بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

تنشر شبكة البصرة الكتيب الذي نشره حزب طليعة لبنان العربي الاشتراكي عن الرئيس صدام حسين بمناسبة الاحتفال بذكرى الأربعين لاستشهاده في العام 2007


 

حزب البعث العربي الاشتراكي

إنجازات نهضوية إستراتيجية في العراق بقيادة

صــدام حســين (2-3)

 

من رمزيته في الثورة العربية

إلى رمزيته في الثورة العالمية

منشورات حزب طليعة لبنان العربي الاشتراكي 2007

شبكة البصرة

الفصل الثاني

مواجهة الأحداث الكبرى:

الحروب التي خاضها العراق دفاع عن حقوق الأمة وسيادتها

منذ العام 1980، مروراً بالعام 1991، انتهاء بالعام 2003، خاض العراق، بقيادته الوطنية ثلاثة حروب، روَّجت لها الأوساط المعادية للأمة العربية، بأنها كانت حروباً عدوانية قام بها حزب البعث وصدام حسين ضد جيرانه الإيرانيين في العام 1980، وضد الكويت في العام 1990، وأوجد مبرراً للعدوان الأميركي على العراق في العام 2003، واحتلاله في التاسع من نيسان من العام نفسه. ولأن تلك المواجهات أصبحت علامة فارقة، في تاريخ العراق والأمة العربية، حملها وروَّج لها الإعلام المعادي للأمة العربية ولحزب البعث، بصفتها حروباً عدوانية، وتجاهل أنها كانت مواجهات دفاعية عن حدود الأمة الجغرافية، وعن مصالحها وسيادتها وكرامتها. ولأنها أكبر من أن تتم معالجتها في كُتيِّب محدود، ارتأينا أن نقوم بتسليط أضواء عامة عليها، بتعداد بعض أسبابها الحقيقية، بحيث تأتي المرحلة الراهنة لتساعد على كشف حقيقة أسباب أخرى.

 

أولاً: القادسية الثانية: صد العدوان الإيراني

صراع بين قوميتين ونهجين إيديولوجيين:

أما وجهها القومي، فلعلاقتها التاريخية مع الصراع العربي – الفارسي.

وأما كونها صراع بين نهجين، فلكون الدولة العراقية، بقيادة حزب البعث، تسير على نهج قومي وطني يضع الولاء للوطن في الدرجة الأولى، والمساواة بين أفراد الشعب، من دون تمييز بين تعددياتهم الدينية والعرقية. ولهذا يعتبر أي مساس بحدود الوطن تعدياً على سيادته، وفي المقابل يحترم سيادة الدول الأخرى ضمن حدودها الدولية المعترف بها. أما النهج الإيراني فيعطي الولاء للدين أو المذهب أساساً لبناء الدولة. وهي حكماً تعتقد بقيام دولة دينية، وعلى قاعدة الاعتقاد بأن من تكليفاتها أن تنشر «رسالة إلهية»، فهي لا تعترف بالحدود الجغرافية للدول القائمة. وبمثل هذا النهج يُصنِّف النظام الإيراني، كنظام ثيوقراطي شيعي، كل من ينتمي الى مذهبه الديني في أية دولة في العالم على أنهم من رعاياه. و يعمل على إعدادهم إيديولوجياً وسياسياً ليكونوا من تابعيه الموالين له كونه المرجعية الشيعية الأعلى في العالم.

إن إي تفسير أو تأويل آخر لأهداف العدوانية الإيرانية ضد العراق ليس إلاَّ ذراً للرماد في العيون. وتحت سقف هذه الحقيقة قاد النظام الإيراني حربه ضد العراق. ومن مجريات الحرب اكتسبت في المصطلح السياسي اسم «القادسية الثانية»، تيمناً بالقادسية الأولى التي منع فيها العرب الفرس من غزو العراق منذ مئات السنين.

-واجه العراق أثناء حرب «القادسية الثانية» العدوان الإيراني (1980-1988)، الذي كانت أهدافه إسقاط السلطة الوطنية في العراق، وخطه الاستراتيجي كان «تصدير الثورة» الى خارج إيران، وهو الخط الذي أعلنه الخميني لإحداث ثورات في الخارج لبناء أنظمة سياسية تواليه، قد تشكل دولة الأمة الإسلامية الواحدة في العالم، على أن يكون فيها النظام السياسي مبنياً على أسس مبادئ «ولاية الفقيه». ولعلَّ مضمون رسالة الخميني الشهيرة التي أرسلها إلى الرئيس أحمد حسن البكر، قبل اندلاع الحرب، فيها ما يؤكد استغلال إيران للإيديولوجية الدينية، والتي اختتمها بالعبارة المشهورة «والسلام على من أتبع الهدى». وغني عن القول أن الرسول محمد (ص) استخدم هذه العبارة في خواتيم رسالاته الى الملوك والأمراء عندما دعاهم الى اعتناق الإسلام.

ولعلَّ ما جاء في حديث لأحد قادة حزب الله في لبنان (نشرته مجلة العهد، العدد 55، ص 10) يؤكد حقيقة أهداف إيران التوسعية تحت شعار «تصدير الثورة الإسلامية» إلى الخارج. حيث جاء في حديثه: إن حركة تغيير شاملة تسود في المنطقة، و«حركة التغيير هذه ليست بعيدة، بل هي قائمة فعلاً؛ وإنما يُراد لها شمولية أكثر، كحركة التغيير التي بدأت من أرض إيران الإسلام… وبدأت تتنامى من خلال الواقع في لبنان»؛ لذلك دعا المسلمين في لبنان إلى «أن يكونوا جزءًا من حركة التغيير التي ستشمل المنطقة... المنطلقة من إيران، والتي تمثِّل الجمهورية الإسلامية مركزيتها…[فيجب] أن نعمل لبناء أمة مجاهدة… يجب أن نبني جيل صاحب الزمان المهدي المنتظر(عج)». وللإفصاح بوضوح عن المضمون الإيديولوجي الديني لنظام «ولاية الفقيه»، يؤكد على القول: «إن الصهيونية والعلمانية وجهان لعملة واحدة».

ومنذ اليوم الأول لنجاح الحركة الشعبية الإيرانية، كانت ترفع شعار «الوصول إلى القدس عبر بغداد». كما أن الخمينية كانت تنظر إلى نظام حزب البعث نظرة تكفيرية، وانهالت ألوان من «الفتاوى التكفيرية ضد حزب البعث الحاكم في العراق»، وترافقت مع موجات التعبئة النفسية ونبش الكراهية وإثارة الاحتقانات المشوبة بتحريض طائفي تجد نماذجها في خطاب الخميني يوم 24 نيسان 1980، الموجَّه للجيش العراقي، يقول فيه: «اتركوا الثكنات وانفروا ضد الموقف المخزي لنظام بغداد.. تخلصوا من صدام كما تخلصنا من الشاه العميل». وفي الخطاب نفسه يقول: «إن إيران قادرة على احتلال بغداد في غضون ساعات».

وبناءً على تلك الاستراتيجية، التي وصفها صدام حسين في العام 1984: «إن الحرب تبدأ في عقول البشر قبل أن تنشب على الأرض»، واحتذاءً بالتجربة الإيرانية التي قامت على أكتاف التحرك الشعبي، وبناءً على أوامر السلطة الجديدة في إيران، وتمهيداً للحرب المذكورة، أصدرت قيادة الخميني أوامر الى مناصريها في العراق من أجل القيام بتحرك مماثل لما حصل في إيران لإسقاط الشاه، فكانت من أبرز مظاهره تفجيرات ضد بعض المؤسسات العراقية، حيث وصلت ذروتها في محاولة اغتيال الأستاذ طارق عزيز نائب رئيس وزراء الحكومة العراقية، في نيسان من العام 1980. وكانت محاولة اغتيال الرئيس صدام حسين في العام 1982 في قرية الدجيل من ضمن ذلك المسلسل. وهي القضية التي حكمت فيه محكمة الاحتلال الأميركي على الرئيس بحكم الإعدام.

واستمرت الحرب ثماني سنوات كان الخميني مصراً على استمرارها ورافضاً لكل دعوات إيقافها، والدليل على ذلك إطلاقه للتصريح المشهور الذي رافق قبوله قرار وقف إطلاق النار المرقَّم (598) الصادر في 8/ 8/ 1988، وجاء فيه أنه يقبل القرار، ولكن قبوله كان أشبه بـ«من يتجرَّع السم».

لقد سبق القرار المذكور ستة قرارات أخرى صادرة عن مجلس الأمن، بدءاً من القرار (479) الصادر في 28/ 9/ 1980، وما تلاه من قرارات (514) بتاريخ 12 - 7 – 1982، والقرار (522) في 4 - 10 – 1982، والقرار (552) في 1 - 6 – 1984، و(582) في 24 - 2 – 1986، و(588) في 8 – 10 – 1986، ثم القرار (598) في 20 - 7 – 1987، وكلها تدعو لوقف إطلاق النار، وعودة الجيوش إلى داخل حدودها الرسمية قبل الحرب، وحل الخلافات بالوسائل السلمية.. وهذه القرارات ملزمة للطرفين المتحاربين، وقد قبلها العراق جميعها، فيما رفضها النظام الإيراني جميعها أيضاً. وبهذا يتحمَّل النظام الإيراني، قانونياً، مسؤولية الخسائر البشرية والمادية التي نجمت عن استمرار الحرب مدة ثماني سنوات.

وتجدر الإشارة إلى أن التنظيمات السياسية الانفصالية الكردية: برئاسة مسعود البرازاني، وجلال الطالباني انحازت إلى جانب إيران في الحرب، وقاتلت ميليشياتهما إلى جانب الجيش الإيراني الذي اخترق حدود العراق الشمالية، وفي أثنائها حصلت ما تُسمى بـ«مجزرة حلبجة الكردية» أو بـ«الأنفال»، حيث أثبتت كل الوقائع والتقارير، وبخاصة الصادرة عن (البنتاغون) أن قصف «حلبجة» بالأسلحة الكيماوية كان من النوع الذي لا يملكه العراق، بل تملكه إيران.

وعن إشكالية من بدأ الحرب، ونقلاً عن الباحث حمدان حمدان، يذكر جياندومينيكو بيكو، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة السيد ديكويلار، في مذكراته تحت عنوان: «رجل بلا بندقية، نيويورك، تايمز بوكس. راندوم هاوس. 1999» بأن صفقة مرتبة ومثبتة بالوقائع والأسماء والتواريخ، بين إيران والولايات المتحدة عبر الأمم المتحدة، هدفها توسيط إيران لدى المقاومة الإسلامية اللبنانية لتحرير الرهائن الغربيين في لبنان، مقابل تحميل العراق مسؤولية الحرب بما يترتب عليها من مواقف والتزامات وتعويضات. وبالفعل فقد دبّج الأمين العام ديكويلار، رسالة إلى مجلس الأمن جاء فيها «حتى لو كان هناك تعدّ من جانب إيران على العراق فإن هذا التعدي لم يكن يبرر العدوان العراقي على إيران الذي تبعه احتلال عراقي مستمر للأراضي الإيرانية». وهذا الرأي لا يمثِّل قراراً للمنظمة الدولية، بل هو رأي شخصي، أطلقه صاحبه، من أجل تسهيل سبل تبادل مصالح بين النظام الإيراني والإدارة الأميركية.

وفي الفقرة السابقة، كما يقول عبد الواحد الجصّاني، ثمة تجاوز مركب واعتداء واضح على صلاحيات مجلس الأمن، من حيث إن هذا المجلس، هو صاحب الصلاحية في تقويم الوضع بين تعدٍ وعدوان، وليس الأمين العام. أما التجاوز الآخر، الوارد في الرسالة أعلاه، فيقع في عبارة «الاحتلال المستمر للأراضي الإيرانية» فيما الوقائع التاريخية تفيد بأن القوات العراقية كانت قد انسحبت من الأراضي الإيرانية في العام 1982، بينما رسالة الأمين العام إلى مجلس الأمن وُجِّهت بتاريخ 9/12/1991. وهنا، يتابع الجصاني، لا نعلم كيف يطلق السيد ديكويلار توصيف «احتلال العراق المستمر» مع تاريخ رسالته التي صيغت بعد سنتين ونصف السنة من انتهاء الحرب أصلاً!».

 

ثانياً: «أم المعارك» (1991) استئناف لـ«القادسية الثانية»

وقع العراق بعد الحرب الإيرانية – العراقية تحت دين يقدر بحوالي 75 بليون دولار. فواجه مشكلة إعادة بناء البنية التحتية العراقية، وحاول الحصول على الدعم المالي، هذه المرة لأجل إعمار ما دمرته الحرب. وكانت هناك مطالب ملحة في مجال فتح فرص العمل أمام مئات الألوف من الشباب العائد من خنادق الحرب، وكانت حسابات القيادة في العراق أنها تستطيع استعادة التوازن بفضل البترول. لكن هذه السوق لم تكن على استعداد للاستجابة بهذه السرعة للأسباب التي سنفصِّلها فيما يلي:

إن القيادة في العراق، على الرغم من أنها كانت تخوض حرباً شرسة مع إيران، فقد استمرت في إنجاز مشروعات إستراتيجية. ولأن القيادة كانت متوازنة فقد استطاعت قيادة معركتي الدفاع عن العراق والاستمرار في البناء بنجاح مشهود به. فكان النجاح العراقي قد ولَّد إحساساً عند القوى المعادية، وخاصة التحالف الأميركي – الصهيوني، بخطورة ما يترتب عليه استمرار العراقيين في بناء تجربتهم ووصولهم إلى حلقات علمية تكنولوجية متقدمة، ووجود جيش قوي عصري.

ومن تلك المنجزات على سبيل المثال منظومة صواريخ «العابد» حاملة الأقمار الصناعية التي جعلت كل معسكر القوى المعادية يتحرك بتوافق وتنسيق من أجل إحباط تلك التجربة، التي كانت غير مسبوقة في نادي الدول النامية.

ففي الاشهر الاربعة الأولى من العام 1990 تعرض العراق لأزمة مع الغرب بسبب الصواريخ والأسلحة الكيماوية والبيولوجية، ثم بسبب قضية الجاسوس البريطاني الإيراني الأصل بازوفت. وفي ظل التهديد الامريكي والغربي والهجوم الإعلامي على العراق انعقدت قمة بغداد في 28 أيار من العام 1990، لتكون مظاهرة تأييد للعراق في مواجهة التهديدات الأمريكية والصهيونية ضده. وفيها دعا الرئيس صدام حسين إلى التضامن العربي في وجه المخططات الصهيونية والأميركية، وأكَّد أن الامة العربية كلها مستهدفة والعراق في طليعتهم. وإن التحالف الأميركي- الصهيوني يستخدم بعض العرب ضد البعض الآخر، ولأن الحرب لاتكون بواسطة الجنود وعلى جبهات القتال فحسب، بل بالاقتصاد أيضاً، فإن العراق يتعرض لعملية تخريب منظمة في اقتصاده. وهناك من العرب من يخربون داخل العراق بالمضاربة على الدينار العراقي لتخفيض سعره.

وقد جاء في كلمته، في الجلسة الختامية للقمة، في 30/ 5/ 1990، بالنص: «فمنذ العام 1986 وكنا آنذاك في الحرب واجهنا ظروفاً كانت صعوبتها قريبة من صعوبات القتال، وخصوصاً عندما ترتبط بالاقتصاد وبموردنا الأساسي الذي هو البترول. ذلك لأن نوعاً من الإرباك ساد السوق النفطي وحصل فيه نوع من عدم الإلتزام في قرارات الأوبك،.. وإن سبب هذا الارتباك هو عدم التزام بعض أشقائنا العرب بالذات في مقررات الأوبك، عندما أغرق السوق النفطي... وتدنت الأسعار حتى وصلت أحياناً إلى سبعة دولارات،... وأن كل انخفاض في البرميل الواحد بقدر دولار واحد،...، فأن خسارة العراق تبلغ مليار دولار في السنة، من هذا نتبين كم هي خسارة الأمة العربية جميعها من كل إنتاجها البترولي في السنة». وأضاف قائلاً: « لذا نرجو من إخواننا الذين لا يقصدون الحرب، أعود لأتكلم هذه المرة فقط ضمن حقوق الكلام في إطار السيادة عن العراق، فأقول الذين لا يقصدون شن الحرب على العراق أقول إن هذا نوع من الحرب على العراق».

وفي تلك التلميحات كان يقصد الرئيس صدام حكام الكويت. وفي لقاءات ثنائية بين الرئيس صدام حسين مع أمير الكويت، بمناسبة انعقاد القمة، كان يقول له: نطالبكم بمساعدات فتذكروننا بالديون، وحين نذكركم بحصص البترول المتفق عليها حتى لا تنخفض الأسعار تطلبون توقيعنا على التنازل عن أراض عراقية نحن في حاجة إليها لكي نجد منفذاً إلى البحر.

ويُذكَر أنه أثناء اجتماع الأوبك في فيينا في شهر يونيو 1989 لم يخف الشيخ علي خليفة الصباح، وزير النفط الكويتي، رأيه في عدم الالتزام بمسألة حصص البترول. وهو السبب الذي أدَّى إلى انخفاض دخل العراق، بسبب انخفاض الأسعار، بمقدار سبعة بلايين دولار سنة 1989 وهو مبلغ يعادل المطلوب منه لخدمة ديونه في ميزانية تلك السنة. وإن إصرار أمراء الكويت على مواقفهم تلك، أكَّدت ما ذهب إليه العراق بأن الكويت تنفذ سياسة مرسومة يقف وراءها من يحرضها ويساندها على خفض الأسعار.

وقد وجَّه الرئيس صدام رسالة إلى الشعب الكويتي، في 7/ 12/ 2002، كشف فيها الحقائق، وجاء فيها: «إننا ما إن حقق الله لنا النصر في القادسية الثانية المجيدة على من أجج تلك الحرب، حتى فاتحنا المسؤولين في الكويت عن جاهزيتنا لنعطي كل الوقت اللازم لحل الأمور العالقة بيننا، ولشدة ما كانت دهشتنا كبيرة عندما واجهنا المسؤولون عندكم بعدم الاكتراث بدعوتنا تلك».

ولما لم تجد تحذيراتنا آذاناً صاغية عند حكام الكويت، «بأمل حل الأمور بالطرق السياسية، وتحت حساسية وأهمية الدفاع عن النفس، وحماية كل ما هو عزيز، وقعت أحداث الثاني من آب عام 1990». على الرغم من ذلك «وقفتم الموقف الذي نحن آسفون على كل ما وقع عليكم بسببه... وعلى هذا الأساس، فأننا نعتذر إلى الله عن أي فعل يغضبه سبحانه إن كان قد وقع في الماضي مما لا نعرف به ويحسب على مسؤوليتنا ونعتذر لكم على هذا الأساس أيضاً».

أما ما نريد أن تعرفوه هو أن الأميركيين لم يأتوا إلى الكويت لتحريرها، و«قد يقول قائل منكم أن احتلال الكويت ما كان ليحصل لولا دخول جيش العراق إلى الكويت وخروجه منها»، ولأن العكس هو الصحيح، نذكِّركم بما يلي:

- «شهادة الجنرال نورمان شوارسكوف أمام الكونغرس الأميركي في شباط 1990، التي قال فيها نصاً (إن هناك حاجة لزيادة الوجود العسكري الأميركي في منطقة الخليج، محذراً من قدرة العراق على إزعاج جيرانه) حسب زعمه في وقت لم يكن هنالك ما يلوح في الأفق غير بداية ملامح بسيطة للمؤامرة الاقتصادية على إخوانكم في العراق».

- «إن الأميركان كانوا في الكويت يعدون التمارين العدوانية على العراق قبل دخول جيش العراق إليها».

ولو كانوا صادقين بأنهم جاءوا ليحرروا الكويت من جيش العراق، مثلما أعلنوا، يتابع الرئيس صدام حسين، لكان من الواجب عليهم أن يفعلوا التالي:

- الانسحاب من الكويت بعد أن حرروها كما يزعمون، ولـ«قالوا انهم سيعودون للدفاع عنها لو حاول العراق دخولها مرة أخرى».

-دعوة وجهها جورج بوش الأب، في منتصف شهر شباط من العام 1991، إلى سكان الجنوب في العراق وشماله لكي يأخذوا دورهم، وهذا حصل بعد انسحاب الجيش العراقي من الكويت. وقد استتبعت دعوته، ما عُرف بالمصطلح السياسي العام «انتفاضة الجنوب» التي حصلت تحت غطاء جوي أميركي وبريطاني، ودعم لوجستي وبشري إيراني، و«انتفاضة الشمال» تحت حماية الغطاء الجوي الأميركي. وقد استمرت تلك الحماية طوال المرحلة الفاصلة بين العدوانين: عدوان العام 1991، وعدوان العام 2003.

- منع الطائرات الأميركية والبريطانية من أن «تغير من أراضي الكويت، وعبر أجوائها، على ممتلكات العراقيين وتدمرها، وتزهق أرواحهم»، طوال اثنا عشر عاماً.

- عدم مفهومية استمرار الحصار الجائر على العراق الذي آذى العراقيين كثيراً، وبشكل لا يُطاق.

- إشتراك الكويت بـ«من يمثلهم ليحضر مؤتمر الخيانة والتآمر الخائب على العراق في لندن». المؤتمر الذي عقدته ما يُسمى بالمعارضة العراقية للاعداد لمرحلة العدوان على العراق، واحتلاله.

كل تلك المظاهر تؤشر بوضوح إلى أن العدوان الثلاثيني على العراق، بقيادة أميركا، كما أن موقف حكام الكويت لم يكن مبنياً على التحرير، وإنما استجابة لأهداف الأميركيين، وكانت النتيجة في أنهم «احتلوا الكويت.. ونشروا جيوشهم في دول خليجية أخرى، وزادوا ذلك ومعه نفوذهم فيها مع الزمن، ويحاولون...احتلال العراق الآن».

لقد ظلَّت العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية والعراق متوترة بعد العدوان الثلاثيني. وظهرت بشكلين أساسيين:

- الحصار العسكري تبعاً لما عُرف بفرض غطاء جوي على منطقتين في جنوب العراق وشماله،

- أما الشكل الثاني فكان فرض حصار اقتصادي محكم، جعلت من العراق الغني دولة فقيرة، لا تستطيع الا توفير الغذاء للعراقيين، وقد عُرف بـ«برنامج النفط مقابل الغذاء».

لكن قيادة الحزب والثورة في العراق، نجحت في مواجهة مؤامرة الحصار وأفشلت أهدافه، بالذات عندما أوجدت أفضل نظام تمويني عبر البطاقة التموينية التي أسهمت في استمرار صمود الشعب في مواجهة أعدائه. وفي ظل الحصار كانت أسعار السلع في العراق تشير الى أنها كانت الأرخص ربما في كل العالم. يعيش أهله بشكل أفضل من دول كثيرة في العالم لم تكن تعاني من أي حصار كان. وكان من الواضح أن من أهم أهداف الحصارين العسكري والاقتصادي هو التمهيد لعدوان العام 2003. هذا بالإضافة الى الدور التخريبي الذي مارسته فرق التفتيش الدولية، الملغومة بالجواسيس الأميركيين والصهاينة الذين أسهموا في تدمير البنية الصناعية والاقتصادية للعراق، وتجريده من أسلحته الضاربة.

 

ثالثاً: «معركة الحواسم» (آذار من العام 2003):

العراق يخوض حرباً ضد تحالف الإمبريالية الأميركية والرجعية العربية وأطماع الإقليم

عندما توقفت المعارك على أبواب الناصرية في جنوب العراق، وتم توقيع وقف إطلاق النار في مدينة صفوان، استأنفت الولايات المتحدة الأميركية الحرب بوجوه أخرى، ومن أهمها:

-استناداً إلى تهديد جيمس بيكر، وزير خارجية بوش الأب، في 9/ 1/ 1991، استأنفت أميركا الحرب ضد العراق، بالوسائل التالية:

- الصفحة العسكرية: تم تنفيذها من خلال تدمير كل شيء كافح العراق من أجل بنائه، وتحويله إلى دولة ضعيفة جداً، إي إعادته إلى ما قبل العصر الصناعي. وإن تلك الأهداف المعلنة تبرهن على أن الهدف الرئيسي من العدوان العسكري كان تدمير المشروع النهضوي في العراق، خاصة أنه في طبيعته كان يُبنى على أبعاد قومية عربية. ولما حقق العدوان العسكري أهدافه، انتقلت الإدارة الأميركية إلى الصفحة الثانية لإسقاط النظام من الداخل، من خلال إثارتها تمردين في جنوب العراق وشماله.

- صفحة الغدر والخيانة: بعد انتهاء العمليات العسكرية مباشرة تبيَّن أن جهات خارجية دعمت حركات غوغائية بين الانفصاليين المذهبيين في جنوب العراق، والانفصاليين الأكراد في شماله، قامت باستهداف الخزين الغذائي الاستراتيجي للعراق، وعاثت تخريباً وتدميراً في البنى العامة التي تمس حياة العراقيين. ولكنها فشلت بتكاثف جهود الشعب العراقي مع السلطات الرسمية والحزبية. ولما أفشلت تلك الجهود أهداف الغوغائيين، انتقلت الدول المعادية إلى صفحة أخرى، من صفحات التضييق، فكانت صفحة الحصار الاقتصادي.

- صفحة الحصار الاقتصادي: ازدادت مخاوف التحالف المعادي للعراق من إصرار قيادة الحزب والثورة على إعادة إعمار ما تم تدميره في العدوان الثلاثيني، وقد تمت عملية إعادة الإعمار بسرعة قياسية لم تكن الإدارة الأميركية لتصدقها. وبهذا دلالة على أن الأهداف الأميركية لم تكن تعطي أولوية لما تسميه «تحرير الكويت»، بأكثر من أنها كانت ذريعة تدخل على أساسها لتدمير المشروع النهضوي، والدليل على ذلك، أنها بعد عودة الجيش العراقي إلى العراق، كانت الإدارة الأميركية مُصرَّة، بدعم من حلفائها، على فرض حصار شامل لا يسمح بدخول أية سلعة إلاَّ ما يحتاجه المواطن العراقي من مواد غذائية واستهلاكية على شرط ألاَّ تحتوي على أي عنصر يمكن الاستفادة منه في صناعة السلاح. ولهذا كانت قيادة الحزب والثورة تعتبر أن أهداف العدوان العسكري قد حققت أغراضها، ومن بعدها انتقل العدوان إلى مرحلة أخرى أخذت أبعاداً اقتصادية، ونفسية، لكي تضعف مناعة الشعب العراقي وتدفعه إلى التمرد على نظام الحزب السياسي. وكانت أهداف الحصار الاقتصادي ماثلة في وعي العراقيين وذاكرتهم.

لم تضعف قيادة الحزب والثورة، بدعم ووعي وطني شامل للشعب العراقي، أمام كل أنواع العدوان العسكري والاقتصادي. السبب الذي دفع الإدارة الأميركية إلى الإعداد لسيناريوهات أخرى للعدوان والضغط، فكان الأبرز فيها، ما يلي:

كانت الحرب الثالثة تتمثَّل بالعدوان على العراق في 19-20 آذار من العام 2003، واحتلاله في 9 نيسان من العام ذاته، وكانت أسبابها الحقيقية تكمن في إخفاق الحربين الأولى والثانية في إضعاف العراق لمنعه من تحقيق هدفين:

- الأول: تشكيل قوة إقليمية تحمي السيادة العربية، شعباً وأرضاً وثروات.

- أما الثاني: فلأن النظام الوطني، بقيادة الرئيس صدام حسين وحزب البعث، لم يتراجع عن اختراق عدد من الثوابت التي تعتبرها الامبريالية خطوطاً حمراً من الممنوع على دول المنطقة تجاوزها، وهما: أمن النفط وأمن العدو الصهيوني.

مستبقاً الأحداث، لعلمه بحصول العدوان، وباتساع رقعة المشاركين فيه، أطلق الرئيس صدام حسين على المعركة المرتقبة، اسم «معركة الحواسم» لأنه كان مقتنعاً بأنه سيتجمع فيها كل أعداء العراق والأمة العربية، ويتشاركون من أجل احتلال العراق. ومن بوابته كانوا يتوهَّمون أنهم سيبسطون الهيمنة على الأمة كاملة، وتصبح أرضاً وكياناً مستباحة لأطماعهم وأحلامهم. وفي المقابل سيحسم النصر العراقي، كما كان الرئيس واثقاً من حصوله، في «معركة الحواسم» حروباً متعددة الرؤوس والانتماءات