بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

تدمير تراث العراق وتصفية علمائه

جريمة أميركية صهيونية إيرانية منظمة
الحلقة الثانية

شبكة البصرة

حسن خليل غريب

مقدمة الكتاب

من الطبيعي أن يتابع المثقف العربي، أو الأجنبي، أهداف الاحتلال الأميركي المعلَنة ويرصد ما يجري تنفيذه على الأرض، خاصة وأن أجهزة الإعلام تنجذب حول الملموس منها، ولا تصل إلى عمق أهداف أخرى لا تشد إليها المراقب العادي.

من الطبيعي أن يشد المثقف، حتى المواطن العادي، حجم ما يُلحقه الاحتلال الأميركي للعراق من خسائر تطول الأرواح البشرية ومن تهديم في البُنى التحتية، وهي تقع تحت عدسات التصوير وتحت مرمى الخبر اليومي. ولهذا انشد الاهتمام وانحصر في هذا الجانب من دون غيره.

بينما كانت الجوانب الأخرى، ومنها ما لا يقع تحت مرمى العدسة والخبر، مسألتان:

- الأولى وهي هول الآلام والمعاناة التي يكابدها المواطن العراقي إزاء ما ترتكبه قوات الاحتلال المنظمَّة، وما ترتكبه الميليشيات المنفلتة من دون أي رادع أخلاقي أو وطني.

- الثانية وهي صورة التدمير الثقافي الذي يطول كل معالم التراث الثقافي والحضاري للعراق، الذي على الرغم من أن قطاعاً نخبوياً من المثقفين يهتم به، ويلاحق مظاهره وأهدافه، إلاَّ أن هذا الجانب لم يحصل على اهتمام عام، بل ظلَّت معظم جوانبه تحت ستار التعتيم.

إذا كان الاهتمام بالجانب الأول يأتي بالدرجة الثانية من اهتمام الكُتّاب والباحثين والصحفيين بعد الاهتمام بجوانب الصورة الأكثر التقاطاً للصورة والخبر، فإن مسألة التدمير الثقافي في العراق ظلَّ الجانب الأكثر عرضة للتعتيم عليه. وهذا هو الجانب الذي سيشكل العمود الفقري لبحثنا هذا.

ليست الأهداف الاقتصادية للأطماع الرأسمالية الأميركية والصهيونية العالمية إلاَّ الهدف الأبرز الذي يحظى بالاهتمام الأكبر في منظور الكثرة الساحقة من الرأي العام العربي والدولي.

وإذا كان وجه النهب الاقتصادي يعتبر الوسيلة الأساسية لإحداث تراكم في عامل القوة والسيطرة بما يسمح باحتكار كل وسائل القوة العسكرية والاقتصادية كعامل إخضاع أساسي لكل شعوب العالم الأخرى، إلاَّ أن لمشروع الأمركة والصهينة وجهاً إيديولوجياً آخر، وهو تتويج الهيمنة الاقتصادية والعسكرية بحماية فكرية لهما، أي فرض الفكر الرأسمالي والصهيوني ثقافة أساسية عند الشعوب الأخرى، التي إذا جرى تعميمها وتعميقها لتصبح نسيجاً أساسياً في ثقافة الشعوب يصبح من العسير على أية ثقافة أخرى مضادة لها أن تشق طريقها وتضع نفسها في موقع العداء معها، لأنها ستفتقد العمق الشعبي الذي يحتضنها ويدافع عنها.

فمسألة الثقافة والحضارة تشكل المحور الاستراتيجي الطويل الأمد لكل من تيار الأمركة والصهينة:

- أميركياًً تم تلخيصه باستراتيجية «حرب الأفكار» التي وضعت أسسها النخبة الاقتصادية والعسكرية والفكرية والسياسية، لما تم تسميته بـاليمين الأميركي المتطرف.

- وصهيونياً تم تلخيصه بالعمل على نصرة وإنجاز مشروع شعب الله المختار. ومعالمه التنفيذية ستظهر فيما تزعم الصهيونية أنها معركة هرمجدون، على أرض فلسطين، حيث ستنتصر فيها قوى الخير على قوى الشر.

إن التحالف الاستراتيجي بين الرأسمالية والصهيونية يعمل على اجتثاث كل فكر يناهض فكرهما، حتى ولو بالقوة بشتى أساليبها ووسائلها. الأولى بأسلوب ما يُسمى بحتمية انتصار حرب الأفكار، والثانية بأسلوب انتصار الحتمية الإلهية.

نتيجة تلك الحرب التي تُشنُّ على العراق التي ظاهرها السيطرة على النفط، نتساءل كيف تدور الحرب الخفية الأخرى ضد كل ما له علاقة بمعالم ثقافية أو حضارية في العراق.

لقد حاولنا من خلال بحثنا، على قلة المصادر التي عثرنا عليها، أن نحصر اهتمامنا بمسألتين:

- تعريف التراث الثقافي والحضاري كتراكم معرفي تاريخي في العراق، وأهمية هذا التراث والخطورة التي يشكلها بقاؤه حياً على المشروع الإيديولوجي لليمين الأميركي المتطرف من جانب، وعلى مشروع الحتمية الإلهية التي تؤمن بها الصهيونية العالمية من جانب آخر.

- التعريف بالتراث الثقافي الحديث والمعاصر، بمعالمه وإنجازاته الحضارية العلمية النهضوية التي كان النظام الوطني في العراق قد حقق قفزات نوعية على طريقها طوال خمسة وثلاثين عاماً من عمر ثورة 17-30 تموز. وهو يشكل خطورة على المشروعين معاً كطرفين متحالفين على أسس رأسمالية من غير مصلحتهما أن تتحول الشعوب الأخرى إلى مجتمعات منتجة تنافس الجشع الرأسمالي ووحشيته في السيطرة على آلة الإنتاج واحتكارها.

فحول الجانب الأول ألقينا الضوء، على مقدار ما حصلنا عليه من معلومات قليلة، من العمل المشترك بين تحالف الأمركة والصهينة في العراق في تدمير كل معالم التراث التاريخي (أثاراً مادية ومخطوطات)، أو سرقتها.

أما تدميرها فلأن الصلاة اليهودية تقول: «مبارك أنت ربنا ملك العالم لأنك دمرت بابل المجرمة».

وأما السرقة فلأن الألواح الطينية والفخارية والحجرية تقدِّم معلومات تتعارض مع التوراة الْمُتداولة حالياً، وقد تُناقضها مما يُسَبِّبُ حرجاً للأصوليين اليهود الذي دأبوا على إتلاف كل ما يُعارض توراتهم من كتابات قديمة، ولا يمكن للمخطط الصهيوني من أجل إثبات رؤيته الإيديولوجية أن يكتمل إلاَّ بالحصول على تلك الوثائق، أو تدمير كل تلك المعالم التي تتناقض مع تلك الادعاءات.

ولهذا اقتسم المتحالفان الاهتمامات إذ انصبت جهودهما معاً على تدمير أو سرقة ما له علاقة بالرؤية الإيديولوجيا الصهيونية، ووضعها بين أيدي المخابرات الصهيونية لصالح المؤسسة الدينية اليهودية، واستفادة المافيات الأميركية بشكل خاص من تهريب الآثار العراقية لبيعها والمتاجرة بها.

أما عن الجانب الآخر، وهو الوجه الحضاري المعاصر، فانصبت جهودهما معاً من أجل تدمير كل المنجزات النهضوية المادية المدنية والعسكرية، والمختبرات العلمية في الجامعات العراقية وغيرها. وتعاونا على ملاحقة العلماء العراقيين من خلال أكثر من أسلوب ووسيلة:

- تبتدئ باجتذابهم للعمل في المختبرات والجامعات، في أميركا والكيان الصهيوني أولاً، ولمن تستطيع من الجامعات الغربية الأخرى اجتذابه ثانياً. ومنعهم من العمل في أية جامعات أخرى تظهر، أو قد تظهر العداء للتحالف الرأسمالي – الصهيوني.

- وتمر عبر التهديد والوعيد، والخطف والقتل لمن لا يستجيب.

تلك القضايا، قمنا بمعالجتها وإلقاء الضوء عليها بمقدار ما استطعنا الحصول عليه.

وتبقى الإشارة إلى أن النظام الإيراني قد دخل على خط الاستفادة وانتهاز فرصة صيد الفريسة العراقية، لكي يلتقط بعض الفتات، واستكمل عملية اجتثاث ما استطاع تدميره من التراث، لطمس معالم أية آثار عربية أو إسلامية تتناقض مع مشروعه المذهبي من جهة، ومن جهة أخرى ملاحقة كل العسكريين العراقيين الذين أسهموا في الانتصار على إيران في معارك القادسية الثانية، لذا قام باستغلال خيمة الاحتلال الأميركي من أجل أن يثأر منهم.

على هذا الأساس، فقد قسمنا بحثنا إلى ثلاثة أبواب:

- الباب الأول: تحت عنوان (تدمير تراث العراق منهج إجرامي منظَّم)، ويتضمن فصلين:

- الفصل الأول: فصل تمهيدي عن التراث والثقافة والحضارة

- الفصل الثاني: التدمير المنظَّم لمعالم الثقافة في العراق

الباب الثاني: علماء العراق في ميزان الأهداف الأميركية والصهيونية، ويتضمن فصلين:

- الفصل الثالث: من هم العلماء العراقيون؟

- الفصل الرابع: الأمركة والصهينة صاحبة المصلحة الأولى في تصفية علماء العراق.

- الباب الثالث: ويتضمن فصلاً واحداً:

- الفصل الخامس: حماية تراث العراق وعلمائه قضية قومية وإنسانية.

إننا إذ نقدِّم هذا الجهد، على الرغم من علمنا بأنه قاصر عن الإلمام بكل جوانب الموضوع، إلاَّ أن دافعنا كان واجب التأليف فيه، كمقدمة لتطويره وإغنائه فيما بعد بما له من أهمية إستراتيجية نتوخى أن تشكل أحد جوانب الثقافة العربية في المستقبل، وهذا ما يحدونا إلى دعوة الباحثين العرب بشكل عام، والعراقيين بشكل خاص، ممن لهم باع أطول في هذا الحقل، إلى تطوير ما بدأنا به، خاصة وأن استفادتنا من أبحاثهم ومقالاتهم دلَّت على سعة خبرتهم ومعلوماتهم في هذا الحقل المهم.

حسن خليل غريب

لبنان في كانون الثاني 2008

 

 

الباب الأول

تدمير تراث العراق منهج إجرامي منظِّم

 

الفصل الأول

عن التراث والثقافة والحضارة

أولاً: تعريفات نظرية

1- تعريف التراث

«تعني، كلمة التراث، عند علماء الاجتماع، النظم الثقافية والعادات والتقاليد التي انتقلت من جيل إلى جيل، واستقرت في المجتمع»، وكانت (heredity) تعني إلى وقت قريب جداً «الانتقال من جيل إلى جيل بالطريق البيولوجي»، أما (heritage) فكانت تدل على «الانتقال بالطريق الاجتماعي»، وفي أواسط القرن العشرين أصبح كثير «من العلماء الأجانب يطلقون كلمة (heritage)، أو الوراثة، على كلا النوعين، ويتحدثون عن الوراثة الحيوية (biological heredity)، والوراثة الاجتماعية أو الثقافية، ويقصدون التراث الثقافي».

فـ«التراث الثقافي هو مجموعة النماذج الثقافية التي يتلقاها جيل من الأجيال عن الأجيال السابقة، وهو من أهم العوامل في تطور المجتمعات البشرية، لأنه هو الذي يدفع المجتمع إلى السير خطوة جديدة في سبيل التطور، فعن طريق دراسة ذلك الإرث يصل العلماء إلى التجديد والابتكار». «وتختلف الجماعات البشرية من حيث ضخامة إرثها الثقافي، فبعضها ذات إرث ثقافي ضخم يرجع إلى ماضٍ سحيق، وبعضها الآخر ذات إرث خفيف غير عميق، لا يكاد يرجع إلى عدة قرون»([1]).

فالتراث، إذاً، هو القيمة المرجعية الأساسية للأمة، لذلك تعمل الأمم المستحدثة بصورة هجينه على اصطناع، ومحاولة خلق تقاليد، تشكل لها ماضياً تمكن مقارنته بالتراث. وعلى سبيل المثال فإن زوار المتحف القومي الأميركي ينقلون دهشتهم لعدم احتواء هذا المتحف على ما يمكن تسميته بالآثار أو بالتراث. حتى إن مدخل المتحف يحتوي على مكتب بريد من طراز مجمعات رعاة البقر لما يمض عليه سوى بضعة عقود.

والمسألة التراثية هي هاجس إنساني لا يهم فقط الأمة صاحبة التراث، بل يهم الإنسان الذي يعيش ثمار تراكمية المعارف في التراث الإنساني بحضاراته المتعاقبة المختلفة. وتراثنا العربي هو جزء من أهم أجزاء هذا التراث الإنساني([2])؟...

 

2- تعريف الثقافة:

الثقافة هي استجابة الإنسان لإشباع حاجاته الضرورية... مثل المأكل والمشرب والملبس... والمعيشة في طمأنينة، واتقاء الأمراض وإشباع الدوافع الجنسية... والرغبة في التعلم والمعرفة، والحيوان يلجأ إلى غريزته، والإنسان إلى عقله ليبدع له وسائل وطرقاً ينظم بها تلك الحاجات، والإنسان ينشئ تلك الوسائل، ويغيِّر فيها، ويتعلمها عن أجيال سابقة... فالثقافة تتميز بثلاث خصائص رئيسية:

- أنها إنسانية.

- أنها تنتقل من جيل إلى جيل، أو من وسط اجتماعي إلى وسط آخر، ويضيف إليها نماذج جديدة.

- أنها قابلة للتعديل والتغيير، وفق ما يحيط بالإنسان من ظروف خاصة جديدة.

فالثقافة تشمل نماذج الحياة الاجتماعية بأسرها: كالنماذج العائلية والاقتصادية والدينية والأخلاقية والتربوية والجمالية والسياسية واللغوية والعلمية([3]).

 

3- تعريف الحضارة:

ثمة معان كثيرة لكلمة حضارة، ولم يُتَّفق على معنى واحد لها، بل اكتسبت مفهومين عامين:

- الأول: هي «شكل من أشكال الثقافة» نجد منها ثلاثة: استخدامها بمعنى واحد مع الثقافة، أو هي الثقافة حين تتميز بخصائص معينة، أو عندما تبلغ درجة واضحة من الرقي.

- الثاني: مقاربة الحضارة مع الثقافة، فالثقافة تنكمش حتى تصير معبِّرة عن الأفكار، بينما الحضارة تدل على المبتدعات الإنشائية.

يفرِّق علماء القرن العشرين بين الثقافة والحضارة دون إصدار أحكام قيمية على شعوب متحضرة أو غير متحضرة، إذ لكل شعب حضارته بدائياً كان أم متطوراً. وثمة علماء يفرقون بينهما على أساس الكم لا الكيف، فيعتبرون الحضارة شكلاً معقداً من أشكال الثقافة.

ويبدو أن جميع من فصلوا الحضارة عن الثقافة قد تأثروا بعلماء الألمان الذين فرَّقوا تفرقة دقيقة بين المجالين من مجالات المبتدعات الإنسانية. وأنشأ (ألفرد فيبر) علماً خاصاً لدراسة مجاليهما سماه «علم الاجتماع الثقافي (culture sociologie)» يذهب فيه إلى أن الحضارة تقوم على العقل ولا وطن لها، أما الثقافة فأساسها العاطفة والقيم الروحية وهي متحررة من العقل، وتعبر عن روح الجماعة التي تنشأ بها([4]).

وبالإجمال فإن من يفرق بين الحضارة والثقافة، يعتبرون أن الثقافة تتعلق بالنواحي الروحية والقيم الجمالية والفنون، بينما تتعلق الحضارة بنماذج الحياة المادية، والنماذج العلمية، أي بنماذج العلوم التي تعالج المادة الطبيعية والكيمياء، أي أن الحضارة جزء من الثقافة. بينما لا يميز العلماء الأميركيون بينهما. أما العلماء الفرنسيون فيطلقون لفظ حضارة (civilization) على الثقافة والحضارة معاً([5]).

 

4-أسس العلاقة بين التراث والثقافة والحضارة:

من خلال استعراض التعريفات الثلاث: التراث، الثقافة، والحضارة، نجد أن تحت مصطلح التراث تقع كل من الثقافة والحضارة. فالكلام عن التراث هو بذاته كلام عن الثقافة والحضارة. وعندما نعمل على حماية التراث، أو الاستفادة منه، فيعني ذلك أننا نقوم بحماية الثقافة والحضارة، وتطويرهما والتجديد فيهما.

وإذا كانت الحضارة جزءاً من الثقافة، وهي مجال من مجالاتها، فيعني أن إغناء الحضارة وتطويرها، والتجديد فيها، هو إغناء للثقافة والتجديد فيها وتطويرها، وهذا بحد ذاته إحداث تراكم جديد في التراث.

 

5- حماية التراث مهمة قومية وإنسانية:

وتأتي مسألة حماية التراث من أهم ما على أمة من الأمم أن تقوم به. فتدمير التراث، أي تدمير معالمه، هو تدمير حلقات التواصل المعرفي في داخل الأمة الواحدة.

ولما كانت المعارف الإنسانية يتم إغناؤها عن طريق التواصل المعرفي بين الأمم، فتكون مسألة حماية تراث الأمم الأخرى مهمة إنسانية. وهذا ما لحظته الاتفاقيات الدولية، وكانت من أهمها اتفاقية العام 1954، المعروفة باسم « اتفاقية لاهاي 1954: الاتفاقية الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية في حالة وقوع نزاع مسلح» والبروتوكول الملحق بها « البروتوكول الثاني اتفاقية لاهاي لعام 1954 ‏الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح لاهاي، 26 مارس / آذار 1999».

وعلى أساس تلك المبادئ، أين يقع التراث العراقي في مكاييل الاحتلال الأميركي للعراق؟

 

ثانياً: الثقافة والحضارة في مفاهيم اليمينيين الجدد

1- للحضارة في مفاهيم اليمينيين الأميركيين الجدد سقف نهائي:

اختلف العلماء عبر التاريخ حول تعريف مصطلحيْ الثقافة والحضارة، ولكنهم اتفقوا على أنهما يخضعان لعملية نمو وتجديد جدلي، على أساس التفاعل بين الأجيال الجديدة وتُراث مجتمعاتهم من جهة، وتفاعلهم مع الثقافات والحضارات الأخرى من جهة أخرى، ولم يشيروا إلى أن للتطور والتجديد سقفاً زمنياً محدداً تحديداً دقيقاً.

إن هذه الحقيقة تدل على أن حوار الثقافات في داخل المجتمع الواحد أمر ضروري، وتمنع هذه المسلمة من يزعم أن ثقافته تعبر عن الحقيقة المطلقة من الاستمرار في زعمه وتدفعه إلى فتح أبواب الحوار بين التعدديات الثقافية في المجتمع الواحد.

كما أن تلك الحقيقة تدل على أن الحوار بين ثقافات المجتمعات أمر مطلوب من أجل تنمية روحية التلاقح بين شتى ثقافات الأمم، التي من دونها لا يمكن، في عصر العولمة، تقريب التعدديات الثقافية إلى دائرة التلاقي والاتفاق على ثقافة تحول دون حالة الاحتراب والصدام، أو تخفف من حدتها مرحلة تلو مرحلة.

تلك حقيقة أكدتها وقائع المراحل التاريخية منذ التكوين الأول للجماعة البشرية على الأرض، ولا نستثني من ذلك ما جاءت به الأديان السماوية، أو تلك التي سبقتها بمراحل تاريخية مما كانت تُسمى مراحل عبادة الظواهر الطبيعية أو عبادة الإله – الإنسان.

وباستثناء ما تعتقد به الأديان السماوية، أن ما جاءت به من تشريعات اعتبرتها إلهية تعبِّر عن الحقيقة المطلقة، والتي برهنت متغيرات الثقافة في العالم أنه ليست هناك حقيقة مطلقة، وليست هناك مقدسات ثابتة، فإن سائر الفلسفات العالمية اعتبرت أن مجالات التغيير الثقافي مفتوحة أمام البشرية. وليس هذا فحسب، بل إن التطوير الثقافي والتجديد في الثقافة أيضاً إنما هما معياران أساسيان في النظر إلى حقائق الكون.

خلافاً لكل تلك الحقائق - الثوابت، برزت على سطح الفكر الإنساني دعوة، مصدرها الولايات المتحدة الأميركية، تنفي وتتنكر لحقائق الفكر التي أثبتتها كل مراحل التاريخ، وهي الدعوة العقائدية التي تبنتها جماعة اليمنيين الأميركيين الجدد، التي تدعو إلى إغلاق بوابات التطور والتجديد أمام الفكر الإنساني إذ اعتبرت أن بوابات الديمقراطية الرأسمالية هي البوابات الوحيدة المفتوحة للدخول إليها، وبها تنتهي عملية التطور المعرفي عند الشعوب كافة، وحسبتها أنها المقدَّس الوحيد الذي على البشرية كلها أن تعتنقه.

وكأن وضع النهج الفلسفي الاعتقادي الأميركي لليمينيين الجدد مقدسات أخرى تعمل على فرضها بديلاً عن مقدسات الأديان السماوية، وبالضد من الفلسفات التي رفضت وجود حقيقة مطلقة. تستند خطورة هذه الدعوة إلى العوامل التالية:

-إنها مدعومة من قبل أكبر أنظمة العالم قوة مادية، وأكثرها تطوراً حضارياً في شتى مناحي الحياة المادية للبشرية.

-وازدادت خطورة عندما وضع النظام الأميركي إستراتيجيته موضع التطبيق من خلال تصديرها وفرضها بقوة السلاح على شعوب الكرة الأرضية.

لم تكن تلك النزعة منفصلة عن التكوين الإيديولوجي للنظام السياسي الذي يحكم الولايات المتحدة الأميركية منذ نشأته الأولى قبل خمسة قرون تقريباً. وكي لا نضع كل الوزر على عاتق اليمينيين الأميركيين الجدد، نرى أن أيديولوجيتهم هي استمرار أكثر تطرفاً لإيديولوجية النظام الأميركي، فعلى رقاب تلك الإيديولوجيا نعلِّق الوزر أيضاً، ونحسب أن عقيدة اليمينيين هي نتاج التطرف الإيديولوجي الأميركي بشكل عام، وبشكل خاص تمثل أيضاَ أعلى درجات التطرف في نظام أميركي هو متطرف بدوره.

إن إثبات ذلك يقتضي من الباحث أن يستقصي تطور المنظومة الثقافية، والحضارية، للنظام الأميركي، تلك المنظومة التي تفسر لنا أسباب وأهداف ما قامت به الإدارات الأميركية المتعاقبة على الساحة العربية منذ وطأت أول قدم أميركية تلك الأرض، والتي كانت أولى خطواتها العملية قد تمت بعد الحرب العالمية الثانية في أواخر النصف الثاني من القرن العشرين، وإن كانت طلائعها الخجولة تعود إلى أواسط القرن التاسع عشر.

إن تاريخية تكوين الإيديولوجيا الأميركية تثبت جملة من الحقائق، وهي:

 

2- تأسيس النظام الأميركي على قاعدة تفوق العرق الأبيض:

قام النظام الأميركي، منذ تأسيسه، على قاعدة تفوُّق العرق الأبيض، وهو امتداد لمفهوم نظرية التميز والتفوق العرقي. وقد انبثق عن ثنائية (العرق الأبيض في مواجهة الأعراق الأخرى)، وثنائية (السيد والعبد)، فالسيد هو الأميركي الأبيض أما العبد فهو كل شعوب العالم الأخرى. ولأن نظرية السيد تعني «الإنسان المتحضر»، ونظرية العبد تعني «الإنسان المتوحش»، إذ يحق لـ«لسيد» أن يُخضِع «العبد» بأية وسيلة. ولهذا انغرست في الإيديولوجيا الأميركية مفهوم «إبادة الوحوش» لتخليص البشرية من شرورها، ودافعهم وضع ثروات العالم في خدمة «الرجل الأبيض المتحضر». فكانت الولايات المتحدة الأميركية، ومازالت، الدولة «الأشد دموية وعدوانية عبر التاريخ الإنساني كله،منذ أن بدأت تتشكل وحتى الآن، أي منذ إبادة الهنود الحمر إلى العدوان على العراق».

تواصلت الإيديولوجيا الأميركية، منذ ما يُعرَف بالاستقلال الأميركي، استناداً إلى ثنائيات (العرق الأبيض والأعراق الأخرى، و(السيد والعبد)، و(الإنسان المتحضر والإنسان المتوحش). واستمرت آليات الصراع على قاعدة تشريع مبادئ: «إبادة الأعراق الأخرى، أي أن ثنائية العبيد والمتوحشين، هي رسالة إنسانية وإلهية».

وارتقى مفهوم الإبادة إلى مفهوم «الاستعباد»، ويعني أنه لأجل توفير اليد العاملة التي تخدم «الإنسان المتحضر» تسمح الإيديولوجيا الأميركية باسترقاق الأعراق الأخرى لوضعهم في خدمة الأسياد البيض. وتستند تلك المفاهيم إلى عمق تاريخي سادت فيه «نظرية ترويض العبيد» التي تعود أصولها إلى بداية (النهضة الأمريكية) التي قامت «على جثث ودماء وجهود الأفارقة الذين تم اصطيادهم مثل الحيوانات من الغابات والمنازل، أو تمَّ شراؤهم من الأسواق». وهي بالإجمال «قضية وجود مفهوم نظري، يرى فيه الأمريكي أن من حقه إبادة الشعوب الأخرى، واسترقاقها وتخويفها وإرهابها،باعتباره (رجل ابيض) متفوق حضارياً على الآخرين»([6]).

لقد جنى «أبوات الرأسمالية الأميركية» ثرواتهم على جماجم الشعوب، وعلى أنهار من الدماء([7])، وارتكاب أعتى الجرائم، وأشدها دموية في تاريخ البشرية، وتسويغ ارتكابها تحت أغلفة إنسانية، وفَّر لها وسائل إعلامية تظهرها بأنها شرعية وأخلاقية، بل واجباً إنسانياً، وإلهياً أحياناً. وهناك مبادئ إعلامية عشر يطبقها الإعلام الأميركي([8]).

لم تقتصر الإيديولوجيا الأميركية، فيما له علاقة بثنائية (السيد والعبد)، على تُراث تاريخي طويل فحسب، وإنما عقد النظام الأميركي أيضاً تحالفات مع ما يسميه (فرانك براوننغ) في كتابه (الجريمة على الطريقة الأمريكية) بـ«السلطة السادسة»، أي تلك التي يمارسها عالم محترفي إجرام يعملون في خدمة الصناعيين والسياسيين. ووظيفتها ليست إفساد القوى الاجتماعية الأخرى وحسب، بل إنها تؤلف سلطة مستقلة تقاوم السلطات الأخرى أيضاً. وليست تلك السلطة إلاَّ سلطة عصابات المافيا في نيويورك([9]).

 

3- تأسيس النظام الأميركي على قاعدة تفوق الطبقة الصناعية وحق الشركات الكبرى في حكم أميركا:

من الثابت أن غزوات الاستيطان الأوروبي للقارة الجديدة، أميركا، في العام 1492، كانت البداية في تأسيس دولة الولايات المتحدة الأميركية، ومن المستوطنين وانتمائهم الطبقي تشكل النظام السياسي للدولة الأميركية الجديدة منذ إعلان الاستقلال الأميركي، في 13 أيلول/ سبتمبر من العام 1783، ثم إلى قيام اتحاد فيدرالي في العام 1787، ضم إليه جميع الولايات الموجودة الآن.

وإذا عرفنا أن التدفق الأوروبي إلى أميركا قد طهَّر تلك البلاد من الهنود الحمر، سكانها الأصليين، نستطيع أن نخمِّن ماهية الطبقة التي سيطرت على النظام السياسي الأميركي، وأن نحدد علاقة إيديولوجيتها بالشعوب الأخرى.

وعن هذه المسألة نستخلص من بحوثنا السابقة النتائج التالية(*):

منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر، اهتم الشماليون في أميركا بالانتعاش الاقتصادي والتطور الصناعي، الأمر الذي جعل من الولايات المتحدة الأميركية أكبر قوة اقتصادية في العالم. ولعدم وجود قوانين لتنظيم الإنتاج والمتاجرة، فقد حوَّلت الشركات الكبرى نفسها إلى اتحادات (تروستات) كبرى سيطرت على مجمل الحياة الاقتصادية الأميركية؛ وطبَّقت مبدأ داروين القائل: »إن الأقوى والأكفأ في الصراع مع الحياة هو المنتصر«.

ولكي يضمن أصحاب الشركات الكبرى الاستمرار في سيادة رأس المال، اندفعوا للهيمنة على القرار السياسي، من خلال السيطرة على صانعيه، وفي المقدمة منهم رؤساء الجمهورية، ولهذا قلَّما وُجد رئيس أميركي يهتم بشؤون العمال([10]).

وتصاعدت وتيرة مشروع السيطرة على القارة الأميركية برئاسة الجنرال غرانت (1869 1877) عندما وضعت الولايات المتحدة مشروع السيطرة على القارة بأكملها، تحت شعار »الدفاع عن الديموقراطية«، ووضعت سياستها هذه موضع التنفيذ بواسطة العصا الغليظة. ولم يجد الرئيس الأمريكي (تافت) حرجاً في أن يعلن في العام 1912م: »سنمتلك القارة بأكملها كما نحن نمتلكها الآن معنوياً بفضل تفوقنا العرقي«([11]).

 

4-إيديولوجيا الشركات الصناعية الحاكمة تحفر في ثقافة الشعب الأميركي:

إن قروناً من الحفر في ثقافة الشعب الأميركي، من خلال سيادة المؤثرات العملية، في العلاقة بين صاحب العمل كصانع للثقافة والعامل كخاضع للابتزاز بلقمة عيشه، سادت إيديولوجيا أصحاب الشركات، إلى حد كبير، على الثقافة الشعبية الأميركية.

لذا تستند الثقافة الشعبية الأميركية إلى موروث تاريخي، وهو: »أن الناس حول الأمريكان البيض هم الذين يموتون دائماً، فالأمريكان البيض لهم حق العيش برفاهية، أما الآخرون فليس لهم هذا الحق. وبهذا »نمت في وجدان الأمريكي الأبيض وصارت أسلوباً أساسياً في التفكير«.ففرضت النخبة الاقتصادية نفسها سيداً على أبناء لونها من الطبقات الوسطى والفقيرة، وراحت تصنع منها أداة لتنفيذ مخططاتها الطبقية؛ فصنعت طبقة أصحاب الشركات العملاقة من الطبقات الأميركية الأخرى عبيداً تخضع لنزوات شبقها الاقتصادي، وبذلك تكون النخبة الاقتصادية الأميركية قد فرضت إيديولوجيتها الخاصة القائمة على قاعدة »البقاء للأقوى« داخل مجتمعاتها، وراحت تعمل على تصديرها إلى خارج الولايات المتحدة الأميركية على قاعدة »أمركة العالم([12])«، بقوة التفوق الاقتصادي أولاً، وبقوة السلاح المتطور ثانياً.

5- آليات حماية إيديولوجيا الشركات الحاكمة ووسائل تطبيقها:

منذ العام 1919م، رعت عائلة روكفلر »مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك«، وتحوَّل فيما بعد- إلى مؤسسات عديدة من أجل وضع الدراسات السياسية والإستراتيجية التي ترشد الشركات الكبرى لتحصين مصالحها وتوفير الحماية لها. ولذلك استقبلت آلاف المؤهلين لصناعة التفكير وقامت بإغرائهم وتوظيفهم. وأنشأت مئات المؤسسات، كمثل: روكفلر، وراند، وكارنيجي وكان من أهم وظائفها: اكتشاف ورصد الفضاءات التي تخدم مصالح الشركات الكبرى. وإقامة علاقات تقارب مع دوائر القرار السياسي([13]).

بالإضافة إلى مؤسسات الأبحاث، حفرت النخب الاقتصادية الأميركية علاقة متينة مع عدد من المبشرين الدينيين (هذا إذا لم تكن هي التي أنتجتهم)، وهي حالة أنموذجية للتواصل المباشر مع الناخب الأميركي بما للتبشير الديني من تأثير بالغ الأهمية.

 

6- من آليات الحماية وضع خطة لاستئصال الأفكار المعادية:

وقبل أن تستفحل ظاهرة اليسار الأميركي، الذي نشأ على وقع حرب فيتنام، خاصة وكان له التأثير البالغ بمساعدة من الشارع العالمي- في إخراج مشروع الهيمنة الأميركية مهزوماً من تلك الحرب، راح كارتل الشركات الكبرى، مستعيناً بمراكز الدراسات التابعة له، يرسم مخططاً جديداً يتَّسم بالنفس الطويل كي تأتي خطواته مضمونة التحقق. وهذا ما حذَّر منه لويس باول؛ ودعا إلى مكافحة خطر الشيوعيين واليساريين وغيرهم من الثوريين الذين يسعون إلى تدمير النظام الأميركي الاقتصادي والسياسي. ودعا ليس إلى استعادة السلطة التي اهتزَّت بعد حرب فييتنام فقط، بل إلى تعزيز سيطرة مستديمة على »السياسة والمجتمع الأميركي« أيضاً، من خلال إنشاء »منظمات يتم التخطيط لأهدافها«([14]). على أن توظِّف الباحثين والصحف والكتب والمقالات والرسائل النقدية لتصويب الخلل الناتج من حرم الجامعات. وبها تشن الحرب ضد الثقافة المضادة.

وضع لويس باول الأساس الفكري لما سُمِّي بـ»حرب الأفكار«. وتأثَّر، بنصه، المتمول ريتشارد سكايف ميلون(*). وفي العام 1973م، أقام مؤسسة »تراث« (Heritage) لكي تشكل السلاح الذي يسمح بالفوز في »معركة الأفكار«. وضمَّت إليها نخبة من المفكرين الذين شكَّلوا »فرق الخط الأول في ثورة المحافظين«، وتحركهم نظرة إيديولوجية ترى في أي إجراء مؤمن بالإصلاح السياسي والاجتماعي هجوماً يستهدف المبادئ المؤسِّسة لأميركا، والمرسومة في القرن 18م(**).  وراحت المؤسسة تعمل على تسويق الأفكار من خلال المقالات والدراسات السياسية، وتوزيعها، على الشعب، وأعضاء مجلسيْ الشيوخ والنواب. وقلَّما كان مكتب أي منهم يخلو عشية مناقشة أي قانون مهم- من تقرير كانت (Heritage) قد أعدت تحليلاً حوله، مع اقتراحات للحلول.

 

7- من آليات الحماية الاستعانة بمؤسسات دينية:

كان وليام كورز(***) من ممولي (Heritage)، أيضاً، وهو من المناهضين للنقابات والأقليات. وكانت لمؤسسته علاقات حميمة مع منظمات محافظة متطرفة، لا سيما قادة اليمين المسيحي، ومنهم القس (جيريل فالويل) الذي كان ينعم بهبات كورز، كما كانت حال القس (بات روبرتسون)، وكلاهما من أقرب المقربين من جورج بوش الابن.

تُعتبر تلك المؤسسات أهم سلاح اتصالات بين أيدي اليمين المتطرف، فهي تروِّج لإيديولوجية مسيحية متطرفة. وكانت حرب الأفكار تعتمد على الحملات الدعائية التي تتردد، باستمرار، حتى ينغرس في ذهن المواطن أن ما يقال »حقيقة جلية«([15]).

تتَّضح تلك الأهداف مما أجملهُ الرئيس بوش في احتفال البحرية الأمريكية في فلوريدا يوم 13-2-2003، حينما خاطب الجنود، قائلاً: (نرغب أن نكون بلداً فوق الجميع). وهذه النظرة تستند إلى إيديولوجيتين:

الأولى: إيديولوجيا التفوق العرقي للون الأبيض الأميركي.

الثانية: الأيدلوجية الدينية لليمين المسيحي المتصهين الحاكم في الولايات المتحدة.

وترى تلك الأيدلوجية في غزو العراق تعجيلاً للانفراج الذي تنتظره متمثلاً بعودة المسيح، والذي لن يتحقق وفق معتقداتهم إلا بالتمكين للكيان الصهيوني في المنطقة... يقول مايكل إيفانز في كتابه (ما بعد العراق النقلة الجديدة): «إن قيام إسرائيل افتتح حياة الجيل الأخير قبل هرماجدون، ثم جاء احتلال كامل أرض فلسطين في 1967م ليؤكد هذه النبوءة، وتسارع التاريخ في الحرب الأخيرة على العراق ليؤكد الصلة الأبدية المتجددة بين بابل وأورشليم، الأولى هي الظلام، والثانية هي النور، دمار الأولى شرط انبعاث الثانية، هكذا ورد في العهد القديم حيث ذُكرت بابل (العراق) ليس أقل من 300 مرة بصفتها أرض الخطيئة الأولى، والتجسّد الشيطاني الأول في (نبوخذ نصّر) سابي اليهود، والوعد الأول هرماجدون».. لم تفعل الولايات المتحدة في عرف اليمين المتصهين وعرف اليهود إذاً سوى تنفيذ المشيئة الإلهية، لقد كانت الحرب مكتوبة في العهد القديم، ومصير صدام حسين مكتوب، والدمار مكتوب!!!. ([16]).

 

8- من آليات الحماية الاستيلاء على النظام السياسي مباشرة:

تضافرت جهود المؤسستين: تكتل الشركات الكبرى مع عدد من قساوسة اليمين المسيحي المتطرف، لكي تصنِّع رئيساً للولايات المتحدة، وانصبَّ الاهتمام على جورج بوش الابن. واستمرت عملية تصنيعه منذ الثمانينيات حتى أوصلته إلى الرئاسة في العام 2000م. فمنذ العام 1985م، بعد أن كان بوش الإبن مع أحد أقرب أصدقائه إليه (بوب إيفانز) يعانيان من أزمة شخصية ومهنية، التحقا بـ»مجموعة دراسة الكتاب المقدسCommunity Bible Study «، وغاصا فيها لمدة سنتين، فمثَّل ذلك البرنامج نقطة تحول في حياة بوش. ومن بعدها ودَّع سلوكه السابق. وبدأ الدين يطبع أفكاره وأعماله، ويسم نظرته إلى العالم بسمة خاصة. وهذا ما يُطلَق عليه بتجربة »الولادة الجديدة «Born again.

ولعلَّ الأخطر من كل ذلك أن إيمان بوش صار يتضمَّن عنصراً »حتمياً« »قريباً من الاعتقاد المسيحي والرؤيوي الذي يمتاز به الناشطون المسيحيون الإنجيليون، ويبدو منسجماً مع رؤيتهم للعالم التي بموجبها تتصارع قوى الخير والشر في معارك ضارية ستبلغ أوجها في مواجهة أخيرة. وغالباً ما يجازف من يلتزم بهذا النوع من الإيمان بمخاطر جنونية لأنهم يرون أن كل ذلك منوط بإرادة الرب«([17]).

وهذا ما قاله جورج بوش بنفسه: »إنها حرب باسم الله و قد اختار الله الشعب الأمريكي للقيام بها«([18]). وهذا ما يؤكده أحد أركان البنتاغون، مستشار وزير الدفاع، وأحد أصدقائه الأكثر حميمية([19]). ويلتقي (ديك تشيني) مع معتقدات رئيسه، فهو يترأس مجموعة من اليمينيين المتطرفين، يُعرَفون بـ(الشتراوسيين)، الذين يعملون لـ»تحويل الولايات المتحدة من جمهورية ديمقراطية إلى نظام استبدادي. وتقوم فلسفة (شتراوس) على القيام بحروب موجَّهة ضد الحضارة الإنسانية لبناء حكومة عالمية تتَّصف بالقسوة([20]).

 

9- تأسست عقيدة اليمينيين الجدد على قاعدة حق الشركات الكبرى في حكم العالم:

على مثال الفرز الطبقي داخل المجتمع الأميركي، فصَّل الأميركيون ثوب العالم الخارجي. وانعكست سيطرة إيديولوجيا الطبقة الأميركية المسيطرة على الاقتصاد والسياسة على أهدافها تجاه العالم الخارجي، وبسبب بعض الظروف الناتجة عن الحرب العالمية الثانية، تقدمت الولايات المتحدة الأميركية إلى وسط المسرح العالمي بكل هذه الأفكار المسبقة معززة بأسلحة نووية واقتصاد وما إن حلت الخمسينيات من القرن الماضي حتى أعلن رئيس العالم بأن القرن العشرين هو القرن الأمريكي«([21]). ولأن النمط الأميركي في التفكير والسلوك هو على مثل تلك المقاييس: »لا يرى شيئاً خارج ذاته«، أصبح استيلاؤه على المجتمعات الأخرى يشكل الخطورة الأولى على البشرية.

 

10- آليات الحماية تضع رحالها في حرم الفلسفة:

يدعو اليمينيون الأميركيون الجدد، إلى تبني الإيديولوجيا التي عبَّر عنها فوكوياما، فيلسوف تلك المجموعة، باعتبار الديمقراطية الليبرالية أعلى مراتب التطور في التاريخ.

لأن النهاية الحقيقية للتاريخ ستقف على قدمين: أولهما الاقتصاد وثانيهما الاعتراف الذي ستقدمه التكنولوجيا الإحيائية هدية للبشرية(*)، فتخلق، كما يرى فوكوياما، «نوعاً جديداً من البشر» لا يحتاج للاعتراف لأنه متشابه! وفي هذا ما فيه من غرابة وقصور إذ أنه مهما بلغت حدود التقدم فإن أحداً لا يمكنه أن يتوقع تنازل الثقافات عن خصوصياته وقبولها بالتحول إلى قطيع بشري متجانس([22]).

يتعرض النظام الرأسمالي العالمي لرفض ذي دوافع ثقافية واقتصادية في أنحاء كثيرة من العالم. ولهذا اعتبر اليمينيون الجدد أن من أهم ما يواجهه العالم الرأسمالي اليوم هو الإرهاب، فلذا طُرحت إستراتيجية «حرب الأفكار» كمقولة أمريكية جديدة، جاءت في سياق مواجهة تلك الدعوات.

وبعد أن أدرك الأمريكيون ضرورة تجديد النظر في سياساتهم في تلك المواجهة مع الإرهاب، إذ يعني الإرهاب في منظورهم كل الأفكار التي تتناقض مع أفكارهم، وتدعو إلى تهديد مصالحهم. وبعد أن ظهرت لديهم بعض الشكوك في إمكانية الفوز السريع والحاسم في هذه المعركة، عملوا على رسم سياسة جديدة، يحسبون أنهم بواسطتها يُسرِّعون حسمها. وقد ارتبطت هذه المقولة بثلاثة اتجاهات، تعددت فيما بينها منظورات الرؤية، وطرائق الفهم والتحليل، ومحددات الأفق والمكان والزمان.

الاتجاه الأول، عبَّر عنه وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد حينما دعا في أكتوبر 2003م، إلى تشكيل وكالة جديدة تساعد على مواجهة ما أسماه حرب الأفكار الخاصة بالإرهاب الدولي. وذلك في سياق حاجة الإدارة الأمريكية ووزارة الدفاع إلى إعادة تنظيم للتعامل بشكل أكثر فاعلية مع تهديدات القرن الحادي والعشرين. واعتبر أنه من أجل الفوز بالحرب ضد الإرهاب علينا حسب قوله أن ننتصر في حرب الأفكار. ويقصد بهذه الحرب معركة الفكر مع أولئك الذين تجندهم الشبكات الإرهابية في كافة أنحاء العالم. ويعلل ذلك بأنه في مقابل كل إرهابي يعتقله التحالف، حسب قوله، أو يقتله أو يردعه أو يثنيه، هناك آخرون يتدربون. لذلك لا بد من خوض حرب الأفكار لمنع الجيل الجديد من الإرهابيين في تنظيم صفوفه([23]).

يرى صموئيل هنتنتغون، رائد نظرية (صراع الحضارات) أن عالم ما بعد الحرب الباردة متعدد الأقطاب، ويقصد بها الحضارات التي يتكون منها العالم، وهي «الصينية، اليابانية، الهندية، الإسلامية، الغربية، الأفريقية وأمريكا اللاتينية» وأن ما يحكم العلاقة بين تلك الحضارات هو «الصدام»، هذا الصدام أساسه الثقافة أو الهوية التي تحكم كل حضارة. ومن ذلك يوضح هنتنجتون: «إن الثقافة أو الهويات الثقافية، التي هي على المستوى العام، هويات حضارية، هي التي تشكل أنماط التماسك والتفسخ والصراع في عالم ما بعد الحرب الباردة.. » مع العلم أن العوامل الثقافية المشتركة والاختلافات هي التي تشكل المصالح والخصومات بين الدول، ويلاحظ هنتنغتون أن أهم دول العالم جاءت من حضارات مختلفة، والصراعات الأكثر ترجيحاً، هي الصراعات القائمة بين جماعات ودول من حضارات مختلفة، وأشكال التطور السياسي والاقتصادي السائدة تختلف من حضارة إلى أخرى.

الثاني وهو فرنسيس فوكوياما، تناول الأمر من جهة الصراع الذي دام أكثر من خمسة وسبعين عاماً بين الاتحاد السوفيتي وايديولوجيا الصمت الشيوعي والولايات المتحدة وفكرة الرأسمالية المتحررة من أي قيد والذي انتهي بفوز الرأسمالية قال: إن على العالم أن يتقبل النظام الجديد بكل ما فيه من حرية، وإن الولايات المتحدة هي التي بدت تسطر نهاية التاريخ بعد تبنيها للفكر المتحرر والديمقراطية والرأسمالية للعالم، وإن من رفض وأبى ظلَّ وسيكون في نظر العالم هو الأكثر تخلفاً عن الدول التي تقبلت الوضع، وهو بهذا الرأى تعارض كثيراً مع هنتنجتون، فالأول قسم الصراع الحضاري لخمسة منافسين «الصين، اليابان، الهند، الإسلام، أفريقيا، أمريكا اللاتينية» بينما قسَّم الأخر الحضارات حسب كل نظام «شيوعي، رأسمالي،....الخ» ([24]).

 

11- مظاهر تطبيق «حرب الأفكار»، ووسائلها، في العراق:

وعلى أسس تلك المقاييس، كانت خطة الاحتلال الأميركي للعراق، تظهر في أكثر من جانب وزاوية، ومن أهمها:

أ-إعادة النظر في استراتيجية العراق التربوية:

تطمح الولايات المتحدة في مرحلة ما بعد الحرب في العراق إلى إحلال نظام تعليمي في هذا البلد خال من أي اثر للخطاب العراقي العسكري وفق ما أفاد مسؤولون أميركيون. وأصدرت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية قبل اندلاع الحرب استدراج عروض من اجل تجديد النظام التعليمي العراقي. وأشارت الوكالة في العرض إلى ان النظام التعليمي لمرحلة ما بعد الحرب في العراق ينبغي ان «يضع الأسس لممارسات ومواقف ديموقراطية سواء لدى الأطفال أو لدى الأساتذة». كما ان المؤسسات المتخصصة مدعوة إلى «الأخذ بعين الاعتبار في برامجها التوازن الإثني». ويرى بعض المسؤولين ان التحدي هائل. فالكتب المدرسية العراقية الحالية تزخر بالمديح للرئيس العراقي وبالدعوات إلى استخدام القوة للدفاع عن العراق في وجه الأعداء. واعتبر الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان الذي يتخذ من باريس مقرا له انه «يتم تكييف الأطفال في العراق عبر التأثير مباشرة على أذهانهم منذ الصغر». بيد أن مراقبين يشككون في نية الولايات المتحدة تحسين النظام التعليمي العراقي، ويؤكدون أنها ترغب في إزالة كل ما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي التي يزخر بها المنهاج العراقي. ويرى المراقبون ان الاحتلال الأميركي للعراق قد يتيح لها وضع المناهج التعليمية بالطريقة التي ترتئيها وهو ما قد يكون مثالا على دول المنطقة ان تحذى حذوه([25]).

وقد يكون التسيُّب والفلتان في النظام التعليمي، بدءاً من تدمير المؤسسات التعليمية، وحرمان مئات الآلاف من الطلاب من متابعة دراستهم نتيجة فلتان الوضع الأمني، وسيطرة الميليشيات المنفلتة على كل شيء، ومن أخطرها التدخل في تفاصيل الحياة التربوية، من الجرائم المنظمة لإعادة تجهيل المواطن العراقي.

يتردد أن جيلاً كاملاً من العراقيين أصبح محروماً من حقه في التعليم، ومن استطاع أن يلتحق بمدرسة، فهو لا ينال قسطه من العملية التربوية السليمة. وقد ذكر تقرير للأمم المتحدة أنه «من الضروري جداً الحفاظ على تقدم مستوى تعليم الأطفال العراقيين رغم ضعفه من أجل مساعدة الأطفال في تخطّي هذه الأزمة»([26]).

ولقد عقد بعض الصحافيين الأجانب مقارنة بين ما كانت عليه العملية التربوية في ظل النظام الوطني، وبين ما أصبحت عليه في أثناء الاحتلال، وجاء فيه:لقد «شهدت السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي خطوات عملاقة في التعليم وضعت العراق في مستويات متقدمة جداً بالنسبة لدول المنطقة، وينص الدستور العراقي على إلزامية التعليم العام والابتدائي. وكانت حملة التعليم الإلزامي ومحو الأمية في السبعينات فعالة جداً واستندت على العقود الثلاثة التي سبقتها وخصوصاً في تعليم البنات»([27]).

أما في مرحلة الاحتلال، فينقل الصورة على الشكل التالي:

«هناك إرهاب حقيقي يحدث في الامتحانات، إنها نتيجة طبيعية للانحطاط الاجتماعي الكبير في العراق حيث نشهد الانهيار الكامل لنظام التعليم في البلاد»([28]). ولا يتمكن الطلاب من الحضور لمدارسهم إلاّ لفترة لا تزيد على ثلاثة أشهر من السنة الدراسية التي تستمر لمدة سبعة أشهر([29]). أما الغش في الامتحانات فحدِّث ولا حرج([30]). وللميليشيات دور كبير في التدخل والترويج للغش، وفرضه على إدارات المدارس([31]).

ب-اجتثاث كل أثر للأفكار التي تقوم عليها استراتيجية حزب البعث:

لما كانت أفكار حزب البعث مُشبَعَة بالفكر التحرري القائم على معاداة الاستعمار وطرده من كل بقاع الوطن العربي، كانت فلسفته موضوعة في سُلَّم أولويات الاحتلال الأميركي للعراق. ولهذا لم يكن من المستغرب أن يكون القرار الأول الذي أصدره بول بريمر، الحاكم المدني للعراق، هو المذكرة رقم (1) الصـادرة عـن السـلطـة الائـتـلافيـة المـؤقـتـة، تنفيذ الأمر رقم 1 (CPA/ORD/16 المؤرخ 1 أيار/ مايو 2003، والمعنون »تطهير المجتمع العراقي من حزب البعث«.

ج-التدمير المادي لبنية التراث الثقافي العراقي، ابتداءً من سبي اليهود إلى بابل:

بعد احتلال بغداد ودخول قوات الغزو الأميركي انفلت الشارع العراقي وعاث نهباً وحرقاً بكل مؤسسات الدولة، ولم تستثن منها تلك التي لها علاقة بالتراث التاريخي، ومن أهمها متحف بغداد، وكذلك المكتبات الكبرى التي تُعنى بجمع الوثائق التاريخية والكتب النادرة، ولم تعف عن سرقة مكتبات الجامعات وتجهيزات مختبراتها العلمية، والبنى الصناعية الكبرى. كانت أقل الأوصاف التي أُطلقت عما حصل، بتشبيهه بالاجتياح المغولي الذي دمَّر بغداد واستباح بنيتها الثقافية ([32]).

وما يرد في وسائل الإعلام يومياً يبيّن ان الآثار والتداعيات السلبية التي ترتبت على الاحتلال الاميركي للعراق لم تقتصر على المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية فحسب، بل شملت الحياة العلمية والفكرية في هذا البلد([33]).

إن البحث عن أسباب استهداف الأساتذة والعلماء والمفكرين يقودنا إلى البحث عن أسباب استهداف العراق أصلاً، ليس من قبل أمريكا وحدها، وإنما من قبل الدول التي دعمت غزو العراق أيضاً([34]).

نحن نتعرض إلى حرب دينية تلمودية رهيبة، قتل العلماء العراقيين جزء من الحريق والدمار يعني الخراب الشامل لهذا البلد يعني حتى الطرق السريعة خربت بالكامل حتى إشارات المرور اقتلعت لم يبق مسجد واحد لم يخرب وتحرق المكتبات لا يمر يوم واحد منذ تسعة أربعة المشؤوم إلى هذه الساعة دون أن يقتل العشرات من العراقيين وتحرق العشرات من المنازل والسيارات وتخرب الطرق والجسور كل الجسور على نهر الفرات بين الرمادي والقائم خربت ودمرت بتعمد([35])..

وتعمل قوات الاحتلال الأميركي علنا على تقويض البنية العلمية العراقية. فقد حولت هذه القوات جامعة الأنبار إلى ثكنة لها، وقتل القناصة الأميركيون أربعة من أساتذتها. وفي ذلك يقول مدير كلية الإعلام، عبد الستار حميد، «لم تسلم كليات الجامعة من عمليات الدهم كما حصل لكليتي الطب وطب الأسنان، إذ حطمت القوات الأميركية الأبواب والأجهزة المخبرية وأجهزة الحاسوب، واستولت القوات الأميركية على الكليات وطردت كوادرها وحولتها إلى ثكنة عسكرية، كما حصل لكلية الزراعة»(جريدة الحياة في 11/3/2005). كما توفي عالم الكيمياء منعم الإزمرلي في السجن الأميركي في العراق، بعد سجنه بتسعة أشهر، نتيجة إصابته برضوض عنيفة في الرأس حسب تقرير منظمة العفو الدولية([36]).

كما دمر الاحتلال الأميركي قاعدة الإنتاج الزراعي عن طريق تلويث البيئة ومنع استيراد الآلات والمعدات في السابق، وتراجع منسوب المياه، وقلة الأسمدة والبذور، وحرق المحاصيل وتجريف البساتين، مما تسبب في هجرات كثيفة من الريف إلى المدن. فحتى التمور أصبحت لا تكفي الاستهلاك المحلي، وكان العراق المنتج الأول للتمور في العالم. وبذلك انخفضت نسبة العمالة في قطاع الزراعة إلى 13% سنة 1995 وإلى 10% سنة 2000(جريدة الحياة في 23/7/2004). حتى الآثار العراقية، والتي تمثل أحد أعرق الحضارات العالمية، وتشكل قاعدة علمية وسياحية مهمة جداً، تعرضت للتدمير المنهجي والمتعمد. لم يكن ترك المتاحف العراقية مشرعة الأبواب أمام اللصوص والعصابات عملا غير مقصود. وليس تدمير المواقع الأثرية العراقية عملا عفويا أيضا. فقد عمدت القوات الأميركية والبولندية في مدينة بابل الأثرية إلى العبث بمواقع الآثار. يقول جان كرتس، المسؤول عن دائرة الشرق الأوسط القديم في المتحف البريطاني:«إن المركبات العسكرية الأميركية والبولندية سحقت أرصفة عمرها 2600 عام في المدينة التي تعد مهدا للحضارة. إن الجنود حفروا الخنادق في الموقع واستخدموا شظايا أثرية لملء أكياس الرمل. وتم انتزاع أحجار من تسعة من الرؤوس التي تمثل تنينا محفورا على بوابة عشتار، بينما انهار جزء من سقف معبد نيتما». ويقول كرتس: «بابل هي واحدة من المواقع الأثرية الأكثر أهمية في العالم، والأضرار الجسيمة التي ألحقتها بها الثكنة العسكرية، تشكل ضربة إضافية للتراث الثقافي العراقي» (جريدة السفير في 17/1/2005) ([37]).

وإذا أضفنا إلى ما سبق بحثه من تحطيم الدولة وأجهزتها الإدارية، وحل الجيش العراقي، تصبح الصورة واضحة عن تحطيم البنية التحتية العراقية التي لا يمكن إعادة بناء العراق اقتصاديا واجتماعيا دونها في المدى المنظور، أما على صعيد إعادة بناء ما هدمته الحروب المتكررة والاحتلال، فإن إعادة الاعمار متعثرة، بل متوقفة عمليا([38]).

 

د-تدمير البُنى الحضارية المعاصرة، المادية والعلمية للمشروع النهضوي العراقي:

وهو موضوع الباب الثاني من هذا البحث.

 

([1]) د. إبراهيم مدكور: معجم العلوم الاجتماعية: الهيئة المصرية العامة للكتاب: القاهرة: 1975. ص 139.

([2]) د. محمد أحمد النابلسي: رأي في المسألة التراثية.

([3]) د. إبراهيم مدكور: معجم العلوم الاجتماعية: م. س: ص 200.

([4]) د. إبراهيم مدكور: معجم العلوم الاجتماعية: م. س: ص 232- 234.

([5]) د. إبراهيم مدكور: معجم العلوم الاجتماعية: م. ن: ص 200.

([6]) وكالة الأخبار الإسلامية: طلعت رميح: «جرائم أمريكا  بين نظريات الإبادة الحضارية .. وخطط التبرير الإعلامي».نقلاً عن  الأستاذ منير العكش في كتابه (أمريكا والإبادات الجماعية): وليم برادفورد حاكم مستعمرة  بليتموت، استخدم كل أنواع الأوبئة للقضاء على الهنود الحمر، يقول: «إن نشر هذه الأوبئة بين الهنود عمل يدخل السرور والبهجة على قلب الله، ويفرحه أن تزور هؤلاء الهنود وأنت تحمل إليهم الأمراض والموت».

وفي العام 1855 قال أحد أشهر الأطباء الأميركيين: «إن إبادة الهنود الحمر هو الحل الضروري للحيلولة دون تلوث العرق الأبيض. وإن اصطيادهم اصطياد الوحوش في الغابات مهمة أخلاقية لازمة لكي يبقى الإنسان الأبيض فعلاً على صورة الله».

كما أن الرئيس أندره جاكسون الذي تزين صورته ورقة العشرين دولاراً، «من عشاق التمثيل بالجثث، وكان يأمر بحساب عدد قتلاه بإحصاء أنوفهم المجدوعة وآذانهم المسمولة.

وهناك القائد الأمريكي جون شفنغنتون وهو من أعظم أبطال التاريخ الأمريكي وشعاره الشهير «اقتلوا الهنود واسلخوا جلودهم، لا تتركوا صغيراً أو كبيراً ، فالقمل لا يفقس إلا من بيوض القمل».

([7]) وكالة الأنباء الإسلامية: «التاريخ الدموي للإمبراطورية الأمريكية».  نقلاً عن محمد حسنين هيكل في مقالته «مهمة تفتيش في الضمير الأمريكي» جاء فيها أن جون  روكفللر حصل على غنى أسطوري من إبادة قبائل بأكملها في فنزويلا كي يسيطر على حقول البترول، واستحق أن يوصف بأنه أسال دماء على سطح فنزويلا بأكثر مما استخرج من عمق آبارها نفطاً.

([8]) وكالة الأخبار الإسلامية: طلعت رميح: «جرائم أمريكا  بين نظريات الإبادة الحضارية»: م. س: والنقاط العشر هي:1- نحن لا نريد الحرب. 2-المعسكر المعادى هو المسئول عن الحرب.3- ورئيسه بمثابة الشيطان-4- ما ندافع عنه شيء نبيل.-5- العدو يقوم بالأعمال الوحشية وإذا اضطررنا إلى ارتكاب بعض التجاوزات فإنما سيكون عن غير قصد .-6-العدو يستخدم أسلحة محظورة -7- خسائرنا قليلة مقارنة مع خسائر العدو.  8-جميع المثقفين والفنانين يؤيدون الحرب. 9-كل الذين يشككون في حملتنا خونة .10-قضيتنا تحمل طابعا مقدساً.

([9]) وكالة الأنباء الإسلامية: «التاريخ الدموي للإمبراطورية الأمريكية: تاريخ العلاقة بين الإدارات الأمريكية وعصابات المافيا».

* لقد قمنا بمعالجة هذا الجانب في كتابينا: «المقاومة الوطنية العراقية: الإمبراطورية الأميركية بداية النهاية»، و«الجريمة الأميركية المنظمة في العراق».

([10]) موسوعة السياسة (الجزء السابع): م. س: ص 322 326.

([11]) مفكرة الإسلام: مقال بعنوان: »الإمبراطورية الأمريكية تنهار على أسنة المقاومة العراقية «.

([12]) » The black commentator بزوغ القوة الكونية للولايات المتحدة«  : في 25/4/2003م.=

= شبكة الرافدين 9/ 6/ 2007: السيد أحمد الراوي: النشيد الوطني الامريكي  هو الوحيد في العالم الذي يتغنى بالأسلحة الفتاكة والحرب والقتال؟! : إن أمريكا هي البلد الوحيد في العالم الذي يتم عزف سلامها الوطني في المسارح ودور العرض السينمائي وعند كل مباراة محلية وفي صباح كل يوم في المدارس وحتى في النوادي الليلية وفي كل مناسبة يمكن ان تخطر على البال، وذلك يفرضه القانون ويحاسب عليه، لماذا؟ ليتشبع المواطن الامريكي بتلك الكلمات المتلذذة بالقتل والحروب والدمار!

يقول نص النشيد الوطني الامريكي :

الراية المرصعة بالنجوم

قُلْ : هل ترى من خلال ضوء الفجر الباكر

الشيء الذي افتخرنا به منذ زمن بعيد موغل بالقدم

صاحب الخطوط العريضة والنجوم البراقة ، خلال فترات القتال الشرس ؟؟

كنا نشاهده فوق الحصون يعلو ويرفرف بشجاعة

أن وهج الصواريخ الاحمر وأنفجار القنابل في الهواء

يعطي برهاناً خلال الليل بأن علمنا ما يزال خفاقاً هناك

قُلْ : هل ان الراية الموشحة بالنجوم ما تزال ترفرف  فوق ارض الحرية ووطن الشجاعة ؟

([13]) محمد حسين هيكل: »صناعة القرار الأميركي الآن«،  السفير: بيروت: العدد 934: تاريخ 1/ 7/ 2003م.

([14]) لوران، أريك: عالم بوش السري: دار الخيال: بيروت: 2003م: ط1: (تعريب سوزان قازان): ص 24. 

* هو حفيد الملياردير (أندرو ميلون) أكثر الأميركيين ثراءً في عصره.

** إن المبادئ المؤسسة لأميركا، كما حدَّدها (الكسندر هاميلتون) وزير المالية في حكومة الرئيس جورج واشنطن (1789 1797م)، كانت تقوم على أسس: إقامة نظام الحماية الاقتصادية للمصانع الأميركية الناشئة، وإنشاء مصرف قومي. وكان يمثل، بدعم من جورج واشنطن، طموحات كبار الصناعيين ورجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال المستثمرة في القطاع الصناعي. (راجع موسوعة السياسة (ج7): المؤسسة العربية للدراسات والنشر: بيروت: 1994م: ط 1: ص 321.

*** لوران، أريك: عالم بوش السري: م. س:  هو أحد أقطاب صناعة البيرة، وهي مجموعة أُنشئت في العام 1877م، واشتهرت بمواقفها المناهضة للنقابات والأقليات. ومن جملة مواقفه المشهورة أن خاطب الأميركيين السود قائلاً: »إحدى أفضل الأشياء التي قام بها تجار العبيد بحقكم هي جرّ أجدادكم المكبلين حتى وصلوا بهم إلى هنا«.

([15]) لوران، أريك: عالم بوش السري: م. س: ص 27 - 40. 

([16]) المصدر: www.almujtamaa-mag.com: محمد صادق أمين: » التغلغل الصهيوني في العراق : حقائق جديدة«.

([17]) لوران، أريك: عالم بوش السري: م. س: ص 5 20.

([18]) مجدى أحمد حسين: »بشائر هزيمة أمريكا في العراق تلوح في الأفق«.

([19]) سيمور هيرش: »خطة البنتاغون السرية لتفكيك وتصفية المقاومة العراقية: الإستراتيجية والتكتيك«: في تشرين أول من العام 2003م، نشرت صحيفة لوس انجليس تايمز أن (وليام (جيري) بويكن Boykin  المقرَّب من رامسفيلد) تحدَّث أمام رواد إحدى الكنائس فقرن الإسلام أكثر من مرة بالشيطان. ففي حزيران/ يونيو 2003م، وطبقاً للصحيفة قال بويكن أمام جمع كنسي في ولاية أوريغون: »الشيطان يريد أن يدمر هذه الأمة . ويريد أن يدمرنا كجيش مسيحي«.  وقد == ==أثنى على الرئيس بوش باعتباره (الرجل الذي يصلي في المكتب البيضاوي) وأعلن أن بوش لم يكن رئيساً (منتخباً) وإنما (مفوضاً من قبل الرب). 

([20]) http://larouchein2004.net/pages/other/2004/040103cos2.htm : »لاروش يطلق حملة جديدة ضد تشيني والمحافظين الجدد«.

([21]) م. ن..

*  يستند فوفكوياما في نظريته على علم الجينات الوراثية، القائمة على الاستنساخ، وهو ما سوف يخلق ثورة في توليد أنواع بشرية متشابهة، بحيث يكون الفرد على تشابه شبه تام مع الأفراد الآخرين.

([22]) موقع المسرح: مقولات صراع الحضارات ونهاية التاريخ مقولات من صنع الساسة بامتياز.

([23]) حرب الأفكار: زكي الميلاد: موقع النبأ/ تشرين الثاني 2006/ العدد 84.

([24]) من ويكيبيديا ، الموسوعة الحرة.

([25]) ميدل ايست اونلاين، 9/4/ 2003، واشنطن - ماغان كراين: واشنطن تريد مناهج تعليمية تسبح بحمدها وتقبل وجود اسرائيل.. وتعتزم تغيير المناهج العراقية.

([26]) شبكة البصرة /3 تموز 2007: صحيفة كريستيان ساينس مونيتور الأمريكية: «انهيار نظام التعليم في العراق»: ترجمة أبو محمد المقدادي. (تقرير لبعثة الأمم المتحدة في العراق نشر في شهر / أيار 2007).

([27]) شبكة البصرة /3 تموز 2007: صحيفة كريستيان ساينس مونيتور الأمريكية: «انهيار نظام التعليم في العراق»: ترجمة أبو محمد المقدادي. (نقلاً عن أسماء جميل، أستاذة في علم الاجتماع في جامعة بغداد).

([28]) شبكة البصرة /3 تموز 2007: صحيفة كريستيان ساينس مونيتور الأمريكية: «انهيار نظام التعليم في العراق»: ترجمة أبو محمد المقدادي. (نقلاً عن أسماء جميل، أستاذة في علم الاجتماع في جامعة بغداد).

([29]) شبكة البصرة /3 تموز 2007: صحيفة كريستيان ساينس مونيتور الأمريكية: «انهيار نظام التعليم في العراق»: ترجمة أبو محمد المقدادي.

([30]) شبكة البصرة /3 تموز 2007: صحيفة كريستيان ساينس مونيتور الأمريكية: «انهيار نظام التعليم في العراق»: ترجمة أبو محمد المقدادي. (خرج الطلبة من امتحان الفيزياء وهم يقولون بأنّ 30 من 120 طالب قد دفعوا رشاوى تتراوح بين 300 دولار للامتحان الواحد إلى 2800 دولار لجميع= = الامتحانات السبع للحصول على الأسئلة الامتحانية قبل موعد الامتحانات وإدخال دفاتر امتحانية مغشوشة إلى قاعة الامتحانات. وحسب قول بعض الطلبة فإنّ الذين دفعوا الرشاوي جلسوا في قاعة امتحانية منفصلة... ويقول أحد الطلاب: رأيتهم يكتبون أسماءهم على أوراق الدولارات التي أعطوها للمدير).

([31]) شبكة البصرة /3 تموز 2007: صحيفة كريستيان ساينس مونيتور الأمريكية: «انهيار نظام التعليم في العراق»: ترجمة أبو محمد المقدادي. (ترى الميليشيات أكثر تفهماً لأوضاع الطلبة. ففي إعدادية الإمام علي (النهر الخالد سابقاً) في مدينة الحرية يقول أحد الطلبة: دخل مسلحون من جيش المهدي قاعة امتحانات علم الأحياء، وسألوا الطلبة إن كان المراقبون يضايقونهم، فذكر الطلبة بأنهم يريدون ممارسة الغش لأن الأسئلة صعبة جداً. فعندها أمر المسلحون المراقبين بالسماح للطلبة بالغش... وقد اعترف مسؤول في لجنة الامتحانات في مديرية تعليم غرب بغداد بوجود الرشاوى والتدخل في شؤون الامتحانات من قبل الميليشيات... وتقول المعلمة (أم سارة) من البياع بأنّ عناصر من الميليشيات هاجموا مدرستها وأجبروا المراقبين على الخروج من أحد قاعات الامتحانات، كما تروي أن أولياء أمور الطلاب تهجموا عليها وعلى بعض المعلمات وحاولوا ضربهنّ لعدم السماح لأبنائهم بممارسة الغش في الامتحانات).

([32]) أحمد منصور: موقع الجزيرة – نت: تاريخ الحلقة:  14/04/2003. (حينما دخل (هولاكو) بغداد في شهر صفر عام 655 للهجرة، 1258 للميلاد قام جنوده باستباحة المدينة، فمارسوا القتل والسلب وارتكاب المنكرات، فقتلوا حوالي مليون مسلم من النساء والأطفال والشيوخ والبالغين،= = حتى كانت الميازيب تجري بدماء الناس -كما يقول ابن كثير في تاريخه- ثم ركزوا على تخريب القصور وإتلاف الكتب التي كانت تعبر عن حضارة الأمة وثقافتها، حيث كانت بغداد آنذاك عاصمة الخلافة ومهد الحضارة ومدينة النور، وقد وصل حقد التتار إلى حد أنهم ملأوا نهر دجلة بالمخطوطات، ليجعلوا منها جسراً لعبور خيلهم إلى الضفة الأخرى من النهر، حتى إن مياه النهر تحولت إلى اللون الأسود بعد ما صبغها المداد الذي صيغت به المخطوطات.

واستمروا على هذا الحال أربعين يوماً وهذا ما جعل المؤرخ العريق ابن الأثير صاحب كتاب (الكامل في التاريخ) يقول: لقد بقيت عدة سنين معرضاً عن ذكر هذه الحادثة استعظاماً لها، كارهاً لذكرها، فكنت أقدم رِجْلاً وأؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين؟ ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني متُّ قبل هذا وكنت نسياً منسياً.

وما حدث على يد هولاكو يتكرر اليوم ولكن تحت رعاية (بوش) وجنوده، فقد استُبيحت ونُهبت ودُمرت متاحف بغداد والموصل وكركوك والبصرة وجامعاتها ومكتباتها وحضارة خمسة آلاف عام، وإذا كان الطبري وابن الأثير وابن كثير وعشرات آخرون من مؤرخي المسلمين قد أرخوا بألم وأسى لهجمة هولاكو، فلا ندري ما الذي سيسطره مؤرخو اليوم للأجيال القادمة عن حملة بوش، حيث تُستباح حضارة العراق وثقافته وتاريخه تحت سمع العالم وبصره).

([33]) «تصفية العلماء بدأت قبل أزمة أسلحة الدمار الشامل»: جريدة الحياة: 8/ 12/ 2006.

([34]) «من يقف وراء إرهاب العقول في العراق؟»: بغداد - خدمة قدس برس 26/4/2006. (هذا التساؤل صدر عن الدكتور علي الهاشمي، في حديثه لمراسل (قدس برس).

([35]) الجزيرة الفضائية: « حملة تصفية علماء العراق»:  ضيوف الحلقة:  - قيس العزاوي/ رئيس اللجنة الدولية لحماية علماء العراق، وعصام الراوي/ رئيس رابطة المدرسين العراقيين، و جون بول شارنييه/ محاضر في مركز فلسفة الإستراتيجية، تاريخ الحلقة: 17/3/2006

([36]) الاقتصاد العراقي تحت الاحتلال: غالب أبو مصلح: عين كسور في 14/4/2005.

([37]) الاقتصاد العراقي تحت الاحتلال: غالب أبو مصلح: عين كسور في 14/4/2005.

([38]) الاقتصاد العراقي تحت الاحتلال: غالب أبو مصلح: عين كسور في 14/4/2005.

 

اسم الكتاب: تدمير تراث العراق وتصفية علمائه

اسم المؤلف: حسن خليل غريب

الطبعة الأولى – كانون الثاني 2008

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

توزيع دار الطليعة

تلفاكس: 009611314659

منشورات حزب طليعة لبنان العربي الاشتراكي

شبكة البصرة

الاحد 9 ربيع الاول 1429 / 16 آذار 2008

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس