بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

العراق وانتعاش تجارة اللا-أمن

"سيارات مصفحة مضادة للرصاص مقابل 50 ألف دولار أمريكي فقط!؟"

شبكة البصرة

بحث وإعداد: ع. عسولي

مصائب قوم عند قوم فوائد

بعد مرور قرابة خمسة سنوات على احتلال العراق (20 مارس 2003)، انتعشت ببلاد الرافدين كل أنواع التجارة المحرمة أخلاقيا والمشرع لها ميدانيا بحكم الاحتلال وسيادة الفوضى وغياب الأمن. فمن المتاجرة بالأعضاء البشرية من كلي وأجزاء بشرية أخرى يتزعمها سماسرة إسرائيليون وغيرهم انطلاقا من كردستان العراق، إلى تجارة المخدرات وأقراص الهلوسة بسبب الرعب المعاش إلى إدخال زراعة الخشخاش، إلى الدعارة المتصاعدة في صفوف العراقيات اللائي يبعن أجسادهن تحت الضغط والترهيب ومن أجل لقمة عيش، إلى تجارة القتل والموت روادها شركات أمريكية وأسترالية وشركات متعددة-الجنسيات من المرتزقة على رأسها بلاك ووتر، سيئة الذكر.

في هذا الخضم من اللا-امن وعدم الاستقرار والفساد، بزغت ببلاد الرافدين أنشطة تجارية لم تعرفها البلاد في ما قبل بما هي عليه الآن من توسع وانتشار، تدر ملايير الدولارات على الشركات التي تنشط من خلالها داخل العراق ومن خلال الدول المجاورة ومن خلال الاستيراد.

إنها تجارة العربات المصفحة للاستعمال العسكري والمدني. وسادة هذا النوع من تجارة السيارات المصفحة التي كانت في عهد صدام مقتصرة على زعماء حزب البعث البارزين، نجد شركات أمريكية وإسرائيلية وحتى عربية حسب تقارير إعلامية متعددة.

وإذا كانت الشركات الأمريكية بسبب تنامي عمليات المقاومة تهتم أساسا بتوفير الآليات القتالية المصفحة لحماية جيوشها المتمركزة بمناطق مختلفة من العراق أثناء عمليات المداهمة وخلال دوريات روتينية وخلال تنقلاتها برا لنقل المؤن والذخيرة وما شابه، فإن الشركات الإسرائيلية والروسية والعربية على حد سواء تستهدف عينات بعينها من المجتمع العراقي الحالي دون غيرها حيث بات من لوازم العيش بشيء من الأمن قد تقل نسبته وترتفع حسب المكان والزمان بعراق اليوم، ضرورة اقتناء سيارة مصفحة إذا كنت تعيش خارج الحدود الآمنة للمنطقة المصفحة المعروفة بالمنطقة الخضراء.

ضرورة اقتناء سيارة مصفحة للتنقل من البيت إلى العمل، إذن، بات من الأسبقيات بالنسبة للعراقيين لكن ليس لكل العراقيين ببساطة لأن العراقي الذي أصبح يعرض إحدى كليته للبيع مقابل كسب شيء من الدولارات لتغطية مصاريف حفل زفاف ولتوفير رغيف خبز لأفواه جائعة تنتظره وراء الجدران لن يعير الحملات الإشهارية لاقتناء سيارة مصفحة أي اهتمام خصوصا إذا علمنا أن ثمن تصفيح السيارات يبتدئ من 50 ألف دولار ناهيك عن مستلزمات أخرى عند مغادرة السيارة المصفحة كضرورة استئجار حراس تابعين لشركات أمنية متواضعة تجلب عناصرها من دول فقيرة حيث يتقاضى الفرد الواحد مقابل توفير الأمن للأفراد والشخصيات على الأقل 6000 دولار شهريا بالإضافة إلى تعويضات قد تصل إلى ألفي دولار عند القيام بمهمة حراسة أشخاص مهمين بمناطق أكثر تهديدا. خدمات البلاك ووتر تعتبر بعيدة المنال، فهي خدمة من فئة خمسة نجوم حيث على سبيل الذكر- حسب الواشنطن بوست لفاتح أكتوبر الماضي - فإن صفقة واحدة قد وصلت إلى 11 مليون و82 ألف و326 دولار – على آخر مليم كما يقول الإخوة في مصر تلتزم من خلالها بلاك ووتر بتوفير 38 فرد لحماية تنقلات اطر ومستخدمي ESS من الكويت إلى العراق ودول مجاورة لمدة سنة قابلة للتجديد.  الصفقة أصلا تمت بين شركة هاليبورتن لصاحبها نائب الرئيس الأمريكي، ديك تشيني، التي بدورها سلمت الصفقة إلى بلاك ووتر.

 

وصلات اشهارية وأرباح بالملايير

لنتمعن هذا النوع من الأمن والاستقرار الذي جلبه جورج دابليوبوش إلى شعب العراق:

أ - إشهار:

* "يسعدني أن أعلن لكم عن عرض لشراء سيارات مصفحة مضادة للرصاص ذات جودة وتكنولوجيا عاليتين من أفضل الشركات في العالم وذلك بأسعار جد مناسبة. شعارنا حياتك ثمينة احمها. وشكرا".

* " ادفع خمسين ألف دولار لتأمن شر الطريق في العراق".

 

ب - بيزنس إز بيزنس:

* "أوضح سعود الطواش المدير والشريك في شركة بلندكورب، الشرق الأوسط في تصريح له خلال شهر يناير الماضي " إن مصنعنا ذا القدرة الإنتاجية العالية في الكويت يمثل قاعدة إستراتيجية رائعة لخدمة زبائننا في أسواق كالعراق وأفغانستان ولبنان والسودان والصومال حيث الحاجة ماسة للسيارات المصفحة'.
وأضاف: " لقد اتخذت شركة بلندكورب قرارا استراتيجيا بدخول سوق الشرق الأوسط ذي النموالمتسارع، ويقدم مصنع الشركة في الشعيبة الآن لزبائنه في المنطقة خدمات تصفيح عالية الجودة وقليلة الكلفة لسيارات الشحن وسيارات نقل الأموال والسيارات العسكرية وسيارات كبار الشخصيات". وأعلن أن إحراز مبيع 6000 شاحنة تجارية خلال 4 سنوات بداية من 2003 حتى 2007، ما يمثل 80% بالسوق الكويتي عازيا أسرار هذا الاكتساح إلى انفتاح الأجواء الاقتصادية المصاحبة لحرب العراق، وما تلاها من تدفق توقيع الشركات الكويتية لعقود توفير المؤن، المعدات، الذخيرة والخدمات للجيش الأميركي، مما انعكست أصداؤه على ارتفاع خزائن الشركة من مبيعات الشاحنات التجارية وكشف مدير عام مبيعات الشاحنات في شركة عبدالرحمن البشر وزيد الكاظمي صبري هاني، في تصريحه الخاص لـ 'القبس' نشر بتاريخ 31 يناير 2007، إن تكلفة تصفيح الشاحنة الواحدة تبلغ55  ألف دولار.
وفي رده على أسئلة القبس حول اتجاه الشركة إلى تصفيح الشاحنات وطبيعة الكلفة الحقيقية لتصفيح الشاحنة الواحدة قال صبري: 'لا شك أن تدهور الوضع الأمني الذي تشهده ارض العراق حاليا وتوالي نوبات الإرهاب، اوجد الحاجة الماسة لدى الشركات الكويتية المتعاقدة مع البشر والكاظمي لشراء المركبات التجارية، إلى طلب تعزيز أنظمة الحماية بالشاحنات إلى أعلى درجة متقدمة من التصفيح، حتى يتسنى لها الإيفاء بتقديم الخدمات للجيش الأميركي في أمان".

* وبسبب الإقبال الكبير والمتزايد على تلك الخدمة، سيتم افتتاح مصنع لتصفيح السيارات في مدينة أربيل شمال العراق، حسب شمال حسن حسين مسؤول قسم المبيعات في شركة لتجارة السيارات في حواره له مع الجزيرة نت بتارخ 28 يوليوز الأخير.
وتملك الشركة معارض عدة في العراق ومعرضين في الأردن وآخر في المنطقة الحرة بين الأردن وسوريا.
وأوضح حسين:"إن الشركة منذ عام
2005 تعد الوكيل المعتمد في العراق والأردن لشركة روسية متخصصة في تصفيح السيارات، مشيراً إلى أنها استوردت نحو500 سيارة مصفحة مختلفة. وأضاف: " بسبب تزايد الطلب على تلك الخدمة جرى الاتفاق على افتتاح فرع للشركة في مدينة أربيل في وقت لاحق من العام الحالي.
وأشار إلى أن الشركة وقعت عقداً مع الحكومة العراقية في وقت سابق قامت بموجبه بتوفير
150 سيارة مصفحة لكبار أعضائها، معظمها سيارات يابانية الصنع وذات عجلات الدفع الرباعي.
وبرر حسين ارتفاع أسعار خدمة التصفيح بأنه يجري نقل السيارة من العراق إلى المصانع التي تتم فيها مثل تلك العملية، وهوالأمر الذي يتكلف كثيراً. وأشار إلى وجود أسلوب أميركي وآخر أوروبي في تصفيح السيارات لكل منهما سعر معين، ولكن السعر الأدنى لهذه الخدمة هوخمسون ألف دولار. لكن مسؤول قسم المبيعات وعد بتخفيض أسعار تلك الخدمة بعد افتتاح مصنع أربيل، خاصة أنه يتوقع مستقبلاً مزدهراً لهذه التجارة في ظل الأوضاع المتدهورة بالعراق.

 

لبنان سوق واعدة كذلك... والعالم العربي على الأجندة

"كشفت القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي أن شركات إسرائيلية تقوم بتصدير سيارات مصفحة إلى لبنان لحماية بعض الشخصيات بذريعة حمايتها من الاغتيالات التي تدور في لبنان منذ أكثر من عامين. وأوضحت القناة أن هذه السيارات مصفحة بمستوى قادر على الحماية من العبوات الناسفة والصواريخ المضادة للدروع، وأنها تصل من إسرائيل إلى الأردن لتمر عبر العراق إلى لبنان. ويقول تسفيكا يحزكالي المسؤول عن الشؤون العربية في القناة العاشرة: "هناك الكثير من الشركات الإسرائيلية التي تعمل في تصدير السيارات المصفحة إلى لبنان، وهناك الكثير من الإسرائيليين الذين يصدرون هذه السيارات إلى لبنان عبر الأردن تحت اسم مختلف لشركات وهمية مسجلة في أوروبا".

 

خلاصة

ها نحن على أعتاب الذكرى الخامسة لاحتلال العراق. خمس سنوات عجاف لم يحقق من تلك الديمقراطية المزعومة إنش واحد. غزوأمريكي – بريطاني مع غطاء عربي واستخفاء إسرائيلي، هي فعلا، وصفة تاريخية عادت ببلاد الرافدين إلى العصر الحجري بحكم الدمار الهائل في البنيات التحتية والفوقية على حد سواء.

وبذلك تكون إدارة البيت الأبيض ونحن على أعتاب الذكرى الخامسة لاحتلال العراق قد خطت خطوات جبارة في مسار إعادة رسم خريطة المنطقة ولواختلفت المسميات من شرق أوسط كبير وشرق أوسط جديد...

السيارات المصفحة معالجة ركيكة لداء لا يحتاج إلى وصفة طبيب. فليرحل المحتل، وليشمر أبناء العراق على سواعدهم لدحر الغزاة مهما تعددت ألوانهم الحربائية ولوفي قناع اسمه الإسلام. بغداد أصبحت قبلة لكل المنحرفين وزناة الليل بعدما كانت وجهة للعقل والمعرفة والحضارة الأصيلة. بغداد تنزف نفطا ودما ببورصات العالم المتقدم وحتى المتخلف منه. بغداد أصبحت قبلة لكل الشواذ يعرضون غسيلهم على مهد صلاح الدين الأيوبي بتكريت-العراق. لا سيارات مصفحة ولا مناطق خضراء وجرداء قادرة على إقرار السلم والأمن. وحدها إرادة الشعوب قادرة على دحر المؤامرات، كل المؤامرات كما قال أبوالقاسم الشابي: إذا الشّعْبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَيَـاةَ فَلا بُدَّ أنْ يَسْتَجِيبَ القَـدَر.

شبكة البصرة

الاربعاء 20 صفر 1429 / 27 شباط 2008

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر والاقتباس