بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

أوهام المحافظين الجدد لتأجيل موعد الهزيمة في العراق

شبكة البصرة

عمر نجيب

بفارق ساعات قليلة حل ببغداد المحتلة يوم الإثنين 17 مارس ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي ومهندس الغزو الذي قادته أمريكا للعراق سنة 2003، وقبله يوم الأحد السيناتور جون ماكين مرشح الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة، وكلاهما مصنف ضمن من يسمون بالمحافظين الجدد الذين يرفضون الاعتراف بأن الولايات المتحدة تخسر الحرب في بلاد الرافدين وأن افضل السبل للنجاة مما أصبح يصطلح على تسميته بالمستنقع العراقي هو الإنسحاب السريع. ويقول بعض الملاحظين ان الرجلين ينتميان الى مجموعة أصبحت لا تسلم بحتمية الهزيمة في العراق وتأمل في ان تنجح في اقناع الأمريكيين بأنه من الممكن ربح الحرب وضمان الرخاء الموعود خاصة فيما يخص الطاقة عندما تضمن الولايات المتحدة مخزونا عراقيا من النفط يفوق حجمه 252 مليار برميل.

زيارة تشيني لتفقد ما يعتبره صقور البيت الأبيض آخر ما ضم الى أراضي الإمبراطورية الأمريكية هي الثامنة وكذلك هي الثامنة للعراق بالنسبة لجون ماكين الذي لم يتعظ من دروس حرب الفيتنام التي شارك فيها وإسر خلالها عندما اسقطت طائرته بصاروخ فيتنامي شمالي سنة 1967 وأمضى في الأسر خمس سنوات ونصف السنة في معتقل "هانوي هيلتون" كما سماه الأمريكيون.

 

زراعة الاوهام

تشيني ذكر ان الهدف من زيارته هو تقييم ما يسميه ساسة البيت الأبيض التقدم الذي حققته القوات الإضافية الأمريكية في العراق ومعاينة التغييرات التي طرأت منذ اخر زيارة له في مايو2007، وذلك قبل أيام معدودة من ذكرى مرور خمسة أعوام على بدء الغزو في 19 مارس 2003.

المقاومة العراقية كدرت أجواء الزيارة التي أراد منظموها اعطاءها مظهرا احتفاليا بقصف المنطقة الخضراء المحصنة فور وصول تشيني اليها وقتلت جنديين أمريكيين، إضافة إلى هجمات أخرى أخطرها تفجير نفذته امرأة في كربلاء، أوقع نحو 58 قتيلاً و91 جريحا، في حين سقطت صواريخ كاتيوشا على القنصلية الأمريكية في بابل.

وفي اليوم الثاني لزيارة نائب بوش هاجمت المقاومة قاعدة بلد الواقعة على مسافة 70 كلم شمال بغداد التي كان يمضي الليلة بها، وسمع دوي القذائف المدفعية بين الثانية والسادسة صباحا في محيط القاعدة الضخمة التي كانت قبل الإحتلال مركزا هاما لوحدات الجيش العراقي وخاصة وحدات الحرس الجمهوري، لكن مسؤولين عسكريين أمريكيين ادعوا ان القصف كان مقررا مسبقا وقد استهدف معاقل

 للمقاومة وليس على علاقة بزيارة تشيني.

تصريحات تشيني التي تحدثت عن تقدم تذكر بتلك الصادرة عن ادارة بوش قبل خمس سنوات يوم الأربعاء 19 مارس حين بدأت حملات القصف المعروفة بـ "الصدمة والترويع" بأسلحة معدة للحرب العالمية الثالثة تمهيدا لما اطلق عليه الرئيس الامريكي "عملية الحرية من اجل العراق" والتي قدر الخبراء الامريكيون انها لن تحتاج الا الى ستة اشهر لانهاء نظام الرئيس صدام حسين وتنصيب نظام

 موال للغرب والشروع في استغلال بترول العراق. ولكن بعد اشهر قليلة من تلك الوعود بذلت ادارة البيت الابيض جهودا كبيرة لمحو وعودها من ذاكرة الناس فلم ينجحوا سوى جزئيا.

وكما قال صحفي عربي "فإن لا أحد بمقدوره أن يبقى مصدقا حكومة الإدارة الأمريكية للرئيس بوش، بعدما تعمقت في غوصها المتلاطم، ضمن أوحال الأكاذيب، وها هي باتت تنوء بأوزار احتلالها الخاطئ للعراق، منذ خمسة أعوام مضت، ويدونها التاريخ رغما عنها، بأنها تاريخ فشل.

وسيبدو حال الإدارة الأمريكية الجديدة غير محمود العواقب والتبعات وليس محسودا، حال تسلم التركة المشوهة من المنجزات والسياسات العجيبة، التي ستخلفها رئاسة بوش الراحلة بالتأكيد إلي كمونها المخزي في مذكرات الفشل واستحضارات الإخفاق.

فالعراق شوكة النضال والصبر على القهر، سيكون السر الذي لم تكتشفه أمريكا بعد، عندما تسعى إلي جرد خساراتها المريرة بالدماء قبل الدولارات، وقبل أحلامها في نهب النفط، وسعيها في تهديم معالم الحضارة والتاريخ المدون في أوردة شعب الرافدين، ذلك الشعب المقاوم دون شك، الذي حمى الرسالة الإنسانية، فبقيت عصية على الغزاة والغرباء والمتطفلين، في كل زمان من أزمنة الخير والشر".

 

بعض أهداف تشيني

تشيني الذي ذكر بعض الصحفيين المرافقين له -ربما من باب المزاح- انه يتطلع ليكون نائبا لماكين اذا فاز في انتخابات نوفمبر 2008، قال ان بوش طلب منه إعادة تأكيد دعم الولايات المتحدة الراسخ للحلفاء العراقيين، واشار الى تحسن الوضع الأمني إلا أنه حذر من أن ذلك لا يعني تلقائيا سحب مزيد من القوات الأمريكية من العراق بعد يوليو. وأكد أن مستوى القوات في العراق ستحدده "الظروف على الأرض في الأشهر المقبلة غير انه اضطر للاعتراف ان الوضع  "صعب ومليء بالتحديات".

وكشف مسؤول امريكي رفيع المستوى رافق تشيني عن بعض الأهداف غير المعلنة تتعلق خاصة بإنقاذ مشاريع البيت الأبيض لإستغلال ثروات العراق الضخمة من النفط في وقت توجد الولايات المتحدة في أمس الحاجة اليها، حيث انه أكد ضرورة الى الاستمرار في تحقيق تقدم وخصوصا من حيث اقرار مشاريع مهمة مثل قانون استغلال النفط والغاز الذي سيسمح لأول مرة منذ سنة 1972 للشركات الأجنبية بإستغلال أكبر مخزون عالمي من النفط، إضافة الى تشريعات تمهد الطريق لتقسيم

 العراق بإسم قوانين الاقاليم والانتخابات المحلية التي ستجري في الاول من اكتوبر 2008 والتي تريد الإدارة الأمريكية ان تكرس التقسيم والمحاصصة الطائفية.

من جانبه كشف نوري المالكي حليف واشنطن في المنطقة الخضراء، ان موضوع محادثاته مع تشيني كان الاساس "القانوني" لما سماه "اتفاق وضع القوات" الامريكية في العراق بعد انتهاء العمل اوائل العام المقبل بقرار مجلس الامن الدولي الخاص بالقوة "متعددة الجنسيات" الذي مرره الأمريكيون ليعطوا لقواتهم صفة دولية بدل من قوة احتلال. وبمعنى آخر وضع أسس لوجود عسكري أمريكي كثيف وطويل الأمد في العراق على أساس اتفاقيات ثنائية مع المالكي.

وهذا تجاهل كامل لحقيقة ان القانون الوحيد النافذ في العراق منذ عام 2003 كان قانون الاحتلال والحرب وان هذا القانون هو الذي سوف يظل نافذا طالما بقيت قوات أمريكية فوق أي جزء من التراب العراقي وطالما بقي أي اثر سياسي لما انبثق عن الاحتلال من نظام ومؤسسات، وهذا القانون باطل وبالتالي فإن كل ما يقوم عليه لا يملك أية قيمة.

تشيني لم ينس ان يطرح املاءاته على العرب وهو في بغداد حيث حث حكوماتهم الحليفة لواشنطن على إرسال سفرائها الى العراق كخطوة رئيسة للحد من التحفظ السائد حول شرعية النظام القائم في بغداد.

 

انفراط عقد التحالف

كما حاول نائب الرئيس الأمريكي التهوين من انفراط تحالف الإحتلال حيث قال امام العسكريين في قاعدة بلد الجوية شمال بغداد في اليوم الثاني من زيارته  "ستبقى الولايات المتحدة في العراق حتى لو تعب الاخرون من بذل الجهود".

 واوضح ملاحظون ان تشيني كان يشير الى المعارضة المتنامية للحرب في الولايات المتحدة والانسحاب المتتابع لقوات الدول التي شاركت في الاحتلال.

وانتقد مطالب الديموقراطيين بسحب القوات الامريكية من العراق قائلا "مع فهمنا لكل اخطار هذا العصر الجديد لا ننوي التخلي عن اصدقائنا او السماح بتحول هذا البلد الى منطقة لشن المزيد من الهجمات على الامريكيين". وقال "اذا عاودتم النظر الى هذه السنوات الخمس فستجدون انها كانت محاولة صعبة وتنطوي على تحد لكنها ناجحة... وتستحق تماما الجهد الذي بذل من اجلها".

ويسجل الملاحظون ان زيارة تشيني لعاصمة الرشيد جاءت مباشرة في اعقاب استقالة الادميرال وليام فالون، الملقب امريكيا بـ"الثعلب"، قائد القيادة الوسطى الامريكية التي تقود الحربين الاستعماريتين على افغانستان والعراق والمعارض علنا للنهج المغامر الذي يتبناه بوش ونائبه. ورغم ان الكثير من وسائل الإعلام خاصة في الغرب ربطت الإستقالة بخلاف على الملف الإيراني إلا ان خبراء عسكريين في الولايات المتحدة والمانيا أكدوا ان الخلاف تركز على العراق حيث تفشل تباعا المخططات العسكرية الأمريكية وان كان بعضها يكون واعدا في البداية.

ومن المعروف ان الثعلب كان معارضا لخطة بوش الجديدة اوائل عام 2007 لاحلال الأمن في العراق انطلاقاً من العاصمة بغداد بزيادة ثلاثين الف جندي الى عديد قوات الاحتلال وقد وصف فالون، مواجهة وعلنا، مرؤوسه قائد هذه القوات الجنرال ديفيد بترايوس المؤيد لهذه الخطة بانه "جبان صغير يقبل المؤخرات" بسبب "بصم" بترايوس على كل ما يريده بوش دون ادنى معارضة.

 

امريكا وإسرائيل وإيران

ويتوقع المراقبون انه اذا لم تسحب واشنطن قواتها قبل نهاية سنة 2008 فمن المرجح انها ستبقى وحيدة الى جانب القوات الخاصة الإسرائيلية والقطعات الإيرانية المتخفية تحت غطاء مليشيات محلية. فالتحالف الدولي حول الأمريكيين في العراق مستمر في الانحسار منذ خمسة أعوام وبات يقتصر حاليا على حفنة من الدول أرسلت وحدات عسكرية إلى هذا البلد طمعا في نيل رضا واشنطن عنها.

في مايو 2003 كانت قوات التحالف تضم 150 ألف أمريكي و23 ألفا من 40 دولة.

لكن الآن، انخفض عدد الدول إلى 26 في حين يوجد نحو 10 آلاف عسكري غير أمريكي من أصل 168 ألفا ينتشرون في العراق حاليا.

وجاءت غالبية العسكريين غير الأمريكيين من دول كانت تدور في فلك الاتحاد السوفييتي السابق وسيغادر معظمها العراق في وقت قريب.

وفي الدول الغربية، يتجه الرأي العام إلى معاقبة السياسيين الذين أيدوا حرب العراق كما حدث لرئيس الوزراء في استراليا جون هاورد والاسباني خوسيه ماريا أثنار والايطالي سيلفيو برلوسكوني.

من جهتها، عمدت بريطانيا الحليف الوثيق لواشنطن إلى خفض عديد كتيبتها إلى  2500 عسكري يتمركزون في محيط مطار البصرة في حين قررت استراليا سحب وحدتها المكونة من 550 عسكريا الصيف المقبل كما سيغادر 900 عسكري بولندي العراق في أكتوبر وستبقى وحدات من جورجيا ورومانيا وبلغاريا وألبانيا وتشيكيا وأرمينيا ومقدونيا والبوسنة واستونيا وليتوانيا ولاتفيا ومولدافيا وأوكرانيا وكازاخستان وأذربيجان والسلفادور وجزيرة تونغا.

وغالبية وحدات هذه الدول صغيرة الحجم مثل الكتيبة المولدافية التي تضم 12 مهندسا أو تكون مهامها لوجستية مثل طائرات النقل اليابانية.

بالإضافة إلى ذلك، فان تكلفة مشاركة حوالي 20 دولة من أفقر دول التحالف تدفعها واشنطن. ووفقا لتقرير الكونغرس الأمريكي فان فاتورة مشاركة هذه الدول بين مارس 2003 ومايو 2007 بلغت مليار ونصف المليار دولار.

 

وريث بوش

جون ماكين الذي حل ببغداد بوصفه عضوا في بعثة تقصي حقائق تتبع لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ الامريكي ومعه حليفاه في مجلس الشيوخ جو ليبرمان ولينزي جراهام والذي يعتبره انصاره وريث بوش، قال كلاما مشابها ان لم نقل منسوخا لتشيني، فذكر أنه يزور العراق لنقل دعم الولايات المتحدة ووقوفها لتحقيق الأمن وهزيمة المسلحين والمساهمة في إنجاز مشاريع البناء والاعمار.

وأعرب السيناتور جون ماكين عن ارتياحه للتقدم على المسارات الأمنية والسياسية والاقتصادية والمصالحة الوطنية. وقال إن الولايات المتحدة تخوض حربا طويلة الأمد ضد الإرهاب وقد أصبح العراق جبهتها الأساسية. وأشاد ماكين بالجنرال ديفيد بترايوس قائلاً إن الولايات المتحدة ارتكبت أخطاء في السنوات التي تلت إسقاط النظام العراقي لكن الإستراتيجية الجديدة حققت المكاسب.  وعارض ماكين بشدة تحديد جدول زمني للانسحاب قائلا: "إذا حددنا موعدا للانسحاب من العراق كما يريد السناتور اوباما والسناتور كلينتون فسيعني ذلك الاستسلام وسيكون في إمكان خصومنا أن يقولوا إنهم هزموا الولايات المتحدة.

 وسنضطر إلى العودة وإلى تقديم مزيد من التضحيات في الأرواح والأموال".

 

الاكاذيب

الواضح ان المحافظين الجدد مصرون على السير حتى النهاية في مغامرة حرب العراق وهم يواصلون محاولة خداع العالم ومواطنيهم، رغم ان دراسة حديثة نشرت في واشنطن كشفت أن الرئيس الأمريكي وكبار مستشاريه أدلوا بـ 935 إفادة رسمية خاطئة تتعلق بالعراق.

ووفق الدراسة التي صدرت عن مجموعة صحفية غير ربحية، هي مركز الأمانة العامة وصندوق دعم الصحافة المستقلة، تم احصاء 232 إفادة كاذبة لبوش وبلغ رصيد رايس 56 إفادة، وتشيني بـ48.

بعد نهاية زيارة تشيني وماكين للعراق تسلم مهمة شحن ملف الدفاع عن الحرب الرئيس بوش، مدعيا انتصار قواته في العراق على ما أسماه بـ"الإرهاب"، رافضا التراجع عنه رغم الثمن الباهظ الذي كلفته.

وحذر بوش في كلمة ألقاها بمقر وزارة الدفاع "البنتاغون" بولاية فيرجينا في الذكرى الخامسة لبدء حرب العراق من انسحاب متسرع للامريكيين، قائلا إن الجدل ما زال قائما بعد خمس سنوات على الحرب لنعرف ما اذا كانت تستحق العناء الذي تكبدناه.. وما اذا كنا سننتصر فيها.

وأضاف ان "الردود واضحة بالنسبة لي طرد صدام حسين من السلطة كان القرار الجيد وهذه معركة يمكن للولايات المتحدة ويجب عليها كسبها، وأوضح بوش بانه خلال الحرب توالت لحظات النصر ولحظات المآسي بالتناوب، كما أقر بان الكلفة البشرية والمالية للحرب مرتفعة.

وأشاد بوش في خطابه بما سماه التغيير الاستراتيجي الذي ادخل في 2007 عندما كان العنف يهدد بالانتقال الى مستوى الابادة، وقال إن هذا التغيير ادى الى اكثر من قلب الاوضاع في العراق، مبينا أنه فتح الباب لانتصار استراتيجي كبير في الحرب الاوسع على الارهاب.

وواصل الرئيس بوش هجومه على معارضي الحرب قائلا: ان معارضي الحرب يفقدون مصداقيتهم عندما يقولون نحن نخسر الحرب ملوحا بخطر من سماهم الارهابيين.

المرشحة الرئاسية الديمقراطية هيلاري كلينتون تصدت لأقوال بوش وتشيني، فقالت يوم الثلاثاء "لا يمكننا الفوز بحرب العراق"، وأكدت أن السياسة الأمريكية بشأن العراق عند مفترق طرق وإن الحرب أضعفت القوة العسكرية والاقتصادية الأمريكية وألحقت الضرر بالأمن القومي الأمريكي وأزهقت أرواح نحو أربعة آلاف أمريكي وخلفت آلاف الجرحى. وأضافت أنها إذا انتخبت فستجتمع بالمستشارين العسكريين وتطلب منهم وضع خطة لسحب القوات الأمريكية خلال 60 يوما من توليها السلطة في يناير 2009. وكانت هيلاري قد أشارت في عدة مرات سابقة وخاصة خلال حملتها الانتخابية الى ان إدارة بوش تكذب وتغالط.

 

آلة الدعاية

وقد وصف باتريك كوبيرن مراسل صحيفة "الاندبندنت" البريطانية في العراق والشرق الاوسط الحرب على العراق بأنها "حرب أكاذيب منذ البداية وحتى النهاية"، وقال ان كل الحكومات تكذب وقت الحرب غيرأن آلة الدعاية الامريكية والبريطانية في العراق على مدار السنوات الخمس الماضية كانت أكثر زيفا من أي نزاع آخر، وقال كوبيرن في المقال الذي نشر يوم الأربعاء 19 مارس "ان نتيجة هذا الامر كانت صورة لعراق رسمي يقترب من الخيال وعدم قدرة على التعلم من الاخطاء بسبب رفض الاعتراف بوقوع أي خطأ، واشار كوبيرن الى ان حرب العراق نفسها بدأت بكذبة، فمنذ خمس سنوات مساء يوم التاسع عشر من مارس 2003 ظهر الرئيس الامريكي جورج بوش على شاشات التليفزيون ليعلن ان الاجراء العسكري بدأ في العراق، وكان هذا القول اشارة مستترة لمحاولة قتل الرئيس صدام حسين من خلال اسقاط اربع قنابل زنة كل منها ألفا رطل واطلاق 40 صاروخ كروز على قصر يحمل اسم "الدرة" في جنوب بغداد حيث كان من المفترض ان صدام يقيم فيه في مخبأ تحت الارض، ولم يؤد هذا الهجوم الا لمقتل مدني واحد واصابة 14 آخرين بجروح من بينهم تسع نساء وطفل واحد. وفي السابع من ابريل 2003 اسقط السلاح الجوي الامريكي اربع قنابل اخرى على منزل قيل ان صدام شوهد فيه في بغداد وقال ديك تشيني نائب الرئيس الامريكي وقتها "اعتقد اننا تمكنا من صدام حسين"، غير ان صدام لم يصب بأذى لأنه لم يكن في هذا المكان من الاساس لكن الهجوم اسفر عن مقتل 78 مدنيا ودافع قائد عسكري امريكي عن هذه الهجمات وقال انها اظهرت "قدرات امريكا وعزيمته.

 

الرابحون

 وتساءلت الاندبندنت في مقال آخر عن من ربح من الحرب على العراق؟ وخلصت إلى تصنيف الرابحين والخاسرين من جراء هذه الحرب التي سماها البعض مقامرة الامبرالية الجديدة، مؤكدة أن أكثر الرابحين كان نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني لأنه لا يزال في منصبه ولأن شركة هاليبورتون التي كان يرأسها ويملك جزء من رأسمالها استفادت ماديا من الحرب وجنت عقودا تزيد قيمتها على 16 مليار دولار. وأشارت إلى أن من بين الرابحين أيضاً السير جون سكارليت الذي صاغ مع مدير مكتب توني بلير "لاستير كامبل" التقرير عن أسلحة الدمار الشامل في العراق وانتقد لسماحه باستعمال جهاز الاستخبارات لأغراض سياسية. إلا أن بلير كافأه بتعيينه على رأس المخابرات الخارجية.

وأوضحت أن توني بلير الذي كان ربما تمكن من الاستمرار في رئاسة الحكومة البريطانية لو لم يلطخ تورطه في العراق سجله السياسي، ولكن مع الملايين التي يجنيها اليوم، يعتقد البعض أنه من الصالح تصنيفه في خانة الرابحين.

 

الفضائح

عمليات فضح كذب ونفاق وتلاعب المحافظين الجدد بالحقائق لا تتوقف ففي الوقت الذي كان فيه تشيني وماكين يدنسان بأقدامها أرض الرافدين ويتحدثان عن تحقيق تقدم في الأمن وأوضاع المعيشة، أصدرت منظمة العفو الدولية تقريرا ينسف كل ادعاءات واشنطن.

فقد جاء في تقرير المنظمة ان العراق لا يزال من البلدان الاكثر خطرا في العالم بعد خمس سنوات على تدخل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لاطاحة الرئيس الراحل صدام حسين, وقد تسبب انعدام الامن بنزوح اكثر من اربعة ملايين عراقي.

وكتبت المنظمة المدافعة عن حقوق الانسان ومقرها في لندن في تقرير بعنوان  "مجزرة ويأس, العراق بعد خمس سنوات", ان "العراق هو من البلدان الاكثر خطرا في العالم".

ولفتت الى ان "مئات الاشخاص يقتلون كل شهر في العنف السائد, فيما حياة عدد لا يحصى مهددة كل يوم بالفقر وانقطاع الكهرباء وامدادات المياه ونقص الغذاء والمنتجات الطبية ناهيك عن العنف المتزايد ضد النساء والفتيات".

ورات المنظمة ان الاعتداءات وعمليات القتل التي تقوم بها الميليشيات الطائفية والتعذيب وسوء المعاملة من قبل القوات المسيطرة واحتجاز الاف الاشخاص  -يقدر عددهم حاليا ب60 الفا- غالبا بدون توجيه تهمة وبلا محاكمة, كان له  "اثر مدمر مما تسبب بنزوح اكثر من اربعة الاف عراقي".

واضافت العفو الدولية ""ان ملايير الدولارات انفقت لكن اليوم لا يزال ثلاثة عراقيين من اصل اربعة محرومين من مياه الشرب ونحو ثلث السكان حوالى ثمانية ملايين يعتمدون على المساعدة العاجلة للعيش".

واشارت الى ان نصف الشريحة العاملة من السكان عاطلة عن العمل وان اربعة