بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

صعود الفينيق

شبكة البصرة

توجان فيصل

قديماً قالت العرب أن ثلاثة لا وجود لهم: الغول والعنقاء والخل الوفي. ولكن، وبعد عام كامل من إعدام صدام، والذي ظن قاتلوه انه سيخلصهم مرة وإلى الأبد من هذا القائد العربي الذي أرق بعض الحكام العرب بأكثر مما أرق امريكا وإسرائيل، تنطلق مهرجانات وحملات التأبين، فتنطق العنقاء عبر حناجر مئات الخطباء وبأقلام مئات الكتاب، مطالبة بالثأر لدم الشهيد الأكبر..

ويحتشد ألوف الخلان الأوفياء في قاعات وساحات المهرجانات مصفقين هاتفين دامعين، ويتناقل الملايين ما قيل في تلك المهرجانات التأبينية على الورق وعبر الهواتف.. والهواتف النقالة بالذات وظفها الحضور وسيلة نقل حي ومباشر لإيصال بعض الخطب والأشعار لغيرهم ممن لم يتمكن من الحضور، لتزدحم الخطوط بعد ذلك بمكالمات الشكر والإشادة والشد على يد الخطباء!! هي ذات مكنونات الوجدان العربي يفجر البلاغة في الخطابة ويمد الشعر بإلهامه، تناقلته هذه المرة، ليس الركبان فحسب، بل الأقمار الصناعية..

وسرى الصوت على مد الصحاري العربية، مودعاً في الرمل غضات أغانيه الشجية، كما قال قبل اربعة عقود الشاعر الأردني الكبير تيسير السبول في رائعته أحزان صحراوية.. وفيها أيضاً قال، فيما يشبه نبوءة الشاعر: والعتابا، حينما طافت بنا، جرّحتنا.. جرّحت من قبل ليل الرافدين!!

في سابقة غير مألولفة، وفي ذات الليلة بما يدل على وفرة الحضور وليس فقط وفرة المأبنين، غصت بالخلان الأوفياء قاعة مجمع النقابات المهنية في عمان، كما غصت خيمة أكبر من القاعة نصبت باحة مجمع النقابات في الكرك.. وتحولت غصات كثيرة إلى دموع في أعين الرجال قبل النساء، بينما شقت حناجر الشباب بالهتاف.

ولم يحل برد الليل في أربعينية" الشتاء، وبرد جبال الكرك" التي تعتبر من المصايف، دون توافد هذه الجموع، والبعض مصطحباً أطفاله، ولا دون بقائهم لساعات طويلة استغرقها الاحتفال دون ان يشعر احد بثقل الوقت، بل بقيت العيون والآذان معلقة بمنصة الخطابة، وتبعتها الأكف في موجات تصفيق لم تفتر حماستها، بل بقي فيها الكثير لتقوله في السلام وشد الكف على الكف في تجديد للعهد.. عهد للوطن والأمة ولقائد عظيم رحل، صعد المشنقة ولم يترجل!!

ولأن إعدام الشهيد جرى في ساعات الفجر، عند وداع يوم وانبلاج صبح اليوم الذي يليه، فقد أصبحت للذكري يوم وقفة" كما لعيد الأضحي.. وذكرى ثالثة هي تلك التي تصادف تاريخ اليوم بالتقويم الميلادي ً.. وحده المصلوب في بغداد سيذكره الصحاب الكثر ثلاثاً قبل صياح الديك في فجر كل عام جديد!!

ولهذا فقد تناوب الكتاب على صحف الأيام الثلاث لتأبين صدام. وكتب مشيداً بسيرته ومشروعه، ليس فقط الذين سبق وكتبوا عنه في حياته، بل عدد من كبار الكتاب الذين لم يكتبوا عنه قط حياً، قالوا كلمة الحق فيه ميتا!!

وكان التساؤل الذي سرى بين الجموع هو: مَن مِن الحكام العرب المتبقين، بعد جمال عبد الناصر وصدام حسين، سيجهد اي عربي نفسه بذكره بعد رحيله، إلا ان يكون وريثه أعطى الإذن مرفقة بالعطايا ذاتها التي تكال بميزانها المدائح.. والتساؤل لم يكن بحاجة لإجابة، ووحده اجتذب فيضاً من الابتسامات للوجوه الحزينة!!

وليس بمحض صدفة أو سؤ حظ الحكام العرب، بل بفعل ايديهم وايدي الغزاة الذين تهافت هؤلاء على التحالف معهم، إن الذكرى الأولي لاستشهاد صدام في الحرب التي شنت على النفط العربي، تزامنت مع رفع مالكيه الجدد من المحتلين لأثمانه أكثر من ثلاثة اضعاف ما كان عليه يوم كان بعضه" في العراق ما زال للعرب..

ولكن هذا لم يكن وحده سبب ارتفاع كلفة المعيشة التي أودت حتي بقوت غالبية الشعوب العربية، بل كان للفساد الذي فاقمته تلك الهجمة العسكرية الجشعة التي مهدت طريقها بشراء الذمم بلا حساب.. كون الدفع، في النهاية، يجري من ثروات العرب!! ولهذا تحول التأبين لمهرجانات معارضة وتظاهرات احتجاج على الغلاء والفساد.. وفي كل هذا تألق صدام، الذي طالما أطعم الكثير من فقراء العرب من جوع وآمن شعوباً بأسرها، مع حكامهم، من خوف، في صورة ولي أو قديس..

او هو الفينيق بعث من رماده كما وصفه كاتب يساري قومي!! ومن لم يخاطب صدام في حياته بسيادة الرئيس إلا تأدباً والتزاماً بضرورات بروتوكولية، خاطبه بسيدي" إجلالا واعترافاً بفضله على الأمة، كبارها وعقلائها قبل صغارها وجهالها، بعد عام كامل من موته!!

وفي حين تصدر المنابر، في تلك الليلة التي أنارت بنور الحق والشهادة، هؤلاء الذين هجرتهم للحق كهجرة عُمَر.. توارى في الظلمة من تفننوا في قول سيدي" على عتبات صدام حين تراكضوا - في الظلمة ايضاً - على خطوط النفط المهرب من كور العمايا" وغيرها، لضرورات دفع ثمن قوت ودواء، بل وسلاح العراقيين الذي به يقاومون المحتل ليومنا هذا..

وهي ضرورات أجبرت السبع على التعامل مع الضبع!! والمفارقة أن ذات الصحف التي حملت أنباء وخطب تلك الهجرة العمرية، حملت باستغراب واستهجان، أنباء تكتلات أخرى وصفقات أبرمها المتوارون في ليل، بعيداً عن الصحفيين، يخفون اسماءهم حتى فيما طبيعته الإشهار ولبنته حشد الدعم الشعبي!!

الذي خلّف أمة تحمل ذكراه لا يموت. فالدود في ظلمة القبور يقتات الجيف ولا يشبع، بينما يصعد الفينيق حياً أبداً من رماده، ومن حوله خلان اوفياء، كالشجر الطيب اصله ثابت وفرعه في السماء!!

التجديد العربي

شبكة البصرة

الجمعة 25 ذو الحجة 1428 / 4 كانون الثاني 2008

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس