بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

تدمير تراث العراق وتصفية علمائه

جريمة أميركية صهيونية إيرانية منظمة
الحلقة الخامسة

شبكة البصرة

حسن خليل غريب

الباب الثاني

علماء العراق في ميزان الأهداف الأميركية والصهيونية

 

الفصل الثالث

من هم العلماء العراقيون

1-التعريف من الناحية التقنية:

«المعرفة العلمية (scientifique) أعلى درجات المعرفة، وهي التعقل المحض، والمعرفة الكاملة»، و«العلوم التطبيقية (sciences appliquees) هي التي تطبق العلم النظري لبلوغ غايات عملية معينة، كعلم الكهرباء الصناعية، وعلم الاقتصاد الزراعي... فهما علمان فرعيان يطبقان قوانين العلوم النظرية المقابلة لهما»، و«العلوم الإنسانية (sciences humaines) هي المسماة بالعلوم المعنوية، وتبحث في أحوال الناس، وسلوكهم، أفراداً كانوا أو جماعات، كعلم الأخلاق وعلم الاجتماع...»، و«العلمي (scientifique) هو المنسوب إلى العلم: تقول المعرفة العلمية، والروح العلمية (esprit scientifique)، ويُطلق هذا الاصطلاح الأخير على العقل المُنظَّم الواضح الذي لا يُسلِّم بصدق حكم إلاَّ بعد تحقيقه، والتدقيق فيه، وإقامة البرهان عليه».

وإن استخدام العلم في الاصطلاح الحديث مقابل الأدب، الذي أدِّى إلى انقسام الكليات إلى «علمية» و«أدبية»، «لا يخلو من الاضطراب، لأن بعض الدراسات الإنسانية التي تتم في كليات الآداب، تميل إلى الاتصاف بصفات العلوم الصحيحة». «فالعلم العقلي، هو ما يحصل بالنظر والتأمل، ويُسمى النظري، والعملي هو ما يحصل بالعمل والتجربة»([1]).

 

2-التعريف من الناحية الإيديولوجية:

هل العالم مثقف أم غير مثقف؟

العالِم بتعريفه التقني يضع جهوده في خدمة العلوم المجردة، فالمقياس عنده العمل على تقدم العلم وتطويره. وبالتالي ليس لتطوير العلم والمعرفة وطن ولا طبقة، ولهذا لا يُعنى العالِم، بتعريفه التقني، كيف ومتى وأين تصب نتائج جهوده ونتاج علمه، فهو إذاً مثقف إنساني علمي مجرد.

وانطلاقاً من ذلك، ولأن الكون منقسم إلى أمم وطبقات، ولأن هذا التقسيم يفرض تناقضاً بين المصالح، ولأن العلماء منتشرون بين شتى الأمم والطبقات، كان لا بدَّ من أن نولي تعريف المثقف عناية. وهنا يستحضرنا السؤال: ما هي مضامين تعريف المثقف؟

يندرج تحت هذا التعريف نوعان من المثقفين:

-الأول: المثقف العام الإنساني في أهدافه، كونه عضواً في المجتمع الإنساني.

-والثاني: المثقف المُلتصق بأهدافه الخاصة، أي أهداف أمته أو مجتمعه الوطني، كونه عضواً في أمة لها خصوصياتها وفي طبقة لها مصالحها.

مبدئياً، كل إنتاج علمي يخدم البشرية كافة. وليس من العدالة أن يتم احتكار نتائج العلم لمصلحة أمة دون أخرى، ومصلحة طبقة دون أخرى. هذا من حيث مبدئية أن الكون وُجد لمصلحة كل البشر. أما واقعياً فإن السائد، عرفاً وواقعاً، أن هناك احتكاراً له، ولم تشذ عن هذا الواقع والعرف أية مرحلة من مراحل التاريخ. وهذا يفرض مبدأً واقعياً أيضاً مضمونه: أن يستفيد من علم كل عالم أبناء أمته وطبقته أولاً، وهذا لا يحول دون أن تستفيد الأمم الأخرى من علم أي عالم بغض النظر عن هويته القومية أو الدينية أو الطبقية. وكل عالم يوظِّف نتاج علمه في غير مصلحة أمته أو طبقته فيكون كمن «يخون وطنه وطبقته» كما عبَّر جان بول سارتر عن هذه المعادلة.

فعلى العالم بناء على هذه المقدمات أن يكون مثقفاً ثقافة وطنية وطبقية لكي تكتمل صفاته كمثقف إنساني مجرد. فتتكامل في تعريفه شروط إنسانية ثقافته مع وطنيتها وطبقيتها.

استناداً إلى هذا التعريف، نتساءل:

-هل يمكن اعتبار «علماء العراق»، هم علماء عامين، ومثقفين وطنيين معاً؟

- ما هي طبيعة تصنيف ثقافتهم، هل هي مواصفات إنسانية عامة؟ أم لها مواصفات وطنية وطبقية خاصة؟

مما لا شك فيه أن كل نتائج العلم تصب في مصلحة البشرية جمعاء، ونتائج أبحاث علماء العراق لا تشذ عن هذه القاعدة، فالعالِم العراقي هو مثقف إنساني.

كما هو مثقف وطني قومي عربي من جهة، وطبقي يضع نتاج علمه في مصلحة الطبقات كافة من جهة أخرى، أما الأسباب فهي التالية:

- إن الشركات الكبرى، في الدول ذات الاتجاهات الرأسمالية، تُموِّل تعليم وتأهيل المُميَّزين من العلماء، وتربطهم بعقود وقيود، تصل إلى حدود وضعهم في شروط سكنية وحياتية واجتماعية تحكم فيها مراقبتهم. أما السبب فهو الحؤول دون تسريب نتائج أبحاثهم وخبرتهم إلى غير مصلحة تلك الشركات. ولقاء ذلك يتحول العالِم في هذه البيئة إلى موظَّف عند شركات بحيث يخدم علمه ونتائج أبحاثه، ليس أمة بكاملها، بل مصلحة طبقة واحدة في تلك الأمة فقط.

- أما العالِم العراقي، فقد كان النظام الوطني في العراق هو الذي يسَّر سُبُلَ إعداد وتأهيل العلماء في الاختصاصات كافة ضمن خطة استراتيجية يتم فيها توظيفهم في خدمة العراق والعراقيين، كما يتم توظيفهم في خدمة العرب والعروبة(*)، ويتأكد هذا الأمر، مع العلم أن أية جهة صديقة أو معادية لم تستطع أن تثبت العكس، من أن للنظام الوطني في العراق إيديولوجية وطنية وقومية واشتراكية، وهي أيديولوجيا حزب البعث العربي الاشتراكي، يناضل من أجل مصلحة المجتمع الوطني والقومي بكل تكويناته، كان يعمل على تطبيقها في العراق، الأمر الذي يجعلنا نؤكد أن العالم العراقي يجمع بين صفته الإنسانية العامة، وصفته الوطنية والقومية والطبقية الخاصة.

لا يمكن وصف مشروع علمي بالعلمية إلاَّ إذا كان يستند إلى طبقة من العلماء يشكلون البوصلة الأساسية، التي بالإضافة إلى أنها تضع أسسه وخططه، فإنها تكون أمينة على حسن تطبيقه أيضاً. وفي هذا المجال كانت للنظام الوطني في العراق قبل الاحتلال رؤية استراتيجية في تحضير البنى العلمية التحتية لتخطط لمشروع التغيير في العراق على المستويات النهضوية، التي تعتمد على أسس ثلاثة:

- تأسيس بنى علمية تنهض بالجوانب الانتاجية الصناعية والزراعية، وتحفظ ثروات العراق الطبيعية، وتستثمر عائداتها على أفضل ما يمكن من شروط الاستثمار.

- تأسيس بنى علمية تنهض بمستوى المواطن العراقي وتأهيله بالتربية الاجتماعية والأخلاقية، وتوفر له الخدمات، بكل أنواعها، تبدأ من ورشة القطاع الخدماتي من صحة وكهرباء وماء وطرقات، ووسائل مواصلات، وتنتهي عند توفير كل وسائل البنى المعرفية في التربية والتعليم...

- تأسيس بنية عسكرية دفاعية عن العراق تكون قادرة على حماية الدولة العراقية من كل اعتداء خارجي، بما يتطلب الأمر من تأهيل الكادر العسكري الكفء مهنياً، والمؤهَّل وطنياً للقيام بمهمته الحقيقية، وبما يتطلبه الأمر من استقلالية في إنتاج السلاح الضروري وضمان الحصول عليه من الإنتاج الذاتي، وكسر الاحتكارات الأجنبية، التي لن تعطي للدول الأخرى إلاَّ نوعية متخلفة من السلاح وبكمية لا تشكل سلاحاً دفاعياً فعالاً، أما السلاح الهجومي فهو من المحرم بيعه إلاَّ للدول ذات الارتباط الموثوق بمصادر الأسلحة المتقدمة(*).

ولهذا يصح أن نصف عملية التكامل بين نتائج شتى اختصاصات العلوم، من إنتاجية مادية توفر أفضل الخدمات للمجتمع، إلى إنتاجية ثقافية إنسانية تحفظ أسس التواصل التربوي والمعرفي وتدفعها إلى تغيير تصاعدي مستمر، إلى إنتاجية عسكرية دفاعية بكل مفاصلها، بأنها عملية مركَّبة ومعقدة ومُكلِفة، في مجتمع عراقي كان يغرق،، قبل ثورة 17 – 30 تموز من العام 1968، في كل متاهات الجهل والتخلف.

فكل صاحب اختصاص علمي، وكل صاحب كفاءة سياسية وإدارية، وضع جهده في تأسيس البنية التحتية للمشروع النهضوي في العراق، يكون قد أسهم بشكل أو بآخر في ورشة التغيير فيه، ويكون قد بنى مدماكاً في هرم الإنجازات النهضوية الكبرى، وخاصة منهم الذين اكتنزوا العلوم على درجة كبيرة من الرقي النظري والتطبيقي، نضعهم كلهم في قائمة علماء العراق الذين نبحث في هذا الكتاب مأساتهم.

علماء العراق هم الذين أخلصوا لمجتمعهم العراقي، ووظَّفوا نتاج جهودهم لمصلحة مجتمعهم، وهم الذين وظَّفوا نتاجهم من أجل حماية وطنهم.

وتكتمل الصورة لدينا إذا قمنا بتعريفهم من خلال ترابط موقعهم كعلماء بموقعهم كمثقفين. إن هذا الأمر يرتبط بمدى فهمنا لمهمة المثقف بشكل عام، وللمثقف العربي بشكل خاص، وللمثقف العراقي بشكل أخص.

فإذا كان علماء العراق، هم علماء المعرفة النظرية والتطبيقية، فهم أيضاً مثقفون وطنيون.

فعالم المعرفة التطبيقية قد يوظف معرفته ويقوم بتأجيرها لمن يدفع الأجر الأكثر، فيبيع معرفته من دون النظر إلى من يبيعها، أما المثقف الوطني فهو من يعي أهمية وضع نتائج معرفته في خدمة مجتمعه الوطني، وهذا العامل هو الذي يحصنه من أن يخون وطنه وأمته ومجتمعه، ويدفعه أكثر لوضع كل معرفته لغرض واحد هو خدمة مجتمعه، بما تعنيه من طبقة أو مجتمع وطني...

أما في المجتمع الرأسمالي، أو بتعريف أدق المجتمع الذي تقوده الشركات الرأسمالية، فتنطلق في تعريفها للعالِم من خلال الأطر التالية:

1- تختار الطبقة المسيطرة اختصاصيِّي المعرفة العلمية التطبيقية، ليقوموا بالوظائف التي تحددها تلك الطبقة ضماناً لمصالحها.

2- تحدد الطبقة المسيطرة النهج الإيديولوجي لاختصاصيِّي المعرفة العلمية التطبيقية، وتحوِّلهم إلى حراس لتقاليدها وعاداتها. وتصنع منهم خدَّاماً تضعهم بتصرفها، وتعينهم كموظفين في البنى الفوقية، وتعطيهم بعض السلطة، لينقلوا قِيَمَها ويقوموا بتعديلها عند الضرورة بما لا يمس جوهر مصالحها. فهؤلاء ليسوا مثقفين، بل هم من العلماء العامين لأنهم يعملون، فقط، على تمرير إيديولوجيا الطبقات النخبوية المسيطرة.

3- تنحصر عملية انتقاء العلماء، غالباً، بأبناء الطبقات الوسطى المُشبَعين بالخصوصية الإيديولوجية للطبقة التي أنتجتهم. وهنا لا بُدَّ من الملاحظة أن الغايات والأهداف التي يعمل لأجلها أولئك الاختصاصيون في غالب الأحيان ليست غاياتهم ولا أهدافهم. ولهذا يعاني الواحد من هؤلاء من صراعات نفسية داخلية، تدفع ببعضهم لأن يطوِّروا فكرهم باتجاه كشف اللا عدالة في النظام الاجتماعي والاقتصادي، وفي الوقت الذي يحصل هذا التحول في اتجاهات أي عالم فلن تبقى الطبقة المسيطرة واقفة على الحياد، بل تتصرف بما يضمن استمرار النظام الذي يحقق مصالحها، لذلك تُبقي مواقع الاختصاصيين تحت رقابتها. أما إذا تمردوا فإنها لا تتورع عن الخلاص منهم، حتى ولو كان عن طريق القتل(*).

فالمثقف الوطني، إذاً، هو الذي يدرك، بوعي، التعارض أو أحياناً التناقض بين البحث عن الحقيقة العلمية الشمولية والإيديولوجيا المسيطرة. وأن يتحوَّل هذا الوعي إلى ممارسات عملية ووظيفية. فالكشف عن التناقضات الإنسانية في المجتمع هي من إحدى الوظائف الأساسية للمثقف، إذ ذاك يلعب دوره في الصراع الذي يدور بين المتناقضيْن: فهو يعمل على كشف التناقض، ثم العمل في سبيل تعديله ليصب في المصلحة العامة([2]).

نتيجة لمفهوميْن متناقضين، بين مثقف ينتمي إلى وطن ومجتمع، أو إلى طبقة مسحوقة ويعمل لمصلحة طبقة رأسمالية، أي إلى دولة توفر العدالة والمساواة بين مواطنيها، ويعمل من أجل مصلحتهم، وبين مثقف ينتمي إلى فكر الطبقات الرأسمالية التي تعمل لمصلحة طبقتها التي لا حدود وطنية لها، فمصلحتها تمتد إلى الحدود التي توفر لها الشروط اللازمة لممارسة استغلالها.

هكذا هي حدود الصراع بين العلماء العراقيين وبين قوى الرأسمال الممثلة بطبقة الرأسمال الأميركي والصهيوني.

فحدود طرفيْ المعادلة تنحصر بين عالم وطني مثقف يعي مصالح وطنه، وعملية شده إلى خارج الوظيفة الوطنية الاجتماعية لربطه بمصلحة الإيديولوجيا الرأسمالية التي هي أعلى مراتب الاستغلال. فإذا ارتضى العالم العراقي أن يخون وطنه وطبقته ومجتمعه وانخرط في خدمة إيديولوجيا الرأسمالية، لقاء جزاءات مادية مغرية، فيصبح من المرحَّب به في حظيرة الرأسمالية ويصبح وفياً لها، ويصبح بالتالي من المؤمنين بأن ديموقراطية الرأسمالية هي نهاية الديموقراطيات الأخرى في تاريخ البشرية، وعند حدودها تُلغى الحاجة إلى أية قيم وطنية أو أخلاقية أو طبقية ما دامت ديموقراطية الرأسمالية تعمل على تحقيق أهداف الرأسماليين ومصالحهم.

على أساس هذه القاعدة نستطيع أن نفسِّر طبيعة الصراع الذي حصل بين النظام الوطني في العراق، الصراع الذي أدى إلى احتلال العراق وإسقاط نظامه الوطني من ناحية، ومتابعة المؤامرة من أجل اجتثاث علمائه الذين أعدَّهم إعداداً علمياً وأخلاقياً ليس لكي يبنوا قاعدة مادية للمشروع النهضوي العراقي فحسب، بل ليكونوا أوفياء لأهداف هذا المشروع أيضاً.

ولهذا لا تكمن المؤامرة في اغتيال علماء العراق، وتهجيرهم، وإرهابهم إلاَّ من أجل نقلهم من ضفة إلى أخرى، من ضفة الوفاء إلى وطنهم ومجتمعهم إلى ضفة الولاء للإيديولوجيا الرأسمالية، ولهذا لم يطبق الاحتلال الأميركي عقوبة الاغتيال والتهجير والتخويف إلاَّ كآخر المراحل التي تعذَّر فيها على المخططين الرأسماليين من إقناعهم للانتقال من الخدمة في هذه الضفة إلى الخدمة في الضفة الأخرى.

 

3-علماء العراق بنية استراتيجية لمشروع عراقي نهضوي

أ- العقل العراقي في ميزان التطبيق العملي:

العالِم العراقي، هو العقل العراقي الذي أسهم في إنجاز الطفرة النهضوية في العراق على شتى المستويات. فالمقصود إذاً بهذا العقل كل كفاءة وخبرة في مختلف المجالات الإنسانية والعلمية، في الطب، الهندسة، الحقوق، الاقتصاد، الصحافة، الإعلام، الصيدلة، اللغات، الفنون، وغيرها... سواءٌ أكان يحمل شهادة أكاديمية أم لا. فالكثير من الخبراء أو العقول يحملون شهادة البكالوريوس مثلاً لكنهم من ذوي الخبرات أو المعرفة أو التخصصات الأخرى. ونستطيع القول إنهم الأشخاص الذين يعملون بعقولهم من شغيلة الفكر ممن اثبتوا كفاءة، وكانت أو صارت لهم خبرات علمية أو أكاديمية أو فنية.

وتفصيلاً إن من يتم تصنيفهم كعلماء هم: الأطباء الجراحون والأطباء الاختصاصيون والأساتذة الجامعيون في الحقوق والكومبيوتر والعلوم والإدارة والإحصاء والمحاسبة وغيرها في مختلف التخصصات وكذلك الدبلوماسيون والعسكريون والمهندسون والكتاب والصيادلة والفنانون ممن عملوا في المؤسسات العراقية أو غيرها هم من العقول التي تشكل ثروة وطنية عراقية. وهؤلاء الأشخاص سموا بالعقول لأنهم يعملون بعقولهم من أجل المجتمع ومن أجل سعادة الإنسان العراقي. وتحديداً نرى أن كل عراقي من العلماء، مهما كانت أصوله أو ديانته أو قوميته أو مذهبه هو عقل وطاقة وثروة وقوة مهمة لا يمكن الاستغناء عنها من الدولة ومن المجتمع([3]).

 

ب- بناء العقل العراقي هدف استراتيجي للنظام الوطني:

إن «ما هو مثبت أن العراق كان منارة للعلوم والتكنولوجيا والتطوير والتعليم في العالم العربي ولكن هذه المنارة انطفأت فور سقوط الدولة العراقية التي فككها مخطط بول بريمر الذي كان صاحب الدور الأكبر في توزيع بذور الانهيار الحضاري في العراق»([4]). إذ كان النظام التعليمي في العراق من بين الأفضل في المنطقة العربية، ما رفد البلاد بشريحة أكاديمية ذات مستوى متقدم([5]).

ذكر كويشيرو ماتسورا مدير منظمة اليونسكو أن العراق له باع طويل في التعليم والتفوق الاكاديمي بين دول الشرق الاوسط([6]). وإن لدى العراق قابليات علمية كبيرة في مختلف الاختصاصات، وخبرات تراكمية بفعل ما صرف في المجال العلمي بيد «الحكومة البعثية السابقة»، وبالتالي فإن هؤلاء هم الثروة الحقيقية للعراق، وهم من بمقدورهم أن يعيدوا ما دُمِّر([7]). وكانت البنية العلمية إحدى ركائز نمو العراق وتقدمه، هي البنية العلمية والتقنية التي استطاع بناءها حتى سنة 1980. حيث كان العراق الدولة العربية الوحيدة التي استطاعت أن توطِّن التكنولوجيا وتربي آلاف العلماء وتدربهم في جميع الاختصاصات العلمية، مما مكنها من بناء قاعدة صناعية صلبة وعريضة([8]).

لقد واجه العراق في المرحلة بين (1968 – 1980) مهمة إعداد البنية العلمية التحتية، تلك البنية كانت الأهم في تاريخ التنمية البشرية في العراق، فهو معها استطاع أن يحقق ما سمي في حينه، بالتطوير الانفجاري لكل مناحي الحياة في المجتمع والدولة.

وكان من أهم أهداف استراتيجية البناء العلمي للعراق تقليل الفجوة العلمية والتقنية بين العراق والوطن العربي وبين العالم المتقدم، من خلال انشاء القاعدة العلمية وبناء المؤسسات العلمية. وربط عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية في بناء الكوادر الوطنية والقومية القادرة على تنفيذ خطط النهوض العلمي والاجتماعي، وإنجاز المجتمع المزدهر التي سعت ثورة 17 – 30 تموز 1968لتحقيقه.

 

ج- تأسيس البنى التحتية من أهم إنجازات الثورة العلمية:

- الدراسة الجامعية: شهدت زيادة مقاربة للزيادة التي شهدتها الدراسة في المرحلتين الابتدائية والثانوية. وبلغ عدد الجامعات ومؤسسات الدراسة العليا /54/ جامعة ومؤسسة انتشرت في أرجاء العراق. وتخرج سنوياً عشرات الآلاف من الاختصاصات المختلفة والآلاف من حملة شهادات الدبلوم العالي، والماجستير والدكتوراه.

- الاختصاصات النادرة: استطاعت الثورة أن تبني أفضل قاعدة من الاختصاصات النادرة والعلماء في كافة المجالات المتقدمة. وعدّ العراق في مقدمة دول العالم في عدد علمائه وكفاءتهم النادرة واستطاعوا أن ينجزوا ويبتكروا ويخترعوا، بما أكد أن العراق كان من خيرة البلدان التي تشجع العلم والعلماء في العالم.

وكان من أهم نتائج تلك السياسة أنه تمَّ إعداد الآلاف من العلماء في أرقى اختصاصات العلم، ونال من الميزانية ما يستحق الإعداد للمستقبل. واستكمل هذا الإعداد بتعزيز مكانة مراكز البحث، حيث كانت تحظى بنسبة ثلاثة بالمئة من الدخل القومي، أي ما يعادل ستمائة مليون دولار سنوياً(*).

- بناء مؤسسات البحث العلمي: تم تأسيس معهد بحوث النفط، ومركز بحوث البناء، مركز البحوث البيولوجية، ومركز بحوث النخيل والتمور، ومعهد بحوث الموارد الطبيعية، ومركز البحوث الزراعية، وانشاء هيئة المواصفات والمقاييس، المركز القومي للاستشارات الهندسية والمعمارية، والمعهد المتخصص للصناعات الهندسية، والمركز القومي للاستشارات والتطوير الاداري، و المركز القومي للحاسبات الالكترونية، ومركز بحوث الطاقة الشمسية، ومركز بحوث علوم الحياة، ومركز بحوث الفضاء والفلك، ومركز التوثيق العلمي([9]).

د- تأسيس البنى العسكرية من أهم إنجازات الدفاع عن سيادة الوطن:

- البنية العسكرية اللوجستية: طورت الثورة بناء الجيش العراقي عدةً وعدداً وتدريباً بشكل علمي حتى أصبح يضاهي أقوى الجيوش في العالم. واستطاع أن يثبت كفاءته وشجاعته في كل المهام الوطنية والقومية التي أنجزها دفاعاً عن العراق والأمة العربية. هذا الجيش ومعه القوى الأمنية وجيش القدس وفدائيو صدام هم عماد المقاومة العراقية الوطنية، ومعهم كل الشرفاء الوطنيين والإسلاميين والقوميين([10]).

في مجال التصنيع العسكري: علماء العراق بنوا مجداً علمياً لا للعراق وحده بل للأمة العربية كلها، فهم الذين برعوا في:

- تطوير الصاروخ السوفييتي (إس. إس - سكود ب) الذي لا يتجاوز مداه 300 كلم ليفرخوا منه أربعة أنواع من الصواريخ الباليستية كان آخرها (تموز) الذي لم يكتب له أن يرى النور لأن مداه تجاوز الـ 1500 كلم.

- بناء أوزيراك (المفاعل النووي العراقي) الذي دكته مقاتلات أمريكية الصنع في يوم أسود من أيام العرب السوداء.

- بناء مؤسسة عسكرية شدَّت انتباه مراكز الأبحاث العالمية، حيث وصف خبير أمريكا الأول انتوني كوردسمان، القوة المسلحة العراقية بأنها تحتل المركز الرابع عالمياً بعد أمريكا وروسيا والصين، لتسبق فرنسا وألمانيا وبريطانيا وغيرها ([11]).

 

- في المجال النووي: كان الصرح العلمي العراقي قد ضم مدرسة علمية متفردة ومتعددة الجوانب في المجال الطبي والنووي والكيماوي والبيولوجي، ويكفي القول إنه في مجال العلوم النووية فقط وصل عدد المتخصصين العراقيين ما بين 200 و 300 عالم، وهم متميزون بمكانتهم العلمية وخبرتهم وتفوقهم حيث تخرجوا من أكفأ المدارس العلمية الأمريكية والإنجليزية والروسية([12]).

وكانت الطموحات قد اتجهت نحو استحواذ الطاقة النووية، مع خطوات موازية لتحديث القوات المسلحة، ويشير التاريخ الوثائقي لهذه المرحلة، بأن العراق ارتبط مع مئتي شركة عالمية في مختلف الاختصاصات العسكرية والصناعية..

وإذا كنا نعيد إلى الذاكرة، بناء المفاعل النووي العراقي، قبل العام 1980، والذي قام العدو الصهيوني بتدميره في 7 حزيران من العام 1981، في ظل صمت الأنظمة العربية، وفي ظل العدوان الإيراني على العراق، ومترافقاً معه، نستعيد إلى الذاكرة أيضاً دلالات الحملة العدائية التي قادتها الولايات المتحدة الأميركية، في أوائل العام 1990، ضد العراق تحت ما يُسمى بخطورة «المدفع العملاق» الذي كان استكمالاً لمنظومة الصواريخ البعيدة المدى التي أنتجتها عقول الخبراء العراقيين والمصانع العراقية، التي أُطلق منها (39) صاروخاً ضد العدو الصهيوني في كانون الثاني من العام 1991، حيث صرَّح الرئيس صدام حسين، في حينه، قائلاً: «لقد أطلقنا تسعة وثلاثين صاروخاً ضد العدو الصهيوني، ونحن ننتظر الذي سيطلق الصاروخ الأربعين»(