|
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ |
|
حرب الثلاثة تريليونات دولار الكلفة الحقيقية للحرب على العراق |
|
شبكة البصرة |
|
ماجد الشهابي |
|
هذا هو عنوان الكتاب تحت الطبع لعالِم الاقتصاد جوزيف ستِغْلِتز الحائز على جائزة نوبل في ميدان الاقتصاد وليندا بيلمز المُحاضرة في السياسة العامة في جامعة هارفارد. وقد نشرا المقالة التالية للتعريف بالكتاب في مجلة التايمز اللندنية.
كلفة الحرب في العراق وأفغانستان وصلت إلى مقادير مُذهلة. كانت إدارة بوش على خطأ بشأنِ فوائد الحرب، كما كانت على خطأ بشأنِ تكاليف الحرب أيضاً. لقد توقّعَ الرئيسُ ومُستشاريه حرباً سريعة وضئيلة التكاليف. لكنْ وبدلاً من ذلك فإنّنا نخوض حرباً تُكلِّفنا أكثر ممّا كان يُمكنُ لأي شخصٍ أنْ يتخيّل.
الكلفة المباشرة للعمليات العسكرية الأميركية- من دون أخْذِ التكاليف طويلة الأمد، كتكاليف العناية بالجرحى، في الاعتبار- فاقت تكاليف الحرب الفيتنامية التي استمرّت 12 عام وبلغت أكثر من ضعفيّ تكاليف الحرب الكورية.
وحتى، في أفضل السيناريوهات، فإنّ هذه التكاليف مُعَرّضة لأنْ تصبحُ بمقدار عشرة أضعاف تكاليف حرب الخليج الأولى، وأكثر بمقدار الثلث من كلفة الحرب الفيتنامية، وضعفي كلفة الحرب العالمية الأولى. الحربُ الوحيدة في تاريخنا التي كلّفت أكثر من الحرب الحالية هي الحرب العالمية الثانية، حيث اشترك فيها 16. 3 مليون جندي أميركي في حملةٍ استمرّت أربع سنوات، بكلفةٍ مقدارها خمسة تريليونات دولار (بناءً على قيمة الدولار في العام 2007، أي بعد أخذ التضخُّم بالحسبان), فإذا أخذنا في الحسبان أنَّ القوات المسلحة بكاملها التزمت عملياً بمحاربة الألمان واليابانيين، فإنّ كلفة الجندي الواحد (بأسعار الوقت الراهن) كانت أقلّ من 100. 000 مائة ألف دولار. وبالمقابل فإنّ كلفة الجندي الواحد في حرب العراق وصلت إلى 400. 000 أربعمائة ألف دولار.
لم يشعر معظم الأميركيين بهذه التكاليف بعد. لقد تمَّ دفع الثمن مقاساً بالدماء من قِبَل الجنود الذين تعاقدوا للخدمة في الجيش ومن قبل المُتَعاقدين المدنيين الذي تمّ استخدامهم. أمّا الكلفة المالية، فبمعنى ما، تمَّ تمويلها كليَّا عن طريق الاقتراض. لم تتم زيادة على الضرائب لدفع كلفة الحرب-وفي الواقع تمَّ تخفيض الضرائب التي كانت مفروضة على الأغنياء. إنّ الإنفاق بالاعتماد على عجز الموازنة يُعطي الوهم بأنّه يُمْكِن إبطال مفعول قوانين الاقتصاد، أي أنّنا يمكن أنْ نُنفق على السلاح ونعيش في رغد. لكن بطبيعة الحال لايُمْكِنُ إبطال مفعول قوانين الاقتصاد. إنّ تكاليف الحرب تكاليف حقيقية حتى لو تمَّ تأجيلها ليَحْمِلَها جيلٌ قادم.
جرت عشية الحرب مناقشات حول الكلفة المُتَوَقَّعة. قدّر المستشار الاقتصادي للرئيس بوش ورئيس المجلس الاقتصادي الوطني، لاري ليندسي، بأنّ تكاليف الحرب قد تصلُ إلى 200 مائتا مليار دولار. لكنّ وزير الدفاع دونالد رامسفيلد استبعد هذا التقدير بوصفه "هُراءً". وقال نائبه، بول وولفويتز إنّه تُعَويض تكاليف إعادة البناء بعد الحرب عن طريق تزايد عائدات النفط. أمَّا "ميتش دانيالز" مدير مكتب الإدارة والموازنة وسكرتير رامسفيلد فقد قدَّرَ الكلفة بين 50 خمسين و 60 ستين مليار دولار، وكان يعتقدُ بأنّ جزأً من هذه الكلفة ستُغطيه بلدان أخرى. (إذا أخذنا التضخم بالحسبان، بناءً على قيمة الدولار في العام 2007، فقد قدّر الكلفة بين 57 و 69 مليار دولار.) كانت لهجة الإدارة كلّها مُشبعة بالعجرفة واللامبالاة، وكأنّ المبالغ التي سيتمُّ إنفاقها مبالغ ضئيلة.
حتى ليندسي نفسه، وبعد أنْ لاحظَ أنَّ الحربَ قد تُكَلِّفُ مائتي مليار دولار، تابعَ قائلاً: "إنّ التطبيق الناجح لمشروع الحرب يُمْكِنُ أنْ يكونَ مفيداً للاقتصاد (الأميركي). " وفي استعادةٍ لما جرى، نرى أنّ ليندسي قد قلَّلَ تقدير كلفة الحرب وأثرها على الاقتصاد معاً. وبافتراض أنّ الكونغرس سيصادق على بقية المائتا مليار دولار الإضافية التي طلبتها الإدارة للسنة المالية 2008، وبينما يتمُّ إرسال هذا الكتاب إلى الطباعة، يكون الكونغرس قد خصّصَ ما مُجْمَلُهُ 845 ثمانمائة وخمسة وأربعين مليار دولار للعمليات العسكرية، وإعادة البناء، وتكاليف بناء السفارة، وتعزيز المُتَطَلَّبات الأمنية للقواعد العسكرية الأميركية، وبرامج المساعدة في العراق وأفغانستان.
وبينما تقتربُ السنة الخامسة على بداية الحرب من نهايتها فإنّ تكاليف العمليات (الإنفاق على الحرب نفسها، أيْ ما يُمْكِنُ وصفُهُ بتعبير "النفقات الجارية") للعام 2008 عُرضةً لأن تتجاوز 12. 5 مليار دولار شهريّاً للعراق لوحده، مرتفعةً عمَّا كانت عليه عام 2003 وهو 4. 4 مليار دولار شهرياً، وإذا أضفنا إليها النفقات الجارية للعمليات في أفغانستان تكون النفقات الجارية للحرب 16 مليار دولار شهريّاً. إنّ هذا المبلغ يساوي الموازنة السنوية لهيئة الأمم المتحدة، ويعادل موازنة كل الولايات الأميركية باستثناء ثلاثة عشرة منها. وعلى الرغم من ذلك فإن هذا المبلغ لا يشملُ الخمسمائة مليار دولار النظامية التي ننفقها على وزارة الدفاع. كما لايتضمَّن النفقات غير المنظورة الأخرى، كجَمْعِ المعلومات الاستخباراتية أو المُخَصصات المُختلطة مع موازنات وزاراتٍ أخرى.
ولأنه هناك كثيرٌ جدّاً من التكاليف التي لاتُدْخِلُها الإدارة الأميركية في الحسبان فإنّ الكلفة الإجمالية للحرب أكثرُ من الأرقام الرسمية. على سبيل المثال، يتحدَّثُ موظفو الإدارة باستمرار عن حيواتِ جنودنا على أنّها لاتُقَدَّرُ بثمن. لكن من منظور الكلفة، هذه الحيوات التي "لاتُقَدَّرُ بثمن" تَظْهَرُ في دفاتر الحسابات اليومية للبنتاغون برقم 500. 000 خمسمائة ألف دولار-وهو المبلغ الذي يُدفعُ للباقين على للمستفيدين كتعويضات وفاة وتأمين على الحياة. بعد الحرب تمَّتْ زيادة تعويض الوفاة من 12240 دولار إلى 100. 000 مائة ألف وزيادة التأمين على الحياة من 250. 000 مائتان وخمسين ألف إلى 400. 000 أربعمائة ألف. وحتى هذه المقادير التي تمّت زيادتها ليست سوى جزأً مما يستلمه المُستفيدين لو الشخص بحادثِ مرورٍ عادي. وفي ميدانٍ كميدانِ أنظمة الصحّة والأمان فإنّ الحكومة الأميركية تُقيِّمُ حياةَ شابِّ في ريعان شبابه بناءً على أعلى دخل يحصِّله في مستقبله والذي يزيدُ على سبعة ملايين دولار- وهو مبلغٌ أكبر بكثير من المبلغ الذي يدفعه الجيش كتعويض وفاة. وباستخدام هذا الرقم فإنّ كلفة ما يقارب الأربعة آلاف من الجنود الأميركيين الذين قُتلوا في العراق تصل إلى 28 ثمانية وعشرين مليار دولار.
إنّْ الكلفة التي تقعُ على كاهل المُجتمع الأميركي أكبرُ بكثيرٍ من الأرقام التي تظهرُ في الموازنة الحكومية. إنّ فهم معنى الخسائر البشرية للجيش الأميركي هو مثالٌ أخر على التكاليف غير الظاهرة. تركِّزُ إحصاءات الخسائر البشرية لوزارة الدفاع على الخسائر الناجمة على فعل عسكريٍّ مُعادٍ- والجيش هو الذي يُقرر إنْ كانت الإصابة بفعلٍ معادٍ أم لم تكنْ. وعلى الرغم من ذلك فإذا جُرِحَ جندي أو توفي في حادثِ سيرٍ في الليل، فإنَّ هذا يُعَدُّ رسميّاً وفاة "لا علاقة لها بعملٍ مُعادٍ"، يجري ذلك على الرغم من كَوْنِ سَفَر الجنود في النهار غير آمنٍ أبداً.
يحتفظُ البنتاغون، في الحقيقة، بمجموعتين من السجلاّت. الأول هو السجلّ الرسمي للخسائر البشرية الذي يُنشر في موقع وزارة الدفاع على شبكة الإنترنت. أما الثاني، ويصعبُ الحصول عليه، فهو سجلّ من المعلومات ليست متوفّرة إلاّ في موقعٍ آخر على الإنترنت ولايمكن الحصول عليها إلاَّ بطلبٍ رسميّ ووفق " قانون حريَّة الوصول إلى المعلومات". تُبَيِّنُ هذه المعلومات أنّ الرقم الإجمالي لأولئك الذين تعرَّضوا لإصابات أو جراح أو مَرض هو ضعفيّ عدد الناس أصيبوا في سياق العمليات القتالية. قد يُجادلُ بعضُ الناس قائلين إنّ نسبةً ما من أولئك الذي تعرّضوا لإصابات غير قتالية ربما كانت تحدُثُ لهم حتى لو لم يكونوا في العراق. وردَّاً على ذلك نقول إنّ البحثُ الجديد الذي أعْدَدْناه يُبَيِّنُ أنَّ معظم تلك الإصابات والأمراض ترتبطُ ارتباطاً مباشراً بالخدمة في أثناء الحرب.
لقد حاولنا (المؤلفين) أنْ نُحدِّدَ مقدار ما أنفقناه (الأميركيين)- وكم علينا في النهاية أنْ ننفقَ بالإضافة إلى ما أنفقناه حتى الآن، حاولنا ذلك عبر مراجعة طلبات التمويل الطارئ وعبر مراجعة سلسلة من السجلاّت ومن التقديرات، البائسة بؤساً مُزمناً، للموارد المطلوبة لتنفيذ هذه الحرب وإنهائها. والرقم الذي توَصَّلنا إليه هو أكثر من 3 ثلاثة تريليونات من الدولارات. وإنّ حساباتنا قائمة على افتراضاتٍ مُتَحفِّظة. إنَّها بسيطةٌ كمفاهيم على الرغم من أنّها تكون مُعقَّدةٌ من الناحية التقنيّة أحياناً. إنّ مبلغ ثلاثة تريليونات من الدولارات شكَّل لنا صدمة بوصفنا ناسٌ يعملون بحكمةٍ، وربّما نكونُ مخطئين إذْ نكون متحفِّظين. ولاحاجة لنا بالقول إن هذا الرقم يمثلُ كلفة الحرب للولايات المتحدة الأميركية وحدها. إنَّه لا يعكس الكلفة الهائلة التي تحملتها بقيّة دول العالم، أو الكلفة التي تحمّلها العراق.
لقد لعبت بريطانيا منذ البداية دوراً محوريّاً في الحرب على العراق من النواحي الستراتيجية والعسكرية والسياسية. من الناحية العسكرية ساهمت بريطانيا بإرسال 46. 000 ستة وأربعين ألف جندي، بما يعادل عشرة بالمائة من إجمالي الجنود. ولم يَكُنْ مُفاجئاً أنْ معاناة البريطانيين في العراق كانت مُشابهة وموازية لمعاناة الأميركيين: خسائر بشرية متزايدة، وتزايد في تكاليف العمليات الجارية، وشفافية ضئيلة بشأن الميادين التي تُصرفُ فيها الأموال، والموارد العسكرية التي تمدّدت فوق طاقتها، والفضائح المتعلقة بالظروف البائسة والعناية الصحية غير الملائمة للجرحى الذين يصابون بجروحٍ بليغة.
قبل الحرب وضع جوردن براون ملياراً واحداً من الجنيهات للإنفاق الحربي. لكن حتى أواخر عام 2007 كانت بريطانيا قد صرفت ما يُقَدَّرُ بسبعة مليارات جنيه كنفقات على العمليات الحربية المباشرة في العراق وأفغانستان (و76% منها أنفقتْهُ على العمليات في العراق). وهذا يتضمّن الأموال التكميليَّة التي سُحبتْ من "الاحتياطات الخاصة"، بالإضافة إلى الإنفاقٍ الإضافي الذي تنفقه "وزارة الدفاع".
تأتي "الاحتياطات الخاصة" علاوةً على الموازنة النظامية للدفاع في بريطانيا. إنّ النظام البريطاني على نحو الخصوص غير شفافٍ في هذا الميدان: فوزارة الدفاع تَسحبُ الأموال من "الاحتياطات الخاصة" عندما تتطلَّبُ الحالُ ذلك، ولا يحتاجُ ذلك السحبُ إلى مصادقة البرلمان البريطاني. وبالنتيجة لايُتاحُ للمواطن البريطاني سوى شفافية ضئيلة لجهة مقدار المبالغ التي تمَّ إنفاقها. علاوةً على ذلك، إنّ التكاليف الاجتماعية في بريطانيا مُشابهةٌ لمثيلتها في الولايات المتحدة: أفراد العوائل الذين يستقيلون من وظائفهم للعناية بالجنود الجرحى، وتراجع مستوى المعيشة لأولئك الآلاف من الجنود الذين سيعيشون مُقْعَدين بقية أعمارهم.
وبالمثل هناك تكاليف تتعلَّقُ بالاقتصاد الكلِّي لبريطانيا مثلما هي الحال بالنسبة للولايات المتحدة، إلاّ أنّ التكاليف على المدى البعيد بالنسبة لبريطانيا ستكون أقلّ ممَّا هي عليه الحال للولايات التحدة، وذلك لسببين: الأول: ليس لبريطانيا السياسة الماليّة التي تتسمُ بالإسراف كما هي الحال بالنسبة لأميركا، والثاني هو أنّ بريطانيا ظلّت حتى عام 2005 دولة مُصَدِّرة للبترول بالمحصِّلة.
لقد افترضنا في كتابنا أنّ القوات البريطانية في العراق ستنخفض إلى 2500 ألفين وخمسمائة جندي في العام الحالي وستظل على هذا المستوى حتى عام 2010. كما افترضنا زيادة عديد القوات البريطانية في أفغانستان زيادةً بسيطة، إذْ ترتفع من 7000 سبعة آلاف إلى 8000 ثمانية آلاف في العام 2008، وتبقى ثابتةً على مدى السنوات الثلاثة التي تلي. وَجَدَتْ "لجنة الدفاع في مجلس العموم" البريطاني مؤخّراً أنَّه على الرغم من تخفيض عديد القوات البريطانية في العراق فإنّ تكاليف الحرب في العراق ستزداد بنسبة 2% في العام الجاري، وأنّ تكاليف مُوظَّفيها هناك ستنخفض بنسبة 5% فقط. وفي غضون ذلك سترتفع تكاليف العمليات العسكرية في أفغانستان بنسبة 39%. إنّ التقديرات التي وصلنا إليها في "النموذج الحسابي" الذي استخدمناه ربَّما تكون منخفضة إلى حدٍّ كبير إذا استمرت الأنماط السائدة حاليّا كما هي.
كان المؤلف جوزيف ستيغلتز من كبار خبراء الاقتصاد في البنك الدولي وحاز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2001. وليندا بيلمز مُحاضرة في السياسة العامة في جامعة هارفار |
|
شبكة البصرة |
|
الاربعاء 20 صفر 1429 / 27 شباط 2008 |
|
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس |