|
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ |
|
أول الإنهيار
5 سنوات من غزو العراق تقود الولايات المتحدة الى الهاوية |
|
شبكة البصرة |
|
على الصراف |
|
إذا كان حساب الجريمة لم يكتمل بعد، فان حساب العقاب ما يزال فى أوله. وقد
تختلف التقديرات، بين هذين الحدين، حول مدى "التقدم" و"الانتصار" الذى حققته
الولايات المتحدة بعد خمس سنوات من الحرب، إلا ان حساب الجريمة يقول انه ما من
شعب على وجه الأرض تعرض لمجزرة كالمجرزة التى يتعرض لها العراقيون.
والمسألة قد تبدو مسألة حقائق وأرقام ونسب ومعدلات باردة تتداولها المنظمات
الإنسانية والدولية، إلا أن المعاناة، التى تختفى وراء كل منها، تجعل من
المستحيل العثور على سبيل لوصفها.
بالتأكيد، فان النازيين أنفسهم لم يجمعوا من المآسى والضحايا والعذابات، فى بلد
واحد، ما جمعه الأمريكيون وعملاؤهم فى العراق. ويمكن للمرء أن يختار أى بلد فى
أوروبا غزاه النازيون، ويقارن نسب الضحايا، قياسا بعدد السكان، وسيرى ان
العراقيين ذُبحوا، وما يزالون يُذبحون، فى مجزرة تعسر على الفهم، حتى إذا قيل
أن الذين يرتكبونها مصابون بهستيريا القتل. فحتى المجانين يرتاحون من سفك
الدماء... إلا الأمريكيون، وإلا عملاؤهم.
و"التقدم" مستمر. وهذا يعني، بطبيعة الحال، المزيد من أعمال القتل، والمزيد من
الخراب، والمزيد من القهر والوحشية والفساد.
تتفاوت التقديرات حول عدد القتلى من المدنيين الذين سقطوا خلال هذه السنوات
الخمس، إلا انه إذا أخذنا بالمقاربة الشهيرة التى اعتمدها فريق البحث الأمريكى
التابع لجامعة جون هوبكنز، ونشرت فى 21 اكتوبر-تشرين الأول عام 2006، "وهى
المقاربة ذاتها التى قبلت الحكومة الامريكية نتائجها فى تقدير عدد الضحايا فى
مناطق اخرى من العالم، ولكن رفضتها فى العراق"، فان الغزو يودى بحياة ما بين
200-220 ألف إنسان سنويا كنتيجة مباشرة للحرب والعمليات العسكرية. وهو نفسه
تقريبا عدد الضحايا الذين سقطوا فى قنبلة هيروشيما النووية عام 1945 فى
اليابان. وبذلك يكون قد سقط على رؤوس العراقيين، حتى الآن، ما يعادل خمس قنابل
نووية.
وتقول تقارير صدرت عن منظمة حقوق المرأة فى العراق، إن ما بين 90 إلى 100 امرأة
عراقية تترمل يوميا نتيجة أعمال العنف والقتل الطائفي. وتشير المنظمة إلى أن
هناك 300 ألف أرملة فى بغداد وحدها، إلى جانب 8 ملايين أرملة فى مختلف أنحاء
العراق، وهذا يعنى أن نسبة الأرامل فى العراق تشكل 35% من عدد نفوس العراق،
و65% من عدد نساء العراق و80% من عدد النساء المتزوجات.
العراق، بهذا المعنى، تحول الى مجتمع أرامل؛ الى أرض سبي؛ الى بلد، له فى كل
بيت، ضحية ومأساة.
وكل هذا "تقدم". وكل هذا "انتصار". كما يصف النازيون الجدد نتائج أعمالهم فى
العراق.
ويقول تقرير اصدره برنامج الامم المتحدة للتنمية ان ثلث سكان العراق البالغ
تعدادهم 27 مليونا يعانون من الفقر، اى انهم يعيشون على اقل من دولار واحد فى
اليوم.
وتقول الأمم المتحدة ان الحرب أدت الى تهجير 4 ملايين انسان داخل العراق ومليون
وثمانمائة ألف آخرين خارج العراق، فى أعمال ما تزال المنظمات الخاضعة للإرهاب
الأمريكى تتردد فى وصفها بانها أعمال "تطهير عرقي".
وتقول الأمم المتحدة ان أربعة ملايين لاجيء عراقى يواجهون صعوبات فى توفير
الغذاء لأنفسهم، وأن 40 بالمئة من سكان البلاد البالغ عددهم 27 مليون نسمة لا
يجدون مياه صالحة للشرب. وتشمل البطالة نصف عدد القادرين على العمل من بين
السكان.
وقال راضى حمزة الراضى رئيس هيئة النزاهة السابق فى العراق "وهو واحد من عملاء
الإحتلال أنفسهم" فى شهادة امام الكونغرس فى اكتوبر – تشرين الأول الماضي: "لقد
نجحنا فى التحقيق فى أكثر من 3000 قضية للفساد واحالتها الى المحاكم للفصل
فيها، ووفقا لسجلات بلدي، فإن 241 حالة فقط تم الفصل فيها حتى الآن". وأضاف "ان
تكلفة الفساد التى كشفت عنها اللجنة حتى الآن عبر جميع الوزارات فى العراق،
قُدرت بحوالى 18 مليار دولار، وتقف على رأسها وزارة الدفاع حيث بلغ حجم الفساد
5 مليارات دولار، ثم التجارة 3 مليارات، فالكهرباء 3 مليارات، تليها التقل
مليارى دولار، فالصحة مليارى دولار، تليها الداخلية مليار دولار، فالاتصالات
مليار دولار، فالإسكان مليار دولار، ثم المالية 500 مليون دولار، فالنفط 500
مليون دولار". وأكد الراضى أن تلك البيانات لم تستوعب قضايا الفساد جميعها
فهناك قضايا كثيرة لم يتم إدراجها لأسباب متعددة منها عدم اكتمال الأدلة، ومنها
اختفاء ملفات.
وتم خلال السنوات الخمس الماضية إغتيال 5500 عالم وخبير وطبيب ومهندس، فى حملة
كشفت وزارة الخارجية الأمريكية نفسها ان جهاز الموساد الإسرائيلى هو الذى
ينظمها فى العراق. فى حين يتولى "الحرس الثوري" الإيرانى ملاحقة وقتل الضباط
السابقين فى الجيش العراقى بموجب قوائم يقدمها قادة المليشيات الشيعية.
ويقول العالم العراقى الدكتور نور الدين الربيعي، الامين العام لاتحاد المجالس
النوعية للابحاث العلمية، ان الغزو الامريكى للعراق يهدف الى تدمير مستقبل
العراق باغتيال العلماء وحرق المجلدات العلمية فى مراكز الابحاث التى تشكل
خلاصة الابحاث العلمية التى انفق عليها اكثر من 10 مليارات دولار، وان 80% من
عمليات الاغتيال استهدفت العاملين فى الجامعات ويحمل اكثر من نصف القتلى لقب
استاذ واستاذ مساعد، واكثر من نصف الاغتيالات وقعت فى جامعة بغداد، تلتها
البصرة، ثم الموصل، والجامعة المستنصرية، و62% من العلماء المغتالين يحملون
شهادات الدكتوراه، وثلثهم مختص بالعلوم والطب.
وكل هذا "تقدم". وكل هذا "انتصار".
ولكن، ليس هذا هو كل وجه الجريمة. فأعمال التعذيب والإغتصاب شملت عشرات الآلاف
ممن يعتلقون عشوائيا بتهمة "الإرهاب". ولئن كان سجن ابو غريب قد أغلق بعد
الفضيحة الشهيرة، فإنما لكى يتم فتح مراكز إعتقالات وتعذيب فى كل مؤسسة تسيطر
عليها المليشيات الحكومية. وحتى المستشفيات نفسها، تحولت الى مسلخ لقتل المرضى
والجرحى إذا ظهر انهم من السنة. وفى حين يقدر عدد الذين مروا على السجون
التابعة لقوات التحالف بنحو 120 ألف إنسان، فان تقديرات الذين مروا على
المعتقلات التابعة للمليشيات الشيعية والكردية تتراوح بين 300000 و500000 إنسان
ألقيت جثث الآلاف منهم فى الشوارع، وقرب المزابل، وتعرض معظمهم لأعمال التعذيب،
بوسائل من قبيل "المثاقب الكهربائية"، وما يزال هناك نحو 150000 معتقل، من دون
تهمة او محاكمة، لا تعترف حكومة المنطقة الخضراء بوجودهم فى سجونها. وأصبح
اغتصاب النساء أمرا مألوفا، الى حد ان العديد منهن صرن يفضلن الإنتحار بحرق
أنفسهن بالنفط، او بإطلاق النار، على أن يتم سوقهن الى المعتقلات. بل وتحول
بعضهن "غالبا أمهات فقدن أولادهن" الى انتحاريات، وذلك فى واحدة من أكبر
المنعطفات فى الوضع الإجتماعى للمرأة فى العراق.
وفى حين ظل عملاء الإحتلال يدوّرون الإسطوانة المشروخة عن "المقابر الجماعية"
للنظام السابق، من دون كلل ولا ملل، فان الهجمات التى شنها الغزاة ضد العشرات
من المدن والبلدات العراقية، من الفلوجة الى القائم، حولتها الى "مقابر جماعية"
للأحياء الذين تُلقى على رؤوسهم آلاف الأطنان من المتفجرات، من دون ان توفر
الأسلحة الكيميائية أيضا. وفى حين ان ما يسمى "مجرزة حلبجة" "وهى قرية صغيرة
على الحدود مع ايران" قضت، كما يزعم الأكراد أنفسهم، على 5000 ضحية "قبل ان
يضربوا الرقم بعشرة فيما بعد وكأن تلك الحلبجة صارت عاصمة بحجم باريس"، فان
ضحايا الهجوم على الفلوجة وحدها عام 2004 أدى الى سقوط نحو 22000 ضحية وتهجير
250000 آخرين قضوا سنتين يعيشون فى الخيام قبل ان يتمكنوا من العودة الى
منازلهم المهدمة.
وبرغم ان الجنود الأمريكيين يقتلون من دون حساب، إلا ان وحشيتهم نفسها صارت
ترتد عليهم.
ويقول تقرير اعدته مجموعة عمل من "مجلس الجيش للصحة العقلية" "التابع
للبنتاغون" عام 2007، ان 28% من الجنود الذين يُرسلون الى مناطق القتال الكثيف
يعانون من اضطرابات نفسية حادة. وان عدد العسكريين الذين يعانون من مشاكل
الادمان على الكحول والمخدرات والخلافات الزوجية واضطراب علاقاتهم بشكل عام،
ارتفعت باكثر من 85% منذ اجتياح العراق قبل خمس سنوات. وهو ما يفسر جانبا من
هستيريا القتل السائدة فى العراق. فربع الجيش الأمريكى هم من المجانين رسميا،
وهم يقتلون الأبرياء، ويغتصبون الضحايا، ليس لأنهم يواجهون تهديدا أمنيا
بالضرورة، بل لأن نساءهم يتحولن الى عاهرات تحت مظلة الرئيس جورج دبيلو بوش.
وفى يناير-كانون الثانى الماضي، أقر الجيش الأمريكى ان نسبة الانتحار شهدت
ارتفاعا كبيرا. وأكد أن اكثر من الفى جندى حاولوا الانتحار أو الحاق الأذى
بأجسادهم خلال 2006 مقابل نحو 375 خلال 2002.
وكل هذا "تقدم"، وكل هذا "انتصار". إلا ان الجريمة لم تمر من دون عقاب، وحسابه
ما يزال فى أوله، فالمقاومة التى أوقعت نحو 4000 جندى قتلى وأكثر من 25000
جريح، الكثير منهم صاروا بعاهات دائمة، ومثلهم على الأقل بين صفوف المرتزقة
"الذين لا يدخلون فى حسابات الخسائر الرسمية"، كانت قد قلبت من الحسابات ما هو
أكثر أهمية بكثير من عدد القتلى والجرحى فى صفوف الغزاة.
كل المشروع الكونى للامبريالية الأمريكية يتحول، شيئا فشيئا، الى أضغاث أحلام.
ومن هنا سيبدأ الإنهيار.
الوقائع تقول ان الولايات المتحدة إذا قررت ان تواصل "التقدم" و"الإنتصار" فى
العراق فانها ستمضى بسرعة الى مزبلة التاريخ، وستلحق بها من الإنهيارات ما لم
تتعرض له قوة دولية عظمى من قبل. حتى إنهيار الإتحاد السوفياتى السابق سيبدو
مزحة أمام إنهيار الإمبراطوية الأمريكية.
كيف؟ وهل يرى الخبراء الامريكيون هذا الخطر ماثلا بالفعل؟
لقد كان البنتاغون قد قدر كلفة الحرب ضد العراق قبل خمس سنوات بحوالى 60 مليار
دولار. الحرب، حسب ذاك التقدير، كانت تبدو رخيصة ومغرية. إلا ان تقديرات
البنتاغون اليوم تقول ان الكلفة تصل الى 600 مليار دولار. وفى حين يقول مكتب
الميزانية فى الكونغرس الأميركى ان كلفة الحرب لن تزيد عن 2 تريليون دولار. فان
الاقتصادى الحائز على جائزة نوبل جوزيف ستيغليتز يقول بان الكلفة الإجمالية
للحرب على العراق ستصل الى أكثر من 4 تريليون دولار.
هذه الأرقام قد تكون خالية من المعنى إذا جُردت من السياق الأقتصادى الذى تجد
الولايات المتحدة نفسها فيه. ولكنها داخل هذا السياق يمكن ان تكون "القشة" التى
تقصم ظهر البعير. وهى "قشة" ثقيلة ليس اقتصاديا فحسب، بل دبلوماسيا وإستراتيجيا
أيضا.
المفارقة الأبرز هنا، هى ان الولايات المتحدة لا تمول الحرب من جيوب دافعى
الضرائب، كما كان الحال بالنسبة للحرب ضد فيتنام. واشنطن تمول الحرب ببيع سندات
الخزانة. أى أنها تمول الحرب بالديون. وفى النهاية فان هذه الديون يجب ان
تُدفع، أو أن تُدفع، على الأقل، تكاليف خدمتها "الفوائد والأقساط".
يقول خبراء أمريكيون "حسب سي.أن.أن" أن الدين الداخلى الأمريكى أشبه بقنبلة
زمنية موقوتة يمكن أن تنفجر فى أى لحظة، حيث يزداد بحوالى 1.4 مليار دولار
يوميا، أى بحوالى مليون دولار كل دقيقة. ويبلغ حجم هذا الدين الداخلى حالياً
9.13 تريليون دولار، وهذا يعنى أن كل أمريكي، سواء أكان رجلاً أم امرأة أم
طفلاً أم رضيعاً، يولد وهو مدين بـ 30 ألف دولار تقريباً.
حسنا. إذا كان الحال كذلك، فما المشكلة إذا زادت "القنبلة الموقوتة" تريليونا
آخر او حتى أربعة؟
المشكلة هى ان ممولى الديون الامريكية يجدون أنفسهم فى وضع لا يسمح لهم بشراء
المزيد من الديون. وإذا توقف ممولو الديون عن الشراء، فان القنبلة ستنفجر.
الصين واليابان ودول جنوب شرق آسيا هى المشترى الأساسى لسندات الخزانة. وهى
تفعل ذلك فى محاولة لإبقاء الميزان التجارى مع الولايات المتحدة يميل لصالحها.
وهناك، بطبيعة الحال، الدول النفطية العربية، التى تشترى هذه السندات لإعتبارات
سياسية.
ولكن كلما إشترت هذه الدول مليارا، فانها تخسر نسبة منه تساوى نسبة انخفاض قيمة
الدولار. وخلال العامين الماضيين وحدهما خسر الدولار من قيمته 17%، بينما كان
قد خسر 20% اخرى فى الأعوام الخمسة التى سبقت، ما يجعل الإجمالى يصل الى نحو
37%. أى ان كل مليار دولار خسر من قيمته 370 مليون دولار. وكلما خرج الرئيس بوش
ليقول ان إدارته "تؤيد سياسة الدولار القوي"، كانت قيمة الدولار تنخفض، لأن
أسواق المال تعرف انه يكذب، وانه يحاول، بخفض قيمة الدولار، أن يخفض قيمة
الديون، ويرفع قدرة الصادرات الامريكية على المنافسة، على حساب أولئك الذين
يشترون سندات الخزانة أنفسهم.
ولكن "الذى يعيش بالحيلة، يموت بالفقر" "كما يقول العراقيون الذين لم تتعلم
إدارة بوش منهم شيئا".
المشكلة لا تقف عند هذا الحد. فحسب تقرير التجارة الدولية، وبرغم كل الحيل، فان
العجز التجارى الامريكى ظل لعدة سنوات يتراوح بين 50 و60 مليارا شهريا. وهو ما
يعنى ان العجز التجارى السنوى يمكن ان يصل الى ما يتراوح بين 600 مليار و720
مليار دولار.
وفى علامة واضحة على ان الكارثة آتية لا ريب فيها، أظهرت بيانات وزارة الخزانة
الامريكية الصادرة الأسبوع الماضى أن صافى التدفقات الرأسمالية الاجنبية
الاجمالى إلى الولايات المتحدة انخفض فى يناير-كانون الثانى الى 37.4 مليار
دولار ليسجل أدنى مستوى منذ أربعة أشهر مع تحاشى مستثمرى القطاع الخاص للأصول
الامريكية.
كيف تسدد الخزانة الأمريكية هذا النقص فى التمويل؟
الجواب: طباعة المزيد من الدولارات. وهذا يعنى خفضا مباشرا لقيمتها، وخفضا
مباشرا أيضا لكل قيمة الديون التى أشتراها الآخرون.
ويقول محللون "حسب رويترز" إن السبب المبدئى لهبوط الدولار فى السنوات الاخيرة
كان العجز الكبير فى الانفاق والتجارة. "ولم يكن القلق يساور سوى قلة قليلة ما
دامت التدفقات الاستثمارية على الأصول الامريكية المقومة بالدولار تغطى العجز.
إلا أنه مع تباطؤ الاقتصاد وزيادة المخاوف بشأن استقرار النظام المالى الامريكى
وتزايد الخسائر من جراء العجز عن سداد الالتزامات الائتمانية، فقد بدأت قيمة
الاوراق المالية المقومة بالدولار تتراجع فى عيون المستثمرين، مما قلل الطلب
على الدولار لتمويل مثل هذه الاستثمارات".
ويقول أومير ايزينر محلل الاسواق لدى "رويش انترناشيونال" فى واشنطن "هذا من
أسباب القلق الرئيسية، أى الخوف من أن يصل هبوط الدولار إلى نقطة يبدأ فيها
المستثمرون الاجانب بيع معظم استثماراتهم وعندها سنواجه فعلا مشاكل تمويلية".
ويقول الخبراء أيضا "ا.ف.ب" إن العجز فى الموازين الامريكية هو السبب الأساسى
للمشاكل المتزايدة فى الاقتصاد لانه يعكس ميل المستهلكين الامريكيين للانفاق
بدلا من الادخار والاقتراض بلا أى قيود من الخارج لتمويل الانفاق.
ويقول كيرت كارل كبير خبراء الاقتصاد الامريكى لدى شركة "سويس ري" لاعادة
التأمين فى نيويورك "يتعين أن نشهد قفزة هائلة فى عوائد سندات الخزانة كمؤشر
على أن هذا البلد قد يبدأ فى مواجهة مشاكل التمويل. ولكن الوقائع تقول عكس
ذلك".
وتواجه الولايات المتحدة خطر الإنكماش الإقتصادي. ومع تفاقم أزمة القروض
العقارية، لم يجد مجلس الإحتياط الفيدرالى من سبيل للحد من التدهور سوى ضخ
المزيد من الأموال "أكثر من 200 مليار حتى الآن" الى الأسواق من الورق المطبوع
باللون الأخضر، وفى الوقت نفسه خفض معدلات الفائدة الى 2.25%، مما يدفع الى
المزيد من خفض قيمة الدولار. ويهدد برفع مستويات التضخم الى معدلات صاروخية قد
تجعل من تركيا الثمانينات نموذجا للإستقرار قياسا بالولايات المتحدة فى الأعوام
المقبلة.
هذه العوامل بدأت تنعكس بوضوح على البورصات الأمريكية والأوروبية، وذلك فى
سلسلة من الإنهيارات التى تقول ان المستثمرين يهربون بأموالهم بحثا عن مراكز
آمنة. ورأس المال جبان كما هو معروف. فى حين ان الذين يطبعون الدولارات، من دون
قيمة، هم وحدهم "الشجعان".
وقد يمكن للولايات المتحدة ان تنهب مليون برميل من النفط يوميا من العراق، مما
يخفض كلفة الحرب عليها بمقدار 100 مليون دولار يوميا "36 مليارا فى العام".
ولكن بالنسبة لبلد يستورد 9.6 مليون برميل يوميا، ويدفع من اجلها أكثر من 100
دولار للبرميل الواحد، فان العجز يظل هائلا قياسا بما كانت عليه أسعار النفط
قبل الغزو "50 دولار للبرميل تقريبا". وهذا يعنى ان الطموح بتحويل الغزو الى
مصدر للنهب والثراء، إنقلب، فى الواقع، الى كارثة.
الركود سوف يحرم الحكومة الأمريكية من القدرة على زيادة الضرائب لتمويل العجز.
وهو يعنى فى الوقت نفسه انكماش سوق الإستهلاك الذى كان يحث دولا مثل الصين
واليابان على شراء المزيد من الديون الأمريكية. وما أن يجد المستثمرون انه لم
يعد بإمكانهم تحمل المزيد من الخسائر فى قيمة الأصول التى يحملونها فانهم
سيجدون أنفسهم مضطرين الى قبول الخسارة والتخلى عن تلك الأصول.
وسبحة الإنهيار ستكرُّ من هناك "الى حيث ألقت رحلها أم قشعم".
الى الجحيم.
الى سوء العاقبة وبئس المصير.
لا قيمة للبشر. ما يهم الولايات المتحدة هو مصالحها المادية. الثقافة الغربية
كلها قائمة على إستعباد البشر وقتلهم، من ناحية، وصنع المال من ناحية أخرى.
وما لم يشعر الغربيون ان "الميزان التجاري" بين قتل البشر وصنع المال صار
خاسرا، فانهم لا ينسحبون ولا يكفّون عن القتل. هؤلاء الفاشيست لا يتألمون،
حقيقة، إلا عندما تُوجعهم جيوبهم.
وإذا ما تنبهت قوى المقاومة الى التخريب الإقتصادي، كعنصر حاسم فى المعادلة،
فان إمبرطورية الشر، كيان الوحشية الأخير، سيسقط كما لم يسقط كيان آخر.
alialsarraf@hotmail.com |
|
شبكة البصرة
|
|
الجمعة 14 ربيع الاول 1429 / 21 آذار
2008 |
|
يرجى الاشارة الى
شبكة البصرة
عند اعادة النشر او الاقتباس |