بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أين هي المغالطة؟

شبكة البصرة

حكمت ناظم

·        يقول البعض، إن العرب لا يجب أن يسقطوا بين محورين.

·        المحوران يلغيان كيان العرب، ويضعانه أمام الإنحياز لأحدهما.

·        فإن وقفوا بالضد من ايران الفارسية إنحازوا الى أمريكا.. وإن وقفوا بالضد من أمريكا الدموية إنحازوا الى ايران.

·        وخلاصة الموقف تستدعي.. عدم الإنحياز.!!

 

يثير البعض مثل هذه الموضوعات، أحياناً من خلال الفضائيات، وأخرى من خلال الكتابة في الصحافة العربية، وفي المؤتمرات ايضا، كلما بات الحديث عن التأثير الإيراني الغارق في طائفيته المقيتة، دستوراً ونهجاً وممارسة، في ساحات عربية مثل العراق، ولبنان، وسوريا، والكويت، والبحرين، والسعودية، واليمن، والجزائر، والمغرب.. ألخ، ومدى خطورة المنهج الطائفي على الأمن الإجتماعي العربي، الذي يعد أهم عناصر الأمن القومي العربي على الإطلاق.

 

وكما هو واضح للعيان أن المد الطائفي الإيراني الفارسي مصمم أساساً على تمزيق نسيج مجتمعاتنا العربية، وخاصة في الدول التي ذكرناها على وجه التحديد، فهو منهج يتسم بالخطورة، وخطورته تنبع من كونه إستعماراً إستيطانياً على الطريقة الفارسية، وهو يماثل في خطورته السيطرة العسكرية المباشرة على الشعوب، لكونه يتعرض للأمن الإجتماعي العربي، فهو بهذا النهج لا يقل خطورة عن الإستعمار المباشر بجيوشه وإمكاناته وعقيدته القتالية وأساليبه السياسية في السيطرة الإستعمارية.

فبالرغم من إعتبار الإمبريالية الأمريكية خطراً رئيسياً على الشعوب والدول، وإن مخاطر الفرز العرقي والطائفي المثار آيديولوجياً من جانب دولة أجنبية، وإستحضاراتها لفعل التمزيق وفق أجندة مخطط لها بإتقان منذ عقود من السنين، فأن الخطر في هذا الجانب لا يقل أهمية كما قلنا، ولا ينبغي أن نضعه على أساس خطر (ثانوي)، بل على العكس يعد أكثر خطراً من الإحتلال.. لماذا؟ لأن الأحتلال مكشوف ومعروف تماماً في سياساته وأساليبه، وسافراً في جيوشه الغازيه، التي تعصف وتقتل وتدمر وتحتل المدن وتغيٌر النظم وتقلب الموازين والقوى رأساً على عقب.. الأمر الذي يضع القوى الوطنية، المنبثقة من الشعب، أمام حالة الإحتلال، والفرز بين الوطني وغير الوطني، لمقاومة الإحتلال والتصدي لأي قاعدة يقوم بتأسيسها، سواء كانت هذه القاعدة في شكل هياكل عسكرية وأمنية وسياسية، أم هياكل إقتصادية مادية يقوم عليها البناء لكي يستمر الإحتلال وتستمر الهيمنة، ويستمر النهب.. نعم، لا يأتي الإستعمار مهما تكن صيغته إلا من أجل النهب.. تلك حقيقة معروفة.. لقد جاء الأمريكيون الى العراق من أجل النفط، ولحماية الكيان الصهيوني المعتدي على الشعب الفلسطيني، منذ ما يقرب من ستين عاماً.

وعملية الفرز بين الوطني وغير الوطني أمام حالة الإستعمار الإحتلالي هذه، هي عملية لا غبار عليها، وليس فيها تداخل خنادق (أحتلال أجنبي، وشعب يقاوم هذا الإحتلال). أما حالة الإحتلال عن طريق الآيديولوجيا الطائفية المصدرة من دولة أجنبية بكل المقاييس الى مجتمعاتنا العربية، بفعل التنوع المذهبي والعرقي الموجود فيها، وخاصة تنوعها المتعايش سلمياً، يمثل قمة التهديد للأمن الإجتماعي لتلك الدول، فأذا ما تصدع الأساس الإجتماعي في أمنه، فأن هيكلية الدولة، مهما تكن رئاسية أم ملكية أم عائلية أم قبيلية، ستتهدم بفعل التناحر والتصادم والإقتتال الإجتماعي، الأمر الذي ينتهي في أسوء الأحوال الى حرب أهلية مدمرة تجلب التدخل الأجنبي، الذي هيأ مثل هذه الأداة، ليصفي حساباته ويفرض شروطه السياسية المهينة من خلال محدداته الطائفية.

دولة الإحتلال لديها أداة (القوة العسكرية) الغاشمة.. ودولة الآيديولوجيا المذهبية لديها أداة (القوة الطائفية) المقيتة. هاتان الدولتان تعاونتا كل بأداته على إحتلال العراق وتدميره، وأي كلام بشأن (التمحور) بين مركزين أحدهما أمريكي والآخر إيراني، وما بينهما عرب مهمَشون أو مستقطَبون، من شأنه أن يقلل من مخاطر الأداة الطائفية، ويبعد قوى الشعب الوطنية عن الإهتمام بهذه المخاطر ومجابهتها.

إن قانون التحدي والإستجابة بالضد من هذا التحدي، هو قانون معروف.. فحيثما يكون هناك إحتلال أجنبي، تنبثق مقاومة وطنية تصل به حتماً الى الإنهيار أو الرحيل. أما التحدي (الطائفي) المصمم أجنبياً، فيستهدف أحد أركان هذا القانون، وهو الإستجابة بالضد من هذا التحدي الإستعماري.. بمعنى أن هذا النوع من التحدي (يمزق) أحد أركان القانون وهو الشعب الذي يشترط أن يتولى التحدي الخارجي. وإذا ما تمزق الشعب وتفتت بإضطرابات طائفية وعرقية فأن مسألة التحرير ستتطلب جهداً مضاعفاً، وزمناً أطول، ريثما تأخذ منهجية التبصير والتوضيح والتثقيف الوطني مداها، والتي تتساوق مع عملية الفرز بين ما هو وطني، وبين ما هو غير وطني. وما يحصل الآن في لبنان على سبيل المثال، لا أحد بمقدوره أن يصنع قراراً وطنياً موحداً يراعي المصلحة العليا للدولة اللبنانية، لماذا، لأن الطائفية قد أغلقت كل مخارج الموقف، وفتحت كل مداخل الفوضى والتدخل.. وكذا الأمر، مع فارق الإحتلال، لا أحد يستطيع أن يصنع قراراً في دولة الإحتلال، يراعي المصلحة الوطنية العليا للشعب العراقي. ومن هذا المقترب فأن أداة (الطائفية) تمثل خطراً داهماً ومفتتاً للشعب، الذي يجابه المحتل الغازي، والذي من دونه يصعب مجابهة الإحتلال وإستنزافه وطرده، إلا من خلال فرز القوى، والإبقاء على عدم تداخل الخنادق.. لأن هذه الأداة، هي أداة تقسيمية تفتيتية تناحرية، يريدها الأحتلال ويسعى اليها لأنها تعينه على الإستمرار والبقاء.. وهذا ما أدركته المقاومة الوطنية الباسلة بصورة مبكرة.. فيما أدركه العدو الأمريكي قبل الإحتلال، حين وافق على وثيقة التحالف السرية مع العملاء الصفويين، التي نشرتها صحيفة النهار البيروتية يوم الأربعاء المصادف 23 / 10 / 2002، والذين وقعوا الوثيقة السرية عن الجانب الفارسي 1- رجل الدين مصطفى جمال الدين 2- رجل الدين محمد بحر العلوم 3- عزت الشابندر 4- مجيد الخوئي، وهو إبن عبد المجيد الخوئي المرجع الأعلى، صاحب القرار الأول في (قم) و (طهران). ومن الجانب الأمريكي 1- جيمس بيكر 2- جون كيلي. لأن مثل هذا التحالف يضع الجانبين الأمريكي والفارسي أمام حالة التوافق الكامل في الإعداد للإحتلال وما بعد الإحتلال في ضوء الخلفية السياسية- الأستراتيجية للوثيقة السرية المتفق عليها.

المغالطة في الأمر تبرز حين يُسقِط هذا البعض حقيقة التحلف السري الأمريكي- الإيراني لإحتلال العراق، ويُسْقط تكريس بناء الدولة وفق محاصصة طائفية، وحسب شروط هذه الوثيقة، ويبرز في الوقت ذاته، وكأن العرب هم في وضع الإستقطاب أو التجاذب بين جانبين متصارعين ومتنافسين هما أمريكا من جانب وإيران من جانب آخر، يتشكلان في محورين للتجاذب.. ولو كان ذلك صحيحاً لما وقِعَتْ هذه الوثيقة السرية، وقد يقول قائل إنها بين عناصر دينية " شيعية" عراقية ومسؤولين أمريكيين، ولكن علينا أن نتفحص من هم عناصر الجانب الفارسي (محمد بحر العلوم- وهو شخصية إيرانية معروفة.. مصطفى جمال الدين- وهو شخصية ايرانية معروفة.. إبن عبد المجيد الخوئي المرجع الأعلى، قبل على خامنئي، الذي يسمى بالمرشد الأعلى.. والخوئي صاحب القرار المطلق في الفقه الطائفي- الصفوي، والفقه السياسي في آن واحد).. ومن هذه الزاوية نرى طبيعة الحكيم ورهطه من الأصول الإيرانية.. والإحتلال الإيراني ليس بالضرورة أن يكون بطريقة الجيوش والإحتلال المباشر، إنما عن طريق جيش آخر، هو جيش الآيديولوجيا الطائفية الفارسية وخلاياها النائمة التي تتبرقع بالإسلام " وإحتكار " حب آل البيت عليهم السلام... أنظروا ماذا يحصل في البحرين والكويت والسعودية والإمارات ولبنان وفلسطين والجزائر والمغرب وغيرها؟!

وعلى وفق هذا المنظور، فأن الإطروحة التي تقول، أيهما الخطر الرئيسي، وأيهما الخطر الثانوي، أمام هذه الحالة، لا تتعدى فقط الفكر النظري التراتيبي، الذي لا يصمد أمام حقائق ما يجري فعلاً على الأرض.. خطر الإحتلال العسكري الأمريكي، كما هو خطر الإحتلال الإيراني الطائفي، يتماثلان ويتساويان في المخاطر ليس على شعب العراق، إنما على الشعب العربي في كل مكان، حتى أن الخطر الآيديولوجي- الطائفي أشد خطورة من الإحتلال على مدى المستقبل.. لماذا، لأن الإحتلال العسكري الأجنبي- كما أسلفنا- واضح المعالم، ويمكن فرزه وإستنزافه وطرده بمقاومة الشعب.. ولكن الإحتلال الطائفي الأجنبي، الذي ينخر في نسيج الشعب.. يعرقل على الشعب مقاومته للإحتلال، ويسهل على الإحتلال أجندته السياسية والعسكرية والأمنية.  فلو لم تدخل ايران الطائفية بكل ثقلها السياسي والإستخباري والمليشي في العراق مع المحتل، لكان المحتل قد قُصِمَ ظهره خلال إسبوع واحد. فالطائفية كما نراها تطيل من عمر الإحتلال، ولكن مآله المؤكد الى زوال، بفعل الوعي الوطني الذي أخذ حيزاً واسعاً في أماكن كانت حكراً على الطائفية المقيته.

وعلى هذا الأساس من الفهم لم يعد للإستقطاب المزعوم وبالمعنى الذي يورده هذا البعض على مستوى السياسة والفكر، سواء كان ذلك بالتصريح الفضائي أو التنظير الصحفي، وخاصة من لدن من كان يحتل منصباً سياسياً رفيعاً في الأردن الشقيق، ربما لم يدرك أن الدولة الفارسية تعتمد أداة الطائفية بإعتبارها أحد أهم أدوات سياستها الخارجية، إذ تحكم هذه الأداة خطط ومعايير تمتد لخمسين عاماً وعلى مراحل خمسة، كل منها عشر سنوات، أقرها مؤتمر (قم) في ايران، ليصل فعل هذه الأداة من شرق الوطن العربي الى أقصى مغربه.

إن البعض من الأخوة المثقفين والكتاب السياسيين العرب، ما زالت رؤيتهم لا تتعدى التنظير في ثنائية التناقض والتعارض في إطارها النظري، ولكنها لا تتطابق مع ما يجري على أرض الواقع في العراق على وجه الخصوص، وفي الوطن العربي بصورة عامه.. وهي تنظيرات قد تكون صحيحة في شكلها الفلسفي المجرد، ولكن مضمونها يحمل عدم التطابق وهو الأساس الموضوعي الذي يبنى عليه الموقف. لأن التجريد لا يغطي حقيقة الحركة وتفاعلاتها وتحالفاتها (فقد ينقلب السكون الى حركة، أو ينقلب الثانوي الى رئيسي إذا ما توفرت الشروط الذاتية والظروف الموضوعية لهذا التحول)، وهذا ما حصل حين وقع الجانبان الأمريكي والفارسي على تلك الوثيقة السرية لإحتلال العراق والشروع في تفتيته طائفياً وعرقياً تمهيداً لتقسيمه وهو الموحد منذ الآف السنين، ليكون " إنموذجاً " مسخاً للتطبيق في البحرين والكويت والسعودية والإمارات ولبنان وسوريا ومصر والسودان والجزائر والمغرب، وعلى مراحل تنتهي بالإطباق على الوطن العربي برمته!!

لا أحد يقول أن رفض التوجهات الفارسية في العراق والمنطقة، والدعوة الى مجابهتها هو (إنحياز) الى أمريكا.. ولا أحد يقول أن فضح السلوك السياسي والعسكري الأمريكي الغاشم في ممارسة القتل والإحتلال والإبادة الجماعية، والدعوة الى مقاومته بكل الوسائل هو (إنحياز) الى ايران الفارسية. أنهما ليسا قطبان متضادان متقاطعان، كما هو الشأن بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتي في ظل الحرب الباردة، على أساس منهجية الطرفين المتصارعين، ومحوريهما في قطبين ثنائيين يتصارعان ويتنافسان على زعامة العالم لإقتسام مناطق النفوذ. الأمر ليس هكذا.. إيران دولة إقليمية، نعم.. لها مصالح وتطلعات وأطماع نحو المنطقة العربية (حصراً) وليس إتجاه أي منطقة تحيط بها من الشرق والجنوب والشمال.. فقط توجهها نحو الغرب - أي العراق والخليج صعوداً الى حافات البحر المتوسط- ويأتي ذلك على وفق ثلاثة عوامل 1- المياه 2- الأرض الصالحة للزراعة 3- النفط.. والعامل الأخير هو مصدر الصراع في المنطقة والعالم بين كل القوى، سواء كانت دولية أم إقليمية- أنظروا ماذا تفعل ايران بنفط العراق، إستحواذها على آبار نفط مجنون، وسرقتها آبار الجنوب بالحفر المائل، وسرقتها حقول نفط خانه، وسرقات مليشياتها لا تعد ولا تحصى، فضلاً عن توقعات الخبراء ببدء شحة النفط الإيراني عام 2015 -.

فعلى الأخوة المثقفين العرب أن لا ينظروا الى الأمور من الزوايا المعتمة التي تقول (إن ايران اسلامية، وجارة، وتقارع اسرائيل) عليهم النظر الى الأمر بأن (ايران دولة اجنبية، ولهذه الدولة الأجنبية مصالحها واجندتها الخاصة بها، نابعه من عمق تاريخها مع العرب، وطبيعة جغرافيتها، التي تملي عليها موقفاً عدوانياً عنيداً ضد العرب عبر التاريخ وحتى اليوم، لأسباب إنتقامية ثأرية تعود الى فترة إرغامها تحت حد السيف على دخول الإسلام أو دفع الجزية، وأسباب مادية هي تطلعها الى ما يسمى بالمجال الحيوي، لكونها تحتاج الى الماء والأرض الصالحة للزراعة، وتفادي نضوب الطاقة لديها، ولا علاقة ذلك لا بالإسلام، ولا بآل البيت عليهم السلام، ولا بفلسطين، ولا بالدفاع عن وطنية لبنان وسوريا والعراق وكل الأقطار العربية، إنما المهم هو مصالح الدولة القومية الإيرانية الفارسية، كوحدة سياسية تحركها وتصوغ حركتها في الداخل والخارج عوامل الحاجة الى الحركة من أجل تحقيق تلك المصالح، ولا علاقة في ذلك، إذا كان رأس هذه الوحدة السياسية نظاماً شاهنشاهياً ملكياً، أم نظاماً رئاسياً علمانياً، أم نظاماً عقيدياً طائفياً متعصباً يعتمد الطائفة مصدراً وحيداً للتشريع، وهو بهذا النهج يعد خروجاً عن خط الإسلام الحنيف والقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة).

إن إدراك حقيقة الصراع هو جوهر الوصول الى الحقيقة الموضوعية التي تقول، ليس لدى العراق ولا العرب عبر التاريخ أطماع في أرض فارس، من يدحض هذه الحقيقة؟ وإن العراق والعرب ليس لديهم نزعات توسع في أرض فارس عبر التاريخ.. بل على العكس كانوا يصدون موجات الهجوم الفارسي والمغولي القادمة من جهة الشرق.

كما أن إدراك الحقيقة الموضوعية يستوجب موقفاً موضوعياً شجاعاً يرفض الإحتلال ويدعم المقاومة الوطنية العراقية بكل فصائلها المقاتلة، ويفضح ويعري ويجابه المد الصفوي المتحالف مع الإحتلال الأمريكي الغاشم، وليس الجلوس على التل والتفرج على المشهد المأساوي الذي يعيشه شعب العراق، والشعب الفلسطيني، والشعب اللبناني.. على أساس النأي بالذات العربية عن ما يسمى بالصراع الأمريكي- الإيراني وما ينجم عنه من إستقطاب. هذه المفاهيم خاطئة تماماً، بل هي مدسوسة، سواء عن إدراك أم بدونه.

الإنحياز لأمريكا خطأ فادح وخطر داهم على المصلحة الوطنية، والمصلحة العربية العليا في أمنها القومي.. والإنحياز لإيران خطأ فادح وخطر داهم على المصلحة الوطنية والمصلحة العربية العليا في أمنها القومي.. ولكن عدم الإنحياز يظل سلبياً في معناه المجرد، لأن أمريكا توقع ضرراً فادحاً على الأقطار العربية بالإحتلال والتهديد والإغتصاب والإستنزاف.. كما أن إيران توقع ضرراً فادحاً وخطيراً على كل الأقطار العربية بتمزيق نسيجه مجتمعاتها، ومنها على وجه الخصوص- العراق ولبنان وسوريا والكويت والبحرين والإمارات والسعودية واليمن ومصر والسودان والجزائر والمغرب.. ففي العراق يسرق النفط العراقي، وتقضم الأراضي العراقية الصالحة للزراعة، ويفتت ويشرذم ويقسم شعب العراق بمساعدة الإحتلال الأمريكي.. وتلك بداية تطبيق اجندة الدولة الفارسية في العراق ليتوالى في ما بعد إستكمال الحاجة الى المجال الحيوي الفارسي على مستوى الوطن العربي في مشرقه أولاً، الأمر الذي يتوجب عدم السكوت على هذا الضرر، سواء كان من الإيرانيين الصفويين أو من الأمريكيين الدمويين، والعمل على مجابهة هذين الإتجاهين اللذين يوقعان أضراراً جسيمة بمصالح الأمة العربية، وبشعبها تمزيقا.

إن طبيعة العلاقة بين امريكا وايران ليست صراع إستقاطاب، كما يصوره البعض، وهو مفهوم خاطيء، لأن الطرفين الأمريكي والإيراني قد إتفقا على تدبير واقع إحتلال العراق، وتدبير إحالة المنطقة العربية الى فوضى عارمه ينهشها الإقتتال والتناحر الإجتماعي- أي تفجير المستودع المتنوع عرقياً ومذهبياً للشعب العربي في كل مكان- في ضوء واقع المصالح السياسية لكل من أمريكا وايران والكيان الصهيوني.

فهما والحالة هذه ليسا قطبان متصارعان إنما متحالفين لتمكين الإحتلال من السيطرة على العراق، مقابل النفوذ الإيراني فيه، ومنه سيتوسع نحو دول الجوار عن طريق الآيديولوجيا- الطائفية.. ولا مانع لدى الإحتلال في ذلك.. ولا مانع لدى الإسرائيليين في ذلك لأنهم ومنذ زمن بعيد يخططون من أجل تقسيم المنطقة العربية وتفتيتها.

الشعب العراقي بشكل خاص، والعربي بصورة عامة قد إستوعب الحالة وأدرك الواقع الذي نتكلم عنه.. وهو في إدراكه هذا بات متقدماً على من تسيطر على رؤيتهم نظريات عدم الإنحياز وموضوعة الإستقطاب البائسة.. لم يسأل هؤلاء أنفسهم، لماذا تمزق ايران النسيج الإجتماعي لشعب العراق الموحد والمتجانس؟ ولماذا تحالفت ايران مع الإمبريالية الأمريكية على إحتلال العراق؟ ولماذا هذا التدخل الإيراني الفاضح في الشأن الفلسطيني، وهل يصب في صالح القضية الفلسطينية من أجل التحرر من الإحتلال الصهيوني؟ وهل الثقل الإيراني يصب في المصلحة الوطنية اللبنانية أم في صفحة تمزيقها لهذا الشعب، لا بل إبتلاع الدولة اللبنانية؟ لماذا تطالب ايران بالبحرين العربية؟ ولماذا لا ترحل ايران من الجزر العربية التي إحتلتها في الخليج العربي؟ لماذا توزع ايران المنابر والحسينيات ورجال الإستخبارات في عموم الدول العربية؟

هذه الأسئلة ضرورية، يتوجب على بعض الأخوة المثقفين العرب وضعها نصب أعينهم وإدراك مضامينها وغاطسها المغلف بـ (التقيه) الصفوية التي يعود تاريخها الى يهود الدونما في تركيا.

والمهم الآن.. كيف نحمي شعبنا من هذا المد؟ هل نستكين وهل نرضخ.. أم نفضح الذين يتسببون بالضرر، ونقاوم وندفع الضرر دون تطرف، ودون غلو، ودون تجاوز على ثوابت الوطن والأمة.

لقد حان الوقت لتصحيح المفاهيم الخاطئة، والبناء على اساس الدفاع عن أمن مجتمعاتنا العربية من الأضرار التي لحقت بها جراء الإحتلال الأمريكي الفارسي للعراق، والتعاون الأمريكي والفارسي والإسرائيلي بالضد من الأمة العربية فكراً ووجوداً وهويه!!

27 / 2 / 2008

شبكة البصرة

الاربعاء 20 صفر 1429 / 27 شباط 2008

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس