|
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ |
|
الغزو الأمريكي للعراق... قراءة في البدايات! |
|
شبكة البصرة |
|
بقلم: تامر المصري* |
|
ـ أسباب الغزو: تباينت الأسباب الداعية إلى غزو العراق منذ أحداث سبتمبر عام 2001م، ما بين ظاهرية معلنة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها بريطاني، وأسباب واقعية غير معلنة، تتعلق بمصالح إستراتيجية للحلف الأنجلوأمريكي. ومن التسريبات التي تناولتها الصحافة قبل وبعد غزو العراق، إشارات واضحة تدلل على أن العراق سيكون المحطة الثانية في سلسلة الحرب بعد أفغانستان. فـ "لقد أحضر المجتمعون في مزرعة الرئيس بوش للتحضير لضرب أفغانستان، وهم (وزارة حرب بوش) أو المحافظون الجدد، العراق، بعد أن كانوا في الاجتماع يبحثون عن بلد أخر مع أفغانستان، كبوليصة تأمين في حال الفشل في أفغانستان نتيجة تجارب الدول الأخرى فيه مثل بريطانيا والسوفيت، لتحقيق نصر سريع وحاسم يضمن الدعم الداخلي والخارجي، وكان (ولفويتز) مساعد وزير الدفاع الأمريكي وعضو مجلس سياسات الدفاع في أثناء الاستراحة، يتكلم عن العراق كونه البلد الأمثل للباحثين عنه، فسمعه بوش وقال له لماذا لا تتكلم عن العراق في الاجتماع، فأحضروا العراق كمطفأة سجائر علي طاولة الاجتماع"[1]، دون أن يعلموا أن تلك المطفأة ستجبرهم فيما بعد على الإقلاع عن التدخين بتاتا. وبعد تفاعلات أحداث 11 سبتمبر 2001م عالمي، والنجاح النسبي، الذي حققه الغزو الأمريكي لأفغانستان، تصورت الإدارة الأمريكية أن لها التبريرات العسكرية والإسناد العالمي الكافي، لإزالة ما ادعته؛ مصادر الخطر على "أمن واستقرار العالم" في منطقة الشرق الأوسط، وأصبح واضحا منذ نهايات عام 2001م، أن الإدارة الأمريكية مصممة على الإطاحة بنظام الرئيس صدام حسين، واستبداله بنظام يورد مع الواردين في الحظيرة الأمريكية.
تنوعت الأسباب الأمريكية المعلنة، من الحرب على العراق، ومرت بمراحل التركيز على دافع يتلوه آخر، سعيا لتبرير الجريمة المخطط له، خصوصا بعد تزايد حجم المعارضة الشعبية العالمية والرسمية للحرب، التي لم تلق دعما دوليا كحرب "تحرير الكويت". وكانت أسباب الحرب تتلخص في البداية، في أن العراق يقوم بتصنيع وإنتاج "أسلحة الدمار الشامل"، والتي زعمت الولايات المتحدة أن امتلاك العراق لها يشكل خطرا على أمن وسلامة العالم! ورغم النفي المتكرر لبغداد بامتلاكها أسلحة دمار شامل، فإن الإدارة الأمريكية عجزت عن استيعاب ذلك وتصديقه، وكانت في ذلك تساير معلومات قيل لاحقا أنها كانت مضللة وغير دقيقة، وصلت عبر ما يسمى بـ "المعارضة العراقية" آنذاك وعلى رأسها أحمد الجلبي. وقد حاولت الولايات المتحدة ترويج هذه المعلومات عالمي، وبناء تحالف دولي عليها ضد العراق، وهو ما كانت جلسات مجلس الأمن الدولي في عامي 2002م وبداية 2003م، تضج به، فعمد وزير الخارجية الأمريكي حينذاك، كولن باول، إلى قيادة حملة الترويج تلك. فيما كان رئيس فريق التفتيش الدولي الخاص "بأسلحة الدمار الشامل العراقية"، هانز بليكس، قد أعلن عدم العثور على شيء من تلك الأسلحة المزعومة. وبعد الغزو قال مبعوث الرئيس الأمريكي للبحث عن أسلحة الدمار "ديفيد كي" في تقرير سلمه بتاريخ 3/10/2003م إلى الرئيس الأمريكي أنه "لم يتم العثور لحد الآن على أي اثر لأسلحة دمار شامل عراقية". وفي 12/1/2005م تم حل فريق التفتيش الخاص بأسلحة الدمار الشامل، بعد الإعلان عن عدم العثور عليها بالمطلق، وبالتالي ينتفي سبب من أسباب احتلال العراق. واللافت في تلك الفترة أن فريق هانز بليكس للتفتيش عن الأسلحة المزعومة لم ينه عمله في العراق بشكل رسمي، ولكنه انتهى بفعل الحرب. الشيء الذي انتقده الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون في مقابلة صحفية مع مجلة التايمز في يونيو عام 2004م، حينما فضل التريث في شن الحرب لحين استكمال فرق التفتيش عملها المطلوب.
وكان السبب الثاني للحرب، هو افتراض وجود صلة وثيقة بين الرئيس العراقي وتنظيم القاعدة، وهو ما كان غريبا جد، بحيث لا يمكن أن يقوم تحالف بين فكر قومي عربي يقوم على الاشتراكية البعثية الوحدوية، وفكر إسلاموي أصولي ينفي القومية أصلا ويكفرها. واللافت أيضا في هذا الادعاء هو استقاء المعلومات بشكل شبه كامل من جماعة المعارض السابق لحكم صدام حسين، والمحكوم عليه أيضا بأحكام قضائية عالية في الأردن بتهمة الاختلاس والسرقة، أحمد الجلبي. و"في 29 يوليو 2004 صدر تقرير من هيئة شُكلت من قبل مجلس الشيوخ لتقصي حقيقة الأمر نصت فيه: أنه بعد جهود حثيثة بذلتها الهيئة لم يتم التوصل إلى دليل ملموس يؤكد ارتباط صدام حسين بتنظيم القاعدة، وفي سبتمبر 2005م نفى كولن باول وجود أي علاقة بين الطرفين"[2]. أما السبب الثالث حسب التبرير الأمريكي لشن الحرب على العراق، فهو تحدي العراق لقرارات الشرعية الدولية، وعدم احترامه لمجلس الأمن بتهربه من الالتزام بتطبيق القرارات، وهو ما كان قولا شاذا بعض الشيء، لأن العراق حاول قدر المستطاع تفادي الحرب، ودمر ما تبقى لديه من صواريخ الصمود التي يزيد مداها عن 150كم، طبقا للقرار الدولي 687 الصادر في عام 1991م. "كما وافق العراق على القرار الدولي 1441 الصادر في نوفمبر عام 2002م"[3]، والذي ينص على عودة المفتشين الدوليين للعراق، وعلى إلزام العراق بالتعاون مع فرق التفتيش، وإلا فإنه سيتحمل "عواقب وخيمة". وقد التزم العراق بالقرار حتى أن فرق التفتيش كانت تزور بشكل مفاجئ المقار الحكومية المؤسساتية كالجامعات والوزارات، وهو ما لا يمكن أن تحتوي على مصانع للسلاح البيولوجي وغيره. كما وفر العراق للفرق كل اللقاءات مع العلماء العراقيين، دون تأخير، في محاولة لتجنب اصطدام دولي، وهو ما لم ينفع في منع الحرب، التي كان قرار شنها قد اتخذ أمريكيا ولمصالح أمريكية بحته. ويُسجل للدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الثلاث، فرنسا وروسيا والصين، أنها عارضت الحرب وطالبت بعدم تفسير ما جاء في القرار 1441 من "عواقب وخيمة" على أنه تفويض بشن حرب، وذلك لأن البند الرابع من المادة الثانية للقوانين الدولية، تنص على أنه "لا يحق لدولة عضو في الأمم المتحدة تهديد أو استعمال القوة ضد دولة ذات سيادة لأغراض غير أغراض الدفاع عن النفس".
وبعد الحرب تلاشت كل هذه الأسباب وبقي سبب واحد يردده الرئيس بوش كل حين، وهو التركيز على نشر الديمقراطية في العراق، والتخلص من النظام العراقي الذي كانت الإدارة الأمريكية تصفه "بالديكتاتوري". ومن المفارقات أن كلمة ديمقراطية تعني "حكم الشعب" وهو ما لا يمكن تخيل فرضه من الخارج، لأن الشعوب من عاداتها أن تتغير بنفسه، سواء بانتخابات أو حتى بانقلابات، وهو ما لم يحدث في العراق عام 2003م في كل الأحوال. واللافت أن العراق لم يزدهر ديمقراطيا أو علميا أو اقتصاديا أو ثقافيا في عهد الاحتلال، بل انفتح فيه وفقا للمراقبين باب الفتنة والتخلف القائم على التعصب المذهبي الطائفي، أو الحزبي المقيت. ويرى كثيرون أن عدد القتلى اليومي في العراق وفقدان الأمن وسبل العيش الكريم، من أهم نتائج "حرب التحرير" التي خاضها الرئيس بوش في العراق. وهناك سبب خامس يمكن أن يضاف هن، يتلخص في ما أعلنه الرئيس جورج بوش ذات مرة للصحفيين، حول دافع يؤكد عزمه على تغيير النظام العراقي، قائلا "إن صدام حسين حاول اغتيال والدي"، الشيء الذي يتماهى مع الترويج الإعلامي بأن الرئيس العراقي السابق حاول اغتيال الرئيس جورج بوش الأب، أثناء زيارة الأخير للكويت عام 1993م، وهو أمر عجيب يتنافى مع الأعراف والمواثيق الدولية، التي لم تشهد أن تؤخذ دولة بالعدوان والاحتلال من قبل دولة أخرى، لمجرد دافع ثأري شخصي موهوم وغير مؤكد، لرئيس دولتها.
أما عن الأسباب غير المعلنة أمريكيا في حملتها لغزو العراق، فهو السيطرة على النفط، وحماية إسرائيل، والتمتع بالموقع الاستراتيجي للعراق. وحول النفط فإن الدكتور زكريا البرادعي يصنف في كتابه "الإنسان والطاقة" الصادر عام 1996م في القاهرة، أهمية النفط العربي بالنسبة لأمريكا وحروبه، فيقول: "نجد تفسيرا بتروليا للتدخل الأمريكي والدول الصناعية الكبرى من أجـل السيطرة المباشرة علي منابع إمدادات البترول في الخليج، فاحتياطي البترول الأمريكي 34.1 مليار، وطبقا لمعدلات الاستهلاك فإنه سينضب تماما مع مطلع القرن الواحد والعشرين أي بعد أربع سنوات في عام 2000م"[4]. فيما الحقائق تشير أن العراق يعتبر مركزا نفطيا مغري، نظرا لما يحظى به من احتياطي نفطي، بالمقارنة مع دول المنطقة.
فقد عمدت الإدارات الأمريكية إلى توقيع اتفاقيات مع دول الخليج العربي فيما عدا العراق العربي وإيران الفارسية، ولم يبق أمامها سوى العراق وإيران، لتكتمل سيطرتها علي الكعكة البترولية، لذا جاء احتلال العراق. فيما تبقى إيران تتمتع بجو من التفاهم بحكم أنها "حالة خاصة" مع أمريكا رغم الأجواء المشحونة بينهما. حتى أن الغزو الأمريكي لأفغانستان، فإنه لم يأتِ مجردا من أسباب "الحذر والتخوف" تتجاوز محاربة الإرهاب والقاعدة، لأنها تتداخل في الأمن الاقتصادي للولايات المتحدة، فوجود القوات الأمريكية في أفغانستان يجعلها قريبة من الاحتياطي البترولي الضخم في دول القوقاز، المنفصلة عن الاتحاد السوفيتي عام 1990م. ومن الأسباب الحقيقية لغزو العراق أيض، تقديم الحماية اللازمة لإسرائيل حسب ما يعتقد مراقبون، وما يدلل على ذلك، الخطوة الإسرائيلية المباشرة بعد سقوط بغداد عام 2003م، بتخفيض ميزانية وزارة الدفاع الإسرائيلية نظرا لزوال خطر يشكل تهديدا عليها. ناهيك عن الدعم الإسرائيلي لأمريكا وتشجيعها الرئيس بوش على ضرب العراق، ما قد يسهل الوصول إلى تسوية أقل كلفة مع الفلسطينيين الذين تلقوا دعما متواصلا من العراق على مدار تاريخه الحديث، حتى وقت الحصار، بل إن حرب عام 1991م، وحصار العراق، كانت سببا معجلا يفصح عنه محللون عرب، في سر تحول الفلسطينيين عن خيار الكفاح المسلح إلى خيار الاندماج في مؤتمر مدريد للسلام.
ومن العوامل التي تحفز أمريكا على غزو العراق والسيطرة عليه، هو التنافس الدولي المتصاعد في السنوات الأخيرة، للدخول في عالم متعدد الأقطاب. فوجود أمريكا في العراق يساعدها على الإحـاطة بالصين وروسيا، بسور من القواعد الأمريكية يمتد من أفغانستان ليشمل الخليج العربي والعراق وإيران (إن تيسر ذلك)، فيكتمل بناء السور الوهمي، وبذلك يتحقق هدفان: الأول أن تكون مناطق البترول بما تملكه من احتياطيات بترولية ضخمة تحت سيطرة النظام الأمريكي، سواء شرق الخليج العربي أو غربه، وهو ما يتنافى مع المبادئ التي تنادي بها الولايات المتحدة، كما يمكن بذلك حرمان الصين وروسيا بل ودول أوروبا من الطاقة النفطية. والهدف الثاني هو مراقبة النظام الأمريكي لما يوصف "بالتنين الأصفر" الصيني، والوقوف بوجه الروس من النهوض ثانية، ولعل هذا ما يفسر تباين الموقفين الروسي والصيني على وجه الخصوص من قضايا كبرى، كاحتلال العراق في هذا المقام، عن موقف الولايات المتحدة. ولا تخلو عمليات التجارة الدولية ذات الطابع الاحتكاري لرجال الأعمال الأمريكيين، من هدف ضرب العراق واحتلال ونهب ثرواته الطبيعية، وهو ما كشفت عنه بعض المصادر الصحفية، فيما بعد. "فقبل انتخاب جورج و. بوش كرئيس للولايات المتحدة قام ديك تشيني و دونالد رامسفيلد و پول ولفويتز بكتابة مذكرة تحت عنوان (إعادة بناء القدرات الدفاعية للولايات المتحدة) في سبتمبر 2000م أي قبل عام من أحداث سبتمبر 2001م، وورد في هذه المذكرة ما معناه: أنه بالرغم من الخلافات مع نظام صدام حسين، والذي يستدعي تواجدا أمريكيا في منطقة الخليج العربي، إلا أن أهمية وأسباب التواجد الأمريكي في المنطقة تفوق سبب وجود صدام حسين في السلطة"[5].
وعن ائتلاف الحرب، فقد "كان تحالفا للراغبين"، إذ قادت الولايات المتحدة الحرب دون مرجعية دولية، تستظل بها بقرار من مجلس الأمن أو الأمم المتحدة، وجاوز عدد جنود الائتلاف 300،000 جندي، أكثر من 80% منهم من القوات الأمريكية. وضم التحالف 49 دولة، منها من أرسل الجنود أو المساعدات الخدماتية أو الفنيين أو قدم الدعم اللوجستي والسياسي والمعنوي. ومن أبرز الدول الداعمة لغزو العراق إلى جانب الولايات المتحدة كل من بريطاني، وايطاليا واسبانيا واستراليا وكوريا الجنوبية واليابان والفلبين والدنمارك. فيما عاندت قرار شن الحرب بشكل انفرادي دون تفويض أممي، كل من ألمانيا وفرنسا وروسيا والصين وتركيا. وشهدت العديد من المدن والعواصم العالمية تظاهرات حاشدة منددة بالحرب، فيما توافد على العراق الكثيرون ممن وصفوا أنفسهم دروعا بشرية ضد الغزو. وعلى الجانب العربي، كانت الكويت هي الدولة العربية الوحيدة الداعمة علنا للحرب، في وقت كانت فيه مواقف الدول العربية الأخرى، وحسب تسريبات أمريكية متباينة، ما بين مؤيد بشكل سري، أو خائف من عواقب الحرب، أو رافض لها.
ـ منطلقات ايدولوجية تدفع للحرب: لم يكن لأحد من رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية، ليجرؤ على اتخاذ قرار بشن حرب على دولة، دونما مرجعية دولية، أو تفويض شعبي تقتضيه ضرورات حماية السيادة والدفاع عن النفس. ويجمع الكثيرون على أن إدارة الرئيس جورج دبليو بوش، كانت صانعة حدث فيما يتعلق بتقرير مصائر شعوب، وتغيير خرائط سياسية موجودة على الأرض. وهو ما يجعل نفس الإدارة تتحمل نتيجة ما يوصف بالفشل الكبير في إنتاج حالة ديمقراطية مأمولة، من خلال اندفاعها العسكري في العراق. ما يقتضي القول أنها قد زعزعت استقرار منطقة الشرق الأوسط عموم، بدلا من المساهمة في استقرارها. وهو ما تجلى سابقا بانحيازها الواضح نحو طرف ضد آخر في الصراع العربي الإسرائيلي، الشيء الذي ساعد على تفجير المنطقة.
يقول كميل نوفل، الذي عمل مترجما للبيت الأبيض لأكثر من ربع قرن، منذ عهد الرئيس أيزنهاور إلى عهد الرئيس فورد، في لقاء له مع صحيفة المستقبل اللبنانية أُجري معه خلال العمليات العسكرية ضد العراق عام 2003م، "أن أحدا من الرؤساء الأميركيين الذين عاصرهم، لم يكن ليورط أميركا بهذه الحرب التي يخوضها بوش الابن ضد العراق"[6]. وعلى عكس بعض الرؤساء الأمريكيين الذين مارسوا السياسة الخارجية على أساس القيم والمبادئ الأميركية التقليدية مثل الرئيسين روزفلت وأيزنهاور، فإن حروب بوش في الألفية الجديدة، استندت إلى اندفاع قائم على المصلحة والزهو بالقوة العسكرية، وهو ما جعل من الرجل غير مرغوب به عالميا في أي مكان يحط به زائر، حتى أن حرق العلم الأمريكي صار تقليدا متبعا في العديد من البلدان التي ترى في المظاهرات تعبيرا عن غضبها على بوش. ما جعل بعض المحبين لأمريكا والمنغمسين في حضارتها يتحسرون على سمعة أمريك، كما يفعل كميل نوفل الذي يقول: " يؤسفني أن تصبح سمعة أميركا روزفلت وأيزنهاور اللذين عملا على بناء أسس الديمقراطية الحقة فيها، أن تتشوه وتصبح أميركا القتل والتدمير والتهجير... إن الرؤساء الأميركيين الذين عملت معهم، كالرئيس أيزنهاور والرئيس كنيدي وجونسون ونيكسون وفورد، لو كانوا في هذا الظرف، لما كانوا ورطوا أميركا في عملية كالتي نراها جارية حاليا... أنا أعتقد أن أياً من الرؤساء الأميركيين، لم يكن ليُقْدِم على حرب كهذه التي يخوضها بوش الابن، فالرئيس كلينتون كان أبقى على فرض الحصار، أو العقوبات الاقتصادية على العراق من دون أن يدخل في حرب. ولهذا لم يقم كلينتون خلال مدة رئاسته على امتداد ولايتين على خوض هذه الحرب، وأعتقد أن آل غور لو وصل إلى الرئاسة بعد كلينتون لما أعلن هذه الحرب"[7].
واللافت في الظهور السياسي لجورج بوش كرئيس، هو ميله الواضح نحو توظيف توجهاته الدينية في خطابه الجماهيري، وتصوير قراراته على أنها مستندة إلى مرجع ديني. فيما يثبت في جدلية تداخل الدين في السياسة الأمريكية، أن جيمي كارتر كان أول رئيس يصف نفسه بأنه مسيحي مولود من جديد للمرة الثانية، لكنه كان حذرا من أن يُقحم الدين في خطابات الرئاسة. وعلى غرار الرئيس جيمي كارتر، فإن الرئيس رونالد ريغان والرئيس بيل كلينتون استشهدا ببعض المقاطع المقدسة من وقت لآخر في الخطابات العامة، لكن استشهادهما كان في الحدود النموذجية المألوفة، ولم يكن ذلك الاستشهاد محورا مركزيا للهدف الذي يسعون إلى تحقيقه. بيد أن توظيف بوش للدين في شن حربه ضد العراق، كان أمرا مستغرب، إذ "لم يُخفِ الرئيس جورج بوش أثناء حملته الانتخابية للرئاسة الأمريكية الأولى توجهاته الدينية عندما أعلن في كثير من المواقف أن المسيح كان الفيلسوف السياسي الذي كان له أكبر التأثير عليه، وأن المسيح كان السبب في تغيير توجهاته. وبعد أن أصبح بوش رئيس، أضحى يحشو خطبه بالمراجع والشواهد الدينية، التي رأت فيها الكنيسة الإنجيلية التي ينتمي إليها كثيرا من النغمات والإقناع، لكنه عندما يتحدث عن حربه ضد العراق، فإن البعض يرى أن في خطبه نغمة حماسية استخدم فيها الدين بمعيار كبير، مما استدعى ضده نقدا جارحا من أوروبا العلمانية، ومن الأمريكيين الذين لم يأنسوا بتضرعه الديني في معركته ضد العراق"[8].
في خطاب بوش السنوي الموجه للاتحاد في يناير عام 2003م، نجد أنه ضم بشكل واضح شواهد دينية أكثر من ذي قبل، فعندما تحدث عن القوة الأمريكية العجيبة المنبثقة من عقيدته، استعار مقاطع من الترنيمة الإنجيلية الشعبية المعروفة. ومن المؤكد أنه أراد في استعمال هذه المقاطع إعطاء خطبه رنينا معهودا لدى الأسقفية البروتستانتية. وعلى صعيد متصل، لا يمكن إغفال دور أحداث سبتمبر عام 2001م، بكل تأثيراتها السلبية، من إشعال جذوة فكر اليمين المتطرف وإظهاره إلى العلن. وهو ما رافقه ميل أمريكي غير من مسبوق من ذي قبل، نحو التحيز لإسرائيل دون العرب، ليترجم بوش هذا الميل في أوضح صوره، "فثمة دافع شخصي للرئيس بوش يتمثل في قناعته الدينية التي ترتكز على تفسير ما ورد في العهد القديم (التوراة) وفي سفر الرؤية في العهد الجديد، لناحية ما يتعلق بعودة المسيح إلى العالم. فالرئيس بوش الذي يعتبر نفسه مسيحيا مولودا ولادة جديدة، يعتقد بأن "إسرائيل"، واستنادا إلى تفسيره وتفسير أمثاله من المسيحيين الإنجيليين الأصوليين، ستلعب دورا كبيرا ومهما تمهيدا لمجيء المسيح الثاني أو المسيح المنتظر من قبل اليهود. ومن هنا نفهم لماذا قال بوش إن شارون رجل سلام"[9]. وتعود جذور قناعة الرئيس بوش وإيمانه هذ، إلى العام 1984، حين كان المبشر الإنجيلي المعروف "بيلي غرايم" في زيارة لبوش الأب في أحد منتجعاتهم في ولاية ماين. وقد جرى آنذاك حديث بين بوش الابن والمبشر حول السلوك المسيحي الصحيح. مما أثر على قناعات بوش الابن، ودفعه على التصميم من أجل تغيير نمط حياته، بحيث يصبح ملتزما بالتعاليم المسيحية. فأقلع عن التدخين وعن شرب الكحول وعن كل التصرفات، التي يعتقد أنها قد تسيء إلى أخلاقه متبنيا عقيدة أصولية، لا تقبلها الأكثرية الساحقة من مسيحيي الولايات المتحدة، سواء أكانوا بروتستانت أو إنجيليين أو كاثوليك.
ـ العمليات العسكرية: بعد مضي ثلاثة أسابيع من الحملة العسكرية التي شنها "تحالف الراغبين" بقيادة الولايات المتحدة، تمكنت القوات المهاجمة جوا وبر، من احتلال العراق بالكامل، ودخول بغداد في 9/4/2003م. ليعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش في الأول من مايو من على ظهر الحاملة "ابراهام لينكولن"، الراسية حينذاك قبالة ساحل كاليفورنيا في طريقها إلى "سان دييغو" قبل العودة إلى مقرها في "افريت" بولاية واشنطن، أن "المرحلة القتالية في العراق قد انتهت وحان الوقت الآن كي تركِّز القوات الأميركية على أمن العراق وإعادة بنائه"[10]. غير أن العمليات الكبرى كانت قد انتهت فعليا قبل ذلك، أي يوم سقوط بغداد، حينما أعلن الجيش الأمريكي نفسه منتصر، في ذات اللحظة التي "رفع فيها الأمريكيون علم بلادهم، بعد أن أسقطت دبابة أمريكية تمثال الرئيس العراقي الراحل، صدام حسين، في ساحة الفردوس أمام فندقي فلسطين مريديان وعشتار شيراتون وسط العاصمة بغداد"[11].
وكانت العمليات العسكرية، قد بدأت فجر يوم العشرين من مارس، بتوجيه 40 صاروخ "كروز" فيما سمي وقتها بـ "ضربة الفرصة"، إلى مواقع رئاسية كانت القوات الأمريكية تتوقع وجود الرئيس العراقي الراحل بداخلها في العاصمة بغداد. ليعلن الرئيس الأمريكي مباشرة في خطاب مقتضب إلى الشعب الأمريكي، بدء العمليات العسكرية "لتحرير العراق ونزع أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها"، قائلا "إن ما يقوم به الجنود الأمريكيون في الوقت الحالي هو لمنع حدوث كوارث في المدن الأمريكية في المستقبل... إن الحرب تهدف إلى إزالة خطر يجنب العالم مآسي...إن الحرب قد تكون أطول وأصعب مما يتصور البعض... نحن والجميع نصلي للرب كي يحفظ جنود بلادنا، وأن يعيدهم سالمين"[12]. وفي المقابل وجه الرئيس العراقي صدام حسين كلمة حماسية إلى الشعب العراقي وظف فيها آيات من القرآن الكريم، وأبيات شعر من نظمه الشخصي، وذلك في نفس الساعة التي ظهر بها الرئيس الأمريكي يخاطب شعبه، داعيا فيها العراقيين إلى الصمود ومواجهة الغزاة، مشددا "لا أريد أن اكرر ما ينبغي وما يجب فعله، دفاعا عن الوطن الغالي والمبادئ والمقدسات"[13].
وفي اليوم الأول للحرب، "قال مسئولون أمريكيون إن الطائرات الأمريكية قصفت ما لا يقل عن سبعة مواقع في الجنوب والغرب من العراق، بما في ذلك 10 أنظمة مدفعية على مرمى القوات الأمريكية والبريطانية وبطارية صواريخ جوـ جو. وقد ردت الدفاعات العراقية في بغداد بإطلاق نيران كثيفة من المدفعية المضادة للطائرات بينما دوت صفارات الإنذار في أجواء العاصمة لتحذر المواطنين من الغارات، أعقبها دوي انفجارات سمعت في ضواحي العاصمة"[14]. كما عبرت قوات المارينز البريطانية الحدود العراقية من الكويت، وقامت بتنفيذ عمليات في شبه جزيرة الفاو، في حين قصفت الفرقة الثالثة التابعة لمشاة الجيش الأمريكي، مواقع عبر الحدود في جنوب العراق. واستهدفت موجة من الغارات الجوية الأمريكية أهدافا في العاصمة العراقية، في حي كرادة مريم القريب من القصر الجمهوري، ما أدى إلى تدمير مبني وزارة التخطيط ووزارة الخارجية القريبة من جسر الجمهورية في مركز بغداد كما أصيب مكتب نائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز.
وقد فاجأ ميناء أم قصر العراقي الصغير جنوب البلاد، القوات الأمريكية بمقاومة عنيفة، استمرت لفترة قاربت الأسبوعين، ما أدى إلى توقع المراقبين بإطالة أمد الحرب، وهو ما كان يراهن عليه العراق، أملا في تحرك شعبي ورسمي دولي يوقف الحرب، وينتهي إلى تولي الأمم المتحدة حل الأزمة، إلا أن الطموح العراقي لم يتحقق. فقد توغلت الدبابات الأمريكية في الصحراء العراقية متحاشية المرور بالمحافظات الرئيسية في طريقها تجنبا منها لحرب المدن، وفي 27 مارس 2003 "أبطات العواصف الرملية التقدم السريع للقوات الأمريكية"[15]. وواجهت القوات المهاجمة مقاومة شرسة من الجيش العراقي بالقرب من منطقة الكِفل الواقعة قرب النجف و الكوفة، و أثناء هذه الأحداث في وسط العراق وبعد أن تصور جميع المراقبين أن الجنوب العراقي أصبح تحت سيطرة القوات البريطانية، نقلت شاشات التلفزيون العراقية مشاهدا لمقاومة شرسة في أقصى الجنوب بالقرب من ميناء أم قصر.
وقد فشلت المراهنات الأمريكية البريطانية على إحداث ثورة شعبية ضد الحكومة العراقية، أثناء العمليات العسكرية، رغم ما كانت تلقيه الطائرات الحربية من منشورات تشجع العراقيين على ذلك، خصوصا في مدن الجنوب. وخاضت القوات البريطانية معركة مع الجيش العراقي في البصرة تعتبر الأصعب للجيش البريطاني منذ الحرب العالمية الثانية، إلى أن تمكن البريطانيون من دخول البصرة في 27/3/2003م. وتحسبا منها لخطوة عراقية، تبدأ بإحراق آبار النفط، وتنتهي بتدمير الحقول النفطية في الجنوب، قامت القوات البريطانية بمساعدة القوات الاسترالية بإحكام سيطرتها على حقول نفط الرُميلة و أم قصر و شبه جزيرة الفاو، منذ أن تسنى لها ذلك بعد مرور عدة أيام على بداية المعارك. وفي الوقت الذي تواصلت فيه المعارك في مدن الجنوب بإشراف القوات البريطانية، منطلقةً من الكويت، فإنها وجدت مقاومة شديدة تتفاوت قوتها من مدينة إلى أخرى، حتى أن بعض المدن قد صمد حتى النهاية، أي إلى يوم سقوط بغداد، الذي أثر كثيرا على معنويات الجند، كما حدث في مدينة العمارة، التي انهارت ودخلتها القوات البريطانية يوم التاسع من نيسان وهو يوم سقوط بغداد.
|