|
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ |
|
غزو العراق في ذكراه الخامسة... أندي رويل |
|
شبكة البصرة |
|
أندي رويل* |
|
وأخيراً، وبعد أن دهمتنا الذكرى السنوية الخامسة لشن الحكومتين الأمريكية والبريطانية لأكثر حرب إيغالاً في الباطل والضلال، وأشنعها وأتعسها من حيث التصورات التي قادت إلى إيقادها والأفكار البائسة اللئيمة التي أججت مرجلها، ها هو رئيس وزراء بريطانيا جوردون براون يستجمع جرأته فيعد بفتح تحقيق حول هذه الحرب. ورغم أن حكومة العمال سبق وأن أجرت من قبل أربعة “تحقيقات” سياسية، فإن هذ هي المرة الأولى التي يقرّ فيها رئيس وزراء بريطاني بضرورة القيام بتحقيق حكومي عام وشامل لاستقاء العبر الكارثية المترعة بالشؤم من هذا الصراع التعيس الذي فجروا بركانه. ويتناقض اعترافه هذا تناقضاً صارخاً ومباشراً مع تبجحات توني بلير الذي قال في العام 2005: “لقد أجرينا التحقيق إثر التحقيق، ولسنا بحاجة إلى تكرار ما صنعنا ومعاودة فتح هذه الملفات، فحسبنا ما قمنا به حتى الآن”. لذا يعتمل في النفس سؤال: ما الذي يمكن لتحقيق حكومي عام وشامل أن يعثر عليه، وماذا سيكتشف؟ سيتعين على مثل هذا التحقيق ان يستمع إلى أدلة بشأن ما إذا كانت تلك الحرب مشروعة في المقام الأول، وسيخلص على الأرجح إلى أنها لم تكن مشروعة لا من قريب ولا من بعيد. وستكون اليزابيث ويلمشوريست من بين الشهود المحوريين، ولا غرو في ذلك، وهي التي كانت قد شغلت قبل الحرب منصب نائب المستشار القانوني في مكتب الخارجية البريطانية. واستقالت ويلمشوريست في ذات اليوم الذي اندلعت فيه الحرب. وكانت تجادل وقتها وتبسط حججها التي تدور حول أنه ما لم يتم إصدار قرار ثانٍ في مجلس الأمن الأممي يخول القوى المعنية استخدام القوة وشن الحرب فإن الحرب باطلة وغير مشروعة. وجاء في خطاب استقالتها قولها إنها “لم تستطع حينها أن تتنكر لنوازع ضميرها فتجاري اللورد جولد سميث الذي كان يتبوأ آنذاك منصب النائب العام وتمضي قدماً في التعاون والتعامل معه بعد أن غير وجهة نظره وبدّل رأيه كي يتلاعب بالحقائق ويلفق الذرائع ويزوّر المعطيات ليقول إن الحرب كانت مبررة”. كما ينبغي على أي تحقيق أن يسمع من جوناثان بويل، رئيس أركان توني بلير السابق، الذي أقرّ لتوه في عطلة نهاية الأسبوع الماضي بأن الحكومتين، البريطانية والأمريكية أساءتا تقدير الأمور إلى أقصى الحدود وقللتا بشكل بالغ الخطورة من شأن مرحلة ما بعد انتهاء العمليات العسكرية واستهانتا بحجم وضخامة المهام كلها التي تنبثق بعد الحرب. والحقيقة التي لا مراء فيها أن حكومتي بلير وبوش قد استغرقتا في تلفيق الذرائع وابتداع الحجج واختراع حجج للحرب، فلم يبق لديهما ثمة من متسع ولا قدرة على فهم عواقبها كاملة أو استيعاب ما سيتمخض عن انفلات عفريت الحرب من قمقمه. ومن أمد بعيد افتضح زيف “التقارير القذرة” البريطانية والأمريكية وانكشف مدى خبث التزوير الذي استمات وهو يلوّح بشبح التهديد المزعوم الذي تمثله أسلحة الدمار الشامل العراقية. وحتى الحجّة الواهية التي تذرعوا بها لإزالة نظام صدام متعللين بدواع إنسانية، تداعت هي الأخرى الآن. وبعد مضي خمس سنوات تبدو اليوم غاية في التهافت بعد ما أدركنا ما تردى فيه العراق من كارثة كبرى يعجز المرء عن وصفها. وخلصت هيئة الصليب الأحمر الدولية مؤخراً إلى أنه: “بعد نشوب الحرب بخمس سنوات في العراق لا يزال الوضع الإنساني في معظم أنحاء البلاد من أسوأ الأوضاع وأفظعها على مستوى العالم بأسره. فنتيجة لتفجر هذا الصراع صار ملايين العراقيين لا يجدون سبيلاً إلى ما يكفي من الماء النظيف للشرب، وحرموا من أي رعاية طبية وتردّت الخدمات الصحية. والبلاد برمتها على شفير كارثة إنسانية تكاد تعم الشعب العراقي بأسره. وحين اقترب موعد الذكرى السنوية الخامسة لشن الحرب وغزو العراق انهمكت الصحافة والإعلام في التحضيرات وكثفت نشاطات التغطية الإعلامية ليتزامن كشف النقاب عنها وعرضها مع حلول الذكرى. واضطلع كثير من مؤسسات ووسائل الإعلام بمهمة إجراء دراسات ميدانية مختلفة لاستجلاء واستشفاف نوع الحياة التي يعيشها العراقيون اليوم. فإذا أخذنا في الحسبان الوضع المروع الذي يشهده عراق اليوم ندرك أن هيئة ال”بي بي سي” البريطانية قد رسمت صورة متفائلة بشكل واضح في الاستطلاع الذي أجرته وتوصل إلى أن ما يزيد على 50% من العراقيين يرون أن حياتهم “لا بأس بها”. وفي حين أن هذا الاستطلاع وهذه الأرقام تتماثل إلى حد كبير مع الإحصاءات التي تنشرها الحكومة العراقية، فإنها تخفي الانقسامات العرقية والطائفية والشروخ الاجتماعية والمذهبية التي ضربت أطنابها. وبالتأكيد، فإن جحيم ما بعد الرؤى الكارثية هذا، الذي لفح لهيبه وجه العالم وفاقت فظائعه كلّ تصور، لم يدر في خلد الرئيس بوش ولم يخطر له على بال عندما قال في عام 2003: “الديمقراطية العراقية سوف تنجح وتنتصر”. وها هو شعب العراق يقطف مرّ الثمار بعد أن عانى مما تشيب له الولدان، وتشرّد خمسه إما داخل العراق أو خارجه. كان جوردون براون قد قال عن هذا التحقيق الحكومي الشامل: “ثمة حاجة ملحّة إلى استخلاص كلّ ما يمكننا استخلاصه من دروس وعبر من العمل العسكري في العراق، وما نجم من تداعيات وما ترتب عليه من آثار”. والدرس المحوري، حسب هانس بليكس، كبير مفتشي الأمم المتحدة السابق عن الأسلحة، هو: “هناك حدود لما يمكنك تحقيقه بالوسائل العسكرية”. غير أنه كان ينبغي أصلاً أن يدرك الأمريكان والبريطانيون هذا ويعوه قبل إقدامهم على غزو العراق. وكما كان كتب روبرت فيسك، الحائز على جائزة الصحافة، الأسبوع الماضي، فإن “الدرس الوحيد الذي ما نفتأ نتعلمه أبد الدهر والمرّة تلو المرة هو ألا نتعلم أبداً ولا نتعظ”. ولسنا بحاجة إلى تحقيق عام وشامل ليخبرنا بذلك.
* كاتب صحافي محقق محلل ناقد يهتم بوجه خاص بالعولمة والسياسة والصحة والبيئة ويرصد التضليل الإعلامي |
|
شبكة البصرة |
|
الثلاثاء 18 ربيع الاول 1429 / 25 آذار 2008 |
|
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس |