بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الذين نحروا المجاهد صدام تقربا لأمريكا / صدام رمز لكل احرار العالم ورمز للكرامة ومعقل للتحدي والصمود / واجه جحافل الشرك والكفر وكأنه يواجه أسرابا من الجراد أو الذباب أو النمل.. تحدى طاغوت العصر وكأنه يتحدى فأرا، وتحدى كل دول الإلحاد مجتمعة وبدا وكأنه يتحدى عصابة أطفال

شبكة البصرة

محمود شنب

عندما قرأ سعيد بن جبير - وهو غلام - القرآن على الحجاج قرأ سورة النصر بما يتوافق مع ما يفعله الحجاج فى المسلمين، وما يعيشه المسلمون فى ذلك العصر فقال :
بسم الله الرحمن الرحيم
- إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يخرجون من دين الله أفواجا، فقاطعه الحجاج قائلاً : ويحك يا غلام.. يدخلون أم يخرجون؟؟.. فأجابه سعيد : كانوا قبلك يدخلون وصاروا فى عهدك يخرجون من دين الله أفواجا..!!
وها هو الزمان يعيد نفسه بكفر أشد وبإلحاد أقوى ويختار الفسقة فى العراق يوم النحر لا لينحروا تقربًا إلى الله وإنما تقربًا إلى أمريكا، ولم ينحروا شئ من بهيمة الأنعام وإنما نحروا الإنسان الذى هو بنيان الله والذى جعل الله حرمته أشد عند الله من حرمة الكعبة.. لم ينحروا أى إنسان وإنما نحروا الحاكم الصالح الذى لم يفرط ولم يخن.. نحروه فجر أول أيام العيد وصلوا على محمد وآل محمد، ومحمد وآله منهم براء.. وقرأ السفلة سورة الكوثر: إنا أعطيناك الكوثر فصل ِ لأمريكا وانحر... يومها نطق صدام بالشهادة كأروع ما تكون الشهادة، وقابل ربه وهو راض عنه، بينما رقص الخوارج حول جثته وركلوها بالأحذية لكى ترضى عنهم أمريكا، والفرق شاسع بين من يرضى الله عنه وترضى عنه أمريكا، فسيحشر المرء يوم القيامة مع من أحب ((يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ)).
منذ عام.. وفى مثل هذه الأيام رحل عنا المجاهد العظيم صدام حسين بعد أن أدى ما عليه وأكثر، وجاهد فى الله حق جهاده، ودافع دفاع الأبطال عن أرضه وعرضه ودينه ووطنه، وتحدى الطاغوت الذى سجد له كل حكام العرب، وثبت على عهده وهو يدرك أن فى الثبات هلاك لكنه لم يفرط، وقال مقولة الشهيد سيد قطب وهو يواجه حبل المشنقة عندما قال له صاحبه: أليس بقاء الصالحين أنفع للدعوة الإسلامية؟.. أجابه: (ليس دائمًا، بل ربما كان ذهابهم أنفع، وأنا لا أتعمد التهلكة ولكن يجب أن نتعمد الثبات مع علمنا أن فى الثبات التهلكة..) وموت صدام كان أفضل للمقاومة، وإن كنا نتمنى أن يظل حيًا معافى، لكنه أفرغ الساحة من شخصه وجعل المقاومة خالصة لله، فمن كان يجاهد من أجل صدام فقد مات صدام وصار الجهاد كله لله.. لا يشوبه شائبة ولا ينال منه شرك.
رحل صدام ونجا بنفسه وفاز برضا الله ورضا المخلصين من العباد..
رحل صدام وصار العرين مستباحًا تعوى فيه الكلاب والذئاب والأنجاس من كل ملل الأرض..
رحل الذى وحد العراق وصان شعبه وثرواته رغم كل الضغوط والحروب التى خاضها..
رحل ولكن بعد أن تبدل عليه رؤساء أمريكا..
رحل بعد أن أمد الله فى عمره ليختبره فى فجيعة الأبناء والأحفاد والأسر والتشفى..
رحل بعد أن شاهد قصوره المستباحة وخطوات الأعداء تمشى فى جنباتها..
لقد عاش الهوان بكل تفاصيله،
لكنه صبر واحتسب ولم ينهار أو يركع..
بضع طائرات ضربت أبراج أمريكا جعلت بوش يتبول فى ملابسه وينام فى ملجأ تحت الأرض، بينما صدام لم يضنيه الأسر ولم تكسره المحنة..
عرضه الأوغاد بصورة مهينة على شاشات التليفزيون.. أشعث.. أغبر.. يتفحصون فمه وأسنانه ويحركوا وجهه كيف شاءوا، ولا أحد يدرى ما الذى فعلوه فيه ولا صنوف العذاب التى لاقاها!!
عاش وفى يده كل الحلول حتى وهو فى الأسر.. لكنه لم يسعى إلا للشهادة!!
لم يخور ويعتذر ويفرط وينحنى، ولم يهادن ويركع، ولم يخن ويرضخ... لكنه أرادها شهادة قابل الله عليها..

رحل البطل وستظل الأكاذيب الملفقة التى أطلقها عليه الإعلام بمثابة أكبر الأكاذيب التى عرفها التاريخ بعدما أخذ بوش الخسيس دور "العالمه" وأخذ إعلامنا الوضيع دور "الصبى" ولم يشذ عن دور "صبى العالمه" تليفزيون عربى واحد، بل لم تشذ عنه جريدة عربية واحدة!!
لقد شارك إعلامنا المشوه فى نشر تلك الأكاذيب الباطلة، وحمل على أعناقه مسئولية نشرها وترويجها بعدما سخرت قنواتنا الفضائية على اختلاف مشاربها كل إمكانياتها المادية والبشرية.. حتى القنوات الفنية والدينية والرياضية لم تستثنى من هذا الأمر.. الكل عمل بجد ونشاط ـ سفيه وأجير وحقير ـ لدى الشيطان الأمريكى.. لم يسبقهم فى ذلك غير إخلاص الحكام العرب فى الخيانة والغدر وتفانيهم فى العمالة!!

كان صدام حسين أشبه بالعظمة فى الحلق.. كان الحكام العرب فى مجملهم أشبه ببرك المستنقعات المتعفنة التى تحوى كل قاذورات الدنيا.. روائح نتنة وضمائر نجسة ومظاهر قذرة... فى أعماقهم تغوص القواقع والديدان، وعلى وجوههم تنمو الطحالب، وكان صدام حسين أشبه بالوردة الصافية.. النقية.. الشامخة التى كانت سببًا فى هياج ضفادع البركة وارتجاف قواقعها واستعار أزيز بعوضها والحركة الدءوب لديدانها، ولم تهدأ حركة البركة إلا من بعد أن قطفت أمريكا الزهرة بعدما غاصت فى أوحال بركة أصحاب الفخامة والجلالة، ولا أدرى أى فخامة وأى جلالة وهم رموز للخسة والنذالة؟!!
وبعد صدام عاد الهدوء إلى برك المجارى، وعاد السكون العفن، وسالت الدماء أنهارًا فى العراق منذ لحظة "سقوط النظام" ولعلها المقولة الصادقة الوحيدة فى كل أحداث العراق، فمنذ سقوط النظام.. سقط بالفعل النظام بعد سقوط صدام، ولم يعد فى العراق شبرًا آمنـًَا، ولم يعد فيه رحمة أو عدل أو تلاحم أو ترابط، وصار الناتج الطبيعى بعد سقوط النظام "سقوط النظام" وتلك الفوضى العارمة التى لقبوها "بالفوضى الخلاقة" ثم ظهرت الجرائم البشعة التى لقبوها بالعدالة المطلقة، وظهرت النفوس الشريرة التى لقبوها بأبناء العراق الأوفياء، وما هم بأبناء العراق ولا هم بالأوفياء.. إنهم آيات شيطانية تربت فى حضانات الغرب وتغذت على فضلاته إلى أن آمنت بأن الخيانة مشروعة والقتل مبرر والنهب حلال والغدر مباح منذ اليوم الأول لسقوط النظام.
لا أنكر أننى أصبت فى مقتل يوم قتل صدام، ومن هول ما حدث لم أمسك القلم من يومها إلى الآن..
لقد كنت مؤمنـًا بأن صدام يمثل رمزًا غاليًا بالنسبة لكل أحرار العالم، وهذا الرمز جعلنى أختصر قضية العراق كلها فى شخصه، بل قضية العرب والمسلمين اختصرتها فى شخصه.. إنه العلم الذى كان من المفترض أن نلتف حوله، والكرامة التى ما كان لنا التفريط فيها... إن كل حكام العرب مجتمعين لم يبلغوا قيمة مسمار واحد قى نعل صدام.... ومن عنده غير ذلك فليقل لنا ما الذى قدموه لنا هؤلاء القوم وقد حكم الواحد منهم أكثر من ربع قرن!!
صدام كان رمزًا أصيلاً من رموز الكرامة، وكان معقلاً هامًا من معاقل التحدى والصمود والقدرة على التأقلم والثبات على المبدأ والعهد.
لقد كان الرئيس العراقى فى كفة وكل حكام العرب فى الكفة الأخرى، ولم يخالف ذلك المنطق أو العقل لأن كل نال قدره بما قدم وبما بذل وأعطى... وهل يمكن أن نساوى بين من يناموا على ظهور الغلمان فى الخليج وبين من حارب أمريكا والغرب الصليبى خمسة عشر عامًا؟!!
لقد كان لصدام حسين من الإيمان بالله ما جعله يواجه جحافل الشرك والكفر وكأنه يواجه أسرابا من الجراد أو الذباب أو النمل.. تحدى طاغوت العصر وكأنه يتحدى فأرا، وتحدى كل دول الإلحاد مجتمعة وبدا وكأنه يتحدى عصابة أطفال.. حمل الأمانة بجد إلى أن نطق بالشهادتين على مسمع ومرأى من العالم كله، ولعله الوحيد الذى نال هذا الشرف، ولم يأت ذلك من فراغ أو عبث وإنما جاء عن ثبات وإيمان.. لقد ضحى الرجل بملكه فى سبيل وطنه، وضحى بدنياه فى سبيل أخراه، وضحى برضا بوش من أجل رضا الله، وضحى بأولاده وأحفاده فى سبيل الله... لم يغيره حصار ولا قصف ولا غدر من حكام العرب، ولم يهرب مثلما هرب جابر الكويت، وثبت على أرضه إلى أن قابل ربه وهو على أفضل ما يكون عليه العبد الربانى الذى لم يحنى جبينه إلا لله.
إن الإنسان الذى يضحى بنفسه من أجل الوطن يصبح فى حد ذاته وطنا، بل يصبح بمفرده أمة كاملة.. ألم يكن إبراهيم - عليه السلام - أمة بشهادة الحق؟؟... إن الفرد إذا أخلص صار كل شئ.. صدام كان وطنا من الفخر والاعتزاز ورفض الضيم والقهر.. كان وطنا من الصدق والنبل والشهامة والإنسانية...
ليتنى كنت تلميذا فى مدرسته أو نسائم صيف يترطب بها وجهه.. ليتنى كنت واحدًا من مساعديه.. ممن أخلصوا له فى أحلك الظروف!!
لقد شكل صدام فى الأمة وعيا جديدا وأملا جديدا، وكنا ندرك أنه سيموت حتمًا فى يوم من الأيام، لكننا كنا نقول لن يموت، فالأبطال لا يموتوا حتى وإن أعدموا أو شنقوا.. كنا نعلم أن القضية العراقية بخير ما دام صدام متواجد فيها، وأن المآسى العراقية إلى زوال ما دام صدام قائمًا فينا، لكن الغرب فطن إلى ما لم نفطن إليه.. عرف قيمة صدام وأى شئ يمثله.. علم أنه يحمل بين جنباته وفى جيناته بذور النهضة والتحدى والكرامة فقضوا عليه قبل أن تصل عدواه إلى الآخرين.. قضوا عليه من قبل أن يخرج من رحم الأمة من يكون على شاكلته.. يؤيده ويسانده ويؤازره ويدعمه.. تخيلوا لو اتسعت رقعة التحدى وشملت دولتين أو أكثر من دول الجوار وانضموا إلى مدرسة صدام وصاروا عمقا لمشروعه الحضارى وقوة فى مساره النضالى... أى شئ كان بوسع الغرب فعله؟!!
سيقول التاريخ كلمته العادلة فى الشهيد صدام حسين.. سيقولها مثلما قالها من قبل فى كل مجاهد غـُبن حقه علمًا بأن شهادة التاريخ لن تنفع صدام فقد نال الشهادة، وتلك أعلى درجات القبول لكنها سوف تنفع الأجيال اللاحقة التى تبحث عن الخلاص والتحرر من عبودية البشر.
لو كان صدام مثلما قالوا لكان اليوم فى عيون أمريكا وكل دول الغرب يتمتع بما يتمتع به مبارك وعبد الله ومشرف وكرزاى وأبو مازن..
التاريخ لا يكتبه الأفاكون أو الخونة لأن سعى اللصوص يذهب جفاء، أما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض كالشجرة الطيبة التى تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها..
التاريخ لا يكتبه أسامه سرايا ولا إبراهيم نافع ولا إبراهيم سعده أو أشباه الرجال..
التاريخ هو قلم الحق الذى لا يكتبه إلا الشرفاء حتى ولو كانوا أعداء...

سيقول التاريخ كلمته الفاصلة فى صدام حسين دون زيادة أو نقصان ودون زيف أو بهتان.. سيقولها مثلما قالها فى غيره من قبل..
سيقولها فى حقه وفى حق مجاهد العصر الشيخ أسامه بن لادن وفى أيمن الظواهرى وأبو مصعب الزرقاوى وغيرهم من كل شرفاء الأمة رغم أنف العملاء والساقطين..
سيقولها مثلما قالها اليوم
- بكل إخلاص واقتدار - الدكتور محمد عباس فى شهيد القرآن سيد قطب، فكل المقالات التى كتبها المجاهد محمد عباس عن سيد قطب وامتدت لأكثر من عامين كانت بمثابة الشموع التى تزف عرس الشهيد وبمثابة أصابع الرحمة التى امتدت لتزيل الغبار الذى وضعه الأقزام على أضرحة العمالقة.. لقد كانت لسطور الدكتور محمد عباس أكبر الأثر فى نفوس الأتقياء من البشر، وكانت بردًا وسلامًا على من سمعوا عن سيد قطب ولم يعرفوه، بل كانت أكثر من ذلك على من عرفوه وآمنوا بمبادئه، فقد أراحتهم كلمات الحق وعمقت فى نفوسهم الإيمان.
إن الكلمات الصادقة لابد أن تلقى آذان صاغية وكأنها دعوة إبراهيم فى الحج عندما نادى فى الصحراء، فكان عليه النداء وعلى الله البلاغ، وما أشبه الليلة بالبارحة، فها نحن نعيش فى صحراء أشد قحالة من صحراء أبو الأنبياء، وها هو الدكتور محمد عباس يصدع بالحق وعلى الله البلاغ، وإذا كان المبلغ هو الله فلابد من أن تتعدل السلوكيات وتتبدل الإنتماءات وتتغير المواقف، وها أنا ذا أؤمن بكلمات الدكتور محمد عباس وأكفر بالناصرية لا ابتغاء مرضاة الدكتور محمد عباس وإنما ابتغاء مرضاة الله... فعلت ذلك وقد كانت كل ذرات جسدى تعشق عبد الناصر، ولقد عشت فى معاناة كبيرة ولفترات طويلة أعقبت كل مقالات الدكتور محمد عباس خصوصًا تلك المقالات التى تناول فيها صبر الداعية وجبروت الطاغية.. كنت أشعر بعد كل مقال أن الدكتور محمد عباس ينزعنى من جسدى ويطالبنى بالتخلى عن الزيف وكأنه يقول لى لِما لا تفعلها وقد سبقتك فى ذلك، وكيف تكون تلميذى وأنت على عكس هداى؟!!
لقد أجبرتنى سطوره عن التخلى عن من كنت أتخيل أنه الأسطورة دون أن يطلب منى ذلك أو يطلبه من أحد غيرى... كل ما فعله أنه كان صادقا مع نفسه ومع ربه، وكان يجلى الحقائق الغائبة ثم يترك لضمائرنا القرار.. إنه لم يضف لحياة سيد قطب جديد ولم يجمل سيرته بما ليس فيه.. إنه أنصفه فقط وأزال عنه تراب الإجحاف فى زمن الزيف.. قدم المعطيات والبراهين وترك لنا النطق بما هو مطلوب إثباته، وهذا ما سوف يحدث بالتأكيد مع صاحب الذكرى العطرة الشهيد صدام حسين، حيث سيجد الآلاف بل الملايين ممن سيقولون عنه كلمة الحق ولو بعد حين.
لقد عشت المعاناة الصعبة بعد كل مقال كتبه الدكتور محمد عباس عن سيد قطب، وكنت أتحاور مع نفسى وأقول: إن كان ما يكتبه الدكتور محمد صواب فلما لا أتبعه؟، وإن كان غير ذلك فكيف لا أجد الدليل؟!.. كنت أتساءل: ما الذى يمنعنى من اتباع الحق؟، وكنت أقول: إن كان قلمه لا يؤثر فى مثلى ـ وأنا الذى أعشقه ـ فكيف يؤثر قوله فى نفوس الآخري؟!
لقد عشت الصراع المرير الذى لا يعرف النهاية، وكان حبى لعبد الناصر حب عمر يزداد مع الوقت ولا ينقص.. يزداد كلما ساءت أحوال البلاد، ويزداد كلما بيعت المصانع وشرد العمال.. يزداد كلما قارنت فعله بأفعال غيره، وكنت كلما بنيت لبنة قناعة فى المساء هدمتها سطور الدكتور محمد فى الصباح، وأقصد هنا بتشبيه المساء والصباح ما كنت أعيش فيه من ظلام وما كان يدعونا إليه الدكتور محمد من هدى وفلاح...

كنت أبنى بيد وأهدم بالأخرى.. أهتدى بفكرة وأضل بأخرى.. أحمل فى جسدى عروق تنبض بالحب وأخرى تنبض بالكره.. كان الأمر بالنسبة لى أشبه بما جرى للمسلمين من تحويل القبلة، وكنت كثيرًا ما أهرب من معاناتى بتأجيل القرار والابتعاد عن كل المؤثرات.. كنت رغمًا عنى أصطدم بما يثبت دعائم الحب لعبد الناصر من خلال ندوات الدكتور العملاق عزيز صدقى وتذكرى للاءات عبد الناصر فى أعقاب النكسة ومواقفه الوطنية المشهودة، وكلما زادت الضغوط من جهة ساقت لى الأقدار ما يوازيها من ضغوط من الجهة الأخرى، وهكذا عشت وتوقفت عن القراءة والكتابة إلى أن جاء الفصل الأخير "عرس الشهيد" فلم أعطى لنفسى الحائرة والخائرة أدنى فرصة للهروب وتمييع المواقف من جديد، وحسمت الأمر دون تردد وأصبحت ضمن فريق الحق، وما أراحنى حقا تلك الخاتمة التى ختم بها الدكتور محمد مقاله الأخير "عرس الشهيد" وقوله : (عش قرير العين.. لا يحزنك الفزع الأكبر) وكأنها كلمات كتبت من نور وسيقت لكل من اهتدى وأنار الله قلبه بأنوار الحق.
قلت كثيرًا للدكتور محمد عباس
- بينى وبين نفسى - ما قاله ابن نوح لأبيه : سآوى إلى جبل يعصمنى من الماء، وقلت له - أستغفر الله فى هذا التشبيه - ما قاله المشركون للأنبياء (مهما تأتنا بآية فلن نؤمن لك) وجعلت أصابعى فى أذنى ووضعت عصابة على عينى كى لا أغير موقفى، على الرغم من أن الدكتور محمد كان على عكسى تمامًا حيث كان ينشد الحق فى كل مواقفه ولا يشعر بحرج عند تغيير المواقف، فما كان أحدً أكثر منه كرهًا للمجاهد صدام حسين، وأذكر أن الدكتور محمد عباس قال لى ذات مرة وأنا جالس فى مكتبه: (إنك تكتب يا محمود عن صدام حسين ما أتمنى كتابته لكنى لا أستطيع) وصلتنى الفكرة سريعًا وعلمت أن كاتب فى حجم الدكتور محمد عباس لا يمكن أن يكتب ما يلام عليه، ولابد له من اليقين وثبوت الحق فيما يكتب وتطمئن له نفسه، وكانت الحملة على صدام فى أوج أوقاتها، وكان وقتها فى الأسر، لكنى فى كل الأحوال سعدت بكلمات الدكتور محمد وبالافصاح عن مشاعره، فقد كنت أتمنى ألا أصطدم معه فى شخص آخر بعد عبد الناصر....

بعد ذلك بقليل كتب الدكتور محمد عباس عن الشهيد صدام حسين أروع ما كتبه كاتب، والشئ بالشئ يذكر، فعندما كنا نتحاور فى مكتبه وشعر بثبات موقفى من عبد الناصر وذلك فى أوج حملته عليه سألنى: ما السر فى هذا الثبات؟!.. أجبته قائلاً : على الأقل أراه أفضل من السادات وحسنى مبارك بما لا يقاس، فخاطبنى بتعبير غاية فى الروعة والدقة والبساطة وقال: (لقد كانوا جميعًا بغاة، لكن النفس كثيرًا ما تميل إلى البغى الأكثر قبولا، وعبد الناصر كان أكثرهم قبولا من الشعب) والمعنى فى إجماله فيه من الروعة والبلاغة ما يكفى.
وفى النهاية مَن الله علينا بنعمته واستبدلنا المواقف، فالمؤمنون بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولله الحمد من قبل ومن بعد.

لقد رحل عنا صدام بعدما زرع المقاومة فى أبناء شعبه..

رحل وبقيت رسالته خالدة.. رسالة يقاس على هديها صدق الصادقين ويكشف بنورها زيف الزائفين وتعيش كالخطوط الفاصلة التى تفصل بين الإيمان والكفر وبين المقاومة والعمالة وبين المنطقة الخضراء - منطقة العملاء - والأرض الحمراء التى ترتوى مع كل فجر بدماء الشهداء ممن يصنعوا فجر الكرامة من جديد.
لقد أكرم الله صدام حسين بالشهادة ولم يستطع مخلوق أن يحرمه منها، ولقد رجا هيئة المحكمة ـ فى حالة إعدامه ـ أن يموت رميًا بالرصاص، وكان من السهل أن يكون له ما يريد، لكن الله أراد له أن يتحاور مع الأنذال ويثبت أمام الأعداء وينطق بالشهادة التى وصلت كل أرجاء الدنيا فسمعها شيخ الأزهر الذى لن يسمع بعدها إلا الرعد بإذن الله، وسمعها بابا الفاتيكان الذى لا ينطق إلا كذب وبهتان، وسمعها بوش الأب والإبن والإنس والجان... سمعها كل من عاش على هذه الأرض لحظة وقوع الحدث، وتلك نعمة لم يمن الله بها على أحد غير صدام حسين.
قد يقول قائل ان صدام أخطأ فى مواجهته لأمريكا وكل قوى الغرب، وأخطأ أكثر عندما علم أن حكام العرب ليسوا معه بل مع فريق الباطل وفريق الكفر، فما الذى جعله لا يتنازل ويفعل ما يفعله باقى الحكام العرب ويصون نفسه ووطنه؟!!
أقول إن الذى جعل صدام لا يتنازل هو نفسه الذى جعل حماس اليوم لا تتنازل، وهو نفس الشئ الذى جعل أسامه بن لادن ورفاقه الأخيار يحاربون أمريكا ومعها العالم كله دون أن ينال ذلك من عزيمتهم شئ... ليس باشتداد المحن تتبدل المواقف، ولقد سأل المسلمون من قبل: متى نصر الله؟؟ وفيهم رسول الله، وبلغت القلوب الحناجر، لكنهم صبروا على ابتلاء الله وحكمته..
كثيرًا من الناس يعتمد على الآية القرآنية الكريمة ((
ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)) ويؤيدون بها حتى الكفر والضلال، والآية الكريمة نزلت فى غير ذلك، فقد نزلت هذه الآية الكريمة بعد فتح مكة، عندما حسب المسلمون أن ذلك نهاية للجهاد، واتجهوا للتجارة والزراعة، فقال لهم الله : ((ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)).
علينا أن ندرك الحقيقة مثلما أدركها الدكتور محمد عباس وقال:
الآن أدرك.
يتسلل إلى بصيص ضوء وقبس نور فأدرك.
من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات.
من كان يعبد النصر فالنصر في الدنيا لعبيد الشيطان حينا ولعباد الله أحيانا.
من كان يعبد المنافع والسيطرة فما أقصر طريقه إلى النار وما أطول طريق المؤمنين،
ومن كان ينتظر النصر والسؤدد على يد حسن البنا أو سيد قطب فقد قتل كل منهما شهيدا ونُكل بأصحابه وغيبوا في السجون ولم يكن ثمة في الأفق احتمال نصر.
وهنا يأتي دور الإيمان الحقيقي، أن تؤمن به كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
أن تجاهد لا سعيا لنصر ولا جلبا لمنفعة ولا وصولا إلى قوة ولا توسلا إلى سيطرة.
نعم الإيمان الحق أن تفعل ما تفعل، حتى لو لم يتحقق من ذلك كله أي شيء أي شيء أي شيء، فالإسلام هو الحل نعم، لكن بمفهوم أوسع بكثير جدا مما قد يتبادر لذهن كثير من الناس، فالإسلام حل لمعضلة الوجود أساسا أما مصائب الدنيا ومشاكلها فيكفي الإسلام نبلا أن يعلمنا منهج التعامل معها، الإسلام هو الحل بعد أن تتغير مفاهيمنا للمكسب والخسارة وللانتصار والموت، وهو الحل و إن حفل الطريق إليه بالمصاعب والموت، وتذكروا أن الإسلام لا ينبغي أن تكون به هزائم، بل نصر أو شهادة في سبيل الله.أما ما يبدو أحيانا بالهزائم فليست بذاك و إنما هي ابتلاءات مأجورة بإذن الله, ولنتذكر أنه ليس الموت، بل الشهادة، أعلى مراتب الحياة.
نعم، الإيمان الحق أن تطبق الإسلام ولو أودى بك ما تفعل إلى عكس ما تتمنى أو ما تتوقع.
حتى لو انهزمت.
حتى لو ضاعت منافعك.
وضُيعت قوتك، وبارت تجارتك، و أهنت بين الناس.
فأنت تفعل ما تفعل، لا سعيا إلى أي شيء من ذلك، بل تفعله لأمر واحد فقط، تفعله لأمر الله الواحد القهار، الواحد الأحد، الفرد الصمد.

كاتب ومحلل مصري

7/1/2008

موقع العرب نيوز- شبكة اخبار العرب

 

انظر ايضا :

محمـود شنب : مازلت فى العين والخاطر يا صدام

محمـود شنب : صدام لم يكن بهذا القـُبح ... ونحن لم نكن بهذا النـُبل (1)

محمـود شنب : صدام لم يكن بهذا القـُبح ... ونحن لم نكن بهذا النـُبل (2)

محمـود شنب : صدام لم يكن بهذا القـُبح ... ونحن لم نكن بهذا النـُبل (3)
 

شبكة البصرة

الخميس 30 محرم 1429 / 7 شباط 2008

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس