|
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ |
|
ضد اللاعقلانية في الواقع العربي |
|
شبكة البصرة |
|
بقلم: اسماعيل أبو البندورة |
|
الحديث عن الكليات في الواقع الفكري والسياسي العربي الراهن ليس بالضرورة
حديثاً في العموميات التي تخفي المواقف والتفاصيل والمفردات الواضحة، لا بل ان
الحديث عن الكليات هو تعميق وتوحيد للقضايا والاشكاليات في منظومات جامعة
وقادرة على التقاط الجوهري والرئيس حتى يصار الى فهم القضايا الكبرى من خلال
مساحة واسعة من الافكار العريضة والمركبة التي تحدد العناصر الرئيسية في
الاشكاليات ولا تهتم او لا تأخذها الجزئيات الى مدارها ليصبح التحليل ملاحقة
مضنية للفراشات الفكرية على حساب ما يحصل في الساحة وعلى ارض الواقع.
والامر عندنا انه عندما يقال للكاتب والمفكر انك تقدم عموميات فانه يراد بشكل
آخر ان يقال له انك تعقد وتعمم المسائل او انك تهرب من مواجهة الحقائق او انك
تدخلها في مدارات واسعة وغامضة وفضفاضة تجعلك في مأمن من اشتقاق المواقف
المباشرة والواضحة او تتيح للمتلقي ان يفهم كلامك ويؤوّله كما يريد، لصالح
الفكرة وضدها في آن واحد.
واعتقد ان هذه واحدة من المغالطات ومزالق الفكر او هي من تجليات الفكر السطحي
واليومي الذي يلاحق الطارئ ويراه بديلاً عن الثابت ويرى الفكر برقيات تتلى على
عجل ومواقف طيارة لا تلبث ان تتغير في كل لحظة ومع كل طارئ.
فالواقع المركب مثل الواقع العربي الراهن المركب والمتماوج والمتلاطم يحتاج الى
افكار مركبة توازيه وتحدد اشكالياته ولا يجوز في حاله وواقعه الراهن ان تجزأ
فيه القضايا وتتذرر التحليلات فتغيب القضايا الكبرى لصالح الصّغرى وتبعد الفكر
الحقيقي والعميق عن ايصال كلياته الى العقل او جعلها افكاراً ارشادية لواقع
مملوء بالتفاصيل والمفردات او مرجعيات يستمد منها هذا الواقع حقائقه ومناهجه في
رؤية الاحداث فلا يعود الواقع مفتوح الاطراف والدلالات على عواهنها او كما
يريدها الفكر التجزيئي والتفتيتي والتفكيكي واقعاً مفتوحاً للتجارب والرهانات
والتمارين الفكرية المختلفة.
ان ضبط لاعقلانية الواقع العربي الراهن لا تتم الا من خلال عقلانية فائرة
تحكمها كليات ومرجعيات تأسيسية ومكوّنة لعقل جديد لا من خلال فكر يومي غير
معقلن يريد ان يغطي الواقع بتفاصيله ومفرداته ويفرض اكراهات ويخلق عماءات جديدة
في لحظة تاريخية مرتبكة تنذر بأخطر النتائج.
الكليات التي نريد، ونراها نقيضاً للعموميات والتعميمات حتى هي النماذج الفكرية
الارشادية التي تنير مسارات التاريخ والواقع وتجعل اي واقع مضبوطاً بالفكر
ودقته وصرامته ولا تجعله نهباً للطفولة الفكرية والرهانات والتجارب المختلفة،
وعن هذا الطريق يستطيع هذا الواقع ان يرى ازماته بصورة عميقة ومختلفة ويقدر على
اشتقاق الدروب الجديدة التي يمكن ان توصله الى نتائج حاسمة والخلاص من انحساره
وانسداده وافتتاح آفاق جديدة لتطوره، وتغيير عناصره الارتكاسية والنكوصية لصالح
العناصر الايجابية والحافزة والنهضوية.
وضبط الواقع المشظى بالكليات المتماسكة هو مفتاح الانتظام في دائرة عقلانية
تريد لواقع يقف على رأسه ان يعود للوقوف على رجليه، وهي من بين وسائل كثيرة
لمواجهة الموجة التفكيكية العارمة التي تريد ان تصل الى كل العقائد وتحولها الى
شظايا فكرية او افكار ومفردات مبعثرة لا يضبطها ضابط وتجعل الايماءات
الاستعمارية الكامنة وراء هذه التفكيكية تصل بسهولة الى عقل وواقع بسيط ينبهر
بالفراشات التي تطلقها مثل هذه القوى الافتراسية المتلاعبة بالعقول توطئة
لتهميشها وابعادها عن قضاياها الكبرى والحقيقية.
ان العودة الى المبادئ والعقاٌّئد الكبرى في وطننا العربي هي من ابرز عناصر
ثقافة المقاومة والممانعة التي ندعو لها في المرحلة العربية الراهنة، وان
مباشرتنا لتحديد كليات ومرجعيات ونماذج فكرية ارشادية نرتكن اليها في رؤية
واقعنا المشظى هي من بين الوسائل المؤثرة التي تجعلنا نعي واقعنا وعياً حقيقياً
فنراه بعيوننا لا بعيون الغير وايحاءاتهم واسقاطاتهم الفكرية المتنوعة.
ان ما جعل واقعنا العربي نهباً للمحاولات الفكرية الاستتباعية والاستنقاعية هو
هذا الاغفال لدور التعمية وغسل العقول والتلاعب بها وضخ شطحات وموضات فكرية في
واقع ممزق وتعميم وفرض ثقافة الصورة واسقاط ثقافة الكلمة، والابهار الاعلامي
مترافقاً مع عمر سياسي واخلاقي، كل ذلك تجمع في لحظة واحدة ليخلق واقعاً عربياً
قابلاً بالاستعمار وراضياً عن ممارساته او لا مبالياً ازاءه.
وهناك الآن استباحة لأمة ولواقع عربي عاجز يفتقد الى يقينياته وحتى بديهياته
وغياب كامل لكلياته ومرجعياته الضابطة لحركته التاريخية واستمراره الاجتماعي او
اننا كما تقول الآية الكريمة في ضلال مبين، وعماء سياسي وفكري هو قرين الموت
السياسي والفكري.
اننا نقدر الآن ان نغير الوقائع وهذه الفواجع باشتقاق كليات ومرجعيات نواجه بها
التفتيت والتفكيك الاستعماري وهي دعوة دائمة لاعادة بناء العقل العربي بطريقة
نهضوية وتنويرية لمواجهة تحديات الموت او الاستنقاع. |
|
شبكة البصرة
|
|
الثلاثاء 23 ربيع الثاني 1429 / 29 نيسان
2008 |
|
يرجى الاشارة الى
شبكة البصرة
عند اعادة النشر او الاقتباس |