|
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ |
|
السيادة والكرامة الوطنية المسجونة في العراق |
|
شبكة البصرة |
|
كمال القيسي عضو منتدى الفكر العربي |
|
في أعقاب حرب الخليج الثانية وضعت الولايات المتحدة الأمريكية العراق في دائرة حصار سياسي وعسكري وإقتصادي وإنساني شارك في تنفيذه دول كبرى وصغرى تدور في فلك الهيمنة والتبعية الأمريكية. وكان لبعض الدول العربية (الكويت، السعودية، مصر، قطر، البحرين..) دورا رياديا في دعم وصياغة وتنفيذ قرارات "مجلس الأمن" التي أودت بحياة نصف مليون طفل عراقي بسبب الحصار اللا إنساني الذي فرضته آليات برنامج "النفط مقابل الغذاء" وما قدمه حكامها من خدمات لوجستية لرفد العمليات العسكرية التي إستمرت لما بعد الحرب. في إجتماع محدود مغلق في نهاية التسعينات، سؤل الرئيس الراحل صدام حسين(رحمه الله) عن هدف الأدارة الأمريكية من وراء الأيغال في إلحاق الأذى بالعراق وأهله؟ وفيما إذا كان ذلك الأذى العظيم المتعاظم له ما يبرره؟. أجاب عن ذلك بالقول "إن هدف الولايات المتحدة الأمريكية من وراء العدوان هو مصادرة كامل الأرادة الوطنية.. وأن الأرادة العراقية هي الثمن المطلوب لإخراجنا من الأزمة الخانقة.. وأضاف بأننا غير قادرين على دفع ذلك الثمن الباهظ.. أما خسائرنا على عموم الوطن فهي عظيمة جدا بالقياس لما دفعه العراق من تكاليف مادية وإنسانية خلال تأريخه المعاصر.. إلا أننا نرى أن تلك الخسائر المفروضة علينا لها مايبررها في إطار إستنهاض وعي الأمة العربية". في 9 نيسان 2003 دخلت القوات الأمريكية بغداد وفي 16 آب من السنة نفسها قام مجلس الأمن بإصدار القرار 1511 الذي شرعن إحتلال أمريكا للعراق. ومن الملفت للنظر أن نفس الأطراف التي ساهمت بعملية "الأبادة الجماعية للعراقيين" قبل الأحتلال الأمريكي هي نفسها التي مهدت وأشتركت في تنفيذ عملية "حرية العراق" من خلال السماح بإستخدام أراضيها وتقديم الخدمات اللوجستية السابقة واللاحقة على الأحتلال. لقد ساهمت الخدمات العربية المجانية مساهمة مباشرة في التدمير الكامل للأنسان العراقي وما أنشاه من بنى تحتية ومنظومات لدولة عربية أثبتت كفائتها الأستثنائية في تعبئة الموارد البشرية والمادية في الدفاع عن هوية العراق وكرامته ووجوده وتواصله مع أمته العربية. في إطار ذلك التدمير المتعمَد، وجهت الأدارة الأمريكية وسائلها القمعية الأرهابية العسكرية والمخابراتية والأمنية بأتجاه التفكيك الكامل لمنظومات الدولة وإرهاب المدنيين المعارضين للأحتلال واختراق ورشوة الكتل السياسية والنخب المناهضة من أجل ضمان تركيعها وتبعيتها للمشروع الأمريكي. وضع المحتل دستورا إثنيا طائفيا عرقيا تكفَلت مواده غير المتسقة والغامضة المنقوصة، إفراغه من محتواه وإقحام مفاهيم وأهداف وآليات غريبة على القيم الأجتماعية المتوارثة وزرع حالة من عدم التوازن بين السلطات الثلاث (التشريعية والقضائية والتنفيذية) وقصور في الرقابة الحقيقية على القرارت السيادية والأستراتيجية. فرض المحتل مشاريع قوانين مجحفة أراد من ورائها إحتواء سيادة العراق وأستنزاف موارده النفطية على المدى الطويل (إجتثاث البعث والمسائلة والعدالة، إنتخاب المجالس المحلية، قانون النفط والغاز، قانون الموارد المالية وقانون الأستثمار وقانون البنك المركزي....). أقام المحتل حكومة مكونة من شخصيات سائبة غريبة على بعضها البعض ترعرعت في أروقة مخابراته، شريكة له في غزوه وإحتلاله وعمليات تدميره. شخصيات سلطوية ذات ولاءات مزدوجة في العمالة الأجنبية والطائفية والعرقية تدور حول محاور تنفيذ المصالح الأستراتيجية للمحتل والطامع. لقد أوجد المحتل ظروفا وآليات تنفيذية تعمل على إقصاء وقمع النخب السياسية الوطنية. لقد أوجد المحتل عملية سياسية وبرلمانا ورئاسة تعمل على تفكيك المطالب الديمقراطية للشعب العراقي وتوزيع الفوضى السياسية بأستخدامها الخداع والتضليل والتنازل والمهادنة على حساب القضايا الأساسية للشعب. أغفل المحتل الحرية الشخصية والكرامة الوطنية للعراقيين وركز إعلامه على المظاهر الشكلية للعملية الديمقراطية الممسوخة. إن أمريكا صاحبة منهج إنتقائي متعسف في إطار القانون الدولي وحقوق الأنسان والديمقراطية والبيئة. إن منهجها الأنتقائي يصاغ وفق مصالحها الأستراتيجية.. إن امريكا لايهمها بؤس الأنسان وحريته وديمقراطية مؤسساته الأجتماعية، بل يهمها أولا وأخيرا السلوك الداخلي للحكومات تجاه مصالحها الأستراتيجية. فالأدارة الأمريكية ليس لديها أي مانع أخلاقي في أن يكون الحكم في العراق بيد ديكتاتور عسكري أو مدني وأن تكون الديمقراطية شكلية غائبة ولو في حدها الأدنى. لتأكيد هذه الحقيقة، لخص سناتور من الحزب الديمقراطي الأمريكي في إجتماع له مع نخبة من الوطنيين الأحرار، الخطوط العامة لمشروع سياسي توفيقي مقترح لا تجد الأدارة الأمريكية أي حرج في الأتفاق عليه وتنفيذه : لايمكن التراجع عن العملية السياسية القائمة ولايمكن الموافقة على عودة الجيش العراقي الشرعي الأصيل. توفر القناعة في الحاجة إلى "شخصية قوية" قادرة على حكم العراق والتصدي بعزم شديد للمشاكل القائمة؟!. نحن قادرين على أن "نتعايش" مع وأن "نقبل" وجود برلمان عراقي مرمَم ضعيف يعكس ديمقراطية شكلية؟!. نحن بحاجة لحكومة تكنوقراط تعمل مع البرلمان وفي إطار رعاية مصالحنا الأستراتيجية في الأقتصاد والنفط (إقرار وتنفيذ قانون النفط وقوانين بريمر في الأستثمار الأجنبي والمصرفي وغير ذلك..)؟!. نحن بحاجة إلى إنتقاء 40 جنرال عسكري مهني عراقي يساعد في عملية بناء الجيش العراقي وتنظيم الأنسحاب الجزئي والمرحلي الآمن للقوات الأمريكية؟!. نحن بحاجة إلى البقاء الدائم في أربع أو ست قواعد عسكرية لضمان أمن الدولة والحكومة والمصالح الأمريكية المستقبلية. بالأمكان تحقيق ذلك من خلال إبرام "إتفاقية تعاون أمني وإقتصادي ستراتيجية" بين البلدين؟! في المرحلة الأولى بامكاننا تنظيم سحب وإعادة نشر قواتنا على الحدود العراقية من أجل رقابتها وإحكام غلقها امام التسلل الخارجي. وفي مرحلة لاحقة بإمكاننا سحب تلك القوات إلى الكويت بعد ضمان أمن وإستقرار الحكومة والدولة؟!. خمسة أعوام من الأحتلال.. والأستعمار الأمريكي لايزال مصرا على إدارة طقوس مجنونة في قتل العراقيين وسبيهم.. خمسة أعوام من التدمير والنزوح والتهجير القسري.. والأدارة الأمريكية مصرَة على فرض دساتير وقوانين وحكومات فاسدة تعتقد أنها تكفل لهم إستدامة البقاء وإستغلال الثروة النفطية للعراق.. خمسة أعوام من العهر الأخلاقي والسياسي.. والأدارة الأمريكية لاتزال مصرَة على فرض عملية سياسية بائسة تدير تروسها شخصيات لاتعرفهم تربة العراق.. خمسة أعوام من السجون والمعتقلات والأسلاك الشائكة والجدران الفاصلة والطائرات المحلِقة والدبّابات الساحقة.. والأدارة الأمريكية لاتزال مصَرة على كذبها ودجلها في أنها تريد الديمقراطية للعراق... أيها الأمريكان.. إن الحرية والديمقراطية والكرامة والسيادة الوطنية صيرورة تأريخية تصنعها عقول نيِرة واعية وإرادات سليمة لاتعرف الأنحطاط والمساومة.. أيها الأمريكان.. إن دمائنا لاتنتج نفطا.. إن دمائنا تنتج وطنا حرا لا يسكنه إلا أحرار... 21/3/2008 |
|
شبكة البصرة |
|
السبت 15 ربيع الاول 1429 / 22 آذار 2008 |
|
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس |