|
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ |
|
تدمير تراث العراق وتصفية علمائه
جريمة أميركية صهيونية إيرانية منظمة |
|
شبكة البصرة |
|
حسن خليل غريب |
|
مقدمة الكتاب من الطبيعي أن يتابع المثقف العربي، أو الأجنبي، أهداف الاحتلال الأميركي المعلَنة ويرصد ما يجري تنفيذه على الأرض، خاصة وأن أجهزة الإعلام تنجذب حول الملموس منها، ولا تصل إلى عمق أهداف أخرى لا تشد إليها المراقب العادي. من الطبيعي أن يشد المثقف، حتى المواطن العادي، حجم ما يُلحقه الاحتلال الأميركي للعراق من خسائر تطول الأرواح البشرية ومن تهديم في البُنى التحتية، وهي تقع تحت عدسات التصوير وتحت مرمى الخبر اليومي. ولهذا انشد الاهتمام وانحصر في هذا الجانب من دون غيره. بينما كانت الجوانب الأخرى، ومنها ما لا يقع تحت مرمى العدسة والخبر، مسألتان: - الأولى وهي هول الآلام والمعاناة التي يكابدها المواطن العراقي إزاء ما ترتكبه قوات الاحتلال المنظمَّة، وما ترتكبه الميليشيات المنفلتة من دون أي رادع أخلاقي أو وطني. - الثانية وهي صورة التدمير الثقافي الذي يطول كل معالم التراث الثقافي والحضاري للعراق، الذي على الرغم من أن قطاعاً نخبوياً من المثقفين يهتم به، ويلاحق مظاهره وأهدافه، إلاَّ أن هذا الجانب لم يحصل على اهتمام عام، بل ظلَّت معظم جوانبه تحت ستار التعتيم. إذا كان الاهتمام بالجانب الأول يأتي بالدرجة الثانية من اهتمام الكُتّاب والباحثين والصحفيين بعد الاهتمام بجوانب الصورة الأكثر التقاطاً للصورة والخبر، فإن مسألة التدمير الثقافي في العراق ظلَّ الجانب الأكثر عرضة للتعتيم عليه. وهذا هو الجانب الذي سيشكل العمود الفقري لبحثنا هذا. ليست الأهداف الاقتصادية للأطماع الرأسمالية الأميركية والصهيونية العالمية إلاَّ الهدف الأبرز الذي يحظى بالاهتمام الأكبر في منظور الكثرة الساحقة من الرأي العام العربي والدولي. وإذا كان وجه النهب الاقتصادي يعتبر الوسيلة الأساسية لإحداث تراكم في عامل القوة والسيطرة بما يسمح باحتكار كل وسائل القوة العسكرية والاقتصادية كعامل إخضاع أساسي لكل شعوب العالم الأخرى، إلاَّ أن لمشروع الأمركة والصهينة وجهاً إيديولوجياً آخر، وهو تتويج الهيمنة الاقتصادية والعسكرية بحماية فكرية لهما، أي فرض الفكر الرأسمالي والصهيوني ثقافة أساسية عند الشعوب الأخرى، التي إذا جرى تعميمها وتعميقها لتصبح نسيجاً أساسياً في ثقافة الشعوب يصبح من العسير على أية ثقافة أخرى مضادة لها أن تشق طريقها وتضع نفسها في موقع العداء معها، لأنها ستفتقد العمق الشعبي الذي يحتضنها ويدافع عنها. فمسألة الثقافة والحضارة تشكل المحور الاستراتيجي الطويل الأمد لكل من تيار الأمركة والصهينة: - أميركياًً تم تلخيصه باستراتيجية «حرب الأفكار» التي وضعت أسسها النخبة الاقتصادية والعسكرية والفكرية والسياسية، لما تم تسميته بـاليمين الأميركي المتطرف. - وصهيونياً تم تلخيصه بالعمل على نصرة وإنجاز مشروع شعب الله المختار. ومعالمه التنفيذية ستظهر فيما تزعم الصهيونية أنها معركة هرمجدون، على أرض فلسطين، حيث ستنتصر فيها قوى الخير على قوى الشر. إن التحالف الاستراتيجي بين الرأسمالية والصهيونية يعمل على اجتثاث كل فكر يناهض فكرهما، حتى ولو بالقوة بشتى أساليبها ووسائلها. الأولى بأسلوب ما يُسمى بحتمية انتصار حرب الأفكار، والثانية بأسلوب انتصار الحتمية الإلهية. نتيجة تلك الحرب التي تُشنُّ على العراق التي ظاهرها السيطرة على النفط، نتساءل كيف تدور الحرب الخفية الأخرى ضد كل ما له علاقة بمعالم ثقافية أو حضارية في العراق. لقد حاولنا من خلال بحثنا، على قلة المصادر التي عثرنا عليها، أن نحصر اهتمامنا بمسألتين: - تعريف التراث الثقافي والحضاري كتراكم معرفي تاريخي في العراق، وأهمية هذا التراث والخطورة التي يشكلها بقاؤه حياً على المشروع الإيديولوجي لليمين الأميركي المتطرف من جانب، وعلى مشروع الحتمية الإلهية التي تؤمن بها الصهيونية العالمية من جانب آخر. - التعريف بالتراث الثقافي الحديث والمعاصر، بمعالمه وإنجازاته الحضارية العلمية النهضوية التي كان النظام الوطني في العراق قد حقق قفزات نوعية على طريقها طوال خمسة وثلاثين عاماً من عمر ثورة 17-30 تموز. وهو يشكل خطورة على المشروعين معاً كطرفين متحالفين على أسس رأسمالية من غير مصلحتهما أن تتحول الشعوب الأخرى إلى مجتمعات منتجة تنافس الجشع الرأسمالي ووحشيته في السيطرة على آلة الإنتاج واحتكارها. فحول الجانب الأول ألقينا الضوء، على مقدار ما حصلنا عليه من معلومات قليلة، من العمل المشترك بين تحالف الأمركة والصهينة في العراق في تدمير كل معالم التراث التاريخي (أثاراً مادية ومخطوطات)، أو سرقتها. أما تدميرها فلأن الصلاة اليهودية تقول: «مبارك أنت ربنا ملك العالم لأنك دمرت بابل المجرمة». وأما السرقة فلأن الألواح الطينية والفخارية والحجرية تقدِّم معلومات تتعارض مع التوراة الْمُتداولة حالياً، وقد تُناقضها مما يُسَبِّبُ حرجاً للأصوليين اليهود الذي دأبوا على إتلاف كل ما يُعارض توراتهم من كتابات قديمة، ولا يمكن للمخطط الصهيوني من أجل إثبات رؤيته الإيديولوجية أن يكتمل إلاَّ بالحصول على تلك الوثائق، أو تدمير كل تلك المعالم التي تتناقض مع تلك الادعاءات. ولهذا اقتسم المتحالفان الاهتمامات إذ انصبت جهودهما معاً على تدمير أو سرقة ما له علاقة بالرؤية الإيديولوجيا الصهيونية، ووضعها بين أيدي المخابرات الصهيونية لصالح المؤسسة الدينية اليهودية، واستفادة المافيات الأميركية بشكل خاص من تهريب الآثار العراقية لبيعها والمتاجرة بها. أما عن الجانب الآخر، وهو الوجه الحضاري المعاصر، فانصبت جهودهما معاً من أجل تدمير كل المنجزات النهضوية المادية المدنية والعسكرية، والمختبرات العلمية في الجامعات العراقية وغيرها. وتعاونا على ملاحقة العلماء العراقيين من خلال أكثر من أسلوب ووسيلة: - تبتدئ باجتذابهم للعمل في المختبرات والجامعات، في أميركا والكيان الصهيوني أولاً، ولمن تستطيع من الجامعات الغربية الأخرى اجتذابه ثانياً. ومنعهم من العمل في أية جامعات أخرى تظهر، أو قد تظهر العداء للتحالف الرأسمالي – الصهيوني. - وتمر عبر التهديد والوعيد، والخطف والقتل لمن لا يستجيب. تلك القضايا، قمنا بمعالجتها وإلقاء الضوء عليها بمقدار ما استطعنا الحصول عليه. وتبقى الإشارة إلى أن النظام الإيراني قد دخل على خط الاستفادة وانتهاز فرصة صيد الفريسة العراقية، لكي يلتقط بعض الفتات، واستكمل عملية اجتثاث ما استطاع تدميره من التراث، لطمس معالم أية آثار عربية أو إسلامية تتناقض مع مشروعه المذهبي من جهة، ومن جهة أخرى ملاحقة كل العسكريين العراقيين الذين أسهموا في الانتصار على إيران في معارك القادسية الثانية، لذا قام باستغلال خيمة الاحتلال الأميركي من أجل أن يثأر منهم. على هذا الأساس، فقد قسمنا بحثنا إلى ثلاثة أبواب: - الباب الأول: تحت عنوان (تدمير تراث العراق منهج إجرامي منظَّم)، ويتضمن فصلين: - الفصل الأول: فصل تمهيدي عن التراث والثقافة والحضارة - الفصل الثاني: التدمير المنظَّم لمعالم الثقافة في العراق الباب الثاني: علماء العراق في ميزان الأهداف الأميركية والصهيونية، ويتضمن فصلين: - الفصل الثالث: من هم العلماء العراقيون؟ - الفصل الرابع: الأمركة والصهينة صاحبة المصلحة الأولى في تصفية علماء العراق. - الباب الثالث: ويتضمن فصلاً واحداً: - الفصل الخامس: حماية تراث العراق وعلمائه قضية قومية وإنسانية. إننا إذ نقدِّم هذا الجهد، على الرغم من علمنا بأنه قاصر عن الإلمام بكل جوانب الموضوع، إلاَّ أن دافعنا كان واجب التأليف فيه، كمقدمة لتطويره وإغنائه فيما بعد بما له من أهمية إستراتيجية نتوخى أن تشكل أحد جوانب الثقافة العربية في المستقبل، وهذا ما يحدونا إلى دعوة الباحثين العرب بشكل عام، والعراقيين بشكل خاص، ممن لهم باع أطول في هذا الحقل، إلى تطوير ما بدأنا به، خاصة وأن استفادتنا من أبحاثهم ومقالاتهم دلَّت على سعة خبرتهم ومعلوماتهم في هذا الحقل المهم. حسن خليل غريب لبنان في كانون الثاني 2008
الباب الأول تدمير تراث العراق منهج إجرامي منظِّم
الفصل الأول عن التراث والثقافة والحضارة أولاً: تعريفات نظرية 1- تعريف التراث «تعني، كلمة التراث، عند علماء الاجتماع، النظم الثقافية والعادات والتقاليد التي انتقلت من جيل إلى جيل، واستقرت في المجتمع»، وكانت (heredity) تعني إلى وقت قريب جداً «الانتقال من جيل إلى جيل بالطريق البيولوجي»، أما (heritage) فكانت تدل على «الانتقال بالطريق الاجتماعي»، وفي أواسط القرن العشرين أصبح كثير «من العلماء الأجانب يطلقون كلمة (heritage)، أو الوراثة، على كلا النوعين، ويتحدثون عن الوراثة الحيوية (biological heredity)، والوراثة الاجتماعية أو الثقافية، ويقصدون التراث الثقافي». فـ«التراث الثقافي هو مجموعة النماذج الثقافية التي يتلقاها جيل من الأجيال عن الأجيال السابقة، وهو من أهم العوامل في تطور المجتمعات البشرية، لأنه هو الذي يدفع المجتمع إلى السير خطوة جديدة في سبيل التطور، فعن طريق دراسة ذلك الإرث يصل العلماء إلى التجديد والابتكار». «وتختلف الجماعات البشرية من حيث ضخامة إرثها الثقافي، فبعضها ذات إرث ثقافي ضخم يرجع إلى ماضٍ سحيق، وبعضها الآخر ذات إرث خفيف غير عميق، لا يكاد يرجع إلى عدة قرون»([1]). فالتراث، إذاً، هو القيمة المرجعية الأساسية للأمة، لذلك تعمل الأمم المستحدثة بصورة هجينه على اصطناع، ومحاولة خلق تقاليد، تشكل لها ماضياً تمكن مقارنته بالتراث. وعلى سبيل المثال فإن زوار المتحف القومي الأميركي ينقلون دهشتهم لعدم احتواء هذا المتحف على ما يمكن تسميته بالآثار أو بالتراث. حتى إن مدخل المتحف يحتوي على مكتب بريد من طراز مجمعات رعاة البقر لما يمض عليه سوى بضعة عقود. والمسألة التراثية هي هاجس إنساني لا يهم فقط الأمة صاحبة التراث، بل يهم الإنسان الذي يعيش ثمار تراكمية المعارف في التراث الإنساني بحضاراته المتعاقبة المختلفة. وتراثنا العربي هو جزء من أهم أجزاء هذا التراث الإنساني([2])؟...
2- تعريف الثقافة: الثقافة هي استجابة الإنسان لإشباع حاجاته الضرورية... مثل المأكل والمشرب والملبس... والمعيشة في طمأنينة، واتقاء الأمراض وإشباع الدوافع الجنسية... والرغبة في التعلم والمعرفة، والحيوان يلجأ إلى غريزته، والإنسان إلى عقله ليبدع له وسائل وطرقاً ينظم بها تلك الحاجات، والإنسان ينشئ تلك الوسائل، ويغيِّر فيها، ويتعلمها عن أجيال سابقة... فالثقافة تتميز بثلاث خصائص رئيسية: - أنها إنسانية. - أنها تنتقل من جيل إلى جيل، أو من وسط اجتماعي إلى وسط آخر، ويضيف إليها نماذج جديدة. - أنها قابلة للتعديل والتغيير، وفق ما يحيط بالإنسان من ظروف خاصة جديدة. فالثقافة تشمل نماذج الحياة الاجتماعية بأسرها: كالنماذج العائلية والاقتصادية والدينية والأخلاقية والتربوية والجمالية والسياسية واللغوية والعلمية([3]).
3- تعريف الحضارة: ثمة معان كثيرة لكلمة حضارة، ولم يُتَّفق على معنى واحد لها، بل اكتسبت مفهومين عامين: - الأول: هي «شكل من أشكال الثقافة» نجد منها ثلاثة: استخدامها بمعنى واحد مع الثقافة، أو هي الثقافة حين تتميز بخصائص معينة، أو عندما تبلغ درجة واضحة من الرقي. - الثاني: مقاربة الحضارة مع الثقافة، فالثقافة تنكمش حتى تصير معبِّرة عن الأفكار، بينما الحضارة تدل على المبتدعات الإنشائية. يفرِّق علماء القرن العشرين بين الثقافة والحضارة دون إصدار أحكام قيمية على شعوب متحضرة أو غير متحضرة، إذ لكل شعب حضارته بدائياً كان أم متطوراً. وثمة علماء يفرقون بينهما على أساس الكم لا الكيف، فيعتبرون الحضارة شكلاً معقداً من أشكال الثقافة. ويبدو أن جميع من فصلوا الحضارة عن الثقافة قد تأثروا بعلماء الألمان الذين فرَّقوا تفرقة دقيقة بين المجالين من مجالات المبتدعات الإنسانية. وأنشأ (ألفرد فيبر) علماً خاصاً لدراسة مجاليهما سماه «علم الاجتماع الثقافي (culture sociologie)» يذهب فيه إلى أن الحضارة تقوم على العقل ولا وطن لها، أما الثقافة فأساسها العاطفة والقيم الروحية وهي متحررة من العقل، وتعبر عن روح الجماعة التي تنشأ بها([4]). وبالإجمال فإن من يفرق بين الحضارة والثقافة، يعتبرون أن الثقافة تتعلق بالنواحي الروحية والقيم الجمالية والفنون، بينما تتعلق الحضارة بنماذج الحياة المادية، والنماذج العلمية، أي بنماذج العلوم التي تعالج المادة الطبيعية والكيمياء، أي أن الحضارة جزء من الثقافة. بينما لا يميز العلماء الأميركيون بينهما. أما العلماء الفرنسيون فيطلقون لفظ حضارة (civilization) على الثقافة والحضارة معاً([5]).
4-أسس العلاقة بين التراث والثقافة والحضارة: من خلال استعراض التعريفات الثلاث: التراث، الثقافة، والحضارة، نجد أن تحت مصطلح التراث تقع كل من الثقافة والحضارة. فالكلام عن التراث هو بذاته كلام عن الثقافة والحضارة. وعندما نعمل على حماية التراث، أو الاستفادة منه، فيعني ذلك أننا نقوم بحماية الثقافة والحضارة، وتطويرهما والتجديد فيهما. وإذا كانت الحضارة جزءاً من الثقافة، وهي مجال من مجالاتها، فيعني أن إغناء الحضارة وتطويرها، والتجديد فيها، هو إغناء للثقافة والتجديد فيها وتطويرها، وهذا بحد ذاته إحداث تراكم جديد في التراث.
5- حماية التراث مهمة قومية وإنسانية: وتأتي مسألة حماية التراث من أهم ما على أمة من الأمم أن تقوم به. فتدمير التراث، أي تدمير معالمه، هو تدمير حلقات التواصل المعرفي في داخل الأمة الواحدة. ولما كانت المعارف الإنسانية يتم إغناؤها عن طريق التواصل المعرفي بين الأمم، فتكون مسألة حماية تراث الأمم الأخرى مهمة إنسانية. وهذا ما لحظته الاتفاقيات الدولية، وكانت من أهمها اتفاقية العام 1954، المعروفة باسم « اتفاقية لاهاي 1954: الاتفاقية الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية في حالة وقوع نزاع مسلح» والبروتوكول الملحق بها « البروتوكول الثاني اتفاقية لاهاي لعام 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح لاهاي، 26 مارس / آذار 1999». وعلى أساس تلك المبادئ، أين يقع التراث العراقي في مكاييل الاحتلال الأميركي للعراق؟ ثانياً: الثقافة والحضارة في مفاهيم اليمينيين الجدد 1- للحضارة في مفاهيم اليمينيين الأميركيين الجدد سقف نهائي: اختلف العلماء عبر التاريخ حول تعريف مصطلحيْ الثقافة والحضارة، ولكنهم اتفقوا على أنهما يخضعان لعملية نمو وتجديد جدلي، على أساس التفاعل بين الأجيال الجديدة وتُراث مجتمعاتهم من جهة، وتفاعلهم مع الثقافات والحضارات الأخرى من جهة أخرى، ولم يشيروا إلى أن للتطور والتجديد سقفاً زمنياً محدداً تحديداً دقيقاً. إن هذه الحقيقة تدل على أن حوار الثقافات في داخل المجتمع الواحد أمر ضروري، وتمنع هذه المسلمة من يزعم أن ثقافته تعبر عن الحقيقة المطلقة من الاستمرار في زعمه وتدفعه إلى فتح أبواب الحوار بين التعدديات الثقافية في المجتمع الواحد. كما أن تلك الحقيقة تدل على أن الحوار بين ثقافات المجتمعات أمر مطلوب من أجل تنمية روحية التلاقح بين شتى ثقافات الأمم، التي من دونها لا يمكن، في عصر العولمة، تقريب التعدديات الثقافية إلى دائرة التلاقي والاتفاق على ثقافة تحول دون حالة الاحتراب والصدام، أو تخفف من حدتها مرحلة تلو مرحلة. تلك حقيقة أكدتها وقائع المراحل التاريخية منذ التكوين الأول للجماعة البشرية على الأرض، ولا نستثني من ذلك ما جاءت به الأديان السماوية، أو تلك التي سبقتها بمراحل تاريخية مما كانت تُسمى مراحل عبادة الظواهر الطبيعية أو عبادة الإله – الإنسان. وباستثناء ما تعتقد به الأديان السماوية، أن ما جاءت به من تشريعات اعتبرتها إلهية تعبِّر عن الحقيقة المطلقة، والتي برهنت متغيرات الثقافة في العالم أنه ليست هناك حقيقة مطلقة، وليست هناك مقدسات ثابتة، فإن سائر الفلسفات العالمية اعتبرت أن مجالات التغيير الثقافي مفتوحة أمام البشرية. وليس هذا فحسب، بل إن التطوير الثقافي والتجديد في الثقافة أيضاً إنما هما معياران أساسيان في النظر إلى حقائق الكون. خلافاً لكل تلك الحقائق - الثوابت، برزت على سطح الفكر الإنساني دعوة، مصدرها الولايات المتحدة الأميركية، تنفي وتتنكر لحقائق الفكر التي أثبتتها كل مراحل التاريخ، وهي الدعوة العقائدية التي تبنتها جماعة اليمنيين الأميركيين الجدد، التي تدعو إلى إغلاق بوابات التطور والتجديد أمام الفكر الإنساني إذ اعتبرت أن بوابات الديمقراطية الرأسمالية هي البوابات الوحيدة المفتوحة للدخول إليها، وبها تنتهي عملية التطور المعرفي عند الشعوب كافة، وحسبتها أنها المقدَّس الوحيد الذي على البشرية كلها أن تعتنقه. وكأن وضع النهج الفلسفي الاعتقادي الأميركي لليمينيين الجدد مقدسات أخرى تعمل على فرضها بديلاً عن مقدسات الأديان السماوية، وبالضد من الفلسفات التي رفضت وجود حقيقة مطلقة. تستند خطورة هذه الدعوة إلى العوامل التالية: -إنها مدعومة من قبل أكبر أنظمة العالم قوة مادية، وأكثرها تطوراً حضارياً في شتى مناحي الحياة المادية للبشرية. -وازدادت خطورة عندما وضع النظام الأميركي إستراتيجيته موضع التطبيق من خلال تصديرها وفرضها بقوة السلاح على شعوب الكرة الأرضية. لم تكن تلك النزعة منفصلة عن التكوين الإيديولوجي للنظام السياسي الذي يحكم الولايات المتحدة الأميركية منذ نشأته الأولى قبل خمسة قرون تقريباً. وكي لا نضع كل الوزر على عاتق اليمينيين الأميركيين الجدد، نرى أن أيديولوجيتهم هي استمرار أكثر تطرفاً لإيديولوجية النظام الأميركي، فعلى رقاب تلك الإيديولوجيا نعلِّق الوزر أيضاً، ونحسب أن عقيدة اليمينيين هي نتاج التطرف الإيديولوجي الأميركي بشكل عام، وبشكل خاص تمثل أيضاَ أعلى درجات التطرف في نظام أميركي هو متطرف بدوره. إن إثبات ذلك يقتضي من الباحث أن يستقصي تطور المنظومة الثقافية، والحضارية، للنظام الأميركي، تلك المنظومة التي تفسر لنا أسباب وأهداف ما قامت به الإدارات الأميركية المتعاقبة على الساحة العربية منذ وطأت أول قدم أميركية تلك الأرض، والتي كانت أولى خطواتها العملية قد تمت بعد الحرب العالمية الثانية في أواخر النصف الثاني من القرن العشرين، وإن كانت طلائعها الخجولة تعود إلى أواسط القرن التاسع عشر. إن تاريخية تكوين الإيديولوجيا الأميركية تثبت جملة من الحقائق، وهي:
2- تأسيس النظام الأميركي على قاعدة تفوق العرق الأبيض: قام النظام الأميركي، منذ تأسيسه، على قاعدة تفوُّق العرق الأبيض، وهو امتداد لمفهوم نظرية التميز والتفوق العرقي. وقد انبثق عن ثنائية (العرق الأبيض في مواجهة الأعراق الأخرى)، وثنائية (السيد والعبد)، فالسيد هو الأميركي الأبيض أما العبد فهو كل شعوب العالم الأخرى. ولأن نظرية السيد تعني «الإنسان المتحضر»، ونظرية العبد تعني «الإنسان المتوحش»، إذ يحق لـ«لسيد» أن يُخضِع «العبد» بأية وسيلة. ولهذا انغرست في الإيديولوجيا الأميركية مفهوم «إبادة الوحوش» لتخليص البشرية من شرورها، ودافعهم وضع ثروات العالم في خدمة «الرجل الأبيض المتحضر». فكانت الولايات المتحدة الأميركية، ومازالت، الدولة «الأشد دموية وعدوانية عبر التاريخ الإنساني كله،منذ أن بدأت تتشكل وحتى الآن، أي منذ إبادة الهنود الحمر إلى العدوان على العراق». تواصلت الإيديولوجيا الأميركية، منذ ما يُعرَف بالاستقلال الأميركي، استناداً إلى ثنائيات (العرق الأبيض والأعراق الأخرى، و(السيد والعبد)، و(الإنسان المتحضر والإنسان المتوحش). واستمرت آليات الصراع على قاعدة تشريع مبادئ: «إبادة الأعراق الأخرى، أي أن ثنائية العبيد والمتوحشين، هي رسالة إنسانية وإلهية». وارتقى مفهوم الإبادة إلى مفهوم «الاستعباد»، ويعني أنه لأجل توفير اليد العاملة التي تخدم «الإنسان المتحضر» تسمح الإيديولوجيا الأميركية باسترقاق الأعراق الأخرى لوضعهم في خدمة الأسياد البيض. وتستند تلك المفاهيم إلى عمق تاريخي سادت فيه «نظرية ترويض العبيد» التي تعود أصولها إلى بداية (النهضة الأمريكية) التي قامت «على جثث ودماء وجهود الأفارقة الذين تم اصطيادهم مثل الحيوانات من الغابات والمنازل، أو تمَّ شراؤهم من الأسواق». وهي بالإجمال «قضية وجود مفهوم نظري، يرى فيه الأمريكي أن من حقه إبادة الشعوب الأخرى، واسترقاقها وتخويفها وإرهابها،باعتباره (رجل ابيض) متفوق حضارياً على الآخرين»([6]). لقد جنى «أبوات الرأسمالية الأميركية» ثرواتهم على جماجم الشعوب، وعلى أنهار من الدماء([7])، وارتكاب أعتى الجرائم، وأشدها دموية في تاريخ البشرية، وتسويغ ارتكابها تحت أغلفة إنسانية، وفَّر لها وسائل إعلامية تظهرها بأنها شرعية وأخلاقية، بل واجباً إنسانياً، وإلهياً أحياناً. وهناك مبادئ إعلامية عشر يطبقها الإعلام الأميركي([8]). لم تقتصر الإيديولوجيا الأميركية، فيما له علاقة بثنائية (السيد والعبد)، على تُراث تاريخي طويل فحسب، وإنما عقد النظام الأميركي أيضاً تحالفات مع ما يسميه (فرانك براوننغ) في كتابه (الجريمة على الطريقة الأمريكية) بـ«السلطة السادسة»، أي تلك التي يمارسها عالم محترفي إجرام يعملون في خدمة الصناعيين والسياسيين. ووظيفتها ليست إفساد القوى الاجتماعية الأخرى وحسب، بل إنها تؤلف سلطة مستقلة تقاوم السلطات الأخرى أيضاً. وليست تلك السلطة إلاَّ سلطة عصابات المافيا في نيويورك( |