حين ان كافة حركات التحرر الوطني كانت بطبيعتها معادية للاستعمار والصهيونية! لقد حسمت الوقائع مسالة هوية الداعم الرئيس للحركة الكردية المسلحة، ولم يعد سرا انه امريكا واسرائيل وايران، ولهذا طرح سؤال منطقي وجوهري وهو : هل يمكن لحركة تحرر ان تعتمد على قوة استعمارية دولية وعلى قوة اقليمية اغتصبت ارض شعب وطردته هي اسرائيل، وعلى قوة اقليمية اخرى، هي ايران،  كانت زعامتها عميلة لامريكا ثم تزعمتها قوة رجعية ظلامية توسعية، نقول هل يمكن لحركة تحرر ان تحافظ على هويتها التحررية أذا كانت القوى الداعمة لها بهذه الطبيعة؟ ام انها تصبح، عمليا ورسميا، جزء من القوى المضادة للعملية التحررية في المنطقة والعالم؟ ان الجواب الحاسم قدمته تجربة غزو العراق وهو ان الحركة الكردية المسلحة كانت من اهم الادوات الرئيسية للاحتلال الامريكي للعراق، ومن اهم القوى التي عملت على تقسيمه واستنزافه ماديا ومعنويا! فهل يمكن لحركة كهذه ان تحوز على صفة التحرر؟

 

رابعا : جاء غزو العراق ليكشف الهدف النهائي والحقيقي للحركة الكردية المسلحة وهو الانفصال عن العراق، ليس عن طريق فصل الشمال الكردي فحسب بل عن طريق ذبح العراق والغاءه من الخارطة، عبر اصرار زعامة الحركة الكردية المسلحة على قيام انفصال في جنوب العراق واخر في وسطه وتحويل العراق من دولة واحدة بسيطة التكوين الى ثلاثة دول مستقلة، والعمل على الاستيلاء ليس على كركوك فقط بل النزول الى جنوب بغداد! ان الخارطة التي تبناها الانفصال في شمال العراق تثبت بان هدف الغاء العراق كان اهم هدف يمهد لانفصال شمال العراق، فهل كانت الزعامة الكردية تخدع الحركة الوطنية العراقية بكافة قواها عندما كانت تؤكد بانها لا تريد الانفصال وان من يتهمها بذلك مغرض ويروج دعاية معادية للاكراد العراقيين الذين يؤمنون بان العراق وطن لهم؟ الا تؤكد هذه الحقيقة ان الثقة بالحركة الكردية ووعودها غير ممكنة بناء على الخداع الطويل؟

 

خامسا : ان لجوء الزعامة الكردية بعد الغزو الى اساليب الترهيب (القتل) والترغيب (دفع مبالغ كبيرة لشراء اراض عربية وتركمانية وغيرها) في كركوك والموصل والاجزاء الشرقية من العراق حتى جنوب بغداد لاجل تكوين اغلبية كردية في هذه المناطق، بتهجير العرب والتركمان وغيرهم منها، وجلب اكراد من تركيا وايران وسوريا وغيرها واسكانهم في العراق، ان هذا السلوك يثير سؤالا مقلقا جدا وهو : لم تتوسع الزعامات الكردية في الارض اذا كانت تريد شمال العراق فقط؟ اليس ذلك مؤشر قوي لوجود هدف تقسيم العراق؟

 

سادسا : ان الحركة الكردية المسلحة، وبعد ان احتل العراق، شرعت بنشر دعاية معادية للعرب بشكل صريح جدا فأوقفت استخدام اللغة العربية ومنعت رفع العلم العراقي واصرت على مفهوم انفصالي للاتحاد الفدرالي، وهو مفهوم يروج عمليا لاتحاد كونفدرالي يمهد الطريق لاعلان دولة كردية في شمال العراق، وهو ما اعترف به مسعود البارزاني مرارا بقوله اذا وقعت حرب اهلية بين الشيعة والسنة فان الاكراد سوف يعلنون الاستقلال! وهذا الموقف لم يكن ردا على حالة خلقتها اطراف اخرى غير الزعامة الكردية بل اثبتت الوقائع بان محاولات اشعال حرب طائفية شاركت فيها فرق موت كردية كانت تقتل السنة والشيعة ولم تقتصر عمليات تنفيذ القتل على فرق الموت الامريكية والايرانية والاسرائيلية.

 

سابعا : ان فكرة اقامة ادراة مشتركة بين الطرفين العربي والكردي غريبة وشاذة في عالمنا، لان مفهومي السيادة والدولة يتناقضان مع وجود ادارة مشتركة، فما دامت الدولة ذات سيادة فان مركز السيادة واحد، وهو الذي يمارس السلطة ويمسك بها، ولا يمكن المحافظة على السيادة اذا تعددت مراكز السيادة والادارة المشتركة هي انتقاص من مركز السيادة. وهناك امثلة واضحة تدعم مانقول، لانه لا توجد دولة فيها ادارة مشتركة لمدينة داخلها بل انها قد تدار بطريقة الحكم الذاتي ولكنها تخضع للسلطة المركزية في القضايا المركزية كالجيش والامن والتمثيل الدبلوماسي وغيره. ان الولايات المتحدة الامريكية تقدم لنا مثالا واضحا على تركيز مركز السيادة في يد الحكومة المركزية، مع انها بلد متشكل من جاليات كلها مازالت تتحدث بلغتها الام وتحافظ على تقاليدها وثقافتها. ان ما يحدث في شمال العراق يؤكد مانقول، فالزعامة الكردية لا تسمح بادارة مدينة داخل منطقة الحكم الذاتي بشكل مشترك مع الاقليات الاخرى الموجودة فيها، بل ان رموز هذه الزعامة كانت تتقاتل ويسقط الاف الضحايا من الشعب الكردي من اجل تغليب زعامة البارزاني او الطالباني قبل غزو العراق، واستنجاد مسعود البارزاني بالرئيس الشهيد صدام حسين لنجدته من هجوم ايران والطالباني عليه في عام 1996 مثال على هذه الحالة، ومازال هذا الموضوع مصدر خلافات كامنة بين الطرفين.

 

ثامنا : لماذا نستبعد بقية مكونات الشعب العراقي من حق البحث في مستقبل كركوك مثل التركمان، مع انهم اكثر عدديا من الاكراد في كركوك ونحصر الامر بالعرب والاكراد؟ ان من يقول انه ظلم لا يجوز ان يظلم غيره، والحديث عن تقرير مصير كركوك بين العرب والاكراد مع استبعاد التركمان وغيرهم سلوك ديكتاتوري وعنصري يجب ان يرفض.

تاسعا : حينما تضعف السلطة المركزية في الدولة تتضح نوايا دول الجوار ومنها الاطماع في الارض، اما اذا كانت الدولة قوية فان الاطراف الخارجية تبتعد عن اظهار اطماعها، ومن هنا فان فصل شمال العراق منذ عام 1991 كان ومازال عامل اغراء قوي للدول الاخرى للتدخل في شئون العراق، خصوصا وان الادارة الكردية في الشمال لا تملك مقومات الدولة التي تحميها من المطامع الخارجية ايا كانت طبيعتها ومصدرها. ان الخطر التركي ما كان له ان يظهر ويتقوى لولا التمرد الكردي المسلح وعزل الشمال عن بقية العراق مما اوجد المناخ المناسب للتدخل الخارجي من قبل عدة اطراف.

في ضوء هذه الملاحظات الجوهرية يمكننا التعامل مع موقف الزعامة الكردية من كركوك وفيما يلي اهم الملاحظات :

1 - ان الحل الوحيد لمشكلة كركوك هو في تغليب عراقيتها على عنصرية كافة الاطراف، فالمدينة عراقية اولا وهي مختلطة ثانيا، ولا توجد فيها اغلبية كبيرة لاي مكون منها ثالثا، لهذا فان التاكيد على عراقيتها هو الحل الامثل الذي يخدم الجميع.

 

2- ان أي حل يقوم على وضع حواجز بين كركوك وبقية مدن العراق من الجنوب الى الشمال ماهو الا حل تقسيمي لا شك فيه، والا لم الاصرار على السيطرة على كركوك من قبل طرف واحد وهو الزعامة الكردية، وصرف ملايين الدولارات لشراء الاراضي والذمم واستخدام العنف المتطرف لتهجير غير الاكراد؟

 

3- ان مجرد التنازع حول كركوك هو مؤشر خطير لوجود نوايا انفصالية، فكركوك هي التي تقرر فيما اذا كان ممكنا تمويل دولة تنفصل عن العراق ام لا، لان الشمال العراقي فقير بموارده ومنطقة مغلقة من كافة المناطق، لذا فان وجود النفط في حوزة دولة كردية منفصلة هو الشرط المسبق لبقائها، في حالة افترضنا ان العراق سوف يقبل بذلك وهي فرضية مرفوضة تماما. من هنا فان الحصول على موارد لاقامة دولة انفصالية هو السبب الرئيسي لاصرار الزعامات الكردية على جعل كركوك موضوعا للصراع وهو التفسير الوحيد لصرف الملايين لشراء الاراضي في مناطق كركوك، وهو التفسير الوحيد لظاهرة التهجير المنظم للعرب والتركمان منها.

 

4- ان ضم كركوك لمنطقة الحكم الذاتي يقصد به اكثر من مجرد توفير مصدر تمويل لدولة انفصالية في شمال العراق، لانه ايضا احد اهم عوامل دعم انفصال اكراد تركيا وايران وسوريا، فالدولة الكردية في شمال العراق ما هي الا قاعدة تدعم انفصال بقية المناطق التي يوجد فيها اكراد كتركيا وايران وسوريا، ولهذا فان موضوع كركوك ليس موضعا عراقيا فقط بل هو يدخل في صميم الامن القومي لدول المنطقة، وتلك حقيقة تجعل انفصال شمال العراق موضوعا للصراع الاقليمي الشامل، ولذلك فان الولايات المتحدة الامريكية تتصرف بتأن وهي تدعم الزعامة الكردية الانفصالية.

 

5 ان اصرار الزعامة الكردية على الانفصال وعلى معاداة العرب والتركمان وخدمة الاحتلال والاشتراك الفعال في محاولات تقسيم العراق واظهار نزعات عنصرية عدائية وغيرها تضع الشعب الكردي في العراق وغيره امام مستقبل خطير جدا، لان كل شعوب المنطقة اخذت تنظر بشك عميق، واحيانا بيقين تام الى الحركة الكردية، على انها طابور خامس لاعداء شعوب المنطقة، من هنا فان على الاغلبية الصامتة من الاكراد الوقوف علنا الان وليس غدا ضد سياسة الزعامة الكردية لتجنب واحباط عمليات التحريض المنطم ضد الشعب الكردي لاجل حمايته من الانتقام غدا عندما يتحرر العراق وتهرب الزعامة الكردية.

ان الحل الوحيد لمشكلة كركوك هو في الدفاع عن وحدة العراق ورفض التقسيم والفدرالية والتمسك بالحكم الذاتي مع تطويره، والتعامل مع كركوك كمدينة ومحافظة عراقية صرفة.
 

شبكة البصرة

الاربعاء 2 ذو الحجة 1428 / 12 كانون الاول 2007

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس